📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

المُخبر الاقتصادي+ | كيف سيدفع العالم كله ثمن حرب أمريكا وإسرائيل على إيران بعد إغلاق مضيق هرمز؟

AJ+ كبريت24:10

Transcription

الأمريكيون عندهم تعبير شهير جداً بيستخدموه كتير في الصحافة. هو في حقيقته لغز كوميدي، أصوله بترجع لمسرحية من القرن 19. التعبير ده بيقول: "ذا تيل واجين ذا دوج"، يعني الذيل يهز الكلب، أو الذيل يتحكم في الكلب، أو الذيل هو من يحرك الكلب.

طب فين الكوميديا أو فين اللغز؟ هقول لكم. في الوضع الطبيعي، الكلب هو كائن له دماغ وعنده عضلات، وبياتخذ قراراته بنفسه. الكلب ده في نفس الوقت عنده ديل، ولكن الديل ده هو مجرد جزء صغير من الكلب. الكلب بيحرك ديله ده بمزاجه، لما بيشعر بالسعادة مثلاً. فده معناه باختصار إن الكلب هو الكيان الكبير والمهم، بيتحكم في الديل اللي هو مجرد جزء صغير وأقل أهمية. ده هو المنطق السليم للأمور.

دلوقتي بقى تخيل معايا إن العكس هو الحاصل، يعني الديل الصغير أصبح هو اللي بيتحكم في الكلب، مش العكس. الديل ده بيتحرك بمزاجه، وبمجرد ما يهتز، الكلب الضخم والكبير يبدأ يهتز بالتبعية ويتحرك. ده طبعاً شيء يبدو للوهلة الأولى سخيف ومستحيل وغير منطقي، وقبل كل ده شيء مثير للضحك والسخرية.

من الزاوية دي، الأمريكيون في الصحافة، أو حتى في الأكاديميا والأدب، بيستخدموا تعبير "ذا تيل واجين ذا دوج" في وصف أي حالة أو وضع بيكون فيه الجزء الصغير وغير المهم بيتحكم في الكل الأكبر والأكثر أهمية وبيحركه بمزاجه.

الشاهد بقى هو إن التعبير ده بيستخدم في كثير من الأحيان في وصف العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي العلاقة اللي بيتمكن فيها كيان صغير زي إسرائيل في التحكم في قرارات أقوى دولة في العالم وهي الولايات المتحدة، خصوصاً فيما يتعلق بالشرق الأوسط.

على سبيل المثال، في ورقتهم البحثية الشهيرة جداً، صادرة في مارس 2006 تحت عنوان "ذا إسرائيل لوبي آند يو إس فورين بوليسي" (اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية)، جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، وستيفن والت، أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد، استخدموا تعبير "ذا تيل واجين ذا دوج" أو "الذي يتحكم في الكلب" في وصف العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة.

بحسب الورقة، جماعات الضغط التابعة لإسرائيل في واشنطن مش بس بتضغط على السياسيين الأمريكيين علشان يقدموا مساعدات ضخمة لإسرائيل، وإنما كمان بتضمن إن القوة العظمى الوحيدة في العالم بتسخر إمكانياتها وقدراتها لصالح إسرائيل. وفي السياق ده، ميرشايمر ووالت كتبوا نصاً: "سعت جماعات الضغط التابعة لإسرائيل إلى التأثير في العناصر الأساسية لسياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، وعلى وجه الخصوص نجحت في إقناع القادة الأمريكيين بدعم استمرار إسرائيل في قمع الفلسطينيين وتوجيه سهام الولايات المتحدة نحو خصوم إسرائيل الإقليميين الرئيسيين: إيران والعراق وسوريا."

الكلام ده ينطبق بدرجات مختلفة على كل القادة الأمريكيين، من أول الرئيس السابق هاري ترومان لحد الرئيس الحالي دونالد ترامب. ولكن درجة تأثير إسرائيل على ترامب يمكن وصفها بأنها غير مسبوقة. الإسرائيليون حرّضوا ترامب على الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، وعلى الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب للقدس المحتلة، والاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان المحتل، وعلى استهداف المنشآت النووية الإيرانية، وفي يونيو 2025، وأخيراً وليس آخراً، حرّضوه على مشاركتهم في شن حرب على إيران.

في نهاية فبراير 2026، في ثالث أيام الحرب على إيران، وتحديداً في 2 مارس، نيويورك تايمز نشرت تقريراً مطولاً كشفت فيه كواليس اتخاذ ترامب لقرار الحرب على إيران نقلاً عن مصادر مطلعة، ووضحت إزاي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان سبب رئيسي في إقناع ترامب بالابتعاد عن المفاوضات الدبلوماسية مع إيران وشن حرب عليها. وهو ده اللي حصل بالفعل.

ويمكن الأسوأ من حقيقة إن ترامب شن حرب اختيارية لا داعي لها بتحريض إسرائيلي، هو إنه بدأها، كما هو واضح، بدون استراتيجية ولا خطة للي هيحصل بعد الضربة الأولى. ترامب قال للصحفيين في رابع أيام الحرب: "إحنا ما عملناش خطة لإجلاء الأمريكيين من الشرق الأوسط لأن الأمور تطورت بسرعة في إيران." وفي الحقيقة، ترامب كما يبدو ما كانش عنده خطة لأي حاجة تقريباً في الحرب دي. والدليل على إنه بمجرد ما الحرب بدأت وبدأ الإيرانيين يردوا بسرعة وبقدر قليل جداً من ضبط النفس، الأمور اتعقدت والكل ارتبكت حساباته، وبقى فجأة في إحساس جماعي إننا قدام كارثة ومصيبة سودا، وإن ترامب فتح باب الجحيم على المنطقة والعالم كله.

الأحداث والتطورات المتسارعة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بتقول إننا ممكن نكون قدام واحدة من أعنف وأقصى الحروب في العقود الأخيرة وأكثرها تدميراً. الحرب دي، كما هو واضح، آثارها طايلة الكل، أو هتطال الكل. في الوقت الحالي، الاضطراب محصور في منطقة جغرافية واحدة وهي الشرق الأوسط، وبالأخص منطقة الخليج. ولكن لو الحرب دي ما وقفتش بسرعة، إحنا هنكون قريبين جداً من سيناريوهات كارثية، على الأقل من الناحية الاقتصادية، هيعاني منها العالم كله. طب إزاي؟ ده جزء من اللي هندردش فيه مع بعض في حلقة النهارده.

أنا أشرف إبراهيم، المخبر الاقتصادي بلس. في مقابلة هاتفية مع سي إن إن في ثالث أيام الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ترامب قال واحد من أغرب تصريحاته من ساعة ما الحرب بدأت لحد النهارده. الرئيس الأمريكي قال: "ذا بيجست سربرايز" (المفاجأة الأكبر) بالنسبة له في الأيام الأولى من الحرب هي مهاجمة إيران لجيرانها من الدول العربية، وتحديداً دول الخليج الست، إلى جانب العراق والأردن. ترامب قال نصاً: "وي آر سربرايزد" (يعني إحنا اتفاجئنا زينا زي الناس).

ليه ده تصريح غريب؟ لأنه ببساطة، سيناريو استهداف إيران لجيرانها في حالة شن الأمريكيين حرب عليهم، ده ما كانش سيناريو مفاجئ أبداً أو غير متوقع. بالعكس، ده سيناريو كان محتمل طول الوقت، وكان جزء من حسابات الرؤساء الأمريكيين السابقين وهم بيقيموا جدوى وتكلفة الخيار العسكري مع إيران. والسيناريو ده برضه كان تقريباً جزء من كل عملية محاكاة للشكل اللي ممكن تكون عليه الحرب الأمريكية الإيرانية لو قامت في أي لحظة. خصوصاً وإن الإيرانيين كانوا أشاروا بالفعل للأمر ده في تصريحات كتير سابقة، بعضها بيرجع لسنين طويلة. وبالتالي، كان من الضروري والمتوقع إن الولايات المتحدة تكون واخدة السيناريو ده في الحسبان من البداية، وده من باب الحرص على عدم تعريض عدد من أهم شركائها في المنطقة والعالم لمخاطر التصعيد غير المحسوب مع إيران. خصوصاً وإنه كان في مؤشرات كتير بتقول إن رد إيران على الحرب الأمريكية تحديداً هيكون عنيف وغير منضبط، في ظل إن إدارة ترامب رفعت سقف طموحاتها لدرجة إنها وضحت إن هدفها هو إسقاط النظام الإيراني الحالي. ده معناه بالنسبة لإيران إنه على خلاف حرب الـ 12 يوم في يونيو اللي فات اللي اشتركت فيها الولايات المتحدة بضرب خاطف للمنشآت النووية، الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية هي معركة وجودية ومصيرية. وفي المعارك اللي من النوع ده، مش من الصعب أبداً تصور إن الطرف اللي بيواجه خطر وجودي هيتهور وردود فعله هتاخد يخرج عن نطاق السيطرة ويلجأ لخيارات مجنونة.

الأمريكيين تحديداً في الحرب الحالية، اللي بدأت باغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بهدف إرباك النظام ودفعه للانهيار، أساءوا فهم إيران بشكل كبير واستخفوا برد فعلها المحتمل وبمدى تمسكها بالبقاء.

في 2018، الروس نشروا فيلم وثائقي عنوانه "النظام العالمي في 2018". في الفيلم ده، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتكلم حوالين الأسلحة النووية واستعداد موسكو لدخول حرب، حرب نووية. المهم في الفيلم ده، بوتين قال جملة مهمة كانت ملفتة جداً للنظر والصحف العالمية ركزت عليها. بوتين قال: "أنا كمواطن روسي ورئيس للدولة الروسية، يجب أن أسأل نفسي سؤالاً: ما حاجتنا إلى عالم لا توجد فيه روسيا؟" الراجل بيقول ببساطة إنه لو روسيا اتضربت بالنووي وتدمرت، فهي مش هتتردد في إنها ترد وتضرب بالنووي، وبرضه حتى لو ده هيدمر العالم كله. وده ببساطة لأن بالنسبة له كمواطن روسي، العالم كله مالوش لازمة لو روسيا ما بقتش موجودة فيه تاني. ده المنطق الخطير بتاع: يا نعيش عيشة فل، يا نموت إحنا الكل. أو لو وقعت مش هقع لوحدي.

الإيرانيين نقدر نقول إن عندهم منطق مشابه في مواجهة الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية. في تصريحات إيرانية كتير بالمعنى ده، سواء قبل الحرب الحالية أو خلالها. على سبيل المثال، في رابع أيام الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مسؤول كبير في الحرس الثوري قال إن إيران هتضرب جميع المراكز الاقتصادية في المنطقة في حال تعرضت مراكزها الرئيسية للاستهداف. الإيرانيين باختصار بيقولوا لأي حد راهن على إنهم هيتحرقوا في صمت: "إنت واهم، مش هنعاني لوحدنا." بغض النظر عن عدالة المنطق ده أو واجهته، دي في النهاية هي الطريقة اللي بيفكروا بيها حالياً. وده بيفسر حرصهم على توسيع نطاق الحرب من اليوم الأول وشنهم لهجوم على جيرانهم من الدول العربية. لم يقتصر على الأصول الأمريكية في المنطقة، وإنما امتد ليشمل الاعتداء على كثير من المنشآت المدنية، من ضمنها منشآت الطاقة، ولجوئهم لإجراءات آثارها بيتجاوز إيران والخليج والشرق الأوسط، وبيمتد ليشمل العالم كله، زي غلق مضيق هرمز.

في ثالث أيام الحرب، عدد من منشآت الطاقة المهمة في الخليج العربي تعرض لهجوم بالمسيرات. بنتكلم تحديداً عن مصافي تكرير البترول السعودية الموجودة في رأس تنورة، واللي بتعتبر واحدة من أكبر مصافي النفط في الشرق الأوسط، واللي تعرضت لأضرار بسبب سقوط شظايا ناتجة عن اعتراض طائرتين مسيرتين في محيط المصفاة. قررت على أثرها شركة أرامكو إيقاف بعض الوحدات التشغيلية في المصفاة بشكل احترازي.

في نفس اليوم، أحد خزانات المياه التابعة لشركة مسيعيد للطاقة، وأحد مرافق الطاقة في مدينة رأس لفان الصناعية التابعة لشركة قطر للطاقة، تعرضوا لاستهداف من قبل مسيرات إيرانية. وعلى أثر الهجوم ده، قطر للطاقة أعلنت إيقاف إنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات ذات الصلة. ده بحسب بلومبرج، أول توقف كامل للإنتاج منذ ما يقرب من ثلاث عقود من التشغيل. ولكن الحمد لله، لحد لحظة تصوير الحلقة، منشآت الطاقة الرئيسية في دول الخليج العربي بخير، واللي مقفول منها مقفول من باب الاحتراز، ولأن زي ما بيقولوا المصائب لا تأتي فرادى.

في مساء نفس اليوم، اللي هو 2 مارس، مستشار قائد الحرس الثوري الإيراني أعلن إغلاق مضيق هرمز رسمياً أمام حركة الملاحة واستهداف أي سفينة تحاول عبوره. وهنا في خبرين، واحد حلو وواحد وحش. الخبر الحلو هو إن الإيرانيين لحد دلوقتي قافلين المضيق فعلياً بالنار، يعني بالصواريخ والمسيرات. وده سيناريو أفضل بكثير من سيناريو الألغام البحرية اللي الإيرانيين عندهم مخزونات متنوعة منها يقدروا يرموها في الميه ويتسببوا في إصابة وإغراق السفن المارة في المضيق بشكل عشوائي. ده معناه إنه بمجرد ما الحرب تقف أو يتم التوصل لتفاهم ما مع الإيرانيين، حركة الملاحة في المضيق هترجع لشكلها الطبيعي فوراً، لا هتحتاج بقى كساحات ألغام تقعد أسابيع تنظف المضيق، ولا هنلاقي لغم شارد الميه بتحدفه يمين أو شمال.

الخبر الوحش بقى هو إن إغلاق المضيق، بغض النظر عن الطريقة المستخدمة في إغلاقه، كارثة عالمية بكل المقاييس، خصوصاً لو استمر لفترة طويلة. طبعاً أنا كنت شرحت لكم قبل كده في حلقات كتير سابقة ليه مضيق هرمز هو أهم ممر مائي في العالم ولإغلاقه كارثة عالمية. ولكن سريعاً كده، المضيق ده يا جماعة هو الممر المائي الوحيد المؤدي لمياه الخليج العربي، واللي بيمر من خلاله في المتوسط 20 مليون برميل من النفط ومشتقاته يومياً، بيشكلوا تقريباً حوالي 20% من إمدادات النفط العالمية، وده إلى جانب حوالي 20% من الصادرات العالمية من الغاز الطبيعي المسال اللي بيتم تصديرها من خلال قطر.

قطر لوحدها نسبتها من إجمالي الصادرات العالمية من الغاز الطبيعي المسال تقترب من 19%. المهم، أغلب النفط والغاز الطبيعي المسال اللي بيخرجوا من المنطقة بيروحوا آسيا لدول زي الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. وفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، 70% من شحنات النفط الخام اللي بيتم شحنها من خلال مضيق هرمز بتروح للدول الأربعة اللي ذكرناها. نفس الأمر تقريباً ينطبق على الغاز الطبيعي المسال. بحسب معهد أكسفورد لدراسات الطاقة، ما يقرب من 80% من صادرات قطر والإمارات من الغاز الطبيعي المسال بتروح للأسواق الآسيوية زي الصين والهند وكوريا الجنوبية وتايوان وباكستان، في حين إن النسبة الباقية كلها تقريباً بتروح لأوروبا لدول زي إيطاليا وبلجيكا وبولندا.

بمجرد ما الإيرانيين أعلنوا إغلاق مضيق هرمز قدام حركة الملاحة في المضيق وبدأوا يستهدفوا السفن اللي بترفض تلتزم بتعليماتهم، الأغلبية الكاسحة من السفن والناقلات أصبحت مرعوبة من العبور من المضيق، سواء في اتجاه الدخول لمياه الخليج أو الاتجاه الخروج منه، بعد ما الكل شاف بعينه سفن النار مولعة فيها وبتغرق. المضيق أصبح حرفياً ممر موت، ما بيدخلوش غير المستغني عن فلوسه أو عمره.

القيادة المركزية الأمريكية طلعت ثالث أيام الحرب قالت إن المضيق غير مغلق أمام حركة الملاحة، علشان تطمن الناقلات وتنفي التصريحات الإيرانية بأن المضيق مغلق. وعلشان الناقلات تعرف مين فيهم الصادق ومين الكذاب، محتاجة تجربها. ده خلى شركات الشحن زاهدة في إنها تخوض بنفسها التجربة المميتة دي، حتى لو قائد القيادة المركزية الأمريكية برادك كوبر حلف بالطلاق إن المضيق مفتوح.

واللي عقد الأمور أكتر هو موقف شركات التأمين. المجموعة الدولية لأندية الحماية والتعويض والاتحاد بيضم 12 نادي للتأمين البحري بيغطوا حوالي 90% من حمولة السفن العابرة للمحيطات في العالم. الغوا أجزاء من تغطيتهم التأمينية ضد الحروب للسفن المارة في الخليج. خلاص، ما حدش عاوز يخاطر ويأمن على سفينة بتدخل ممر مائي ممكن تضرب فيه بالصواريخ أو المسيرات ويلبس في تعويضات مالهاش حصر لملاك السفن.

العزوف عن الدخول في عقود تأمين على السفن اللي بتعبر مياه الخليج تسبب بالتأكيد في إن أسعار عقود التأمين تضرب في السما وترتفع بشكل صاروخي. لحظة تصوير الحلقة، سعر تأمين على سلامة هياكل السفن المتجهة للخليج العربي ارتفع لما يعادل 1% من قيمة السفينة، وده بعد ما كان 0.25% فقط قبل الحرب مباشرة، يعني بنتكلم على زيادة أربع أضعاف في خلال أيام معدودة. السعر الخزعبلي ده بشرط إن السفينة ما تعديش مضيق هرمز كمان. جنون طبعاً.

واللي حاصل في سوق التأمين البحري ده بيخلي الملاحة عملياً مقفولة، بعيداً عن الاستهدافات الإيرانية، لأن ببساطة لو ما فيش حد عاوز يأمن على السفن اللي بتعدي من المضيق، يبقى ما فيش مالك سفينة هيبعتها تعدي من المضيق بدون تأمين.

وفي محاولة لحل الأزمة دي، ترامب أعلن يوم 3 مارس إنه أمر مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية إنها توفر تأمين وضمانات للسفن اللي بتعبر الخليج، وده قبل ما يشير لإن البحرية الأمريكية هترافق ناقلات النفط وهي بتعبر مضيق هرمز إذا لزم الأمر، على حد تعبيره. لحد اللحظة الحالية، مش معروف إذا كان إعلان ترامب ده هيشجع شركات الشحن إنها تعدي من المضيق ولا لا. ولكن في الوقت الحالي، على الأقل، المضيق مقفول عملياً حتى إشعار آخر.

وفي ضوء المعطيات دي، في طرفين متضررين بشكل مباشر من إغلاق مضيق هرمز. الطرف الأول بلا شك هو المنتجين أو المصدرين للنفط والغاز في المنطقة. والطرف الثاني هو المشترين أو المستوردين. لو بدأنا بالمصدرين، فهنلاقي إن الضرر الواقع عليهم له أكتر من شكل. أولاً، إغلاق مضيق هرمز وتعطيل حركة الملاحة فيه بيمنع خروج الجزء الأكبر من صادرات الطاقة من المنطقة. وده ينطبق على دول الخليج العربي وعلى إيران نفسها وعلى العراق. عدم قدرة صادرات الطاقة في المنطقة على الخروج من مضيق هرمز هيخلي دول المنطقة تلجأ لتخزين جزء كبير من إنتاجها في خزاناتها. الخزانات دي بمجرد ما تتملي وتوصل لساعتها القصوى، مش هيكون في حل غير وقف الإنتاج في الحال.

وده مثلاً اللي دفع العراق، وهو ثاني أكبر منتجي أوبك بعد السعودية، إنه يوقف الإنتاج في أكبر حقله، وهو حقل الرميلة، اللي بيعتبر واحد من أكبر حقول النفط في العالم، بحسب ما ذكرته رويترز في رابع أيام الحرب على إيران. العراق اللي كان بينتج 4 مليون برميل يومياً من النفط الخام في يناير اللي فات، خفض إنتاجه النفطي بواقع 1.5 مليون برميل يومياً بسبب امتلاء الخزانات ونفاد سعة التخزين وعدم قدرته على التصدير بسبب الحرب. التخفيضات دي ممكن تزيد وتوصل لـ 3 مليون برميل يومياً في خلال أيام. ده معناه إن العراق بيفقد 75% من إنتاجه في خلال أيام معدودة بسبب الحرب على إيران. والورطة دي دول المنطقة كلها واقعة فيها بدرجات مختلفة.

إن وفقاً لتقديرات بنك الاستثمار الأمريكي جي بي مورجان، سعة التخزين البري المتاح عند المنتجين السبعة في منطقة الخليج بالاضافة لايران بتقدر بحوالي 343 مليون برميل. السعة التخزينية دي تكفي لاستيعاب الانتاج اللي السبعة مش هتقدر تبيعه أو تصدره لحوالي 22 يوم بس. بعد كده الخزانات دي هتكون وصلت لساعتها القصوى. في خيارات اضافية للتخزين في عرض البحر في ظل تواجد حوالي 60 ناقلة فارغة في منطقة الخليج. الناقلات دي تستوعب بحوالي 50 مليون برميل. ده هيوفر لدول المنطقة سعة تخزينية تغطي انتاجها لثلاث أو أربع أيام إضافية. يعني إحنا إجمالاً بنتكلم تقريباً على سعة تخزين تغطي 25 يوم من الانتاج. بعد كده مش هيكون في حل غير إن الكل يعمل زي العراق ويقفل الانتاج.

ولكن ما ننساش إن السعودية والإمارات عندهم مساحة معقولة للمناورة بفضل خطوط الأنابيب بتاعتهم اللي بتمكنهم من تجاوز مضيق هرمز بشكل جزئي. بنتكلم على خط أنابيب شرق غرب اللي بينقل النفط الخام من بقيق في شرق السعودية لحد ميناء ينبع الموجود في غرب المملكة على البحر الأحمر، وعلى خط حبشان الفجيرة اللي بينقل النفط الإماراتي من حقل حبشان في أبو ظبي لميناء الفجيرة الموجود على خليج عمان. الخطين دول ساعتهم ما تغطيش كامل الصادرات السعودية والإماراتية من النفط، ولكنهم يظلوا مفيدين في الأزمة الحالية وأحسن بالتأكيد من ما فيش.

في 3 مارس، بلومبرج ذكرت إن شركة أرامكو السعودية بتدرس إمكانية نقل المزيد من شحناتها من النفط لميناء ينبع الموجود على ساحل البحر الأحمر من خلال خط أنابيب شرق غرب، وأشارت إلى إن أرامكو سألت بعض عملائها في آسيا إذا كان بإمكانهم إنهم يستلموا الشحنات من ينبع. نفس الأمر تقدر تعمله الإمارات من خلال خط حبشان الفجيرة. ولكن التحدي هنا هو إن ميناء الفجيرة موجود على ساحل خليج عمان القريب جداً من إيران، وده اللي بيخليه عرضة للهجوم الإيراني، زي ما حصل للأسف في رابع أيام الحرب لما حصل حريق في الميناء نتيجة سقوط شظايا من اعتراض الدفاعات الجوية الإماراتية لطائرة مسيرة.

الغاز الطبيعي المسال بقى أزمته أكبر، لأنه بيتم نقله حصراً عن طريق الناقلات، والناقلات دي ما لهاش مدخل أو مخرج غير من خلال مضيق هرمز. حالياً، قطر للطاقة وقفت إنتاج الغاز الطبيعي المسال بشكل احترازي بعد الهجمات اللي تعرضت ليها بعض منشآت الطاقة في قطر. ولكن حتى لو الإنتاج مش متوقف، فاغلاق مضيق هرمز من قبل الإيرانيين سيظل حاجز لا يمكن تجاوزه. والنقطة دي تاخدنا للجانب الثاني من المعادلة، هو المشترين أو المستوردين.

وفقاً لبلومبرج، الصين اللي هي أكبر مستورد للنفط والغاز في العالم بتمارس ضغوط على المسؤولين الإيرانيين علشان ما ياخدوش أي إجراءات من شأنها تعطيل صادرات الغاز القطري أو شحنات الطاقة الأخرى اللي بتعبر المضيق. الصينيين بالفعل عندهم مخزونات ضخمة من النفط الخام. بنتكلم عن ما يقرب من 900 مليون برميل في مخزوناتهم الاستراتيجية، بيعادلوا حوالي 78 يوم من وارداتهم. ولكن برغم كده، يظلوا معرضين لخطر كبير في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة. وده ببساطة لأن نصف وارداتهم من الخام في ديسمبر اللي فات كانت بتعبر من المضيق ده.

نفس المشكلة موجودة في الغاز الطبيعي المسال. حسب بلومبرج، قطر لوحدها بتغطي 30% من احتياجات الصين من الغاز الطبيعي المسال. وبالتالي، إغلاق مضيق هرمز بشكل أو بآخر بيمثل ضربة كبيرة للصين، لأن ببساطة عدم قدرتها على الوصول للنفط والغاز الخليجي هيضطرها أولاً للاعتماد على مخزوناتها، وثانياً هيدفعها لأنها تنافس باقي دول العالم على النفط والغاز المتاحين في أماكن تانية في السوق. وده هيرفع أسعار الطاقة العالمية، وبالتبعية أسعار المنتجات، مش بس في الصين اللي بتعتبر مصنع العالم، وإنما في غيرها من المراكز الصناعية المهمة زي اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية وتايوان وإيطاليا وإسبانيا، وهي كلها دول مصدرة رئيسية للسلع الصناعية ومتاثرة بالفعل بالرسوم الجمركية الأمريكية ومن ارتفاع أسعار مواد خام زي الصلب.

والنقطة دي تاخدنا للمتضررين غير المباشرين. ارتفاع أسعار المنتجات والسلع في الدول دي هينتقل بطبيعة الحال في صورة تضخم مستورد للدول المستوردة في كل مكان في العالم. دول العالم اللي بتستورد منتجات وسلع من دول زي الصين وألمانيا وغيرها هتلاقي نفسها مضطرة تدفع أكتر مقابل السلع والمنتجات دي. وده ينطبق على الجميع، بما في ذلك الأمريكيين. ارتفاع تكاليف الطاقة في الصين، وبالتبعية ارتفاع تكلفة التصنيع، هيتسبب في ارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلكين في الولايات المتحدة، واللي بتعتبر أكبر دولة مستوردة في العالم. ارتفاع أسعار السلع المستوردة هيصاحبه ارتفاع لأسعار البنزين في الولايات المتحدة، واللي سعرها مرتبط بشكل أساسي بأسعار النفط الخام العالمية. يعني هيبقى في أكتر من رافد للتضخم في الولايات المتحدة. وزي ما أنتم عارفين، التضخم بمجرد ما يبدأ يبعد عن النسبة المستهدفة من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي)، بيلجأ عادة لرفع سعر الفائدة. ده معناه إنه هيعكس مساره الحالي واللي ماشي عليه بقى له شهور، وبدل ما يستمر في تخفيض سعر الفائدة الرئيسي، هيضطر يرفعه تاني. ودي كارثة سياسية بالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اللي أولاً بيكره أسعار الفائدة المرتفعة، وثانياً بيواجه انتخابات نصفية مصيرية في نوفمبر القادم ممكن حزب الجمهوري يخسرها بسهولة لمجرد إن سعر البنزين زاد بنسب معتبرة.

نفس الكلام ينطبق على أوروبا. بمجرد ما قطر للطاقة أعلنت وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال، أسعار الغاز الأوروبية ارتفعت بنسبة 50%. وده كارثة أولاً بالنسبة للحكومات الأوروبية اللي كتير منها اعتمد في السنين الأخيرة بشكل أكبر على الغاز الطبيعي المسال في محاولة للاستغناء عن الغاز الروسي بعد الحرب الروسية الأوكرانية. وثانياً كارثة للمواطن الأوروبي اللي اكتوى بنار فواتير الطاقة المرتفعة في آخر أربع سنين. وثالثاً مصيبة بالنسبة للصناعة الأوروبية اللي كتير من مصانعها قفلت خلال السنين الأخيرة فقط بسبب ارتفاع أسعار الطاقة.

المشكلة أو الخطير هو إن الطاقة مش بس مهمة للصناعة، لا دي مهمة تقريباً لكل جوانب حياتنا، وعلى رأسها الغذاء. ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي بياثر بالسلب على صناعة الأسمدة. الغاز الطبيعي بيشكل ما لا يقل عن 70% من تكلفة إنتاج الأسمدة النيتروجينية، واللي بتشكل بدورها جزء كبير من تكلفة إنتاج كثير من المحاصيل. يعني ببساطة، ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي معناه أسعار أغلى للغذاء.

المشكلة دي برضه حاضرة في صناعة البتروكيماويات اللي بتدخل في تصنيع كثير من المنتجات حوالين العالم. لو مضيق هرمز فضل مقفول لفترة طويلة، أو لو لا قدر الله مصافي النفط في المنطقة، واللي بعضها بيعتبر من الأكبر في العالم، تعرضت لأضرار كبيرة، أسعار البتروكيماويات مش بس هتضرب في السماء، وإنما ممكن تفضل مرتفعة لفترة طويلة. يعني باختصار، كل ما الأزمة الناتجة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية على إيران تفاقمت أكتر، كل ما أصبح العالم كله في مأزق أكبر.

الأمور ببساطة ممكن تتطور بشكل أو بآخر ونلاقي نفسنا، بدون مبالغة، في مواجهة ركود عالمي بسبب الحرب اللي بدأها ترامب بتحريض من نتنياهو. والطريقة شبه الوحيدة لتلافي السيناريو الكارثي ده هو توقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في أسرع وقت ممكن. من مصلحة كل المتضررين من تبعات الحرب، سواء في أوروبا أو آسيا أو الشرق الأوسط، وسط أو أي مكان تاني في العالم، إنهم يضغطوا على الأمريكيين تحديداً علشان يلاقوا مخرج سريع من الحرب المدمرة دي.

لحد اللحظة الحالية، التطورات مش مبشرة بالخير مع الأسف، خصوصاً في ظل تنامي المؤشرات اللي بتقول إن ترامب لسه واقع تحت تأثير نتنياهو في طريقته في إدارة انخراط الولايات المتحدة في الحرب. في رابع أيام الحرب، وول ستريت جورنال كشفت إن ترامب تواصل مع قادة أكراد في العراق بهدف تحريضهم على مهاجمة إيران واستغلال الفوضى الناتجة عن الحرب الحالية بغرض إسقاط النظام الإيراني أو إرباكه. إيران فيها أكراد، وده معناه إن اللي بيقترحه ترامب ممكن يؤدي بسهولة لحرب أهلية في إيران. السؤال بقى، ترامب جاب الفكرة المجرمة دي منين؟ بحسب تقرير نشره موقع أكسيوس في نفس اليوم، الفكرة دي اللي زرعها في دماغ ترامب على مدار شهور هو بنيامين نتنياهو، وهو اللي حرّضه عليها. يعني برضه إحنا لسه قدام النكتة الأمريكية السخيفة "ذا تيل واجين ذا دوج".

والنقطة دي تاخدنا لسؤال الحلقة: برأيك، هل ترامب، زي ما بيتوقع البعض، هيكون هو آخر رئيس أمريكي يدعم إسرائيل بشكل غير مشروط؟ أتابع إجاباتكم في التعليقات. في نهاية لو عجبتكم الحلقة وحابين تشوفونا تاني، اشتركوا في القناة واستنونا في حلقات جديدة بإذن الله.