📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

57 إذا أردت أن تعرف قدرك عنده فانظر في ماذا يقيمك - فضيلة الشيخ حسان الهندي

فضيلة الشيخ حسان الهندي30:21

Transcription

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نستهديك لأرشد أمرنا، وزدنا علماً ينفعنا.

وبعد، فهذا هو الدرس السابع والخمسون من دروسنا في شرح الحكم العطائية للشيخ عبد المجيد الشرنوبي رحمه الله تعالى.

نعم، إذا أردت أن تعرف قدرك عنده، فانظر فيماذا يقيمك. هذه أيها الإخوة الأكارم حكمة بقدر ما نفرح بها، نخاف منها. لأن الإنسان لا ينبغي أن يغتر بنفسه ببعض الأعمال والصور. فإنا قد وفقني الله عز وجل لأعمال بفضله وكرمه، ولكن لدي أعمال أخرى لا يعلمها الخلق ولا يعرفها الناس، وأنا أرتكب هذه الأشياء وأفعلها ويعلمها الله مني. فأنا الآن أسأل نفسي بناءً على ذلك: إذا أردت أن تعرف قدرك، فانظر فيماذا يقيمك من الأفعال والأحوال. بماذا يشغلك ظاهرك وباطنك؟ فهذا هو مقياسك عند الله عز وجل.

الإنسان ربما كان في ظاهره طاعات، وفي باطنه له أحوال أخرى من انهماك على الدنيا وحرص على الدنيا. فإذا رآه الخلق رأوا ظاهره فعظموه. ربنا عز وجل يعلم منه ما لا يعلمه الخلق. فيا ترى، هل أخدع أنا بما يراه الخلق من ظاهري؟ أم أنني ينبغي أن أخاف مما يعلم الله من باطني؟ لذلك أيها الإخوة، هذه الحكمة لا ينبغي أن نأخذها أن نغوص مع الأعمال الباطنة التي يعلمها ربي عز وجل مني. الناس ربما أثنوا علي بهذا الكلام، قالوا: "إذا أردت أن تعرف قدرك عنده، فانظر فيماذا يقيمك". لكن أنا ينبغي علي أن أخاف من هذه الحكمة عندما أرى نفسي في معصية لله عز وجل، في انهماك في الدنيا، في إقبال على الدنيا. هذا ما نخافه أيها الإخوة على أنفسنا. فنحن نحمد الله عز وجل ونشكره على ما وفقنا إليه من صالح الأعمال، ونستغفره مما وقعنا به من سوء الأقوال والأفعال والأحوال.

نعم، هذه الحكمة تشير إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "من أراد أن يعلم منزلته عند الله، فلينظر كيف منزلة الله تعالى من قلبه". إذاً، لاحظوا أيها الإخوة، بناءً على هذا الحديث، لا عبرة بالظاهر، ولا عبرة بأعمال الظاهر، بل العبرة بتوجه القلب، العبرة باستعداد الإنسان في في داخله، العبرة باهتماماتك وأهدافك ونياتك ومقاصدك، العبرة بأحوال الباطنة، كيف أنت مع الله عز وجل؟ إذا أردت أن تعرف منزلتك عند الله، فانظر إلى منزلة الله عندك. أستغفر الله وأتوب إليه. أستغفر الله وأتوب إليه. أستغفر الله وأتوب إليه.

يعني أنا الآن إذا أردت أن أنظر نفسي عند الله سبحانه وتعالى، هل أنا عظيم أو لا؟ أنظر إلى نفسي، هل أنا أعظّم الله عز وجل عندما أكون في خلوتي؟ هل أنا أخجل من الله تبارك وتعالى عندما أكون وحدي لا يراني الخلق؟ أنا أستحي من الخلق أن يروني في كثير من الأحوال، أو أن يسمعوا مني كثير من الأقوال، أو أن يروا مني كثير من الأفعال، بينما ربما يغيب عني الحياء من الله تبارك وتعالى. لذلك أخوتي الأكارم، حقيقة أنا أستغفر الله تبارك وتعالى وأتوب إليه. أستغفره أيها الإخوة لأنني يعني أستحي من الخلق ولا أستحي من الخالق. أستغفره لأنني أستحي من الخلق ولا أستحي من الله سبحانه وتعالى، ولا أستطيع أصلاً أن أستحي منه. أراعي نظر الخلق ولا أراعي نظر الحق. أحرز على منزلتي عند الناس ولا أبالي بمنزلتي عند الله عز وجل. أخشى السقوط من عين الخلق ولا أخشى السقوط من عين الخالق. لذلك أيها الإخوة، أنا هذه الحكمة أعتبرها تخويفاً شديداً في حق أمثالي. "إذا أردت أن تعرف قدرك عنده، فانظر فيماذا يقيمك". أستغفر الله وأتوب إليه.

أنا عندما أجدني أيها الإخوة لا أعظّم نظر الله عز وجل، ألا أخاف أن تكون هذه منزلتي عند الله؟ أنا عندما أراعي وأسمع وأبتغي وجه الناس وأحرص على أمور الدنيا، ألا أخاف أن تكون هذه منزلتي عند الله عز وجل؟ لذلك أيها الإخوة، أنا والله أحذر نفسي كثيراً أن أخدع ببعض الأعمال التي يعني أقوم بها. أدرس، أخطب، نعم، أتكلم كذا وكذا، الناس يثنون علي وما شابه ذلك. هذه لا قيمة لها أيها الإخوة إذا لم يكن معها إخلاص، إذا لم يكن معها صدق توجه، إذا لم يكن معها تحقق بالعبودية لله تبارك وتعالى. لذلك أيها الإخوة، أنا أدعو نفسي أن لا نجعل هذه الحكمة يعني باتجاه واحد، بل أن نجعلها باتجاهين. كما أنها تبشر، تنذر. وكما أنها تستثير الرجاء، حقيقة تستثير الخوف من الله تبارك وتعالى.

نعم، ومما يدور على ألسنة العوام: "إذا أردت أن تعرف مقامك، فانظر في أي شيء أقامك". جميل هذه الكلمة التي يقولها العلماء أخذاً من كلام العلماء. يعني هي شائعة على ألسنة العامة منين؟ من العلماء. يعني هذه الكلمات العامة كثير منها تلقاه الناس عن العلماء. لكن أين الإشكال؟ الإشكال أن كلام العلماء عندما تلقته العامة ربما حرفت معانيه بسوء الاستعمال. يعني سبحان الله، أحياناً حكمة عظيمة يقولها الناس بغير معناها الأصلي، فتصير محرفة، فتصير بغير معناها الأصلي. لذلك هنا: "إذا أردت أن تعرف قدرك عنده"، ليس فقط في النواحي الإيجابية، ليس فقط في الأعمال الظاهرة، ليس فقط في الأعمال التي يراها الناس. يعني أنا لا أريد أن أنظر إلى مقامي عند الناس، أنا أريد أن أنظر إلى مقامي وقدري عند الله عز وجل. وهذا بحسب ما يعلم الله مني، ليس بحسب ما يعلمه الناس مني. يعني الناس عظموني لما رأوا من عظيم ستر الله علي. لكن هل هذا مقامي عنده؟ أنا مذ أنا عاصٍ، أنا مسيء فيما بيني وبين الله. عند الناس ربما ظنوا أني ولي، وأني من الصالحين وما شابه ذلك. صدقوا أيها الإخوة الأكارم، أحياناً والله نذوب حياءً من بعض الناس الذين هم بمظاهر عامة، عندما يطلبون الدعاء وما شابه ذلك لاعتقادهم أنه فلان كذا وكذا. طيب، يا ترى أنا هكذا؟ الجواب لا. لكن نحن أيها الإخوة، الذي عظمنا ستر الله علينا، عظمنا ستر الله علينا. فهذا الستر أيها الإخوة من فضل ربنا علينا أنه لم يفضحنا. لكن يا ترى ما هو مقامنا عنده؟ إذا متنا على هذا الحال، ما قيمتنا عند الله؟ إذا حشرنا يوم القيامة أيها الإخوة مع من سوف نحشر؟ يعني لو هلا كل إنسان منا نظر إلى نفسه، ما هي الصفات التي تحققت فيا؟ ومع أي صنف سأحشر يوم القيامة؟ والله الإنسان يخاف. هل نحشر مع أهل القرآن؟ لا. مع أهل العلم؟ لا. طيب مع أهل الذكر؟ لا. طيب مع أهل الإنفاق في سبيل الله؟ لا. مع أهل قيام الليل؟ لا. طيب مع من نحشر؟ إخواننا، ما هي الصفة التي ترست فينا وصرنا من أهل هذه الصفة؟ صدقوني أيها الإخوة، إذا فكرنا هذا هكذا، والله نخاف على أنفسنا. لماذا؟ لأننا إذا لم يتداركنا ربنا عز وجل، وهذا ما نرجوه من كرم ربنا تبارك وتعالى، وهذا ما وعد الله به عباده المحسنين: "ليكَفِّرَ اللهُ عنهم أسوأَ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسنِ الذي كانوا يعملون". هذا من عظيم فضل الله أيها الإخوة، من عظيم فضل الله علينا أنه يكفر عن عباده المحسنين أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعاملنا بعظيم فضله وإحسانه.

نعم، وفي الحديث: "اعملوا، فكل ميسر لما خلق له". الله يا إخوانا، هذا كلام مخيف. "اعملوا" ليس بالأعمال الظاهرة فقط، اعملوا بالأعمال الظاهرة والباطنة. "فكل ميسر لما خلق له". يعني أنا عندما أجد نفسي إخوانا أعصي الله في الخلوات، عندما أجد نفسي أقصر في الطاعات، أجد نفسي إخوانا يغيب عني تعظيم الله سبحانه وتعالى، أخشى أن أكون ميسراً لهذا الحال والعياذ بالله، وأخشى أن أموت على هذا الحال. لذلك أخوتي الأكارم، أنا أدعو نفسي حقيقة أن أسأل الله عز وجل بصدق أن يرزقني استقامة في ظاهري وباطني، في الظاهر والباطن، وأن يصلح سرنا وعلانيتنا، وأن يوفقنا ربنا عز وجل لإصلاح ما بيننا وبينه، وإصلاح ما بيننا وبين خلقه.

نعم، "إذا رضيك الله". يا سلام، يا سلام. أجملها العبارة هي: "فإذا رضيك الله". "إذا رضيك الله". إذا اختارك الله لتكون عبده، بكم تشتري هذه النعمة؟ إذا اصطفاك الله عز وجل لتكون من أهل قيام الليل، بكم تشتري هذه النعمة؟ إذا اختارك الله عز وجل لتكون من أهل ذكره، من أهل استقامته، من أهل الخوف منه، من أهل المحبة له. "إذا رضيك الله". شوفوا يا إخواننا، الكلمة هي قديش عظيمة. هي يعني أنا الآن كيف أستطيع أن أقول: يا رب أرضني عبداً لك؟ طيب، والله هذه يا إخوانا كلمة عظيمة جداً. كلمة عظيمة جداً. إخوانا أن يرضاني له.

نعم، "فإذا رضي أيها المريد لحسن طاعته، فاعرف قدرها واشكره على عظيم نعمته". مو "فاعرف قدرك"، "فاعرف قدر هذه النعمة التي أكرمك الله بها". إذا ربي عز وجل رزقك استقامة في سرك، والله يجب علينا أن نشكر الله على هذه النعمة. قل: يا رب لك الحمد أن أعطيتنا هذه النعمة، أن وفقت إلى هذه النعمة. عندما ينصرك الله على نفسك في الليل ويوقظك من فراشك لتكون من أهل قيام الليل، كم ينبغي أن نشكر الله على هذه النعمة؟ يجب علينا إخوانا لا أن نعرف أقدارنا، بل يجب علينا أن نعرف قدر هذه النعمة، أن نتذوق عظيم فضل الله علينا بهذه النعمة. أستغفر الله وأتوب إليه.

أنا الآن ربي لو أعطاني الآن عطاءً دنيوياً، مال، منصب، متاع الدنيا، يا سلام، أفرح وأقول: هذا من رضا الله علي، ما شاء الله. طيب، إذا ربي أعطاك النعم الدينية؟ جعلك من أهل القرآن، جعلك من أهل الذكر، جعلك من أهل محبته، جعلك من أهل مودته، جعلك من أهل الأنس به والقرب منه، جعلك من أهل الخوف منه، جعلك من أهل الاستقامة. أليس هذه، أليس هذه النعم هي النعم الحقيقية أيها الإخوة؟ أن نتذوق فيها قوله تعالى: "وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً".

نعم، "متى رزقك الطاعة والغنى به عنها". فاعلم أنه قد أسبغ عليك نعمة ظاهرة وباطنة. والله هذه الحكمة حقيقة إخواننا يجب علينا أن نتذوقها بشكل دقيق. متى رزقك الطاعة؟ انتبهنا على كلمة "رزقك". رزقك، لأن الله يقول: "وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ". كم من ليلة يعني غاب عنك النوم وتقلبت في فراشك ساعات ولم توفق إلى ركعتين بين يدي الله؟ كثير. كم من ساعات قضيتها في خلوتك لا تذكر الله فيها؟ كم من طاعات فاتتك هنا وهنا؟ متى رزقك الطاعة؟ وفقك إليها. ولكن: "حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرِهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ". إذا كنت إخوانا أميل إلى المعصية وأزهد وأنفر من الطاعة، هذا على ماذا يدل أيها الإخوة؟ والله على شيء مخيف. لكن عندما أجد نفسي تميل إلى الطاعة، تحب الذكر، تعشق مجالس الذكر، تحب الصالحين، تعشق مجالس الصالحين، تحب القرب من الله، ويبحث عن كل وسيلة تقربه إلى الله. متى رزقك الطاعة؟ ولكن إيش؟ الثانية: "والغنى به عنها". والغنى عنها. يعني أن تستغني عن الطاعة؟ طيب، ما المقابل؟ إذا ربي عز وجل رزقني الطاعة، فاستغنيت بها، فاستغنيت بها. أنا غني بقيام الليل؟ استغفر الله. أنا غني بالقرآن؟ يعني إيش؟ يعني أن أشعر أن قراءتي للقرآن ترفعني؟ لا ينبغي أيها الإخوة أن أستشعر أن الله رفعني بالقرآن، رفعني بقيام الليل، رفعني عندما جعلني من أهل ذكره، رفعني عندما جعلني في الدعوة إلى الله. رفعني عندما اختارني للإخلاص. لكن مع ذلك أيها الإخوة، ينبغي أن يكون اعتمادي على الله لا على هذه الطاعات. ينبغي أن يكون غناي بالله لا بهذه الطاعات. ينبغي أن أحمد الله على هذه الطاعات، لكن أن أعلم أن نجاتي بالله، وأن عطائي من الله، وأن صاحب الفضل هو الله عز وجل. لذلك إخوانا، هذه الحكمة لها شرطان: أن تعلم أن الذي يرزق الطاعة هو الله سبحانه وتعالى. ولا شك أن هذا المعنى يجعل تعمل الطاعة كما وفقك الله. لكن لا تقف عندها. بتصلي قيام الليل وتحمد الله: يا رب لك الحمد أن وفقتني إلى قيام الليل. يا رب لك الحمد كم لك من عباد في هذا الليل لم توقظ في هذه الساعة؟ يا رب لك الحمد أن أقمتني بين أوليائك وأحبائك واصطفيتني لمناجاته وما شابه ذلك. أنت الذي هو الذي رزقك هذه الطاعة. لكن بعدين، هل تعتمد عليها؟ على الطاعة؟ لا. تستغني بالله عنها. تستغني بالله عنها. لذلك أيها الإخوة، الصالحون يعملون الطاعات وينسون. كما مر معنا سابقاً: "أرجى عمل للقبول عمل يغيب عنك شهوده ويحتقر عندك وجوده". هذه حكمة مرت معنا سابقاً. العمل الذي يغيب عنك شهوده ويحتقر عندك وجوده. أما أنا أقوم الليل، أنا أدعو إلى الله، أنا وقتي كله مفرغ لله، أنا أنا أنا. طيب، النتيجة ما هي؟ أنك تعتمد بعمل على عملك وتنسى فضل الله. وهذا ما يحذرنا به ابن عطاء الله، وهذا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته". لذلك أيها الإخوة، الأولياء كلما وفقوا إلى مزيد من الطاعات، انفتح أمام بصائرهم مزيد من التعظيم لله عز وجل، فكانت أنوار ذاك التعظيم تذيب كل عمل يكون أمامهم. كل الأعمال تذوب أمام تعظيمهم لله تبارك وتعالى. لذلك إخوانا، يزيد عملهم ويزيد افتقارهم. يزيد عملهم بتوفيق الله، ويزيد تواضعهم بين يدي الله عز وجل. لذلك أيها الإخوة، كما ذكرنا سابقاً، يعني ربما تسمع من الأولياء كلاماً في التواضع والتعظيم لله والخوف من الله. والله لا تسمعه من أهل الكبائر. ليه؟ لا لأنهم من أهل الكبائر أو أهل الذنوب، لا. لكن لأنهم من أهل التعظيم لله تبارك وتعالى. وأهل التعظيم أيها الإخوة، تغيب عنهم أعمالهم الصالحة، وتعظم أمامهم كل ذلة أو هفوة في جنب الله تبارك وتعالى. لذلك يحاسبون أنفسهم على دقائق الآداب وعلى أصغر الهفوات، يرونها من الكبائر. ليه؟ لأنهم يعظمون الله عز وجل. كما قالوا: "لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر من عصيت". لا تفكر أنه هذه صغيرة أو كبيرة، قل: من عصيت؟ فعندها تنظر إلى المعاصي على أنها... مع أنه الكبائر ذنوب معروفة، صغائر وكبائر. لكن لما نظروا إلى تعظيم الله، صارت المعاصي كلها، كلها عندهم كبائر. وصارت الطاعات كأنها لم تكن، لأنهم لا يرون عندهم عملاً يصلح لعرضه على الله العظيم. لا يرون لأنفسهم عملاً يصلح أن يعرض بين يدي الله تبارك وتعالى، لأن أعمالهم ذابت أمام عظمة الله، وذابت أمام كثرة نعم الله، وذابت لما رأوا أعمال الصالحين الكبار. تطلع على أحوال السلف الصالح، تذوب أعمالك الصغيرة. وذابت أعمال الصالحين لما رأوا من ثواب الله تبارك وتعالى. وذابت أعمالهم لما رأوا فيها من دقائق العيوب التي جعلتهم لا يعتمدون عليها أبداً. ليه؟ رأوا أن هذا العمل لا يصلح للعرض على الله. يعني مر معنا سابقاً: "الأعمال صور قائمة، وروحها وجود سر الإخلاص فيها". فقالوا: "من أهدى عملاً صالحاً فيه رياء، كانما أهدى ملكاً أمةً جاريةً جميلةً، لكنها ميتة". فهذا لا شك يستحق العقوبة والذنب، ولا يأخذ على ذلك أجراً ولا ثواباً. أنت عندما تقدم لله عملاً صالحاً فيه رياء، أستغفر الله وأتوب إليه. هذا العمل لا يصلح للعرض على الله. هذا العمل لا يصلح أن يقدم بين يدي الله. لذلك الصالحون أيها الإخوة، عملوا كثيراً، لكن ذابت أعمالهم، وبقوا على أبواب افتقارهم إلى كرم ربنا عز وجل.

نعم، "متى رزقك الله الطاعة التي هي امتثال المأمورات واجتناب المنهيات في ظاهرك، والغنى به عنها". والغنى بالله عن هذه الطاعات. لا يستغني بالله أبداً. لذلك إخوانا، المطيع ربما كان يتذوق افتقاره أكثر من العاصي. والإنسان الصالح ربما شعر بافتقار أكثر إلى كرم الله عز وجل.

نعم، لذلك يأتي معنا إخوانا: "أنت إلى حلمه إذا أطعته أحوج منك إلى حلمه إذا عصيته". في حال الطاعة يحصل عندك كبر ورياء وعجب. بينما في المعصية يحصل عندك انكسار وحياء من الله. ومعصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً.

نعم، "بأن لا تركن إليها بباطنك". شايفين إخوانا؟ بأن لا تركن إلى هذه الطاعة بباطنك. يعني أنت داخلك، عندما تدعو بعد المعصية، كيف تدعو؟ وأنت مستحي من الله، وأنت شاعر أنني والله ما لي أهل أدعو. يا رب أنا لا غنى لي عنك، أنا أدعوك لأنك كريم، لأنك رحيم، لأنك محسن. أنا يا رب أفعل الذنوب، أنا كذا. طيب، لو دعوته بعد الطاعة، كيف شعورك؟ يا رب أنا قمت الليل اليوم، فيجب عليك أن تعطي. استغفر الله. هذا لا نقوله بلساننا، لكن يا ترى داخلنا موجود؟ يعني أنا لما بكون أدعو بعد الطاعة، أشعر نفسي بعد الطاعة أنني أستحق إجابة الدعاء. إذا كان الحال هيك، والله إخوانا، هذا ما يحذرنا منه ابن عطاء الله. لأنك تشعر بغناك بهذه الطاعة، وليس بغناك بالله.

نعم، "فاعلم أنه قد أسبغ أي أتم عليك نعمة ظاهرة، الله وهي تلك الطاعات، وباطنة وهي معرفتك التي باعدت عنها". يا سلام. "باعدت عنها" تذوقاً لها واستغناءً بها. لكن لم تباعدك عنها عملاً واستقامة وطاعة وعبادة.

نعم، "وأوجب لك رفيع الدرجات". فإن من، فإن المطلوب من العبد شيئان: إقامة الأمر في الظاهر، والتعلق بالله لا غيره في الباطن. إقامة الأمر في الظاهر يعني الاستقامة، الطاعة، التقوى. والتعلق بالله في الباطن، التعلق بالعبادة، التعلق بالله تبارك وتعالى. فمن رزقه الله هذين الأمرين، فقد أسبغ عليه نعمة ظاهرة وباطنة، وأوصله إلى غاية أمله في الدارين. وقد كان أبو بكر الوراق يقول: "إني لأصلي الركعتين، وانصرف عنهما كأنني انصرف عن سرقة، استحياء منه". شوفوا سبحان الله. يفعل الطاعة وينصرف منها كأنه انصرف من معصية. ليه؟ يشعر أن هذه الطاعة لا تليق بجنب الله عز وجل. الله حقه أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر. إذا قالوا إخوانا، لو أن الإنسان سجد لله من الولادة إلى الوفاة، ما وفى الله حقه. قال الله تعالى: "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ". لذلك إخوانا، ربنا يقول: "كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ". لماذا يستغفرون؟ لأنهم لا يرون أنفسهم أنهم قاموا بحق الله تبارك وتعالى في العبادة. لما ذكر الله الحجاج في عرفات، ماذا قال؟ "ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ". من ماذا يستغفرون؟ يعني واحد طالع من عرفات وصلى مزدلفة. من ماذا يستغفر؟ سبحان الله إخوانا، يستغفر أول شيء من شعوره بأنه صار مستحقاً شيئاً عند الله عز وجل. بل ينبغي عليه كلما وفق إلى مزيد من الطاعات أن ينزل بنفسه إخوانا إلى أدنى الدرجات في عبوديته لله تبارك وتعالى. لا يرتقي بعبادته، ولا يرتفع بعبادته، بل يرتفع بغناه بالله تبارك وتعالى، لا بغناه بهذه العبادات. لذلك نحن الآن نصلي، ماذا نفعل بعد الصلاة؟ نسلم. ماذا نقول؟ أستغفر الله. لماذا؟ لأنني يا رب صليت صلاة لا تليق بك. هذه الصلاة لا تليق بالله عز وجل. لا توفي الله حقه. لا تؤدي شكر نعم الله. هذه الصلاة لا يليق بنا أن نعرضها على الله عز وجل. لذلك أيها الإخوة، الأولياء يستغفرون من طاعاتهم كما يستغفر أهل المعاصي من معاصيهم، وربما أكثر. وربما أكثر.

نقف عند هذا الحد، والحمد لله رب العالمين.