Transcription
أول ما بتيجي اللحظة اللي بتقرر فيها إنك خلاص أخيراً هتهدى وترتاح، تقفل الموبايل، تطفي دماغك من الشغل، تقعد ساكت شوية، ما بتعملش حاجة. ساعتها، بدل ما بتحس بالراحة والاطمئنان والسلام الداخلي اللي المفروض تحسه وقت الراحة، على العكس بتلاقي قلبك بيدق بسرعة جداً، دماغك بدأت تفتح ملفات كتير جداً قديمة وجديدة في نفس الوقت، وأفكار ومشاعر سلبية تبدأ تسيطر عليك. وبالتالي تحس إنك مش مرتاح في فترة الراحة اللي أنت أصلاً استحقتها وخصصت ليها وقت بعد ما خلصت شغلك والتاسكات اللي وراك. وبالتالي ترجع تكمل تشتغل تاني، أو تفتح فيديو تلهي نفسك فيه، أو تتكلم مع حد، أو تسمع حاجة، المهم تهرب من حالة "اللاشيء" اللي كنت فاكر إنك هترتاح فيها.
في ناس فعلياً بتخاف من فترات الراحة أكتر من خوفها من فترات التعب. ناس فعلياً ارتبط عندها إحساسها بالأمان بالتوتر، تحس إنه في حاجة غلط. وبالعكس، بقت ترتاح بس لما تكون مرهقة أو مشغولة. والحقيقة هي إن دي برمجة عصبية اتكونت في عقولنا خلال سنين طويلة عشنا فيها في وضع الطوارئ الدائم. تخيل معايا كده مخك وكأنه جندي مقاتل قضى سنين طويلة من عمره في الحرب. هتلاقيه أول ما يرجع بيته اللي المفروض يكون مصدر الأمان والراحة والهدوء بالنسبة له، هتلاقيه مش عارف ينام، مش عارف يرتاح. هتلاقيه حتى بيعيد تشغيل مشاهد صعبة، وبيربط بين أي صوت أو إشارة باللي شافه وسمعه وقت الضغط. الخط اللي كان فيه هياخد فترة كده من عدم التأقلم، هيحس فيها بالتوتر والتهديد، رغم إنه ما فيش أي خطر حقيقي بيهدده. وده بالظبط اللي بيحصل معاك. جهازك العصبي اتربى واتبرمج على فكرة إن الهدوء بيساوي خطر، وإنه الضغط بيساوي أمان. فلما بتدي نفسك وقت تهدى فيه وترتاح، هتلاقي عقلك مش بيريحك. هو في الحقيقة بيحميك، ولكن بيحميك بطريقته المشوهة. وده اللي بيخلينا نسأل: ليه وقت الراحة بحس إني متوتر؟
الموضوع بدأ من بدري جداً، من اللحظة اللي اتعلمت فيها إنك لازم تستحق الراحة، لازم تشتغل وتبذل مجهود الأول عشان تستحق إنك ترتاح. يعني ما ينفعش ترتاح إلا لما تخلص كل اللي وراك. ولو ارتحت قبل ما تخلص اللي وراك، يبقى أنت مقصر ومتكاسل ومش مسؤول. ولكن المشكلة إن اللي وراك ده عمره ما بيخلص. دايماً ورانا تاسكات غير منتهية، مكالمات ورسائل ما رديناش عليها، كورسات وكتب المفروض إننا نخلصها. فبنلوم نفسنا دايماً على وقت الراحة اللي بين قوسين بنضيعه، فاكرين إننا مش بنستغله صح. وبالتالي أصبحت الراحة دايماً مؤجلة. ومع الوقت اتكونت جواك معادلة بتقول إن الراحة بتساوي تقصير، وإنه التعب والشغل حتى لو جه على نفسك بيساوي التزام. ومع تكرار التجربة دي، دماغك فعلاً صدقت المعادلة دي واقتنعت بيها جداً، وأصبحت هي مصدر الراحة بالنسبة لك، وغيرها أصبح مصدر للتوتر أو الإحساس بالذنب.
جهازك العصبي بقى مبرمج إنه يعيش في وضع اسمه "حالة استعداد دائم للخطر". اللي بيحصل هنا إنه جسمك بيفضل يفرز هرمونات التوتر دي حتى وأنت قاعد ما بتعملش حاجة. أول ما بتهدى وتبقى عاوز ترتاح وخلصت كل اللي وراك، جسمك بيبتدي يدور على سبب إنه يقلقك بيه. يخلق توتر جديد لمجرد إنه يحافظ على التوازن اللي اتعود عليه. التوازن طبعاً اللي مش صحي، ولكنه مألوف بالنسبة له. وده بيشرح للناس اللي عاشوا فترات طويلة من الضغط، سواء في شغل أو مسؤوليات أو خوف من الفشل، لما بييجوا يرتاحوا بعد فترة إنجاز هم حققوها، مش بيعرفوا وبيحسوا بالذنب أو القلق بدل الشعور بالارتياح أو الامتنان بسبب اللي حققوه. كأنهم محتاجين دايماً أزمات ومهمات جديدة ومصادر للقلق عشان يحسوا إنهم عايشين ومنتجين. العقل هنا مش عايز يأذيك، هو بس بيحاول يحميك بالطريقة اللي هو اتعود عليها. هو اتربى على الخطر، فبقى بالنسبة له بيعتبره هو الأمان. وده اللي بيخلي أي محاولة للاسترخاء أو الراحة تبدو كأنها مش مريحة في الأول بالنسبة لك. لو كنت فاكر إنك فاشل في إنك تهدى، مش عارف تهدى، فالحقيقة إنك ناجح جداً في الدفاع عن نفسك، ولكن بأسلوب محتاج إعادة.
ده برمجة. عارف الإحساس اللي بيجيلك لما تقعد مع نفسك من غير ما تعمل حاجة؟ تحس إنك بتضيع وقت، وإنك المفروض تكون بتنجز حاجة مهمة دلوقتي، بتعمل حاجة مفيدة؟ يعني تحس بذنب كده غريب، وكأنك بتخون نفسك أو الناس اللي مسؤولين منك. الإحساس ده اسمه "اضطراب راحة الذنب" أو "الريست جلد". اللي بيحصل هنا إنك مش بتقدر تفصل بين قيمتك الذاتية والإنتاج اللي أنت بتعمله. يعني لو أنت مش شغال، أو مش منتج، أو مش بتعمل حاجة مفيدة، تحس ساعتها إنك بلا قيمة. ودي مشكلة ناس كتير جداً في الجيل اللي إحنا عايشينه، خصوصاً الناس اللي اتربت على فكرة "لو ما بتتعبش يبقى مش هتنجح". لازم تتعب عشان تبني نفسك. عشان كده الراحة بالنسبة لمعظمنا بتعتبر خطر وجودي لينا، وبتهدد قيمتنا الذاتية.
كمان من ناحية نفسية، راحة الذنب اللي بنقول عليها دي بتعتبر نتيجة مباشرة للوعي الزائد أو "جحيم الوعي" اللي اتكلمنا عنه الحلقة اللي فاتت. لما تبقى فاهم كل حاجة عن نفسك وعن اللي حواليك، بس مش قادر توقف، مش قادر توقف المراقبة ليهم أو التفكير الزايد فيهم. دماغك بيحول الوعي ده لعبء، بيخليك تحاسب نفسك حتى على فترات الراحة أو الاسترخاء. تلاقيّك بتقول لنفسك: "مش المفروض إنك مثلا تكتب دلوقتي؟ تصور دلوقتي؟ مش المفروض تستغل الوقت اللي بيضيع ده؟ هو أنت إزاي مرتاح كده والناس كلها حواليك شغالة؟" فتبدأ تحس إن الهدوء نفسه بيمثل لك تهديد، وإنه الراحة معناها إنك هتبقى فاشل مقارنة باللي حواليك. الراحة هنا مش بتكشف ضعفك، هي بس بتكشف صوتك الداخلي اللي اتكتم قبل كده كتير بالتوتر والضغوط اللي عشتها. وبالتالي أول ما بتسكت الدوشة حواليك، بيخرج الصوت ده. وده أحياناً بيكون فعلاً مرعب جداً لو عمرك ما عرفت تواجهه قبل كده.
الراحة مش ضعف ولا كسل. الراحة مهارة محتاج محتاج إنك تطورها، زيها زي أي مهارة. محتاج تتعلمها من الأول، كأنك بتعيد برمجة أو تدريب جهازك العصبي. الهدف مش إنك توقف التفكير تماماً، أو إنك تبقى فاضي. الهدف إنك تعيد تعريف الراحة لعقلك، من فراغ داخلي وإحساس بالخطر، لأمان وإعادة شحن للطاقة. وخليني أقول لك إزاي. جهازك العصبي ليه ذاكرة. زي ما بيتعود على الشغل المستمر والضغط، ممكن كمان إنه يتعود على الهدوء والراحة، الراحة بدون ما تحس بالتوتر أو الذنب، لو درّبته على الموضوع ده بالتدريج. مش لازم فجأة تتحول من أقصى التوتر لأقصى الاسترخاء. ولكن تعالى نبدأ مع بعض بخطوات بسيطة، وهي خطوات إعادة برمجة الراحة جوه عقلك.
الخطوة الأولى هي "الراحة النشطة". فيها مش بتقعد خامد أو خامل، ولكن اعمل نشاط بسيط من غير هدف، زي المشي مثلاً الهادي، ترتيب حاجة، أو حتى غسيل المواعين وأنت ساكت. في الخطوة دي بتعلم جسمك إن الراحة مش لازم تبقى خمول أو كسل، ولكن ممكن تبقى حضور ولكن بنشاط أهدى.
الخطوة الثانية هي "الصمت الواعي". خصص كده خمس دقايق في اليوم ما تعملش فيهم حاجة غير إنك تسمع نفسك، تسمع صوتك الداخلي. أول مرة هتتضايق وهتحس بعدم راحة، بس بعد كده هتكتشف إن في أفكار جواك قيمة جداً جداً كانت في انتظار اللحظة دي عشان تكتشفها.
الخطوة الثالثة هي "الملاحظة بدل المقاومة". أول ما التوتر يبدأ يظهر في لحظات الراحة، ما تهربش منه أو تقاومه. لاحظه. قول لنفسك: "دلوقتي جسمي متوتر، بس ده طبيعي، دي عادة قديمة في جسمي، مش خطر حقيقي". مجرد إدراكك لده بيقلل قوة التوتر تدريجياً.
الخطوة الخامسة هي "إعادة المعنى". كل مرة تهدى أو تاخد راحة، قول لنفسك جملة مختلفة. قول لنفسك مثلاً: "أنا مش بكسل، أنا بشحن طاقتي، بشحن نفسي". الكلمة دي لو اتكررت هتبدأ تبني جواك معنى جديد للراحة.
الخطوة الأخيرة هي "تقبل المقاومة". مش لازم تحب الراحة من أول يوم. طبيعي إنك تحس إنها غريبة بالنسبة لك، كأنك داخل أرض جديدة بالنسبة لك مش متعود عليها بعد سنين من الصراع الداخلي. ولكن الجميل إن الصراع ده مش هيستمر وهيقل مع الوقت. لما تبدأ تتصالح مع فكرة الراحة، هتكتشف إن الهدوء والسكينة مش ضعف، ولكنه من القوى الناعمة. قوة بتخليك تسمع نفسك بوضوح، وتختار أفعالك بوعي بدل ردود الفعل اللا إرادية اللي التوتر دايماً بيحطك فيها. القوة مش دايماً في إنك تجري وتسعى بشكل مستمر. أحياناً القوة بتكون في لحظة سكون تشحن بيها طاقتك عشان تعرف تكمل. القوة مش دايماً في الإنجاز، مش دايماً في الصمود والمعافرة. أحياناً في إنك تسمح لنفسك إنك ترتاح. وصدقني، اللي يقدر يرتاح من غير ما يشعر بالذنب، أقوى بكتير جداً من اللي عمره ما عرف إنه يرتاح. لأنه الراحة فعلياً مش هروب، الراحة دي وعي. وعي إنك مش محتاج تفضل طول الوقت تحارب عشان تثبت إنك كويس للي حواليك، ولا محتاج تفضل قلقان ومتوتر عشان تحس إنك عايش. وزي ما قلنا في حلقة "عقل مضاد للرصاص"، إن الإنسان القوي مش اللي بيتجنب الألم، ولكن اللي بيقدر يعيش بسلام داخلي حتى وهو جواه الألم ده. في المرة الجاية اللي تحس فيها بالذنب لأنك مرتاح، خد نفس عميق وافتكر الجملة دي. قول: "أنا مش بهرب من الحياة، ولكن أنا بتعلم إني أعيشها من غير ما أنسى نفسي فيها". كنت معاكم أحمد عبد الدايم. أشوفكم على خير إن شاء الله الحلقة الجاية. شكراً لكم. سلام لكم.