📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

مصيدة نهر الفرات التي دمرت الفرس وقوة المثنى بن حارثة الشيباني

AtharLegacy | أثر 15:39

Transcription

قاهر الفرس، ومزلزل أرضهم، ومهلِّل ملوكهم. شيخ من سادات العرب، والقائد الاستثنائي الذي ذاع صيته في معارك فتح بلاد فارس. شيخ الحرب الذي أثقل خسائر الفرس، وكبَّدهم الويلات. واحد أعظم قادة العرب في التاريخ: المثنى بن حارثة الشيباني.

بعد انتهاء حروب الردة، بدأ المثنى بن حارثة الشيباني وقومه بشن غارات على ممتلكات تخوم فارس، دون علم خليفة المسلمين، والصحابي الجليل أبي بكر الصديق. وكانت فرقته قرابة الثمانية آلاف فارس. وصلت الأخبار إلى خليفة المسلمين أبي بكر الصديق، فسأل عن هذا الرجل الذي يقود الهجمات. وقيل له: من ذاك الرجل الذي أثخن الفرس، وكبَّدهم الويلات يا أمير المؤمنين؟ هذا رجل غير خامل الذكر، ولا مجهول النسب، ولا دليل العماد. ومن هو، وما اسمه؟ إنه شيخ بني شيبان، وقائد حربها. إنه المثنى بن حارثة الشيباني.

وصل المثنى إلى المدينة، وذهب إلى خليفة المسلمين أبي بكر الصديق، وقال له: السلام على من اتبع الهدى، السلام على خليفة رسول الله، وصاحبه، وأول من دخل دين الله. ألم تعرفني يا صاحب رسول الله؟ بلى، تذكرت ذاك الرجل الذي اجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبان البعثة. شيخ بني شيبان الذي شهد لهم الرسول بمكارم الأخلاق. أنا هو ذاك الرجل، ويا ليتني أسلمت حينها، وكنت من أصحاب رسول الله. أخبرني ماذا تريد يا ابن حارثة يا خليفة رسول الله؟ استعملني على من أسلم من قومي، أقاتل بهم هذه الأعاجم من أهل فارس.

اكتبوا له عهداً من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمير المؤمنين، بأن يُولَّى المثنى على قومه لقتال [موسيقى] الفرس. وفي عهد أبي بكر، وجه جيوشاً لقتال بلاد فارس بقيادة الصحابي الجليل، وسيف الله المسلول، خالد بن الوليد، الذي دك حصونهم، وقتل جنودهم، ودمر معاقلهم. ويمكنكم الرجوع إلى المعركة المهمة التي كانت بداية لهزائم الفرس في العراق في الرابط الذي يظهر على الشاشة. وانتصر الصحابي الجليل خالد بن الوليد في كل معاركه في بلاد العراق، إلى أن جاءته الأخبار من بلاد الشام بحشد رهيب لجيوشه لمواجهة المسلمين هناك. فترك بلاد العراق، وذهب للشام، وجعل مكانه المثنى على من تبقى من جيش المسلمين هناك.

وبعدما غادر خالد بن الوليد العراق متجهاً إلى الشام، اجتمع أهل بلاد فارس بعد مقتل ملكهم وابنه، على تمليك شهريار ابن أزدشير. واستغلوا غياب سيف الله المسلول، وظنوا أنهم سيهزمون المسلمين. هذه فرصتنا، لقد ذهب قائد المسلمين خالد بن الوليد إلى قتال هرقل، وولي على جيشه المثنى، ذلك القائد المخضرم الذي لا يعرف شيئاً في القتال، وسوف نسحقه هو وجيشه الصغير. فبعث شهريار ملك الفرس جيشاً قوامه عشرات الآلاف محارب لقتال المثنى وجيش المسلمين، وقال له في رسالة بعثها: إني بعثت لك جنداً من وحش أهل فارس، إنما رعاه الدجاج والخنازير، ولست أقاتل إلا بهم.

فرد عليه المثنى بن حارثة الشيباني برسالة جعلت أهل فارس يندمون على رسالتهم: من المثنى إلى شهريار: إنما أنت أحد رجلين: إما باغٍ ذلك شر لك وخير لنا، وإما كاذب فَأعظم الكاذبين عقوبة وفضيحة عند الله في الناس الملوك. وأما الذي يدلنا عليه الرأي فإنكم إنما اضطررتم إليهم. الحمد لله الذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير. وسار المثنى من الحِرَّة إلى بابل. ولما التقى المثنى وجيشهم بمكان عند عضوه الرات الأولى، اقتتلوا قتالاً شديداً جداً. وأرسل الفرس فيلاً بين صفوف الخيل ليفرق خيول المسلمين. الله أكبر! وما لبث إلا أن قام المثنى بن حارثة الشيباني بالهجوم على ذلك الفيل فقتله، فارتفعت عزائم المسلمين، الله أكبر! فلم تكن إلا هزيمة للفرس، فقتلوهم قتلاً ذريعاً، وغنموا منهم مالاً عظيماً، وفرت الفرس حتى انتهوا إلى المدائن في شر حال. وكان المثنى بن حارثة الشيباني هو أول مسلم يقوم بقتل فيل ضخم في معارك الفرس ضد المسلمين.

معركة الجسر، بقيادة أبي عبيدة بن مسعود الثقفي، بعد أن ولي خليفة المسلمين عمر بن الخطاب التابعي أبا عبيدة بن مسعود الثقفي على قيادة جيش المسلمين في حروبهم ضد الفرس في العراق. وبعد وصول جيش المسلمين إلى العراق، كان ينتظرهم الكثير من المعارك هناك، حيث انتصر أبو عبيدة بن مسعود الثقفي في كثير من تلك المعارك، إلى أن وصلوا إلى معركة الجسر الشهيرة. حيث قام رستم بإرسال قائد عسكري كبير من أحد قيادات جيش الفرس لمواجهة جيش المسلمين بقيادة أبي عبيدة. وكان هذا القائد بهمن جاذويه. لقد هزمونا المسلمون شر هزيمة، وسوف نثأر، ونرجع هيبة إمبراطورية بلاد فارس. أرسلوا لي بهمن جاذويه، وقوموا بحشد سبعين ألف مقاتل. سنحارب المسلمين بعشرة آلاف فيل ضخمة، وسوف نسحقهم، وسنرى من سينتصر.

وصلت الأخبار إلى قائد المسلمين أبي عبيدة بن مسعود الثقفي، فتوجه إلى منطقة شمال الحيرة، وعسكر هناك، وأرسل إليه بهمن جاذويه مندوباً ليتفاوض على موقع المعركة: إما أن نعبر إليكم، وإما أن تعبروا إلينا. سنعبر إليكم، ونهزم جيشكم. المسلمون ليسوا جبناء، ولكن يا أبا عبيد، إذا فعلنا ذلك لن نستطيع الانسحاب، وسيصبح الفرس أمامنا، والنهر خلفنا. ويجب عليك أن تعمل بنصيحة خليفة المسلمين. كل ذلك حصل أمام رسول الفرس الذي استغل الفرصة ليثير حمية أبي عبيد، فقال: إنهم يقولون إنكم جبناء، ولن تعبروا إلينا أبداً. فقال أبو عبيدة: سنعبر الجسر، ونقاتل. وإن كانت هذه شجاعة فائقة منه، فإن الحروب كما تقوم على الشجاعة، لابد أن يكون هناك حكمة في التعامل مع الحدث.

وبدأت أفيال الفرس تهاجم المسلمين بضراوة، وأمر أبو عبيدة أن يتخلى المسلمون عن الخيول، ويحاربوا الفرس جميعاً وهم مشاة. تخلى عن الخيول، فإن الأفيال تثير خوفها، وقوموا بمحاربتهم على اقدامكم. وفقد المسلمون بذلك سلاح الخيول، وأصبحوا جميعاً مشاة أمام قوات فارسية مجهزة بالخيول والأفيال. واشتد وطيس الحرب، ولم يتوان المسلمون على القتال. لا أقاتل حتى النهاية. دل على مقتل الفيل. وقال له المثنى بن حارثة الشيباني: يقتل من خرطومه، يقتل من خرطومه. ولكن يا أبا عبيد، إنما تلقي بنفسك إلى التهلكة، وأنت الأمير. وقال أبو عبيدة: والله لا أتركه، إما يقتلني، وإما أقتله. ويقف الفيل على قدميه، ويرفع قدميه الأماميتين في وجه أبي عبيدة. ولكن أبو عبيدة لم يتوان في محاربته، ومحاولة قتله. وعندما شعر بصعوبة الأمر، قال: مت! فأمره الجيش لفلان ثم لفلان ثم لفلان. وواصل أبو عبيدة القتال مع الفيل وهو يحاول قطع خرطومه، ولكن الفيل عاجله بضربة فوقع على الأرض، وهجم عليه فقتله، وداسه بأقدامه الأماميتين، فمزقه أشلاء. وكان موقفاً صعباً على المسلمين حينما رأوا قائدهم يقتل هذه القتلة البشعة. وتولى أمراء الجيش بعده مباشرة، أولاً سبعاً، ويهاجمون الفرس، ويقتلون جميعاً. وقد قتل في هذه المعركة ثلاثة من أبناء أبي عبيدة بن مسعود الثقفي، وكان أحدهم أميراً على الجيش، وقد كان كذلك أخوه الحكم قد قتل في تلك المعركة، وكان أحد الأمراء على الجيش.

وأتت الأمور للمثنى بن حارثة، قائدنا العظيم، الذي كان توليه في تلك المرحلة في غاية الصعوبة. وفي هذه اللحظة، بدأ المسلمون في الفرار عن طريق الجسر إلى الناحية الأخرى من الفرات. ولكن أخطأ أحد المسلمين خطأً جسيماً، فذهب عبد الله الثقفي، وقطع الجسر بسيفه، فأستأنف الرسالة الكاله مع المسلمين، ويزداد الموقف صعوبة. وأُوتي بالرجل الذي قطع الجسر إلى قائد الجيش المثنى، فضربه المثنى، وقال له: ماذا فعلت بالمسلمين؟ إني أردت ألا يفر أحد من المعركة. إن هذا ليس بفرار يا عباد الله، إما النصر، وإما الجنة. اصلحوا الجسر ليتسنى للمسلمين الانسحاب. فبدأ يصلحون الجسر من جديد، وبدأ المثنى يقود إحدى العمليات الصعبة، وهي عملية الانسحاب من هذا المكان الضيق أمام القوات الفارسية. فأرسل أشجع فرسان المسلمين، واستنفر، وقال: يقف أشجع المسلمين على الجسر لحمايته. فتقدم لحماية الجسر عاصم بن عمرو التميمي، وسليط بن قيس، صحابي رسول الله، وسيدنا المثنى بن حارثة على رأسهم. وقف كل هؤلاء ليقوموا بحماية الجيش أثناء العبور. [موسيقى] [موسيقى] ويحكم الجسر ألا يقطعه الفرس. ويقول المثنى بن حارثة للجيش في هدوء غريب: اعبروا على هينت، ولا تفزعوا، فأنا نقف من دونكم، والله لنترك هذا المكان حتى يعبر آخركم. فقد ظل المثنى يقاتل حتى اللحظة الأخيرة، ويرجع والفرس: لا عليكم، أكملوا الانسحاب. وعاد المسلمون أدراجهم، ووصلوا إلى الشاطئ الغربي من نهر الفرات قبل غروب الشمس بقليل.

وفي هذه المعركة، أصيب المثنى إصابة بليغة، ولكن استطاع أن يتجاوزها. وكان قد شارك في هذه المعركة ثمانية آلاف مسلم، قتل منهم عدة آلاف بين غريق وقتيل. وكان الأمر شديداً على المسلمين. وقد تمكن المثنى بن حارثة الشيباني من استدراك الأمر في النهاية، فما كان لمن نجا أن ينجو من هذه المصيدة المحكمة التي أعدها الفرس للمسلمين. وكان المثنى كفاءة حربية منقطعة النظير. وكان أبو عبيدة بن مسعود الثقفي أول من استنكر للجهاد في وجود الكثير من الصحابة نفر قبلهم، وأمر الجيش أن يحارب، ودخل الحرب في منتهى الشجاعة. وما استطاع المثنى أن يتقبل هذه الخسارة، فقد ترَبَّص بجيش الفرس الذي انسحب من أرض المعركة، وانتقم منهم في النهاية.

كانت أنباء هزيمة الجسر ثقيلة على المسلمين، حتى ظل عمر بن الخطاب شهوراً طويلة لا يتكلم في شان العراق، نظراً لما أصاب المسلمين هناك. ثم ما لبث إلا أن أعلن النفير العام، فَثَقُل الناس. وعندما رأى ذلك، قرر عمر بن الخطاب خليفة المسلمين أن يسير بنفسه للقتال، فأشعل سلوكه ذلك الحماسة في قلوب المسلمين. فأرسل عمر بن الخطاب خليفة المسلمين قوات للمساندة للمثنى في حربه ضد الفرس في العراق. واكتملت قوات المسلمين تحت قيادة [موسيقى] المثنى في مكان يدعى البويب، ويقع حالياً في مدينة الكوفة في العراق. وكان نهر الفرات بين الجيشين، وكان على قيادة جيشهم قائد يدعى الهداني، الذي أرسل إلى المثنى يقول له: إما أن تعبروا إلينا، وإما أن نعبر إليكم. ولكن المثنى تعلم من أخطاء الماضي، وما حصل معهم في معركة الجسر الشهيرة، وقال لهم: بل اعبروا أنتم إلينا، وسنحاول أن نبدأ القتال إلا بعد العبور. سنعبر إليهم، وسنقاتل. سنجعل لكل قبيلة راية تقاتل تحتها، حتى يعرف من أين يخترق الفرس صفوف المسلمين. وأوصيكم بالصبر والصمت والجهاد، ولا يغركم صوت الفرس، أن ذلك من الفشل، وليس من الشجاعة.

كان قتالاً شديداً عنيفاً، تأخر فيه نصر المسلمين، فتوجه المثنى بالدعاء لله عز وجل بالنصر والتمكين. انتخب جماعة من أبطال المسلمين، وهجموا بصدق على الفرس، فهزموهم شر هزيمة. وأما فرقة النخبة، فانتم رأس الحربة التي ستُهزم الفرس. وحينما استشهد مسعود بن حارثة، وهو أخو المثنى، وقف في المسلمين قائلاً: معشر المسلمين، لا يرعاكم أخي، فإن مصارع خياركم هكذا. وتمكن أحد المسلمين من قتل مهران قائد الفرس، فخارت صفوف الفرس، وولوا هاربين. فلحق المثنى على الجسر قبل أن يعبروا، فقتل منهم أعداداً كبيرة وضخمة، قيل إنها أكثر من مئة ألف جندي، كناية عن ضخامتها. الحقوا بهم، ولا تجعلوهم يهربوا يا رجال النخبة. اذهبوا إلى الجسر، واقطعوا، واقاتلوهم يا لثارات أبي عبيدة. تلك كانت بعضاً من بطولات ذلك الرجل العبقري في الحرب، الذي أثقل خسائر الفرس، وزلزل عروشهم، ودمر معاقلهم. التابعي الجليل، ورأس حربة المسلمين في العراق، شيخ الحرب، وقائد قبيلة العرب هناك، المثنى بن حارثة الشيباني، رضي الله عنه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.