Transcription
[موسيقى]
الاخوه الكرام، لكم التحايا. طابت أوقاتكم بكل خير. لا نزال في هذا التسلسل. توقفنا في الحلقة السابقة، ونحن ندخل إلى مفهوم المشيئة والإرادة، والفرق بينهما. وذكرنا، على اختصار شديد قابل للتفصيل الدقيق عندما نستعرض الآيات، مفهوم المشيئة، وهي تعني تعدد الاحتمالات القابلة للاختيار والتطبيق وفق قوانين الواقع. بمعنى أنه ليس هنالك مشيئة تشتغل خارج الواقع المادي. بينما الإرادة هي عمل نفسي فقط. الإرادة هي فعل نفسي يأتي من الرغبة والتوجه والقصد لفعل شيء ما. لمجرد أن تنشئ الرغبة، فأنت أنشأت إرادة، ولن تتحول هذه الإرادة إلا عندما تدخل إلى محيط تفعيل الأسباب وفق النظم الكونية المرتبطة بعالم الأشياء. فكل ما زادت مشيئة الإنسان زادت حريته، وكل ما قلت مشيئتك تقلصت حريتك. إذًا، الحرية هي نتائج تفاعل مشيئة الإنسان وإرادته في عالم الوجود.
هنا نسأل سؤالًا: لماذا لم يجعل الله سبحانه وتعالى لأهل النار مشيئة؟ الداخلين إلى النار ليس لهم مشيئة إطلاقًا، بل حتى الإرادة لم يتبق لهم فيها إلا إرادة واحدة. يعني مشيئة إطلاقًا أهل النار ما عندهم. وفي الإرادات، كلهم عندهم إرادة واحدة بس. وطالما أنها إرادة، ستبقى في أنفسهم قصد ورغبة، وليس بإمكانهم تحويل هذه الإرادة إلى مشيئة ليخرجوا من النار. لذلك قال الله: "كلما أرادوا أن يخرجوا أُعيدوا". بس يعني أهل النار كل آمالهم ومرجواهم ومراقباتهم ومحبهم مرتكز في نقطة واحدة بس، وهي ما مشيئة إرادة، يعني حاجة غير قابلة للتطبيق وفق الأسباب إطلاقًا. إرادتهم شنو بس؟ يخرج من النار. لذلك قال: "كلما أرادوا الخروج أُعيدوا فيها"، يرجع ثاني للغمضة.
في المقابل، وستتفاجأ إن قلت لك إن أهل الجنة ليس لهم إرادة، وإنما مشيئة مطلقة. بمعنى اختياراتك في الجنة لا حدود لها، لهم ما يشاءون فيها. ولدينا مزيد، طبعًا مزيد ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. هذه الجملة التي تأتينا في موروثنا الفقهي صحيحة 100%، بل جميلة، بل هي تلخص نعيم الجنة: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. بمعنى ما هو كائن في نعيم الجنة لم يره أحد، يعني في وظيفة البصر، للدوك ليها، لم ترى مثله لا قيمة ولا محتوى. ولا أذن سمعت، لم تسمع. أنت الآن تسمع بالسياحة في المالديف، لو كنت مسكين، زينا كده أقول له كنت بسيط كده، ما قادر تمشي الحاجات دي، وتسمع بالسيشيل، وتسمع بهذا الجنون من الجمال في هذا الكون، ولكنك ما شفته، بس سمعت. لا في الجنة أصلًا، عليه سمعك ما جاء. ولا خطر على قلب بشر، ولا حتى عن طريق التحليل والربط والقرائن، متصل إلى نتيجة تقدر تدخلها، إنه في الجنة ممكن يكون كذا. وكل هذا المتشعب في الجنة والمزيد، كفر ربنا، حريتك فيهم مطلقة، مطلق حرية الاختيارات، ولا الأسباب اللي أنت عشان تفعلها ويتحقق لك الشيء، ربنا جعل لك الموضوع بدون أسباب. لذلك في الجنة نحن نتعامل بالمشيئة بس، مش بنرغب في الحاجة وبعد ذاك الحال نتعامل مع أسباب حتى تجينا. ربنا ما قالوا لهم فيها ما يريدون. لو قال ما يريدون، أول حاجة أنت ترغب في الحاجة، وبعد ذلك الحال تتفاعل مع الأسباب المنطقية والموضوعية عشان تتحصل على هذا الشيء. لا، هناك قال لهم فيها ما يشاءون. لمجرد خطر على ذهنك وعلى قلبك، ولا رغبتك تفعل، وما في نعيم أكثر من كذا. لذلك أهل الجنة مشيئة من غير إرادة، أهل النار إرادة من غير مشيئة، وإرادة واحدة. التزاوج ما بين الاثنين ديل وهو بيحدد لك حريتك.
لذلك أيها الأحبة، عندما تتوغل، عندما تنشئ إرادة ما، وتتوغل في تحويلها إلى مشيئة، وتتوغل فيها إلى عمق بعيد، أنت هنا تضيق مشيئتك، يعني ضرب الرجعه بيقول لك صعب، وبالتالي يجب أن يكون الإنسان حريص في إرادته التي يريد تفعيلها، لأنه الخط الرجعه ما حيكون متاح بالمناسبة. ولذلك عتاة المجرمين ورؤساء عصابات المافيا، عندما يوغلوا في الجريمة المنظمة، ويبلغوا فيها مبلغًا، وتمثل بالنسبة لهم هي الحياة، يعني حياة من الصبح لحد ما يمشي، هي قائمة على التخطيط والإجرام والحصول على مال الناس. فعشان يكون إنسان سوي، هذه مشكلة، إلا يسجنون وتتعرض لمسألة إصلاح، لكن برغبتك، يعني تستطيع أن تنفك عن هذه القضية عشان ترجع ثاني، وتكون الخيارات أمامك مفتوحة، على مر صعب. لذلك الإرادة هي تفعل في محيط المشيئة، تضيق لك الخيارات، كل ما أنت الإرادة حاولت تفعلها قللت من الاحتمالات المطروحة أمامك. لذلك الشيطان لم تجعل له مشيئة، ودي يا جماعة من رحمة ربنا بينا، إنه لم يجعل للشيطان ما يشئه، أصلًا مشيئة ما وردت في الشيطان. ليش؟ لأن الشيطان لا يستطيع أن يتفاعل مع الأسباب الواقعية الحسية عشان يوقعك في المعصية، وإلا كنا في ورطة. تخيل لو ربنا جعل للشيطان مشيئة، ممكن يمسكك الشيطان ده يخمشك كذا وطوالي يوديك الخمارة ويسقيك خمراً غصبًا عنك. ليه؟ لأن عنده مشيئة يقدر يتفاعل مع الأسباب الحسية الموضوعية عشان يرميك في المعصية. لا، إنما عنده إرادة بس، رغبة، إنما يريد الشيطان، يريد الشيطان ليوقع بينكم العداوة والبغضاء. وفي الخمر الشيطان إرادة، يعني محطة واقفة منطلق إنه يزين لك ويوسوس لك، يزين لك الحاجة. بس كيف؟ يعني مفهوم التزيين الشيطان شنو؟ يدخلها إلى مساحة شهوتك، يدخل إلى مساحة شهوتك، يعني يدخل هذا الشيء، شهوة هذا الشيء، إلى محيط الوعي بتاعك. أنت قد تكون حاجة، يعني شنو؟ يدخله في إطار الشهوة بتاعتك. هو ده دوره، بيجيب هنا، أنت الذي تحول إرادة الشيطان إلى مشيئة. فلما يزين ليه مثلاً الخمر أو اللهو أو الزنى، أنت اللي بتقوم بالأسباب، أنت بترفع تلفونك، وأنت بتتكلم، وأنت بتخش الرسائل، وأنت بتنشئ المواعيد، وأنت بتركب العربية، وأنت اللي بتمشي، وأنت وأنت. هو وقف عند محطة الإرادة، ولكن أنت فعلتها له، وحولتها. عشان كذا حيجوا من الشيطان طوالي يوم القيامة يتبرأ منك: دعوتكم فاستجبتم، أنا ما عملت ليه حاجة أكثر من دعيتك، قلت لك اتفضل اعمل كده، أنت اللي استجبت، أنت اللي فعلت الأسباب عشان تصل للمحطة دي.
إذًا نحن عندما نأتي للإسلام ما بين التسيير والتخيير حنشوف العجب، لأنه دي يا جماعة من الأسئلة التي تتكرر كثيرًا، يقول لك الإنسان مسير ولا مخير؟ مخير غلط، مسير غلط. إلا تتزاوج، الإنسان مخير في ماذا ومسير في ماذا؟ مسير ضمن إطار مشيئة الله، ومخير في إرادته وتفعيله. يعني في المشيئة أنت لا تخرج عن مشيئة الله: "وما تشاءون إلا أن يشاء الله". ولا تقولن لشيء في سورة الكهف: "ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله". يعني شنو؟ يعني أنت لا تصدر قرارًا بتفعيل مشيئة في المستقبل، غدًا في القرآن تفيد ما يستقبلك من الزمان، لا تفيد بكرة. يعني لأنه أنا عندي في القرآن بكرة، قالوا بكرة وعشية، بكرة يعني بكرة. بكرة في القرآن تعني باكري اللي هو الثاني، لكن غدًا تدخل من اليوم جايك ذا، وللامتداد إلى يوم القيامة: "سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنْ الكَاذِبُ". إذًا في فرق في المدلول والمعنى ما بين غدًا وما بين بكرة، بكرة اليوم التالي، غدًا مطلق المستقبل المطلق. لذلك "ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا"، ما يكون بكرة الصبح يعني. "ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله". يعني لا تنشئ، لا تصدر قرارًا بإرادة ورغبة لتفعيل شيء ما في المستقبل إن لم يكن ضمن حدود مشيئة الله، "إلا أن يشاء الله". إلا إذا كان الموضوع أنت داير تعمله ده يقع ضمن الأسباب أو قانون الأسباب والمسببات المنطقية لحدوثه، مش أنت حاجة دايرة تعملها بكرة تعملها لا، يعني أنت لو عايز تعمل مشروع، يقول لك دراسة، دراسة شنو؟ هي دراسة للأسباب والمسببات التي تضمن لك نجاح المشروع المعين.
إذًا نحن فصلنا الشيطان، قلنا عنده إرادة بس ما عنده مشيئة، وناس الجنة عندهم مشيئة بس، وناس النار عندهم إرادة بس، وواحدة. طيب، عندنا الإنسان، وعندنا الله. الله المشيئة المطلقة، الإحاطة بكل شيء، والله الإرادة المطلقة، والإنسان هو المشيئة المقيّضة ضمن مشيئة الله، والإرادة المطلقة. من هذا الباب سنفهم كيف أن الإنسان مخير فيما اختار من إرادة، عندها حرية: تفترس، تنام، تسافر، تهاجر، تتزاوج، تلد. دي كلها حرية، لكن داخل شنو؟ داخل المحيط. هل تستطيع السمكة أن تنشئ مشيئة وتتفاعل مع أسبابها خارج المحيط؟ الإجابة لا، خارج المحيط حتموت. إذًا نحن خارج محيط الله سبحانه وتعالى، وخارج مشيئة الله سبحانه وتعالى لا نستطيع فعل أي شيء، ولا ينبغي لنا ذلك، وإنما داخل هذه الحدود أنت الذي تختار من بين الاحتمالات المتعددة لتتفاعل معها. إذًا في الحلقات القادمة بإذن الله سنستعرض العديد جدًا من الآيات، لأنه يا جماعة المشيئة واشتقاقات المشيئة والإرادة وردت في القرآن أكثر من 190 مرة. طبعًا ما حنجيب 190 مرة، مئة حلقة، نحن حنجيب الآيات المتباينة، اللي نرى أنها متباينة، أو ما مفهومها، أو لغة الخطاب فيها ما معروف، الضمير يرجع لمن مثلاً: "يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ"، البشاء هنا الله، يعني الله بدي الحكمه للحد اللي هو عايزه. والله يأتي الحكمة لمن يشاء، يعني العبد الذي يشاء، ينشئ إرادة ويتفاعل مع أسبابها المنطقية في حصول الحكمة، تؤتى الحكمة، وده هو المفهوم الصحيح. طيب، الله يضل من يشاء. كثير جدا من الملحدين بيعتقدوا أن الله سبحانه وتعالى في مسألة الضلال والهداية الموضوع مزاجي، مزاجي بحث، يعني شغال بمزاجه، يهدي اللي عايز يهديه وبيضل اللي عايز يظله. بيقول لك طيب يحاسبني كيف؟ وبالمناسبة في كثير جدًا من موروثنا الفقهي كرسّ المسألة دي، وحنجي ندرس رواية عن النبي عليه الصلاة والسلام، حديث ابن مسعود: "حدثني الصادق المصدوق، أنه يجمع أحدكم في بطن أمه مضغة، علقة، حتى إذا بعد أربعة أشهر قال: يرسل الله ملكًا فيكتب عمره ورزقه وأجله، شقيًّا أم سعيدًا". رفعت الأقلام وجفت الصحف، قسمًا بالله هذه الرواية بهذا المفهوم كارثة، كلمة واحدة بس هي بتقلب الرواية رأسًا على عقب، كلمة "يكتب". فيرسل الله ملكًا فيكتب بس، طلع عليك كلمة "يكتب" دي ثاني. أنا ما عندي مكان، يعلم الله، يعلم أجلك ويعلم رزقك ويعلم حتاكل وهو محيط بك، ويعلم إنك شقيًّا أو سعيدًا. لكن قسمًا بالله لم يكتب عليك، لأنه لو كتب عليك يحاسبك كيف؟ أبسط قواعد المنطق، يكتبني الله وأنا في أمي؟ يا جماعة دي بتكون مسرحية عشوائية جدًا، هذا محال أن ننسبه لله سبحانه وتعالى، هذه القضية ومثلها الكثير. "تلك فتنتُكَ تُصِيبُ بِها مَنْ تَشَاءُ". هنا ربنا بيصيب الناس بالفتنة كيف؟ كما قلت لكم يا جماعة، المشيئة والإرادة هي من أكبر المازق التي وقع فيها الكثير جدًا من المتعاطين أو المشتغلين بحقل الفكر القرآني، وبسببها أصبح الإلحاد يتخطف شفاء الشباب، ظرافات ووحده.
إذًا أحبتي الكرام، في الحلقات القادمة إن شاء الله سنأتي بالعديد من هذه الآيات التي تتحدث عن الإرادة وعن المشيئة، ما بين إرادة الله وإرادة الإنسان، ومشيئة الله ومشيئة الإنسان، ونفهم كيف يسير الخطاب. إلى أن ألتقيكم، أترككم في حفظ الله ورعايته. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
[موسيقى]