Transcription
مرحباً وتحياتي للجميع. الحياه بائسه مهما فعلنا، مهما فعلنا. الحياه بائسه بكل بساطة لأن الإنسان لا يملك أي تاثير على الحياة. لا سلطة للإنسان على طبيعة حياة. لذلك مهما فعلنا، الحياه ستبقى بائسه. لأن الفعل الإنساني مهما بلغ من القدرة، أبداً، مهما بلغ من القدرة، لا يستطيع أن يغير من طبيعة الحياة. هذه الطبيعة للحياة الموصومة بالبؤس، موصومة بالبؤس وموسومة بالشقاء والمعاناه والألم. البؤس ليس شيئاً طارئاً على الحياة، وإنما هو مادة الحياة. الألم ليس شيئاً طارئاً على الحياة، وإنما يقع في جوهرها. الألم ليس في تفاصيل الحياة الظاهرة الخادعة، وإنما يقع في الجوهر. يقع، يقبع، يعيش، ينمو، يترعرع في صلبها، لأنه من صلبها.
هذه الحياه البائسه، الزائله، المنقضيه، لا محال. فكل شيء سينتهي، كل شيء سيفنى. كل انسان بشري سيموت. كل بشري فانٍ، ولو بعد حين. لا احد سيبقى، لا شيء سيبقى. لا احد مخلد، لا احد مخلد. وان كان ثمة من خلود، ان كان ثمة من خلود في عالم البشر، فلن يكون الا لتلك المفارقة الغريبه العجيبه في حياه بشر يكدون، يكدون لكي لا يموتوا، في حين انهم ميتون لا محال. هذه هي المفارقه. هذا هو جوهر التناقض في الوجود الانساني. مفارقه، مفارقه غريبه عجيبه. نعيش ونتعب ونكد من أجل أن نبقى، كي لا نموت، في حين اننا نعلم علم اليقين بأننا ميتون، ميتون ولو بعد حين. كيف نعيش في ظل هذه المفارقه؟ في ظل هذا التناقض الفاضح الواضح عند كائن يعيش كل حياته، يعيش كل حياته في هرب دائم من موت لا مهرب منه ابداً.
كما قلت، لا خلود الا لتلك المفارقه. بمعنى ان الشيء الوحيد الدائم الخالد في عالم البشر الفاني، في عالم الفناء هذا، هو هذا التناقض الوجودي. هذا التناقض الوجودي جهد بشري لا يهدأ، لا يكل، لا يمل، لاطالة حياة لا مفر من زوالها. نفعل كل شيء لنبقى، لنعيش، لنستمر، في حين اننا نعلم باننا سننتهي في يوم ما. في يوم ما. ومع ذلك نستمر. الامر يشبه، ان اردتم، مفارقة سيزيف والصخره. سيزيف والصخره، او ماساه سيزيف مع صخرته الكالحه. سيزيف الذي كان يعلم علم اليقين بان الصخره ستعود لتتدحرج مجددا الى الاسفل، ومع ذلك كان يبذل الجهد والجهد لمحاوله رفعها من جديد. وهذا هو حال الانسان تماما. الانسان يبقى دائما يرفع صخره حياته نحو القمه املا في البقاء، مع انه يعلم، يعلم بانها ستتدحرج في النهايه لتستقر في وادي الموت الابدي.
وهكذا يعيش الانسان مهموماً مغموماً من فكرة موته وانطفاء وعيه والى الابد. ولذلك الانسان، طبعا، مستعد لتقبل اي فكرة. اي فكرة تمنحه بصيصاً من امل، تمنحه شيئاً من العزاء، شيئاً من الاطمئنان، شيئاً من الراحة النفسية، شيئاً من السلام. ايه فكرة تمنح ولو بصيص امل في خلود ما، ايا كان شكل هذا الخلود. ايه فكرة مهما كانت عقلانية، لا عقلانية، يا عمي، غير مهم، واقعية، خرافية، غير مهم، تصدق، لا تصدق، غير مهم. ان نجد شيئاً من الراحة النفسية، شيئاً من الاطمئنان.
وهذه هي الوظيفه، هذه هي الوظيفه الكبرى التي تلعبها الاديان. وطبعا، انا هنا لا اريد ان اناقش في صحة الاديان ابدا. لا اريد ان ادخل في هذه المتاهه، صحة الاديان او بطلانها. وانما اريد ان اتحدث عن هذه الوظيفه النفسيه التي تؤديها الاديان. كما قال ماركس، الدين عزاء في نهاية الامر. واسمحوا لي ان اقول ايضا، الدين ترياق، ترياق شافٍ من علة الخوف من الموت. حتى لو لم يكن هذا الترياق عقلانيا، حتى لو لم يكن حقيقيا، حتى لو كان عباره عن وهم. المهم انه يسكن من خوف ورعب الانسان الدهري. رعب الانسان الدهري من مصير، من المصير المحتوم، من الموت، ومن ما بعد الموت، ومن سواد العدم. حتى لو كان وهما.
اذهب الى اي مستشفى وانظر في حال مريض يتلوى، يتلوى من الالم. اعطه اي حبه دواء، حتى لو كانت وهما، حتى لو كان يعلم بان هذا الدواء عباره عن وهم، سيجربه لا محاله. هذا هو حال الانسان. بحاجه الى عزاء، الى طمانينه. هناك حاجات نفسيه امنها الدين بشكل او باخر. هذا هو الواقع. هذا هو الواقع. الحقيقه في احيان كثيره مرعبه، لا تحتمل. في احيان، او حتى في اغلب الاحيان، الانسان لا يبحث عن الحقيقه، وانما يبحث عن الطمانينه، حتى لو كانت عباره عن وهم. يبحث عن الطمانينه حتى لو كانت كاذبه. غير مهم.
وهذا هو الموقف، او هذا الموقف هو نفس الموقف الذي توصل له نيتشه. انطون، عندما قال، طبعا بما معناه هنا وليس حرفيا، ان الاكاذيب احيانا ضروريه لحياه الانسان اكثر من الحقائق، او ان الانسان لا يستطيع ان يستمر في الحياه من دون وجود الاكاذيب والاوهام. وهكذا. فالدين والوعود الدينيه، بصرف النظر عن صحتها او لا، لكن طالما انها وعدت الانسان بالخلود وبالبقاء وبالاستمرار، في واقع الامر ستبقى، شئنا ام ابينا، احببنا الامر، لا، ستبقى ترياقا شافيا كافيا من علة الخوف من الموت بالنسبة لاغلب الناس. حتى لو كان هذا العلاج غير علمي كما تراه، غير عقلاني كما تراه. كما قلت اكثر من مره، غير مهم. المهم ما يخلفه هذا الدواء من اثر نفسي في داخل الانسان. طبعا على شكل سكينه واطمئنان وراحه وتلبيه لحاجه نفسيه تهدئ من روع الخوف من الموت من جهه، وتبعث في الانسان حلم الخلود من جهه اخرى.
كما قلت قبل قليل، احيانا الكذب، الكذب الجميل لنقل، او الوهم الجميل هو اكثر نفعا من الحقيقه القاسيه. لان الحقيقه العاريه في واقع الامر لن تدفئ احدا. وشكرا والى اللقاء.