Transcription
بدأت جذور شعب البوير في منتصف القرن السابع عشر عند الطرف الجنوبي من قارة أفريقيا. ففي عام 1652، أسس الهولندي يان فان ريبك مستوطنة تابعة لشركة الهند الشرقية الهولندية في رأس الرجاء الصالح لتكون محطة تزويد للسفن في طريقها إلى آسيا. جذبت المستعمرة مزارعين هولنديين، وسرعان ما استقروا حول كيب تاون وزرعوا الأراضي لتزويد حامية الشركة بالمواد الغذائية.
وفي العقود اللاحقة، توسعت المستوطنة مع وصول مهاجرين جدد. ومن أبرزهم عائلات الهوغونوت الفرنسيين الذين هربوا من الاضطهاد الديني في أوروبا واستقروا في الكاب في عام 1688. وعلى الرغم من اندماجهم التدريجي في المجتمع الهولندي المحلي، ساهم هؤلاء في تعزيز الطابع الكالفيني البروتستانتي للمستعمرة وتقاليدها الزراعية. كما أدخلوا خبراتهم في زراعة الكرمة وإنتاج النبيذ.
وقد وُصف مجتمع المستوطنين في تلك الحقبة بأنه مجتمع ريفي متدين ومنعزل نسبيًا، حيث عاش المزارعون أو البوير (والتي تعني المزارعين باللغة الهولندية) على مسافات متباعدة عن المزارع والبوادي، مما رسخ بينهم قيم الاستقلالية والاعتماد على النفس. وشجعهم على تشكيل فرق ميليشيا محلية سميت بالكوماندوز للدفاع عن أنفسهم في مواجهة أي أخطار محتملة من المناطق النائية.
ومع مرور الوقت، تكونت لدى هؤلاء المستوطنين هوية ثقافية ولغة خاصة بهم مميزة عن اللغة الهولندية الأم. فقد تطورت تدريجيًا لغة جديدة هي لغة الأفريكانز، والتي مزجت الهولندية بعناصر من لغات أوروبية أخرى ومع اللغة المستعمرة المحلية، حتى أصبحت لغة التخاطب اليومية لهؤلاء المزارعين.
بحلول القرن التاسع عشر، ومنذ السنوات الأولى للتوسع خارج كيب تاون، واجه المزارعون الهولنديون السكان الأصليين في منطقة الكاب من الخوي خوي والسان. فوقعت اشتباكات بينهم نتيجة التنافس على المراعي ومصادر المياه. كثيرًا ما لجأ المستوطنون إلى القتال المنظم والمداهمات المسلحة لحماية قطعانهم ومزارعهم، فيما قاوم السكان الأصليون دفاعًا عن أراضيهم التقليدية. ونشأ نتيجة ذلك سلسلة من الصراعات عرفت تاريخيًا باسم حروب الحدود.
كما اعتمد المستوطنون تدريجيًا على استقدام أعداد من الأهالي أو استخدام عبيد من مستعمرات أخرى كإندونيسيا وموزمبيق للقيام بأعمال الزراعة والرعي، ما ساهم في ترسيخ نظام اجتماعي عنصري مبكر في المستعمرة يقوم على تفرقة البيض الأحرار عن العمال المستعبدين والسكان الأصليين. ورغم قلة عدد المستوطنين الأوروبيين نسبيًا، حيث لم يتجاوزوا بضعة آلاف في القرن الثامن عشر، تمكن هؤلاء بفضل تفوقهم التقني وتنظيمهم العسكري من فرض سيطرتهم على منطقة الكاب وتوسيع حدودها تدريجيًا نحو الشرق والشمال.
مع نهاية القرن الثامن عشر، تغيرت الأوضاع السياسية في رأس الرجاء الصالح تغيرا جذريًا. فقد اندلعت حروب نابليون في أوروبا، واحتلت بريطانيا في عام 1795 مستعمرة الكاب للمرة الأولى لمنع الفرنسيين من السيطرة عليها. وعلى الرغم من إعادة الكاب مؤقتًا إلى الهولنديين في عام 1803، عاود البريطانيون احتلاله لها نهائيًا في عام 1806 وحولوها إلى مستعمرة تابعة للتاج البريطاني بموجب اتفاقيات عام 1814.
أدى انتقال الحكم إلى بريطانيا إلى فرض تغييرات سياسية واجتماعية واقتصادية جوهرية، شعر معها المزارعون الهولنديون أو البوير بأن أسلوب حياتهم ومصالحهم باتت مهددة. فقد اعتمدت الإدارة البريطانية سياسة جديدة تهدف إلى تحديث المستعمرة ودمجها في المنظومة الاستعمارية البريطانية. فأدخلت اللغة الإنجليزية كلغة رسمية محل الهولندية في المحاكم في عام 1827، وأُلغيت أساليب العدالة الزراعية التقليدية التي اعتاد عليها البوير.
لكن أخطر تلك التغييرات تمثل في توجيه بريطانيا إلى إبطال نظام العبودية والتمييز العرقي الذي اعتمد عليه اقتصاد مزارع البوير. ففي عام 1833، صدر قرار البرلمان البريطاني بتحرير العبيد في جميع مستعمرات الإمبراطورية، ونُفذ قانون في الكاب في عام 1834، مما أثار سخطًا شديدًا بين المزارعين البوير، والذين كانوا يملكون ما يقارب 55,000 من العبيد.
لم يكن اعتراضهم ناجماً عن خسارتهم لقوة العمل المجانية فحسب، بل أيضاً لاعتراضهم المبدئي على سياسة المساواة أمام القانون التي انتهجها البريطانيون تجاه السكان من غير البيض، حيث شعر البوير أن الإدارة الاستعمارية الجديدة تقوض الامتيازات العرقية والاجتماعية التي اعتبروها حقًا مكتسبًا لهم ولأجيالهم.
وأمام هذه التحولات غير المرغوبة، تعاظمت نقمة قطاعات واسعة من البوير على الحكم البريطاني. وبحلول أواخر ثلاثينات القرن التاسع عشر، قررت مجموعة كبيرة من عائلات البوير النزوح جماعيًا من مستعمرة الكاب بحثًا عن أوطان جديدة يستطيعون فيها العيش بحرية وفق تقاليدهم الخاصة بعيدًا عن سلطة الإنجليز. عرفت هذه الحركة باسم الرحلة الكبرى وشكلت نقطة مفصلية في تاريخ البوير وجنوب أفريقيا عمومًا.
بدأ البوير الرحل بالخروج على دفعات من الكاب من عام 1835، متجهين شمالًا وشرقًا بالآلاف مع عائلاتهم ومتاعهم ومواشيهم عبر عربات تجرها الثيران. وقد عبر الزعيم بيت ريتيف، والذي أصبح متحدثًا باسم المهاجرين البوير، عن أهداف هذا النزوح الجماعي ومظلومية البوير من الحكم البريطاني في وثيقة شهيرة صدرت في بداية عام 1837، قبل أن يقود أحد أفواج الرحلة.
وجاء في البيان: "إننا نقنط من إنقاذ مستعمرة الكاب من تلك الشرور التي تهددها بسبب سلوك المتشردين الأجوج وغير النزيه، والذين يسمح لهم بإقلاق راحة البلاد في كل انحائها، ولا نرى أي بارقة سلام أو طمأنينة لأبنائنا في أرض تعصف بها الفتن الداخلية. إننا نتذمر من نهب ممتلكاتنا بشكل مستمر منذ سنين على أيدي الأهالي أو الكفار وغيرهم من الملونين، ولا سيما الغزو الأخير الذي دمر المناطق الحدودية وأفلس معظم السكان. إننا اليوم نغادر وطننا المعطاء الذي ولدنا فيه وتكبدنا فيه أفدح الخسائر وعانينا مضايقات لا تحتمل، ونوشك أن ندخل أرضًا غريبة خطرة، ولكننا نمضي ونحن على إيمان راسخ بإله كلي القدرة والعدل والرحمة سنظل دائمًا نخشاه ونسعى في طاعته".
تعكس كلمات ريتيف هذه شعور البوير بأنهم مظلومون ومضطهدون في ظل الحكم البريطاني. برروا هجرتهم بأنها تسعى لتأسيس مجتمع جديد يحفظ لهم دينهم ولغتهم وحريتهم دون تدخل خارجي. كما توضح اعتمادهم على مبررات دينية في هذا المسعى، حيث اعتبروا رحيلهم نوعًا من الهجرة الجماعية تحت عناية الرب، على غرار ما فعله قوم النبي موسى في العهد القديم. وهي النظرة التي رافقت البوير في سنواتهم التالية ورسمت تصورهم لأنفسهم كشعب مختار قدره إقامة دولة حرة في أرض جديدة.
شقت قوافل بوير طريقها عبر نهر الأورنج إلى عمق البلاد، وواجهت في رحلتها الطويلة أخطارًا ومصاعب جمة. فإلى جانب مشقة قطع مئات الكيلومترات في أراضٍ برية غير مأهولة بالمستعمرين، اصطدم البوير منذ مراحل مبكرة بقبائل أفريقية قوية كانت تسيطر على المناطق الداخلية. وفي الشمال الشرقي، واجهتهم مملكة نيديبيلي بقيادة الملك القوي موسي كاتسي، الذي كان قد بسط نفوذه في أجزاء واسعة مما يعرف اليوم بإقليم ترانسفال.
ودارت عدة معارك طاحنة في عام 1836 بين الطلائع البوير بقيادة أندرياس هنريك وقوات مسيليكازي، وانتهت بانتصار البوير وتراجع قوات العدو شمالًا نحو نهر لمبوبو، حيث غادر ميسلكازي المنطقة نهائيًا إلى ما يعرف حاليًا بزمبابوي. ارتكب البوير خلال هذه المواجهات فظائع ضد السكان الأصليين، حيث دمروا مستوطنات بأكملها وأسروا مئات النساء والأطفال من قبائل بوتسوانا ممن كانت خاضعة لمسيكازي، واتخذوهم خدماً في مزارعهم بوضعية أقرب إلى العبودية.
ويصف المبشر الاسكتلندي الشهير ديفيد ليفينغستون بعض تلك المشاهد التي عاينها خلال فترة إقامته في أعالي نهر لمبوبو، فكتب: "استقبلت قبائل بتشوان البوير كمنقذين بيض في البداية، لكن سرعان ما اكتشفت بحسب تعبيرهم أن مسيليكازي كان قاسياً مع أعدائه رحيماً بمن غلبهم، أما البوير فيهلكون أعداءهم ويسترقون أصدقاءهم. أما القبائل التي بقيت لها بقية من الاستقلال، فقد أجبرت على القيام بكل مشاق الحقول من تسميد الأرض وعزقها وحصادها وبناء السدود والقنوات بنفسها. وقد شاهدت بعيني البوير يأتون إلى قرية يطلبون منها 20 أو 30 امرأة للعمل في حقولهم، ثم رأيت أولئك النسوة يخرجن مكرهات إلى أعمال السخرة بلا أجر، يحملن على رؤوسهن طعامهن القليل وعلى ظهورهن أطفالهن الصغار وعلى أكتافهن أدوات الفلاحة".
وينقل ليفينغستون عن زعيم بويري اسمه جيرت كوجر تبجحه بأن سياسة البوير هذه عادلة وإنسانية، لأنهم على حد زعمه يسمحون لأولئك السود بالعيش في أرض البوير مقابل أن يعملوا لديهم بلا أجر. تعكس هذه الرواية جانبًا مظلمًا من مسيرة البوير، فبينما كانوا ينشدون الحرية لأنفسهم، حرموا منها غيرهم من الشعوب التي أخضعوها وفرضوا نظامًا أشبه بالعبودية المقنعة لتأمين احتياجات العمل في مزارعهم ومستوطناتهم الناشئة.
وبعد طرد الملك مسير كازي من سهول ترانسفال، وصل بوير تقدمهم شرقًا حتى بلغوا أراضي مملكة الزولو القوية في إقليم ناتال الساحلي. جاء القائد بيت ريتيف للتفاوض مع ملك الزولو دينجان للحصول على إذن باستيطان أراضٍ في ناتال. وبالفعل، نجح ريتيف في استعادة قطيع كبير من المواشي كان قد سرق من دينجان من قبل إحدى القبائل وقدمه للملك كعربون صداقة. فقبل دينجان ذلك شاكرًا له. وبعد مفاوضات، وقع دينجان على وثيقة تمنح البوير قطعة واسعة من الأرض جنوب نهر توغيلا.
ظن ريتيف أن الأمور تسير على ما يرام، لكنه وقع في فخ مروع. فبينما كان ريتيف ورفقاؤه قرابة 70 رجلاً في ضيافة الملك دينجان مع 30 خادمة من الخوي خوي في المقر الملكي، انقلب عليهم الزولو وقتلوهم جميعًا في فبراير من عام 1838. ثم أمر دينجان بشن هجمة مباغتة على معسكرات البوير الأخرى في ناتال، فوقعت مذبحة وخسائر فادحة قُتل فيها مئات المستوطنين من رجال ونساء وأطفال، وتدمرت عرباتهم وممتلكاتهم.
أثار ذلك الرعب بين صفوف البوير، لكنهم سرعان ما أعادوا تنظيم صفوفهم بقيادة زعيم جديد هو أندرياس بوريس، واستعدوا للانتقام من جيش الزولو الجرار. وفي السادس عشر من ديسمبر من عام 1838، التقى نحو 470 رجلاً من البوير مع قرابة 10,000 محارب من الزولو في ضفاف نهر الدم في معركة حاسمة. اصطفى البوير داخل عرباتهم المتراصة بشكل دائرة، مدافعين عن أنفسهم ببنادقهم الحديثة ضد موجات محاربي زولو الذين كانوا مسلحين بالحراب والفؤوس التقليدية. كانت الغلبة في النهاية للرصاص، حيث وقع مقتل ما لا يقل عن 3,000 من قوات الزولو، بينما لم يخسر البوير سوى ثلاثة جرحى دون قتلى.
خلّد البوير هذه المعركة باسم معركة نهر الدم، وعدوها انتصارًا أعجازيًا وتأييدًا إلهيًا لقضيتهم، حتى أنهم نذروا أن يجعلوا من تاريخ 16 ديسمبر يوم شكر ديني سنوي عرف لاحقًا باسم يوم النذر. لم يلبث الملك دينجان أن فر هاربًا وتفككت مملكته، فدخل البوير عاصمته أونجو نيدلوفو وأقاموا مكانها مستعمرة أطلقوا عليها اسم ناتال، فجعلوا ميناءها قاعدة لهم في المحيط الهندي بإنشاء جمهورية ناتال في عام 1839.
شعر البوير أنهم حققوا مسعاهم في تأسيس وطن مستقل، لكن هذا النجاح لم يدم طويلاً، فقد كان البريطانيون لهم بالمرصاد. فموقع ناتال الاستراتيجي ومينائها المطل على المحيط دفع الإمبراطورية البريطانية إلى رفض السماح بوجود جمهورية بويرية مستقلة قد تتعارض مع مصالحها التجارية. وفي عام 1842، نزلت قوة بريطانية في دوربان ووجهت إنذارًا إلى مستوطني ناتال بقبول السيادة البريطانية.
بعد اشتباك مسلح قصير وحصار لموقع بريطاني، أدرك البوير في ناتال ضعف موقفهم العسكري واضطروا للرضوخ. وبذلك، أعلنت بريطانيا ضم جمهورية ناتال رسميًا إلى المستعمرة في عام 1843. ونتيجة لذلك، هاجر كثير من البوير ناتال المحتلة إلى السهول الداخلية وراء نهر دراكنزبرج لينضموا إلى رفاقهم الذين سبق أن استقروا في منطقتي نهر الأورنج ونهر الفال الأعلى.
وكانت مجموعات البوير في هاتين المنطقتين تمكنت أيضًا من إقامة تجمعات شبه مستقلة بعيدًا عن سلطة الكاب خلال تلك الفترة، حيث نشأت في حوض نهر الأورنج مستوطنة بويرية كبيرة حول مدينة لومبو، كما تشكلت في شمالها نواة كيان بويري آخر في إقليم ترانسفال. حاولت بريطانيا في البداية مد نفوذها في تلك المناطق الداخلية أيضًا، ووقعت احتكاكات ومناوشات بين ممثليها وبين البوير هناك.
لأن الرأي العام البريطاني والحكومة في لندن لم يكونوا متحمسين لبذل الجهد والمال للسيطرة على أراضٍ داخلية منعزلة قليلة الموارد آنذاك، لهذا السبب انتهج البريطانيون سياسة تراجعية وتوصلوا إلى اتفاقات تفاهم مع البوير لتجنب المزيد من الصراعات. وبموجب اتفاقية نهر الرمل في عام 1852، اعترفت بريطانيا فعليًا باستقلال المستوطنين البوير شمال نهر الفال (إقليم ترانسفال)، فتأسست هناك جمهورية ذات حكم ذاتي سميت جمهورية أفريقيا الجنوبية وعرفت لدى البوير باسم جمهورية الترانسفال.
وبعد ذلك بعامين، وقعت اتفاقية بلومفونتين في عام 1854، والذي انسحب بموجبه البريطانيون من إقليم الأورنج واعترفوا بقيام جمهورية حرة جديدة للبوير وهي دولة أورانج الحرة. وهكذا، في مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر، نجح البوير أخيرًا في إنشاء كيانين سياسيين مستقلين في قلب جنوب أفريقيا، لينتهي فصل الرحلة الكبرى باستقلال البوير الكامل عن الحكم البريطاني.
تكبد البوير تضحيات كبيرة خلال تلك السنوات العصيبة، حيث خسروا أرواحًا كثيرة من رجالهم ونسائهم وأطفالهم في سبيل حريتهم، وقاسوا مصاعب السفر والتنقل والحروب مع الممالك الأفريقية. لكنهم بالمقابل حققوا هدفهم المنشود بإقامة جمهوريتين تتمتعان بالحكم الذاتي وتُداران بحسب قوانينهم ولغتهم ودينهم المميز. مهد هذا الإنجاز الطريق أمام البوير للشروع في بناء مجتمعاتهم الخاصة وتطوير نظمهم السياسية والاقتصادية بحرية خلال العقود التالية، والتي ستشهد تحديات جديدة وصراعات مع الإمبراطورية البريطانية على أرض جنوب أفريقيا.
بعد اعتراف بريطانيا باستقلال جمهوريتي البوير في عامي 1852 و1854، بدأت تلك الكيانات الفتية مرحلة جديدة في تاريخها. حصل البوير على حريتهم السياسية مؤقتًا من السيطرة البريطانية، فأنشأوا جمهوريتين زراعيتين حافظتا على نمط حياتهم الريفي المحافظ. شكلت الزراعة وتربية المواشي عماد اقتصاد البوير خلال هذه الفترة، ضمن مجتمع أبوي متدين يعتنق الكالفينية بحماس. انعكس إيمان البوير العميق في نظرتهم لأنفسهم بوصفهم شعبًا مختارًا في أرض البرية، رسالتهم نشر الحضارة الأوروبية البروتستانتية وحكم أنفسهم بعيدًا عن التدخل من القوى الأجنبية.
وفي الوقت ذاته، تبنت جمهوريات البوير سياسات عزل عنصري صارمة تجاه السكان الأفارقة الأصليين، حيث مُنع السود من حقوق المواطنة والمشاركة السياسية، واعتبر الفصل العرقي مبدأ أساسيًا لحفظ هوية البوير وثقافتهم. هذا النهج المتشدد في التعامل مع الأغلبية الأفريقية وضع البوير في تضاد دائم مع شعوب المنطقة، ومهد لصراعات مستمرة على الأراضي والمواشي والموارد.
ورغم استقلالهم الرسمي، ظلت علاقة البوير مع بريطانيا يسودها التوتر والارتياب المتبادل. لم تغفر بريطانيا تمامًا تحدي البوير لسلطتها، وبقيت تطمح سرًا إلى بسط نفوذها مجددًا على كافة أراضي جنوب أفريقيا. وفي العقود التي تلت عام 1854، واجهت جمهوريات البوير صعوبات داخلية وخارجية عديدة. فمن جهة، خاضتا نزاعات حدودية مع الممالك الأفريقية المجاورة، مثل حروب البوير مع قبائل السوتو في الستينات القرن التاسع عشر للسيطرة على مناطق في الحدود الشرقية، واستدعى تدخل بريطانيا التي استغلت الفرصة لفرض وصايتها على إقليم باستولاند في عام 1868.
ومن جهة أخرى، عانت جمهوريات البوير من محدودية الموارد المالية وضعف البنية الإدارية. فقد افتقرت لسكة حديدية وموانئ بحرية، ما جعل اقتصادها معتمدًا على المقايضة وقليل من التصدير عبر مستعمرة الكاب البريطانية. وقد حاولت بريطانيا استثمار هذه التحديات لدفع البوير نحو وحدة فيدرالية تحت التاج البريطاني، وفق مشروع الكونفدرالية الجنوب أفريقية التي روج لها وزير المستعمرات البريطاني اللورد كارنارفون في السبعينات. رفض البوير هذه الفكرة بشدة حفاظًا على استقلالهم، لكن بريطانيا لم تتخل عن طموحها في التوسع.
تبدلت موازين القوى بشكل درامي في سبعينات القرن التاسع عشر. فمع اكتشاف مكامن غنية من الألماس في منطقة نهر الفال في عام 1867، توافد مغامرون أوروبيون إلى الإقليم طمعًا بالثروة. كانت بعض تلك المناجم تقع ضمن مناطق خاصة بجمهورية الأورنج الحرة. وفي عام 1871، قامت بريطانيا بضم إقليم جريكولاند الغني بالألماس إلى مستعمراتها، متجاهلة احتجاج دولة الأورنج الحرة. أثار ذلك الضم غضب البوير وعمق شعورهم بانتهاك بريطانيا لسيادتهم.
ولم يكد يمضي سوى بضعة سنوات حتى أقدمت بريطانيا على خطوة أخطر تمثلت باحتلال جمهورية الترانسفال نفسها في عام 1877. تذرعت لندن بأن حكومة الترانسفال المفلسة عاجزة عن حماية المستوطنين في وجه هجمات القبائل الخاصة بالزولو والبدوية، فدخلت قواتها بريتوريا ورفعت العلم البريطاني فوق أراضي الجمهورية، منهية استقلالها الفعلي.
مثل هذا الاحتلال صدمة كبرى للبوير واعتبروه خيانة لاتفاقية الاستقلال الموقعة قبل 20 عامًا. ومع أن سلطة بريطانيا وعدت بمنح البوير حقوقًا ضمن إدارة بريطانية حديثة، فإن الواقع كان هيمنة استعمارية كاملة قوبلت برفض قاطع ومقاومة صامتة من السكان البوير. لم يقبل البوير الأمر الواقع طويلاً، فبمجرد أن سنحت لهم الفرصة تمردوا لاستعادة حريتهم المسلوبة.
وجاءت اللحظة الحاسمة في عام 1880، بعد انتهاء بريطانيا من حروبها ضد مملكة الزولو، العدو التقليدي لكل من البريطانيين والبوير. ففي ديسمبر من عام 1880، أعلنت قيادة البوير الانتفاضة العامة ورفعت السلاح فيما عُرف بحرب البوير الأولى بين عامي 1880 إلى 1881. اعتمد البوير على مليشياتهم المدنية (الكوماندوز) في خوض المعارك، وامتازوا بالمامهم الجيد بتضاريس البلاد وبمهاراتهم في الرماية. في المقابل، استخفت بريطانيا بقوة هؤلاء المزارعين المسلحين وظنت أنها قادرة على إخماد التمرد بسهولة.
لكن الواقع جاء معاكسًا تمامًا، حيث تكبدت القوات الإمبراطورية هزائم سريعة ومذلة. وفي إحدى المعارك المبكرة، هاجم 160 من رجال البوير قوة بريطانية نظامية، فقتلوا 200 جندي بريطاني خلال ربع ساعة فقط. وتوج البوير انتصارهم في فبراير من عام 1881 عندما حققوا نصرًا حاسمًا في معركة ماجوبا هيل الشهيرة، والتي انهارت فيها خطوط الجيش البريطاني وأُصيب قائد الحملة الجنرال كولي في مقتل. بلغ إجمالي خسائر البريطانيين من هذه الحرب القصيرة حوالي 280 قتيلاً، بينما لم يُقتل من البوير سوى عدد ضئيل جدًا، حيث تذكر بعض الروايات أن الإصابات في صفوفهم لم تتجاوز جريحًا واحدًا.
وأمام هذه الهيمنة المهينة، لم يجد رئيس الوزراء البريطاني ويليام غلادستون بدًا من الإذعان لمطالب البوير، فعُقدت اتفاقية سلام اعترفت بحكم ذاتي واسع النطاق لجمهورية الترانسفال تحت سيادة اسمية لبريطانيا. بموجب تلك التسويه، رُفع العلم البريطاني عن بريتوريا وعادت حكومة البوير لإدارة شؤون الجمهورية، وإن ظلت بريطانيا تحتفظ بحق الإشراف الخارجي على علاقاتها. لم يكن هذا الحل مثاليًا لطموح البوير، لكنه منحهم متنفساً لإعادة تنظيم دولتهم.
وفي عام 1884، نجح الزعيم الترانسفالي بول كروغر من انتزاع تنازل إضافي من بريطانيا، حيث أُلغيت رسميًا مادة السيادة البريطانية عن الاتفاق، واستعادت الجمهورية اسمها القديم: جمهورية جنوب أفريقيا. وهكذا، بدا أن البوير استعادوا استقلالهم الكامل وعاد السلام الحذر بين الطرفين.
وشهدت أواخر الثمانينات القرن التاسع عشر تحولات جوهرية غيرت أوضاع البوير داخليًا وخارجيًا. وعلى الصعيد الداخلي، دخلت الجمهوريتان البويريتان عصرًا من الازدهار الاقتصادي المفاجئ إثر اكتشاف الذهب في عام 1886 في إقليم وتواترز راند. توافد آلاف من العمال المناجم والمغامرين الأوروبيين، معظمهم بريطانيون، إلى المنطقة، حيث تأسست جمهورية جوهانسبرغ حديثًا.
كان هذا التدفق البشري والمالي نعمة ونقمة في آن واحد بالنسبة للبوير. فمن جهة، تحولت جمهورية ترانسفال الفقيرة بين ليلة وضحاها إلى قوة اقتصادية إقليمية بفضل عائدات الذهب وضرايب التعدين، مما أتاح لحكومتها بناء سكة حديدية جديدة واستيراد أحدث الأسلحة الأوروبية. انتعش التعليم والطباعة نسبيًا مع وصول بعض الخبرات الأجنبية، رغم استمرار هيمنة اللغة الهولندية (الأفريكانز) في المدارس والصحافة المحلية.
لكن في المقابل، شكل تدفق آلاف الوافدين الأجانب تهديدًا لنمط الحياة المحافظ. فقد تجاوز عدد سكان جوهانسبرغ ومدن المناجم الأخرى عدد المواطنين البوير أنفسهم في تلك المناطق خلال سنوات قليلة، وبرزت فجوة ثقافية شاسعة بين الجانبين. كان البوير ينظرون بارتياب إلى هؤلاء الغرباء أو المهاجرين القادمين من شتى أنحاء العالم، ويخشون أن يفقدوا سيطرتهم على بلادهم وهويتهم أمام هذا السيل البشري الغريب.
وبدورهم، اشتكى الكثير من الوافدين، معظمهم أنجلوفون (بريطانيون)، من قوانين البوير وثقافتهم المحافظة. اصطدموا مثلاً بشرط استخدام اللغة الهولندية في المحاكم والمدارس، واستاءوا لمنعهم من حق التصويت أو التمثيل السياسي رغم مساهمتهم الكبيرة في اقتصاد البلاد. ورأت حكومة ترانسفال بقيادة الرئيس بول كروغر أن من الضروري سن قوانين صارمة لحماية مجتمع البوير من تأثير الغرباء، ففرضت على الوافدين قيودًا شملت فترات إقامة طويلة تصل إلى 14 عامًا قبل نيل الجنسية وحق الانتخاب، كما حددت من حرية الصحافة والتعليم للناطقين بالإنجليزية حفاظًا على الطابع الهولندي الكالفيني للدولة.
أثارت هذه السياسات امتعاض البريطانيين واعتبروها انتهاكًا لحقوق رعاياهم، لتصبح مسألة حقوق المهاجرين ذريعة جديدة تتذرع بها لندن للضغط على البوير. وعلى وقع الطفرة الاقتصادية والصدام الثقافي، ازداد التوتر السياسي بين بريطانيا والجمهوريتين البويريتين في أوائل تسعينات القرن التاسع عشر. تبنى وزير مستعمرات البريطاني جوزيف تشامبرلين موقفًا متشددًا مطالبًا حكومتي الترانسفال والأورنج بمنح السكان البريطانيين حقوقًا متساوية وإصلاحات سياسية فورية.
وفي عام 1895، بلغت التوترات ذروتها بمحاولة بريطانية جريئة لقلب نظام حكم الترانسفال بالقوة، عُرفت باسم غارة جيمسون. فقد دعم رئيس وزراء مستعمرات الكاب آنذاك سيسل رودس مخططًا سريًا لإثارة تمرد مسلح من قبل السكان البريطانيين في جوهانسبرغ يتزامن مع توقع قوة بقيادة الدكتور لياندر جيمسون من مستعمرة روديسيا لاجتياح الترانسفال. لكن المحاولة باءت بفشل ذريع في يناير من عام 1896، حيث أُلقي القبض على جيمسون وانهارت المؤامرة قبل أن تكمل انقلابها.
كشفت التحقيقات اللاحقة عن تورط شخصيات رفيعة في الحكومة البريطانية في هذه المغامرة الاستعمارية العدوانية، ما شكل فضيحة سياسية أدت لاستقالة رودس من منصبه وزادت من عداء البوير وشكوكهم حيال نوايا بريطانيا. يمكن القول إن غارة جيمسون عمقت فجوة انعدام الثقة بين الجانبين، وكانت مقدمة مباشرة لسلسلة أحداث أوصلت العلاقات البريطانية البويرية إلى نقطة اللا عودة.
وبعد غارة جيمسون، أدرك البوير أن الصراع العسكري مع بريطانيا العظمى بات أمرًا شبه حتمي. سعى الرئيس بول كروغر إلى تحصين بلاده سياسيًا وعسكريًا في وجه الأطماع البريطانية المتزايدة. فعلى الصعيد الدبلوماسي، حاول كروغر كسب تعاطف دولي لقضية جمهوريته وتواصل مع ألمانيا وفرنسا طالبًا الدعم أو على الأقل استغلال منافسة هذه القوى لبريطانيا لمصلحة البوير. وبعث القيصر الألماني فيلهلم الثاني برقيه شهيرة إلى كروغر مهنئًا إياه بإفشال غارة جيمسون، مما أثار غضب بريطانيا وزاد الجو توترًا.
وعلى الصعيد العسكري، قام كروغر خلال أواخر التسعينات بتحديث تسليح جيش البوير عبر شراء بنادق حديثة من طراز الماوزر ومدافع ميدانية متطورة من ألمانيا وفرنسا، وحتى من مصانع بريطانية. كما جرى تدريب ميليشيات الكوماندوز على أساليب القتال الحديثة وتحضير التحصينات في المناطق الاستراتيجية. وعندما فاز كروغر بولاية رئاسية رابعة في عام 1898، اعتبر البريطانيون ذلك مؤشرًا على إصرار البوير على سياستهم الرافضة للهيمنة البريطانية. فازداد اقتناع صقور لندن، وعلى رأسهم المفوض السامي ألفريد ميلنر، بأن الحل الوحيد هو المواجهة المسلحة لإخضاع جمهوريتي البوير نهائيًا.
حاولت بعض الدوائر السياسية تأجيل الحرب عبر اللجوء إلى المفاوضات وعقد مؤتمر بين بول كروغر والفريد ميلنر في مدينة بلومفونتين في منتصف عام 1899 للتوصل إلى تسوية. وقد عرض كروغر بعض التنازلات المحدودة، مثل تقليل مدة إقامة الأجانب المطلوبة لنيل حق التصويت. غير أن هذه المقترحات لم ترضِ الجناح البريطاني المتشدد. سرعان ما انهارت المحادثات وعاد الطرفان إلى حشد القوات والاستعداد للمواجهة.
بحلول سبتمبر من عام 1899، كانت بريطانيا قد نشرت آلاف الجنود على حدود مستعمرة الكاب وناتال المحاذيتين لأرض البوير، في حين عبأ البوير صفوف مليشياتهم واستدعى مقاتليهم من المزارع والمستوطنات استعدادًا للحرب. في الوقت نفسه، واصلت بريطانيا إرسال مزيد من القوات إلى مستعمراتها في جنوب أفريقيا.
وفي التاسع من أكتوبر من عام 1899، وجه رئيس جمهورية ترانسفال إنذارًا نهائيًا إلى بريطانيا طالب فيه بسحب الحشود العسكرية من حدود جمهوريتي البوير والاحتكام إلى التحكيم الدولي. قبل هذا الإنذار بالرفض، وبحلول مساء الحادي عشر من أكتوبر من عام 1899، كانت قوات البوير قد عبرت الحدود وبدأت الحرب فعليًا.
رهنت بريطانيا على تحقيق نصر سريع نظرًا لتفوق جيوشها النظامية عددًا وتسليحًا وتدريبًا. غير أن الواقع جاء مختلفًا تمامًا. فمع اندلاع حرب البوير الثانية، نفذ مقاتلو البوير هجومًا استباقيًا مباغتًا داخل مستعمرتي الكاب وناتال البريطانيتين، وحاصروا حاميات الجيش البريطاني في مدن رئيسية مثل ليدي سميث وكمبرلي ومافيكينغ. فشلت محاولات الجيش البريطاني الأولى في فك هذه الحصارات وتكبدت قواتها هزائم قاسية خلال شهري نوفمبر وديسمبر من عام 1899، ولا سيما ما عُرف في بريطانيا باسم "الأسبوع الأسود" بين العاشر والخامس عشر من ديسمبر من عام 1899، حيث خسر ثلاث معارك كبرى على نحو مهين.
وأمام هذه الانتكاسات غير المتوقعة، أدركت لندن أن حربها مع البوير ستكون أطول وأكثر كلفة مما تصورت. وفي يناير من عام 1900، بدأت بإرسال تعزيزات ضخمة من مختلف أنحاء الإمبراطورية، بما في ذلك آلاف المتطوعين من أستراليا ونيوزيلندا، حتى بلغ عدد القوات البريطانية في جنوب أفريقيا نحو 180,000 جندي، وهو أكبر جيش أرسلته بريطانيا إلى ما وراء البحار حتى ذلك الوقت. في المقابل، لم يتجاوز عدد مقاتلي البوير بضع عشرات من الآلاف (نحو 88,000 وفق بعض التقديرات)، غير أنهم عوضوا هذا النقص بمعرفتهم الدقيقة بالأرض وبروح مقاومة عالية وتجربة قتالية في حرب العصابات.
وقد لخص أحد المؤرخين الأمر بقوله: "ولإلحاق الهزيمة بهؤلاء المزارعين المتمرسين، اضطرت بريطانيا في نهاية المطاف إلى حشد ما يقارب نصف مليون جندي، وهو أكبر جيش حشدته في تاريخها حتى ذلك الحين، وهو عدد يفوق حتى مجموع سكان جمهوريتي البوير من رجال ونساء وأطفال".
وبالرغم من التفوق العددي والبشري الكبير للبريطانيين، مع مطلع القرن الجديد، استمر البوير في القتال بضراوة. خلال عام 1900، تمكن القائد البريطاني فريدريك روبرتس من فك حصار كمبرلي وليدي سميث في فبراير، ملحقًا أول هزيمة كبيرة بالبوير. وفي معركة باردي بيرج بين الثالث والعشرين والسابع والعشرين من فبراير من عام 1900، حاصر البريطانيون قوتين رئيسيتين للبوير، واضطر الجنرال بيت رينج إلى الاستسلام مع نحو 4,000 من رجاله.
تتابعت بعدها انتصارات البريطانيين، فسقطت عاصمة الأورنج الحرة في مارس من عام 1900، ثم دخل البريطانيون جوهانسبرغ وبريتوريا، عاصمة جمهورية ترانسفال، بحلول مايو ويونيو من العام نفسه. وأعلنت الجمهوريتان أراضي خاضعة للتاج البريطاني، وافترضت لندن أن الحرب قد شارفت على نهايتها بانهيار حكومتي البوير وفرار قيادتها.
لكن تلك كانت بداية فصل جديد أشد قسوة. فقد قرر البوير استكمال الكفاح عبر حرب عصابات مريرة بدلاً من المعارك النظامية التقليدية. ومع دخول الحرب مرحلتها الثالثة، انقسمت قوات البوير إلى مجموعات كوماندو صغيرة وخفيفة الحركة تقودها شخصيات بارزة مثل الجنرال كريستيان دي ويت في الأورنج الحرة والجنرال جاكوبوس دي لاري في الترانسفال. اعتمدت تكتيكاتهم على الكر والفر، حيث شنت غارات سريعة ليلية على خطوط إمداد القوات البريطانية ومعسكراتها، ثم الاختفاء في البراري قبل تمكن العدو من الرد.
أربكت هذه الحرب غير التقليدية الجيش البريطاني، الذي وجد نفسه يتعقب عدوًا شبحيًا يظهر ويختفي في مساحات شاسعة لا خطوط مواجهة واضحة. وإزاء استمرار المقاومة البويرية وتصاعد خسائر الجيش البريطاني، لجأ القادة البريطانيون بقيادة اللورد أوراشيو كيتشنر إلى تطبيق أسلوب "الأرض المحروقة" في محاولة لكسر إرادة البوير. شملت هذه الاستراتيجية تدميرًا منهجيًا لمقاطعات البوير الريفية، حرق المزارع والحقول، قتل المواشي، ونسف المنازل والبنى التحتية لمنع المقاتلين من أي موارد أو مأوى.
لم يكتفِ البريطانيون بذلك، بل قاموا بتهجير عشرات الآلاف من النساء والأطفال البوير إلى معسكرات اعتقال خاصة أُقيمت على عجل، وكانت تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة. في تلك المخيمات سيئة السمعة، عانى المدنيون ظروفًا مأساوية من الجوع وتفشي الأوبئة، ما أدى إلى وفاة أكثر من 20,000 منهم، غالبيتهم من النساء والأطفال، بحسب التقديرات الموثقة. كذلك، احتجز البريطانيون أعدادًا كبيرة من السكان السود في معسكرات منفصلة، حيث استخدموا كعمال رخيصة في مناجم الذهب، ولقي الآلاف منهم حتفهم أيضًا بسبب الأمراض وسوء التغذية.
أثارت هذه السياسة القمعية انتقادات حادة داخل بريطانيا نفسها وفي الخارج، فقد ندد العديد من السياسيين والصحفيين في أوروبا بالجيش البريطاني لانتزاعه حريات المدنيين الأبرياء ومعاقبته جماعية لهم. وكانت الناشطة البريطانية إيميلي هوب هاوس من أبرز الأصوات التي كشفت فظائع معسكرات الاعتقال أمام الرأي العام البريطاني، فكتبت تقارير مفصلة عما شهدته من مآسي هناك، ما أجبر الحكومة على تحسين أوضاع المخيمات نسبيًا تفاديًا للفضيحة.
برغم أن لندن بررت إجراءاتها المشددة بأنها ضرورية لكسر شوكة المقاتلين وإنهاء الحرب سريعًا، ولم يثبت بالدليل القاطع وجود نية مبيتة لإبادة شعب البوير، إلا أن الثمن الإنساني لتلك الإجراءات كان فادحًا وألقى بظلال قاتمة على سمعة بريطانيا كقوة متحضر. وقد اعترف بعض القادة البريطانيين أنفسهم فيما بعد بأن سياسة الاعتقال والقمع خلقت حاجزًا من جثث الأطفال الموتى سيفصل بين الشعبين البريطاني والأفريكانز في جنوب أفريقيا لعقود تالية.
وأخيرًا، وبعد ما يقرب من عامين من الكر والفر والمقاومة المستميتة، بدأت معنويات البوير تنهار تحت وطأة الحصار والجوع وفقدان الموارد. أدرك القادة الميدانيون للبوير، وفي مقدمتهم الجنرال لويس بوتا وكريستيان دي بلويت، أن استمرار القتال بات دون طائل، فقرروا التفاوض حقنًا للمزيد من الدماء. اجتمع ممثلو الجانبين سرًا في ربيع عام 1902، وبحلول مايو من عام 1902، توصلوا إلى اتفاق سلام أنهت الحرب رسميًا في الحادي والثلاثين من مايو من عام 1902.
وقعت معاهدة بريختن، والتي أنهت استقلال جمهورية ترانسفال ودولة الأورنج الحرة نهائيًا. نصت المعاهدة على خضوعهما للتاج البريطاني وتعيين إدارة عسكرية مؤقتة. تعهدت بريطانيا ضمن المعاهدة بمنح البوير عفوًا عامًا وبتمويل عملية إعادة إعمار المزارع والمساكن التي دمرت خلال الحرب. كما تضمنت المعاهدة بنودًا تؤجل البت في مسألة حقوق التصويت للسكان السود إلى حين تأسيس حكومة ذاتية منتخبة في المستعمرات الجديدة، وهو ما فهمه قادة البوير بأنه إقرار ضمني باستمرار هيمنة العنصر الأبيض على الحكم مستقبلاً.
وهكذا، أُسدل الستار على حرب البوير الثانية بانتصار بريطاني مكلف، لتصبح المستعمرات الأربع في جنوب أفريقيا (مستعمرة الكاب وناتال، بالإضافة إلى ترانسفال والأورنج الحرة السابقتين) جميعها تحت سيطرة الإمبراطورية. ورغم مرارة الهزيمة وفقدان جمهوريتي البوير لاستقلالهما، لم تنهِ الحرب وجود شعب البوير ولا طموحاته. فقد حافظ الأفريكانز على لغتهم الأفريكانية وعلى ثقافتهم البروتستانتية الخاصة، حتى ضمن نظام الحكم الجديد. ما لبثوا أن عادوا لتنظيم صفوفهم سياسيًا لاستعادة حقوقهم في إطار الحكم الاستعماري.
بعد ثماني سنوات فقط من نهاية الحرب، تحقق اتحاد جنوب أفريقيا في عام 1910 تحت مظلة التاج البريطاني، مما منح المستوطنين البيض حكمًا ذاتيًا واسعًا ومهد لعودة زعماء البوير إلى مواقع السلطة عبر العملية الدستورية. وبذلك، يبدأ فصل جديد سيشهد تحول البوير من ميادين القتال إلى ميادين السياسة، ويواصلون مشوارهم الطويل لتحقيق تطلعاتهم القومية ضمن دولة جنوب أفريقيا الحديثة.
شاركنا في التعليقات حول رأيك في هذه الحلقة. وإذا أعجبك محتوانا، ادعمنا من خلال الاشتراك. وتجد في الوصف رابطًا لقناة "شيء" المتخصصة بالتقنية والبودكاست والراكاست. ممكن تشوف فيديوهات أخرى من قناتنا، والتي تطرح مواضيع حول التاريخ والثقافة.