📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

أين هيكل سليمان الحقيقي ؟

الدكتور راغب السرجاني16:28

Transcription

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

من القضايا الشائكة على المستوى العالمي قضية هيكل سليمان. سليمان عليه السلام. القضية التي يقول اليهود فيها إن سليمان عليه السلام بنى هيكلاً، والهيكل في مكان المسجد الأقصى. اختلفوا في تحديد المكان. بعضهم يقول تحت قبة الصخره أو في أماكن أخرى حسب الروايات التاريخية المختلفة.

وكثير من المسلمين ينكر الأمر أصلاً، ويقول إن الهيكل خرافة وليست حقيقة. وبالتالي، في نزاع في هذه المسألة كبير جداً، نزاع على المستوى العالمي ما بين المؤرخين والمفسرين وعلماء العقيدة في الإسلام وفي اليهودية وفي النصرانية أيضاً، داخلين في الموضوع. فالموضوع الحقيقة محتاج وقفة.

ما هي حقيقة هيكل سليمان عليه السلام؟ قبل أن نتكلم على الهيكل نفسه، ننظر كلمة الهيكل، ما المقصود بها؟ هيكل سليمان، المقصود بالهيكل هو بناء، بناء يعني معين شكل أو آخر. نختلف في التفاصيل في شكل هذا البناء، لكنه في النهاية بناء. البناء هذا ممكن أنا أسميه هيكل، أسميه مسجد، أسميه كنيسة، أسميه أي مسمى. هو في الآخر بناء هندسي معين. ممكن هذا البناء الهندسي يكون له شكل معين ثابت، لكن له أسماء مختلفة حسب العقيدة.

يعني مثلاً، لو رجعنا لقول الله عز وجل في كتابه الكريم: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً". هذه كلها ألوان مختلفة من الأبنية التي يعبد فيها رب العالمين سبحانه وتعالى. ممكن يكون الشكل بتاعها واحد. الـ البيعة زي الصومعة زي الصلاة زي المسجد، كلهم أشكال واحدة، لكن سميت في هذه العقيدة كذا أو كذا أو كذا. المبنى ده اسمه في اليهودية معبد، واسمه في النصرانية كنيسة، واسمه في الإسلام مسجد. عشان كده لما كان أحد الفاتحين يفتح بلداً من عقيدة أخرى، ممكن يحول المبنى التعبدي اللي جواها ده لمبنى على عقيدته هو. نفس المبنى، زي ما دخل مثلاً محمد الفاتح إلى القسطنطينية، فحول آيا صوفيا التي كانت كنيسة إلى مسجد، فصار مسجد آيا صوفيا. لو دخل الصليبيون إلى قرطبة، فحولوا مسجد قرطبة إلى كنيسة، فمن مسجد قرطبة صار كنيسة قرطبة. طبعاً غير آيا صوفيا، في كنائس كثيرة تحولت إلى مساجد، وغير مسجد قرطبة، في مساجد كثيرة تحولت إلى كنائس. فهذا أمر يعني موجود في التاريخ كثيراً جداً، متكرر.

ففي النهاية، اللي عايز أوصل له أن كلمة هيكل سليمان هذه، ممكن تعني هيكل معبد لليهود، وممكن تعني مسجد للمسلمين. هو بناء معين بنتكلم عليه. عندنا في الإسلام في السنة المطهرة حديث صحيح يقول إن سليمان عليه السلام بنى مسجد بيت المقدس. "مسجد بيت المقدس" في المسجد الأقصى. عندنا في السنة ما يثبت أن سليمان عليه السلام بنى المسجد الأقصى أو أحد بنات المسجد الأقصى. نرجع للحديث الصحيح ده، وناخد المعنى اللي جواه، وننطلق للنقطة اللي بعدها.

في عقيدة اليهود ماذا يقولون؟ عندنا في السنة المطهرة، روى النسائي وابن ماجه والحاكم وأحمد والطبراني وغيرهم، يعني الحديث موجود في أكثر من كتاب من كتب السنة وهو صحيح، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما فرغ سليمان بن داوود عليهما السلام من بناء بيت المقدس، من بناء بيت المقدس، بيت المقدس اللي هو المسجد الأقصى، وهنتكلم بعد شوية في الحديث هيثبت هذا الموضوع، سأل الله ثلاثاً، طلب ثلاث أمنيات أو ثلاث أدعية من الله عز وجل: حكماً يصادف حكمه، يعني لما يحكم في قضية يحكم بما أراد الله عز وجل، وده طبعاً واضح في قصة سليمان عليه السلام، وإحنا قبل كده قدمنا حلقة على القناة بعنوان "ففهمناها سليمان"، قلنا أحد المواقف التي وافق فيها حكمه حكم الله عز وجل، وفي مواقف ثانية أيضاً في حياة سليمان كثير من هذا القبيل. حكماً يصادف حكمه، فيكون موفقاً في الحكم، وطبعاً هو كان ملك وبيحكم بين الناس، فكانت القضية بالنسبة له مهمة جداً. وملكا لا ينبغي لأحد من بعده، ودي طبعاً الطلب المشهور المعروف الفريد الخاص بسليمان عليه السلام. والطلب الثالث إيه؟ "وألا يأتي هذا المسجد"، شوف باللفظ النبوي، "المسجد"، يبقى يقصد بيت المقدس هنا، المسجد الأقصى اللي موجود في القدس، "أحد لا يريد إلا الصلاة فيه، إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". فده طلب سيدنا سليمان بتعظيم هذا المسجد لدرجة أن اللي يزوره ويصلي فيه مرة، يبقى ربنا يغفر له ما سبق له من ذنوبه، كأنه حج، زي نفس ثواب الحج عندنا في مكة المكرمة، حج تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك. فهذا للي صلى في المسجد الأقصى. ما شاء الله.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم تعليقاً على أمنيات سليمان عليه السلام: "أما اثنتان فقد أعطيهما، الأولى والثانية". خلاص، خدهم وانتهينا، لأن ده واضح في حياته عليه السلام، في حياة سليمان عليه السلام، أن حكمه كان دائماً يوافق حكم الله عز وجل، دائماً كان موفقاً في حكمه. والنقطة الثانية أنه آتاه الله عز وجل ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، من تسخير الجن ومن الرياح ومن الأمور التي كان مؤيداً بها عليه السلام. ثم يقول: "وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة". الثالثة دي مستمرة ليوم القيامة. فيتمنى الرسول عليه الصلاة والسلام، وطبعاً الرجاء الرسول عليه الصلاة والسلام إن شاء الله متحقق، أن الذي يزور المسجد الأقصى ويصلي فيه يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.

الشاهد من القصة أن سليمان عليه السلام بنى المسجد الأقصى، هذا البناء للمسجد الأقصى في توقيت سليمان عليه السلام أحدث إشكالاً عند بعض المفسرين وبعض المؤرخين. ليه الكلام ده؟ لأن عندنا حديث في السنة المطهرة برضه، حديث البخاري طبعاً أعلى درجات الصحة، بيقول فيه: "ما بين بناء المسجد الأقصى والمسجد الحرام 40 سنة". حديث في البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ فقال: "المسجد الحرام". قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى". قلت: كم كان بينهما؟ قال: "40 سنة". إلى آخر الحديث. فذكر هنا أن ما بين البيت الحرام، المسجد الحرام، وما بين المسجد الأقصى 40 سنة. بينما المسافة ما بين إبراهيم عليه الصلاة والسلام باني الكعبة، وما بين سليمان عليه السلام، اللي إحنا عرفنا إنه باني البيت، المسجد الأقصى في الحديث اللي فات من شوية، المسافة بينهم قرون، مش 40 سنة، عدة قرون ما بين الاثنين.

رفع هذا الإشكال التاريخي ده بأن أولاً، اللي بنى البيت الحرام أولاً مش إبراهيم عليه الصلاة والسلام على الأغلب، قدمنا على كده حلقات كتير، لكن خلاصة الموضوع أن الذي بنى المسجد الحرام أولاً هو آدم عليه السلام، أو حتى الملائكة قبل آدم عليه السلام. ومن ثم يكون آدم بنى البيت الحرام، وبعديه بـ 40 سنة بنى هو برضه آدم عليه السلام المسجد الأقصى، أو حد من أولاده بنى المسجد المسجد الأقصى. وبعدين مع مرور الزمان اندرس الحال، البيوت دي تهدمت، وممكن يكون الطوفان كان له أثر، طوفان نوح عليه السلام كان له أثر على بعض الروايات، لكنها ضعيفة. ثم بعد ذلك أعاد إبراهيم عليه الصلاة والسلام بناء البيت الحرام على القواعد القديمة التي وضعها آدم عليه السلام، أو وضعتها الملائكة، رفع البيت من على القواعد الأصلية. وكذلك فعل سليمان عليه السلام، أنه رفع قواعد المسجد الأقصى على القواعد الأصلية اللي موجودة من أيام آدم عليه السلام أو أولاد آدم عليه السلام.

وحتى على فرض أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لأن في مدرسة بتقول كده، إن إبراهيم هو الذي بدأ البيت الحرام وما كانش فيه قبليه بيت الحرام، حتى لو أخذنا بهذه المدرسة، وأنا هامشي معاها قوي، لكن حتى لو أخذنا بهذه المدرسة، فيكون اللي بنى المسجد الأقصى بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، إما إبراهيم نفسه عليه الصلاة والسلام في عمره، أو ابنه إسحاق، أو حفيده يعقوب. وبعد مرور فترة من الزمن اندرس البناء واختفى، فـ أعاد سليمان عليه السلام البناء. وبذلك تتفق كل الروايات مع بعضها البعض. فسليمان جدد بناء المسجد الأقصى، أو أعاد بناء المسجد الأقصى، ولم يبنيه ابتداءً.

وعليه، لو أنا بقى أخذت كل هذه المعلومات مع بعضها، نحن لا نرفض أن يكون سليمان عليه السلام بنى الهيكل، وأن تكون الروايات اللي موجودة في التوراة، موجودة في سفر الملوك الأول وسفر الملوك الثاني بتفصيلات على بناء الهيكل، تكون لها أصل. أن يكون فعلاً سليمان بنى ما يسميه اليهود هيكلاً، وهو عند المسلمين المسجد الأقصى، هو نفس البناء، لكن له تسميات مختلفة، فيكون لها أصل. طبعاً الروايات لما ترجع لها في سفر الملوك الأول فيها مبالغات كثيرة وفيها تحريفات واضحة وفيها مغالطات تاريخية ومغالطات بينها وبين بعضها البعض. ماشي، نقول إن فيه يعني بعض التحريفات، سواء عن قصد أو عن غير قصد، موجودة في هذا في هذه النصوص. لكنها في النهاية بتتحدث عن بناء معين كان قد بناه سليمان عليه السلام وعظمه اليهود. إحنا ما عندناش إشكال في هذا الموضوع، وخاصة إن عندنا علم أن داوود عليه السلام كان يصلي تجاه الصخرة. وممكن إن شاء الله نبقى نفرض حلقة نتكلم فيها على موضوع قصة الصخرة وقبة الصخرة.

ففيها أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان عارف أن قبلة داوود عند هذه الصخرة، فممكن يكون عند هذه الصخرة كان المذبح الذي بناه داوود كما في التوراة، وعلى هذا المذبح أقام سليمان عليه السلام الهيكل. وطبعاً الهيكل حجمه صغير، يعني ماهواش حجم ضخم كبير بحجم المسجد الأقصى كله. المسجد الأقصى طبعاً ضخم جداً، 144 ألف متر مربع، ضخم، جواه أماكن كثيرة جداً، أكثر من 200 معلم جواه، قبة الصخرة جواه، المسجد العمري جواه، أماكن أخرى مختلفة. فإحنا ما عندناش يعني اعتراض على أن يكون سليمان عليه السلام بنى هيكلاً. إحنا ده إحنا بنقول الكلام ده، إنه فعلاً بنى هيكلاً، بس إحنا بنسمي الهيكل ده مسجد، المسجد الأقصى. هم بيسموه هيكل، يسموه معبد، يسموه كنيسة، يسموه زي ما يسموه حسب المعتقد.

وعلى فكرة، جايز ناس كتير ما تعرفش أن النصارى أيضاً كانوا يعظمون المسجد الأقصى، أجزاء من المسجد الأقصى، لأن برضه النصارى بيؤمنوا بسليمان عليه السلام، لأنه موجود في العهد القديم، ودين النصارى العهد القديم والعهد الجديد، التوراة والإنجيل. فـ بيعظموا هذا المكان. عشان كده وكانوا بيضعوا الصليب فوق قبة الصخرة أيام الاحتلال الصليبي للقدس. والحجاج اللي كانوا بيزوروا هذه المنطقة كانوا بيزوروا برضه قبة الصخرة، مسمين لها "تمبل دوميني" باللاتينية، يعني معبد الرب. فكانوا بيعظموا هذا المكان على أساس إنه يعني برضه مكان مقدس. عشان كده جوستاف لوبون في "حضارة العرب" بيقول: المسجد الأقصى هو المكان الوحيد في الأرض كلها الذي يعظمه اليهود والنصارى والمسلمون. كلهم عظموا هذا المكان.

خلاصة الموضوع يا إخوانا، من هذا التاريخ، استعراض هذا التاريخ السريع لهذه المنطقة، أن المسجد الأقصى بناء واحد حاز مسميات شتى. سميناه إحنا مسجد، وسموه هم هيكل، وسموه كذا كذا. أماكن منه أو كله. حدوده معروفة ومتفق عليها، وعليها سور كبير جداً، وهتشوفوه في الخرائط كثيرة. ادخلوا اكتبوا المسجد الأقصى، هتلاقوا خرائط. وإن شاء الله برضه نفرض حلقة على حدود المسجد الأقصى وما يحويه من معالم ضخمة جواه. معالمه المسجد العمري اللي إحنا عارفين اللي هو بيصلي فيه المسلمين دلوقتي، وجوه حدوده قبة الصخرة واللي عليها القبة المشهورة الذهبية، وجواه مدارس، وجواه مستشفيات، وجواه يعني أسبلة، وجواه يعني خانات، أمور كثيرة جداً، وجواه ساحات فاضية، مساحة ضخمة جداً زي ما قلنا 144 ألف متر.

وقد أعطاه الله عز وجل للمؤمنين به، ودي مهمة جداً، المسجد الأقصى هبة للمؤمنين. عشان كده هو وهب لسيدنا سليمان عليه السلام، ومن قبل داوود عليه السلام، لما يعني أقاموا الدولة على ما يرضي الله عز وجل. ودول أنبياء كرام وعظام. ولما خالف اليهود بعد موت سليمان عليه السلام، وانشقت دولتهم إلى دولتين، وعصوا الله عز وجل وعبدوا غيره وارتكبوا الموبقات، نزع الله عز وجل منهم ودمر هذا المكان، دمر الهيكل، أي دمر المسجد. ساعتها واختفى من على الوجود. دمر مرتين، مرة على يد البابليين، ومرة على يد الرومان في سنة 70، ثم سنة 130 ميلادية. وبعد كده أعطاه الله عز وجل للمؤمنين به من أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وفتحه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وصار مع المسلمين. مربوط المسجد الأقصى بإيمانيات العقيدة التي توكل بحمايته. عقيدة اليهود، فترة من المراحل التاريخية كان معاهم، ثم استلب منهم لما عصوا. وهو مع المسلمين من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أو من عهد عمر بن الخطاب تحديداً، من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم. وضع من المسلمين في فترات حياتهم في بعض اللحظات لما انشغل المسلمون بدنياهم عن دينهم. ظل المسجد الأقصى علامة من علامات قوة العقيدة عند الذي يحوز هذا المكان العظيم.

عشان كده، إذا أراد المسلمون إرجاع المسجد الأقصى إلى وضعيته التي نتمناها له كمكان قدسي عظيم عند المسلمين، ويخلف مباشرة المسجد الحرام والمسجد النبوي، ثم بعدهم المسجد الأقصى، فلابد أن يعود المسلمون إلى ربهم سبحانه وتعالى، ويطبقوا شرعه، ويلتزموا بنهجه، ويسيروا في طريق نبيه صلى الله عليه وسلم، وعندها يعيد الله عز وجل البيت المقدس إلى المسلمين.

القضية يا إخوانا قضية عقيدة. هناخد ندخل في مهاترات طويلة جداً جداً مع اليهود في هذا الموضوع التاريخي. لا إحنا هنعرف نغير عقيدتهم، ولا هم هيغيروا عقيدتنا. المسألة من تمسك بعقيدته السليمة غير المحرفة، التي نوقن أن الله عز وجل حفظها، عقيدة المسلمين، هو الذي إن شاء الله سيحوز هذا البيت العظيم. وإن شاء الله نسأل الله عز وجل الثبات للمسلمين الذين يعيشون يعني فيه وحوله ويدافعون بدمائهم وأرواحهم وأموالهم وحياتهم كلها عن هذا المكان. ندعو الله عز وجل لهم بالثبات، ونسأل الله عز وجل أن يعيننا على إعانتهم.

جزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.