Transcription
في البدء كانت الدموع كان بكاء آدم وحواء على الأرض مشهدًا مؤثرًا للغاية [موسيقى] للغايه [موسيقى] سمعت وأنا أطير مبتعدًا صرخة قابيل: يا ويلتِ، أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي. يشيب على الأرض كل شيء باستثناء ريش الغراب. من رأى ما رأيناه واحتمل، لا يشيب مهما رأى بعد ذلك. ذكّرتني كمخلوق كنت شاهد الإثبات الوحيد في أول جريمة قتل تُرتكب على الأرض. شاهدت أول دم إنسان يُسفك غدرًا. كنت أعرف أن الله سبحانه وتعالى يسمع ويرى ويشهد. كان يومًا شديد الرعب. أعرف أن الشيطان هو السبب. ما أغرب تصرفات الشيطان، وما أسهل انقياد أبناء آدم له. يحب الناس الله ويعصونه، ويكرهون الشيطان ويطيعونه. يا أغرب هذا النوع المسمّى بالإنْسان! ما أفظع تناقضاته، وما أعظم حلم الله عليه ورحمته به.
ثائرٌ أنا قليلًا، فمعذرة. يحجل أثناء سيرِه كأي مجنون يمشي على الجمر، فهو يتوثّبُ، غريبٌ! ليكن أننا نقفز ونحجل، أليس هذا أمرًا طبيعيًا بعد ما رأيناه من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان؟ كنا نسير قبل خلق الإنسان، فنتَهدّى على الأرض ملوكًا بلونها الأسود وميتنا القافزة. ثم شاهدنا أخًا يقتل أخاه، فاضطربت مشيتنا من الهول، وورث أبناؤنا عاهةً. قضي الأمر. يعتقد الناس أن صوت الغراب بالغ البشاعة، ولا يكاد أحد من بني جنسنا يصرخ فوق شجرة حتى يتشاءم الناس. قد يكون صوتنا أقل في جماله من صوت البلبل، غير أنه لا يمت بنسب إلى الشؤم. الشؤم كلمة إنسانية تنطبق على تصرفات ابن آدم. أحيانًا يتصرف الإنسان تصرفًا رهيبًا، فإذا صرخ غراب فوق شجرة، هناك نسي الإنسان تصرفه وذكر صوت الغراب وتشاءم. حيلة قديمة يلجأ إليها ابن آدم، وليس كابن آدم مخلوق يستطيع أن يخدع نفسه أو أن يدلس عليها.
يتهم النوع الإنساني جنس الغربان بالسرقة والخطف وعقوق الوالدين والأهل. يقول الناس عنا إننا نسرق الكحل من العين، ونسرق الصابون من أسطح المنازل، ونحن لا نعرف ما هو الكحل أصلًا، كما أننا لا نستخدم الصابون حين نستحم، لا نحتاج إليه. أجسادنا وأفكارنا في درجة التلوث القصوى لا تحتاج إليه. أعتذر عن لهجتي الحادة. من رأى ما رأيته ينبغي أن يفقد صوابه. قاضٍ أنا في دنيا الغربان، وشاهدٌ على دنيا الناس. يفقد القاضي عدله ونزاهته حين يفقد هدوءه وأعصابه، وينحاز. وقد لعبت الدورين معًا: قاضيًا كنت في الغربان، عادلًا كنت ومحتفظًا بأعصابي وهدوئي. فلما هبطت للشهادة في دنيا الإنسان، انخلع عني تاج القضاة، فقدت أعصابي وصرخت. ثم بعثني الله ليلقّن ابن آدم درسًا في الرحمة. قلت يومها لقابيل: نعيا بصوتي الحاد، نعرف أنك وحش قاتل، رغم ذلك فإنك تجهل. رغم أنك إنسان افترض فيه العلم، جاهلٌ تجهل أنه جاهل، جاهلٌ لا يعرف كيف يواري سوءة أخيه. لم أزل منفعلًا، فمعذرة.
تعتدي على طعام الغربان الصغار، ولكل جريمة من هذه الجرائم عقوبتها الخاصة. في حالة اغتصاب العش، نكتفي بهدم العش للمغتصب، ونصرخ مؤنبين السارق، ونلزمه ببناء عش لمن اغتصب منه العش. في حالة اغتصاب أنثى غراب آخر، تقتل الجماعة المعتدي ضربًا بالمناقير. وفي حالة اغتصاب طعام الصغار، تنتف الجماعة ريش المعتدي حتى يصبح كالصغار بغير ريش. وأحيانًا يُضاف إلى عقوبة التوبيخ أو نتف الريش، عقوبة الطرد من الجماعة. وتُعقد محاكم الغربان عادةً في أرض فضاء أو حقل واسع، وهناك ينتظر الذين سبقوا بالحضور بقية جنسهم ممّن تأخر. ويستمر الانتظار أيامًا وليالٍ إلى أن يتكامل العدد. عندئذٍ تُنْحِي المعتدي، وتُقيم عليه حراسًا، وتبدأ في محاكمته. يشرع الباقون في النعيق جماعات، ويردّ المتهم نعيقًا، ويعاود الشهود النعيق، ويصفقون بأجنحتهم حالقين، ثائرين. وينعق ويصفق بأجنحته هو الآخر. ثم يخفض الجاني جناحيه، وينكس رأسه، ويمسك عن النعيق. هذا اعترافه بالذنب. عندئذٍ يصدر حكم القاضي، فيثب الغربان جميعًا على المذنب، ويوسعونه تمزيقًا بالمناقير، يموت. يحمل أحدها القتيل لدفنه، ويمرر جثته. قد يكون الغراب القتيل مذنبًا، لكن للموت حرمة ينبغي معها إكرام الجسد بدفنه. وهكذا يعدل الغربان في الحالتين، في الحياة والموت. والعدل في جنس الغربان أقوى ما فيه من غرائز، والأصل أن العدل في دنيا الإنسان مكتسب ونسبي، بينما هو في دنيا الغربان غريزي ومطلق. ثمّة قواعد أساسية لا تتبدّل، ولا تتغير، ولا تتطور عندنا. من خرج عليها، خرج على الجماعة واستحق النبذ والقتل. هذه القواعد والقوانين ليست من وضع الغربان، إنما هي حاكمية خلقها الله فينا، وجعلها فطرتنا، والزم جبلّتنا بها. لا نُشرّع القوانين لأنفسنا. نعرف أن النفس تميل مع الهواء، وتنحاز لما فيه مصلحتها، وترى الخشبة البارزة في عينيها قشة، وترى القشة في عين الغير شجرة.
تجاوز جنس الغربان هذا كله إلى شاطئ الأمان حين استسلم لتشريع الخالق سبحانه. إن عمل القانون يستلزم التجرد من الهوى، وأي مخلوق يتجرد من الهوى غير الملائكة؟ يذكرني الملائكة بأيام الخلق الأولى. كانت الأرض سلامًا عظيمًا قبل هبوط الإنسان فوقها. أمواج البحر عذراء لم تمخرها سفينة، والرياح نقية لم تلمس جبهة إنسان، والحقول الموجودة في الأرض كلها لم تضاها أقدام بشر. لم تزل الدنيا نقية، لم تُلونها كذبة واحدة. كل شيء ينبض بالصدق، الجبال تتألق بالثلوج البيضاء تحت أشعة الشمس المنكسرة، والبحار تتنهد فيرتفع صدرها الأزرق وينخفض، ومن الحقول الخضراء يتصاعد عطر ذكي ينتشي به الجو. كل شيء بالغ الجمال والسحر. رغم ذلك كان هناك شيء موحش في الصورة، إن شيئًا ينقص المشهد، إن يدب الإنسان على الأرض وسط هذا الجمال، ويرفع يديه لأعلى طائعًا لله، ويسأل. عندئذٍ يبرز المعنى الحقيقي وراء خلق الجمال المجرد. تكتسب الأشياء جمالًا أقل ومعنى أكبر حين تعرف وتخطئ وتتوسل. هذا شان المعرفة دائمًا، تخدش البراءة في البداية، ثم تولد المعرفة بعد ذلك. يتمتع ملائكة الله بالبراءة، أما الإنسان فقد خدشت براءته في الجنة، اغتصبها الشيطان لحكمة أزلية عليا هي تعمير الأرض وسكنها.
كنا نعرف أن الإنسان قادم من الجنة. في البدء كانت الدموع، كان بكاء آدم وحواء على الأرض مشهدًا مؤثرًا للغاية، وعرفنا من صوت الدموع قدر الذنب، ومعنى العصيان، وصدق التوبة. كان آدم مقيمًا في التوبة، إن صح هذا التعبير. يا لجلال وجهه المهيب! كان في عينيه حنان أُمومة يكتسح السدود، ولا يتوقف عند ولد ودون ولد. أما حواء فكانت أُمًّا لكل نساء الأرض. ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. كانت هذه دعوتهما معًا لله. وضعت حواء أول بطن لها. لا يبيض الأديميون مثلنا نحن الطيور، إنما دون. كانت حواء تضع في البطن الواحد ولدًا وبنتًا، وفي البطن الثاني ولدًا وبنتًا. وكان ولد البطن الأول يحل لبنت البطن الثاني. ولدت حواء قابيل وأخته آقليّة، ولدت هابيل وأخته ليوث. كبر الأخوة معًا. انحضر هابيل من التل وهو يضحك، وجهه يترقرق بطفولة أعوام الثمانية، ووراءه يندفع قابيل وهو يمسك في يده بفرع شجرة محاولًا أن يلحق أخاه. يلعبان معًا كالعادة. لست أعرف لذا يبدو أحد الأخوين رقيقًا حقًا كزهر بقلة الحقل، ويبدو الثاني قاسيًا كشوك الجبال. يحدث دائمًا في اللعب أن يختار قابيل دور الصياد، ويختار هابيل دور الفريسة. يحمي اللعب، وتلمع عين قابيل بالكراهية وهو ينهال على هابيل ضربًا بما في يده. في البدء كان هابيل يضحك، ترنّ ضحكته بين التلال والأشجار مثل ينبوع يضيء بالصفاء والمرح. ويقصّ قابيل، ويمسك فرع الشجرة بيديه معًا بدلًا من يد واحدة، ويتحول وجه هابيل من السرور إلى الألم، وانتهى رنين ضحكته بما يشبه الصرخة. ويهرع آدم إليهما، فيجد هابيل جريحًا، وقابيل ماضٍ في اعتدائه. ويصرخ آدم عليه السلام: قابيل، ماذا فعلت بأخيك هابيل؟ ويرد قابيل: نحن نلعب، وقد اختار هابيل دور الفريسة. ويصرخ آدم مؤنبًا قابيل، ويفصل بين الأخوين، يلوم قابيل ويمسح جراح ابنه الطيب، ويحدثهما إنما هما شقيقان خرجا من أم واحدة، ويعيشان فوق أرض واحدة، وينبغي أن يجمع بينهما الحب لا الكراهية.
وكان أعظم ما يثير دهشتي أن قابيل كان يغلق فمه القاسي، ولا يدافع عن نفسه، بينما كان هابيل يدافع عن أخيه، ويتوسل لأبيه أن يصفع عنهما معًا. في العشرين من عمره ارتفعت يد قابيل وهوت على وجه هابيل بضربة قوية وهو يصرخ: هذا كوخي أنا. تركت أصابع الأخ على خد شقيقه علامات حمراء واضحة. فوجئ هابيل بالإهانة، واحتدم داخله الغضب، وتجمعت في عينيه دموع سريعة معذبة. قال هابيل ببراءة: انظر إلى يدي، لقد تسلخت في بناء الكوخ. قال قابيل: حسبًا، لن تبيت في الكوخ بعد غروب الشمس القادم. لقد تكلم قابيل، ردّ شقيقه بوداعة. يريد هابيل أن يقول كلمة هو الآخر: إني أحبك يا قابيل! فلماذا لم يسمع قابيل شيئًا؟ كان قد غادر المكان. لم أرَ هابيل يحدث آدم بما وقع. لا أعرف لماذا، ربما كان يحس أن قلب الأب يمتلئ بأحزان مصدرها تصرفات قابيل، وخشي أن يزيد أحزانه عمقًا. ربما قال لنفسه أن تهديد قابيل كلمة لا يعنيها. وحين جاء غروب الشمس القادم، فوجئ هابيل بأخيه قابيل يقتحم عليه، وقبل أن يفتح هابيل فمه بكلمة، كان الحجر يشق جبهته ويفجر منها الدم. وحمل قابيل والقاه خارج الكوخ. وضمد هابيل جرحه بالأعشاب، ونام في مكانه. وفوجئ آدم بابنه ينام خارج كوخه، وفوجئ بدمه المتجمد على جبينه. صرخ آدم نفس صرخته، وإن كانت تشرب هذه المرة من ينابيع حزن أعمق: قابيل، ماذا فعلت بأخيك هابيل؟ كان قابيل لا يشبه هابيل، وكانت آقليّة شقيقة قابيل لا تشبه ليوث شقيقة هابيل. كان قابيل أقسى من هابيل، وكانت ليوث أقل جمالًا من آقليّة. وكان المفروض أن يتزوج هابيل من آقليّة، ويتزوج قابيل من ليوث. بيني وبين نفسي كنت أفضّل هابيل على شقيقه، وكنت مرتاحًا لأنه سيتزوج الأجمل. إن هابيل لا يغضب عندما نأكل من طعامه. شاهدني يومًا أقف أمام بيض الدجاج الذي يربيه، فمدّ يده وناولني بيضة، وسررت من تعاونه مع جنس بسيط كجنسه. هذا رجل يدرك حكمة التعاون بين الخلائق، ويدرك معنى الرحمة، ورجل يعرف الله ويحبه ويخافه.
أريد أن أُركّز عقلي لأضع شهادتي على جميع الخرائب والآثار، وأحكيها للرياح التي تصفر في أعظم الأماكن وحشة. صرخ قابيل: لا، أنا خير منه! كان الشيطان يقف وراء الكلمة. قالها إبليس عن آدم، ويلقّنها اليوم لابن آدم، يقولها عن أخيه. رفض قابيل أن يتزحزح عن موقفه. أدهشتني جرأته، ولم أعرف كيف تصرف آدم. قال آدم: قرب كل منكما قربانًا إلى الله، يتقبل الله قربانه. كان على الحق. تنحّى آدم عن الفصل بينهما، وترك ذلك للسماء. لم أعرف كيف يتقبل الله القربان، ولم أعرف ما هو القربان أصلًا. انتظرت أيامًا شغلتني فيها دنيا الغربان بقضاياها ومشاكلها. كان هناك غراب مغتصب هارِب نبحث عنه لمحاكمته. وجاء يوم تقديم القرابين إلى الله. جاء هابيل يحمل أسمن كباشه، ووضعه على الجبل، وصلى لله تعالى أن يتقبل. وجاء قابيل بقمح لم يزل أخضر في سنابله. جاء بقمح لم ينضج بعد. كان قابيل بخيلًا إلى الحد الذي فشلنا فيه نحن الغربان أن نذوق طعامه. قدم قابيل قربانه ومضى. وقف الشقيقان بعيدًا. تمنيت في قلبي، بوصف قاضٍ غير منحاز، أن يتقبل الله من هابيل. هبطت من السماء نار أكلت قربان هابيل، إشارة إلى القبول. وصرخ هابيل صرخة الحمد والفرح، وصرخ قابيل بكلمة القتل. كان قابيل يقف قد مدّ أمامه كفيه، وراح يتأمل بنظره نقطة هناك عند الأفق، ورغم صمته المطلق، فقد كانت تنبعث منه موجة من العداء تكاد تُحسّ جسديًا. كان يومًا رائعًا من أيام الله. الشمس تنشر دفئها في الجو، أشجار النوبر الممتدة على طول الأفق تستحم في أشعة الشمس، وتأخذ جذوعها لون الكهرمان الذي تقذفه البحار. ومن الجبال القريبة كانت تهب الرياح وهي تحمل من أعماق الوهاد والشعاب المغطاة بمخمل الغابات الخضراء، عبير الغابة البكر والزهور الإلهية. عاد قابيل يصرخ: لأقتلنّك! لم يدري هابيل سر غضب قابيل عليه. لا يدرك النقاء عادة دوافع الإثم وشروره. لقد تقبل الله من أحدهما ولم يتقبل من الآخر. قال لشقيقه: إن الله يتقبل من المتقين. عاد قابيل يتمتم: سأقتلك! ردّ هابيل وهو يستدير عائدًا لكوخه وازهاره: لن أُبسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين. إني أريد أن تبوء بإثمك وإثمي فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين. انصرف هابيل مع زوجته آقليّة، تزوج وعاش أيامًا حين ظهرت أعراض الحمل عليها. كانت نفس قابيل قد طوعت له قتل أخيه. عثرنا على الغراب المغتصب الفار، وبدأت محاكمته. استلقى هابيل على الأرض بعد عمل يوم شاق، لم يكد يتوسد حقل الزنابق حتى استغرق في النعاس. انحضرت الشمس نحو الغرب. استمرت محاكمة الغراب الآثم. امتلأت السماء بدم الشفق. وتسلل قابيل وهو يشدّد ضغطه على فك حمار عثر عليه في الغابة. مات حمار في الغابة القريبة فأكلت السباع لحمه، وأكلت النسور ما بقي منه، وشربت الأرض دمه، وبقي فكه العظمي ملقى على الأرض. حمل قابيل أول سلاح في الأرض، وراح يمضي باحثًا عن شقيقه. أثار شيء لا أدريه في الوجه النبيل الحالم. استيقظ هابيل وفتح عينيه. ارتفعت يد قابيل بالفك العظمي وهوت بسرعة، بثق الدم من وجه هابيل، وملا صدر قابيل. عادت اليد الآثمة تهوي على الوجه الطيب، وفي الضربة الخامسة ارتطمت يد قابيل بطين الحقل. سكنت حركة هابيل تمامًا، وأدرك قابيل أن أخاه قد مات. كفت يده عن ضرباتها السريعة القاسية. جلس واجمًا أمام ضحيته.
لم ننتهِ بعد من محاكمة الغراب الآثم. أجلنا المحاكمة للغد. أقمنا على الغراب حرسًا، وانصرفنا. وقفت على شجرة فوق رأس قابيل، ونعقتُ صارخًا: قابيل، ماذا فعلت بأخيك هابيل؟ رفع قابيل رأسه ونظر إليّ، كان وجهه يرتعش. استغرقت محاكمة الغراب المتهم ساعات، كان يكذب وينكر التهم المنسوبة إليه، ويجادل، غير أن تقدم المحاكمة كان يضيق الخناق حول عنقه. طوال الوقت الذي استغرقه المحاكمة، كان قابيل يحمل أخاه على ظهره، ويسير به، لا يعرف ماذا يفعل بجثته. إن النسور تحوم حولها، والوحوش تقبل على الرائحة، وقابيل يخشى أن يترك أخاه فتلته الوحوش، ولذلك يحمله على ظهره ويسير، لا يعرف ماذا يفعل به، ولا يعرف كيف يتصرف فيه. انتهت محاكمة الغراب، وثبتت كل التهم المنسوبة إليه، وأصدر القضاة حكمهم عليه بالموت. تم تنفيذ الحكم في الغراب. حملت الغراب الميت لدفنه في مكان بعيد. كنت أطير وأنا أحمله في منقاري حين أحسست أن قدرًا خفيًا يوجه أجنحتي نحو قابيل. لم أكن أنوي أن أمر على قابيل، لا أحب قابيل، لكن أجنحتي تتجه رغم إرادتي إليه. ثمّة أمر جليل يعلو على إدراكي، ويوجه أجنحتي. أمرني أحد الملائكة الكرام: أيها الغراب، إن الله تبارك وتعالى يبعثك لترى ابن آدم كيف يواري سوءة أخيه. هبطتُ على الفور بحملي أمام قابيل، وضعتُ الغراب الميت أمامي، ورحت أحفر الأرض. حفرت الأرض بمخالبي ومنقاري، ساويت أجنحة الغراب الميت إلى جواره، رفعته بمنقاري ووضعته في لحده. صرخت صرختين قصيرتين، ثم اهلت فوقه التراب. بعدها نظرتُ لابن آدم، قالت نظرتي: قتلناه بالعدل، رغم أننا نعرف لجثته حق الاحترام. أما أنت؟ رحت أنعق وأنعت وجهه. بعدها طرت في الهواء متجهًا نحو الغرب. سمعت وأنا أطير مبتعدًا صرخة قابيل: يا ويلتِ، أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي. خيّل إلي أن الصرخة ترقّ بالندم. لم أعرف من أي نبع كان ندمه يصدر، أكان ندمًا لأنه حمله كل هذه الساعات وهو يجهل دفنه؟ أكان ندمًا لأنه قتله بغير الحق؟ لا أعرف. كل ما أردت معرفته هو حال زوجة هابيل. ملأني السلام حين عرفت أنها تنتظر الوضع. أردت أن أطمئن على الجنس البشري، وأتأكد أنه ينحدر من صلب رجل كريم يخاف الله. أعرف أن أبناء قابيل القاتل سيملؤون الأرض، أعرف أن الصراع لن يتوقف بينهم وبين أبناء الشهيد الطيب، وربما تتكرر مأساة الأب مع الأبناء. أعرف هذا كله، وأجهل الحكمة من وراء هذا كله. ليست وظيفتي هي المعرفة. شاهدًا كنت على أبناء آدم، أستاذًا لهم لحظة من الزمن، لكن مهمتي ليست هي المعرفة. ربما كان الإنسان يعرف. إلى هنا انتهت حلقتنا. شاركونا آرائكم، لا تنسوا دعمنا بالضغط على زر الإعجاب ومشاركة هذا الفيديو مع جميع أصدقائكم. دمتم بخير، وإلى اللقاء.