Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم. الاحباء الكرام، السلام عليكم. في الحلقة السابقة، ونحن ندخل إلى محور الأسئلة الوجودية. والأسئلة الوجودية الكبرى متعلقة بثلاثة أشياء، أو بثلاثة محاور رئيسية: وجود الإنسان، ووجود الطبيعة، أو بما نسميه العالم أو الكون. ومنهم من يضيف إليها محورًا آخر، وهو المحور الغيبي الميتافيزيقي، ما وراء الطبيعة. طبعًا، هنا باختلاف أنماط الناس، يعني في جزء من الناس، أو في فئة من الناس، اللي بيقصروا الجانب الغيبي ده، بيعتقدوا على أنه الوجود هو إنسان وكون فقط، ما في أي بعد ثاني. بعكس أهل الفلسفة وأهل الأديان، بيروا أنه في محور ثاني، وهو البعد الغيبي. إذًا هنالك ثلاثة تعلقات: جانب مادي بحت، وهو الطبيعة والكون، وجانب غيبي بحت. في النص عندنا هو الإنسان، اللي هو المحور. فالسؤال اللي بيطرح نفسه، إذا أردنا أن نغوص إلى عمق الأسئلة الوجودية، إلى ماذا نرتكز في هذه المحاور؟ الطبيعة والكون، في النص الإنسان، وهنا البعد الغيبي. أنا داير أدخل إلى القضية دي، أدخل من وين؟ هل أدخل من البعد الغيبي؟ يعني أفترض البعد الغيبي من منطلق الإيمان، حتى أدرس الإنسان والطبيعة؟ أم أدخل إلى الطبيعة عن طريق المختبر العلمي؟ الطبيعة أصلاً مخصوصة بالعلم فقط. يعني أنت داير تبحث في الكون كطبيعة، كمادة وقوانين فيزيائية وكيميائية، ما عندك حل غير أنك تمشي للمختبر، اللي هو الطريقة العلمية، اللي إحنا بنسميها الطرق العلمية. وهل أدخل إلى دراسة المحورين؟ دين أو نرمي عصفورين بحجر واحد، عن طريق دراسة وجود الإنسان؟ إذًا محور الأسئلة الوجودية هو وجود الإنسان نفسه. لماذا تفتكروا يا جماعة، لماذا؟ ليه أهمية الإنسان في الإجابة على الأسئلة الوجودية؟ هو أهم من البعد الغيبي ومن المادة والطبيعة؟ لها الإنسان بس. طيب، إذا كانت الإجابة من منطلق إيماني، فإن الإنسان هو الذي تجتمع فيه، أو يجتمع فيه الجانبان معًا. لأنه الإنسان يا جماعة مادة، بس. وحتى الناس اللي مؤمنين بالمناسبة، هم الآن ما قطعوا الشك باليقين، على أنه يتعاملوا مع الإنسان تعامل المادة فقط. يعني مش مثل الحيوانات التاليه، أو الدواب، مشان نكون دقيقين، لأنه مصطلح حيوان ذاته بعدين. لما نحن ندرس القضية دي من منطلق النص القرآني، حتلاقينا مشكلة في المصطلحات. الناس اللي بيقصروا البعد الغيبي في دراسة الإنسان، ما قادرين يقطعوا الشك باليقين، على أنه الإنسان عبارة عن مادة، يعني مثل الدواب. ليش؟ لأنه دخلت حاجة ثانية عند الإنسان اسمها الوعي. وهذا الوعي هو الذي يشير على أن هنالك بعد غيبي له ارتباط بهذا الإنسان. إذًا الإنسان مكون عندنا في الجانب المادي، كبنية كجسد، وفيه الجانب الغائب الغيبي، الذي يسمى في الأديان والفلسفات بالروح، ويسمى عند علماء الطبيعة بالوعي، ومنهم من يسميه بالعقل. أيًا كانت هذه التفرعات، ولكن قد يكون المضمون الناتج، أو المضمون النهائي واحد، اللي هو الإنسان في جانب مادي، وفيه جانب غيبي، اللي هو ما يسمى بالروح. ولذلك يعتبر هو محور الأسئلة الوجودية: كيف خلقنا؟ ولماذا خلقنا؟ وما هو مصيرنا؟ متى نشأ هذا العالم؟ وكيف نشأ؟ وهل سينتهي؟ قد تكون هذه هي الأسئلة الوجودية. وقد تأتي إلى الإنسان وهو في مراحل المراهقة، وهنا بيكون وقعها خطير. يعني الإنسان في مراحل الدراسة، أو في عمر المراهقة، وهو قادم على الشباب، أو فورة العقل، يمكن أن تخالجه هذه الأسئلة. وقد تأتي إلى الإنسان وهو فوق الأربعين، يعني بعد ما عمرك يفوت أربعين سنة. وغالباً يا جماعة بيترتب عليها قرار خطير، أو عيشة – كلمة خطير دي الناس ما تخاف منها – يترتب عليها قرار حاسم دائمًا في حياتك، حتى لو أنت ما كشفت الموضوع ده للناس، القرار ده مصيري وحاسم في حياتك. إما ركزت عليه إيمان راسخ لا يتزعزع، وإما أنه جرفك خشية، وتعمقت في الفلسفة، وزي ما يقولوا "ال باب الثاني". لكن في كل الأحوال، إذا أنت بحثت في هذه الأسئلة بصدق، ما تخاف من الناتج، حتى لو خرجت بالباب. ليش؟ لأنك ستعود، وحتعود أقوى. ولذلك يا جماعة، أنا اللي هو في في هذا البرنامج، الذي يمكن أن يسمى "حوار مع أخي الملحد"، أنا عندي يا جماعة الملحدين، زي ما يقولوا، ليس الإلحاد على نمط واحد. في إلحاد أقرب إلى أن يكون مجرد عبثية، لا يحترم حتى بأن يكون فكرًا. لكن في إلحاد صادق، الإلحاد إن نتج عن الأسئلة الوجودية دي بصدق، أنت بحثت وفكرتها، ولحد ما يقولوا "طلعت عن الباب"، أنت لم تخرج عن الباب، أنت خرجت عن تصورات أهل الأديان عن الله، في إطار وفي سبيل البحث عن الإله الحقيقي. لأنه ما تفتكروا تصورات أهل الأديان عن الله كلها صحيحة. يعني ممكن الله سبحانه وتعالى يختلف تمامًا عن تصور الإله عندك. يعني ممكن إلهك في رأسك أنا ما بعبده، ولم ينفع معي. هتفتكروا إن واحد بس خلاص نؤمن بالله؟ لا، تصورك شنو عن الإيمان؟ الجواك أنت مؤمن، يعني مصدق وواثق، لكن ما هو تصورك؟ فالمُلحد الصادق، سأل نفس الأسئلة دي، وطلع بالباب، لا شك أنه سيعود. وحتى لو أدركه الموت وهو في سبيل البحث، فقد وقع أجره على الله. لأنه يا جماعة محطة الشك في في في بناء دعائم الإيمان مهمة، وهي ملة أبينا إبراهيم. قال: "أولم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي". إذًا هذه الأسئلة زي ما قلت لكم، بترتب عليها قرار مصيري في حياتك، هي قطعًا حتجيك، خاصة إذا كنت من أصحاب العقول والوعي. أنا ممكن أقول لك الإنسان البسيط العادي، الأسئلة دي قد ماتت فيه ولا تخطر عليه بال، وقد لا تخطر على باله. ليش؟ لأنه نحن حنجاوب الأسئلة دي. أصلاً بتجي للإنسان كيف؟ وهل هي مفروضة فرضًا على أي إنسان لازم يفكر فيها؟ الإجابة باختصار: لا. طيب، أولًا كيف نشأت؟ هل الإنسان منذ أن وجد في هذه البسيطة، أو في هذه الدنيا، منذ أن وجد الإنسان في هذه الدنيا، فكر في هذه الأسئلة؟ أم أنها جاءت متأخرة، في وقت متأخر؟ وليه؟ ولماذا؟ في الحلقة القادمة إن شاء الله سنتحدث عن سبب وجود، أو عن السبب الذي جعل الإنسان يفكر في الأسئلة الوجودية، أو متى طرأت الأسئلة الوجودية على الإنسان، وهو عندما بدأ ينفصل عن العهد المشاعري، وتكونت عند الملكية الفردية، وأصبح له مزيدًا من الوقت ليفكر. هذا ما سنفصل فيه في الحلقة القادمة إن شاء الله. دمتم بالف خير، السلام عليكم. [موسيقى]