Transcription
السلام عليكم ورحمه الله.
من دعاء كثير من الصالحين: "اللهم ارني الأمور كما هي". وهذه بالمناسبة عبارة ليست سهلة، لأن ترى الأمور كما هي ليست مسألة بسيطة. كثير من الناس يعتقدون أنهم يرون الأمور كما هي، لكن معظم ما نراه في الغالب هو ما يقترحه علينا عقلنا، وما تقترحه علينا تجربتنا وحواسنا وإدراكاتنا وتجاربنا السابقة. وهذه ليست بالضرورة هي حقائق الأمور على الأرض، على الواقع.
في الحقيقة، أنا لست مدعياً أنني أعلم الحقائق كما هي، ولكني أقول إنني سأقدم رؤية في هذه الحلقة على وجه التحديد لما أراه شكلاً من أشكال هذا الواقع، وما أعتقده مهماً أن نثبته لفهم هذه اللحظة التاريخية التي نعبرها في خلال هذا الصراع الهائل الذي يدور في منطقتنا وهذه الحرب المستعرة، وقعقعة السلاح. ونقرأها قراءة وفق نظريات، نظرية الواقعية المقاصدية. وهذه النقطة مهمة جداً، لماذا؟ لأنه أي نظرية في الدنيا نقترحها، أي طريقة لفهم الواقع، إذا من خلال اختبارها على الأرض فشلت، فهي لا تصلح أن تكون نظرية صالحة لكي تفسر الواقع ويتعامل الإنسان معها. ومن هنا، أن تمتحن أية نظرية وفقاً للواقع، هذه الضرورة أصلاً من ضرورات أن تكون هذه النظرية صالحة لكي تعتنق.
من هذا الباب، قول: عندما نريد أن نقرأ هذه اللحظة، هذه اللحظة التاريخية التي نحن بنعبر فيها، وأنا أقصد هنا الحرب التي تدور في منطقتنا. وهذه ليست حرب بدأت اليوم أو بدأت قبل 40 يوماً، هذه حرب برأيي مستمرة. طبعاً، بإمكانك أن تقول إن هذه الحرب بدأت في 7 أكتوبر وأنها لم تنتهِ بعد. بإمكانك أن تقول إن هذه الحرب حقيقة بدأت قبل 7 أكتوبر، يعني بدأت مثلاً في 67 ولم تنتهِ بعد، لأنها هي امتداد لذات الصراع. بإمكانك أن تقول لا، بل هي بدأت في 48 وما زالت مستمرة إلى اليوم.
أنا صراحة أفضل أن أقول إن هذه الحرب هي امتداد للحرب العالمية الأولى. الحرب العالمية الأولى عندما قسمت وجزأت وغيرت منظومة ما، أدت إلى فراغ استراتيجي كبير. هذا الفراغ الاستراتيجي لا يزال بعد 100 عام، لا يزال هو المحرك الرئيسي لكل الصراعات ولكل الإشكالات الاستراتيجية والأمنية التي تعيشها منطقتنا هذه. وبالتالي، مهم هنا أن تحدد السياق، لأنه إذا أردت أن تفهم أي حدث استراتيجي وفقاً للحظة الأخيرة، للأسبوع الأخير، للتصريح الأخير، للمؤتمر الصحفي الأخير، على الأرجح، على الأرجح سوف تفشل. لماذا؟ لأنك سترى قمة الهرم الذي لا تستطيع من خلاله أن تفهم الأعماق، التداعيات، الجذور، أن تفهم ما يدور حقيقة.
ومن هنا، كثير من جماعتنا لما يقول لك: "والله تاريخ الصراع واحد، اثنين، ثلاثة". بقول لك: "يا أخي، إيش بدنا في التاريخ؟ يعني تحكي لي عن اليوم؟". هو صحيح، أنا ممكن أحكي لك عن اليوم، وهذا كلام جداً مفيد وضروري. ولكن إذا قطعت الواقع عن سياقاته، عن جذوره، عما كان سبباً في حدوثه، فأنا أغشك. أنا لا أريد أن أقدم لك رؤية مبتورة.
هذه المنطقة عبر 100 عام تعيش حالة فراغ استراتيجي. لماذا؟ لأنه، إيش الفراغ؟ الفراغ هو غياب المنظومة. هذا هو فراغ. الفراغ الاستراتيجي هو غياب المنظومة. كيف أنه والله أنا ما عندي منظومة في المنطقة؟ وفي الحقيقة، كان هناك منظومة ثم انقطعت. وجاء استعمار، ما استعمار بريطاني فرنسي، أعاد تشكيل هذه المنظومة التي كانت موجودة، وكانت منظومة واحدة تتصل فيها الحدود، ويتصل فيها الناس، ويتواصل فيها البشر بعضهم ببعض إلى آخره. أحالها إلى كيانات أخرى، رسمها في سايكس بيكو، وفي اتفاقية لوزان، وفي مؤتمر برلين، وما إلى ذلك من اتفاقيات. وأعيد تشكيل هذه المنطقة ليس كنمو طبيعي للمنظومة السابقة، لأنه في فرق. أنا عندي منظومة، أن المنظومة تنمو، ما عندي مشكلة، هذا شيء طبيعي. لكن إذا انقطعت هذه المنظومة وحل مكانها شكل ما لا يمثل منظومة، بل يمثل جزيئات، يمثل مفردات غير متصل بعضها ببعض، فلا تسمى منظومة. هنا يصير عندي فراغ استراتيجي.
منطقتنا المشرق والعالم العربي تعيش حالة فراغ استراتيجي منذ الحرب العالمية الأولى. هذا برأيي، والله تعالى أعلم. وأنا برأيي هذه نقطة مبدئية مهمة جداً وجذرية لفهم اللحظة التي نعيشها. لماذا؟ لأن الواقع الذي فُرض علينا في هذه المنطقة، والذي بموجبه تشكلت الدولة القطرية الحديثة في العالم العربي، بالذات في منطقة المشرق، هذا الواقع أدى إلى إشكالات بنيوية في المنظومة الأمنية، وإشكالات بنيوية أيضاً في المنظومات الديموغرافية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. ومن هنا، حالة التوتر التي وجدت في هذه المنطقة لا تزال مستمرة.
هذه واحدة. ثانياً، زُرعت إسرائيل في هذه المنطقة في أثناء حالة التوتر والفراغ هذه. بمعنى، مجرد وجود الكيان الصهيوني في عام 1948، بعدما زُرع من قبل القوى الاستعمارية في فلسطين، هو في الحقيقة جاء كنتيجة للفراغ الاستراتيجي. ولم يكن هو في ذاته الذي أدى بعد ذلك إلى فراغ استراتيجي. الفراغ كان موجوداً، والحالة، حالة الضعف كانت موجودة. زُرع في هذا الفراغ كيان اسمه إسرائيل. ثم هذا الكيان سرّع من عملية الصراع، وسرّع من الفوضى، وسرّع من الفراغ الاستراتيجي الموجود. ووصلنا إلى تداعيات كثيرة جداً.
وما دام هذا الفراغ موجوداً في المنظومة، وما دام هذا الكيان موجوداً على هذه الأرض، معنى ذلك نحن في حالة صراع مستمر. ولذلك، ما نراه اليوم من حرب على سبيل المثال على إيران، وما نراه من حرب على لبنان، وما رأيناه قبل ذلك من حرب على غزة، وما رأيناه قبل ذلك من صدامات عنيفة جداً تمت في السنوات والعقود الماضية، هو امتداد لذات الخيط الناظم لحالة الفراغ التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى. هناك حالة فراغ، وهذه الحالة تولد حالة توتر، تولد حالة صراع، تؤدي بنا إلى أننا نعيش حرباً بعد حرب، وأزمة بعد أزمة، وفراغاً بعد فراغ، ولا نصل إلى لحظة نقول فيها إننا نستقر بطريقة أو بأخرى.
سيأتي من يقول بالعكس: "والله في نماذج للاستقرار". وأنا أعتقد أنه هذه النماذج، نعم، مطروحة. وهذه النماذج قُدّمت بالأساس، بعضها من قبل العالم العربي في لحظة ما، في يوم ما، في الستينيات وفي السبعينيات، ولكن للأسف الشديد لم تكتمل. ونماذج تُقدّم الآن من إسرائيل ومن الولايات المتحدة الأمريكية من خلال الاتفاقات الإبراهيمية. منظومة الاتفاقات الإبراهيمية هي منظومة لتنظيم الواقع هذا بشكل ما. ولكن هذا الشكل، طبعاً، مرة أخرى، مستورد، مرة أخرى مزروع، مرة أخرى غير عضوي، وغير نابت من تراب هذه الأرض، ولا من مصالحها، ولا من رؤيتها لنفسها، ولا لحضارتها.
ومن هنا، حتى ما يُطرح علينا اليوم لإعادة ترتيب هذه المنطقة، هو في الحقيقة أيضاً استمرار للنفس الاستعماري الذي بدأ بعد الحرب العالمية الأولى. وبالتالي، لن يصل بنا إلى اللحظة المنشودة من الاستقرار، بل سيصل بنا إلى ترقية حالة الصراع إلى مستويات أخرى، وفتح مجالات أوسع لمعارك جديدة.
من هذا الباب، نقول: يجب علينا أن نقرأ هذه اللحظة ضمن هذا السياق. ونقول إن هذه اللحظة يمكن أن تؤدي بنا إلى تغير جوهري. وأنا أعتقد أن الحرب التي تجري حالياً هي في الحقيقة لحظة تحول جوهري جذري في موازين القوة. وهذه اللحظة سوف تغير أشياء كثيرة جداً، قد تغير موازين القوة، تغير قواعد اللعبة، بل قد تغير اللعبة، يعني ليست قواعد اللعبة فقط. ومن هنا نحتاج أن نتأمل فيها، ونفكر، ونحتاج أن نحتاط، ونحتاج أن نقدم رؤى وتصورات. وسنحاول في هذه الحلقة إن شاء الله أن نقدم شيئاً ما، ربما يثير قدراً من التأمل في هذه اللحظة وفي هذا الواقع، وقدر من التأمل فيما ينبغي أن يُفعل حتى نستطيع أن نخرج من هذا الواقع بشيء أفضل إن شاء الله.
[موسيقى]
النمط، برأيي، مهم جداً. كلمة النمط هنا. النمط في التاريخ هو ما نراه عبر أزمنة متعاقبة من تصورات لمسارات تؤدي دائماً إلى نفس النتائج. هناك نمط تحدثت عنه كثيراً وأعيد التذكير به. هذا النمط يقول: "اسمه سنة التداعي". وهذه نقطة مهمة. سنة التداعي تقول إن حالة الفرقة تؤدي إلى حالة من الضعف تستجلب وتستدعي تدخلاً أجنبياً. إذاً، تجزئة تؤدي إلى ضعف، تؤدي إلى استدعاء للخارج. ولذلك نسميها بسنة الاستدعاء أو سنة التداعي. "تتداعى عليكم الأمم". كيف تتداعى الأمم؟ لا تتداعى على قوي، إنما تتداعى على ضعيف. لماذا نضعف عند الفرقة؟ لذلك النمط هذا واضح في التاريخ.
نراه في الحروب الصليبية عندما كنا ممزقين إلى كيانات صغيرة في الشام، ثم جاء الصليبيون من الخارج واستطاعوا أن يقتحموا الشام وأن يستفردوا بكل مدينة على حدة وصولاً إلى القدس. ثم بعد ذلك استمروا في وجودهم 200 عام في بلادنا. ثم رأيناه بعد بالضبط بعد أقل من 60 عاماً عندما جاء المغول مرة أخرى من الشرق وزحفوا باتجاه بغداد وسيطروا عليها، عندما كنا أيضاً مفرّقين. وكانت بغداد في تلك اللحظة لم تكن عاصمة، صحيح هي عاصمة الخلافة العباسية لا شك في ذلك، لكنها كانت مدينة معزولة عن عمقها الاستراتيجي لدرجة أن كثيراً من المدن الأخرى انضمت حتى للمغول في قتالها ضد بغداد، كما فعلت بعض المدن في الشام عندما انضمت للصليبيين وزودتهم بالمال والأدلاء في طريقهم إلى القدس.
إذاً، حالة الفرقة أدت إلى حالة الضعف. حالة الضعف تستدعي التدخل الخارجي. هذا نمط متكرر. هذا النمط أيضاً تكرر في الاستعمار البريطاني والفرنسي، وتكرر إلى يومنا هذا في الوجود الأمريكي على أرضنا وفي القواعد الأمريكية الموجودة. حالة التفكك تؤدي إلى حالة الضعف. حالة الضعف تؤدي إلى الاستقواء بالخارج. إما أن تستدعيه أنت فيأتي إليك حامياً، والحماية هنا لها ثمنها. وإما أن يأتي إليك غازياً. وفي كلتا الحالتين نفس النتيجة: أنت تبدأ بفقدان سيادتك على الأرض والمقدرات، وفقدان مصيرك الاستراتيجي، لأن الذي سيتحكم بالمصير الاستراتيجي هنا هو الحامي بين قوسين الذي استدعيته، أو هو الغازي الذي رأى فرصة انتهزها في أن جاء إلى أرضك لأن هناك ضعفاً وفراغاً استراتيجياً.
إذاً، هذا النمط موجود في تاريخنا. طيب، في الـ 100 سنة الماضية ما الذي طرأ؟ دائماً أنماط الفراغ التي جاءت بسبب الضعف والتجزئة كانت سرعان ما يتم تجاوزها من خلال منظومات وحدوية. ففي الحرب الصليبية على سبيل المثال، تم تجاوزها من خلال منظومة بناها نور الدين زنكي، ثم بناها بعد ذلك صلاح الدين الأيوبي، ثم بعد ذلك استطاعت أن تتخلص من الصليبيين عبر صراع طويل. هذه منظومة حلت، صححت النمط الخاطئ بأن وحدت وجمعت، ثم هذه الوحدة أدت إلى قوة، هذه القوة أدت إلى طرد المحتل. هذا نمط.
في الحروب الثانية التي جاءت مع المغول وطردهم، طبعاً هنا المماليك، معركة عين جالوت، نفس الشيء. نحن الآن لدينا قوة ناشئة، اللي هم في المماليك في ذلك الوقت، بدأت توحد، تقوي، تثبت، ثم بعد ذلك اصطدمت بالعدو الخارجي واستطاعت أن تتخلص منه. في موضوع ما حدث في الـ 100 سنة الماضية، هذا النمط المستمر في التاريخ من أن فترات الفراغ الناشئة عن التجزئة مؤقتة بسبب وجود أمة واسعة، سرعان ما تعود مرة ثانية إلى الالتقاء. هذا في حد ذاته تم كسره. بمعنى لم تعد المرجعية هنا مرجعية أمة ممتدة من أقاصي الصين إلى أقاصي المحيط الأطلسي. وإنما جاءت نظرية جديدة جداً لم تكن موجودة في تاريخنا، لم تكن جزءاً من المنطق الجيني للمنظومة الاستراتيجية في العالم الإسلامي، اللي هي فكرة الدولة القطرية أو الدولة الحديثة أو الدولة الوطنية.
التي بُنيت على أسس غير تلك الأسس التي بُنيت عليها الدولة الوطنية أو الدولة القومية في أوروبا. الدولة القومية في أوروبا، وهذا مصطلح، طب، الدولة القومية هذا مصطلح أوروبي أصلاً، إنجاز أوروبي جيد، جاء بعد قرون من الصراع في داخل المنظومة الأوروبية أدت إلى الدولة القومية. لكن الدولة القومية الأوروبية، سواء كانت فرنسا أو ألمانيا أو غيرها من الدول، هذه كانت أمة، ما لديها رؤية ما لنفسها، لثقافتها، لتاريخها، للغتها، ثم بعد ذلك شكلت كياناً سياسياً سماه الدولة القومية. كويس جداً.
في حالتنا هنا، كان لدينا فضاء واسع تماماً، ثم هذا الفضاء الواسع تم تجزئته ليس كنمو طبيعي كما حدث في أوروبا، وإنما كاصطناع مصلحي جاء به المحتل. وهنا المحتل البريطاني الفرنسي المستعمر يعني، حدد تلك الحدود ليس كنقاط اتصال بين مكونات صغيرة، كما كان الحال في فرنسا، مكونات صغيرة شكلت دولة قومية، ألمانيا مكونات صغيرة أكثر من 20، 30 ولاية أو إمارة تشكلت جميعاً في دولة قومية واحدة، أو إيطاليا كانت مجموعة مدن، كل مدينة لديها مملكة أو إمارة تشكلت في دولة واحدة. العكس هو الذي حدث. كان لدي فضاء متصل، فجاءت منظومة قسمته وجزأته.
فالدولة القومية في أوروبا لا تقارن بالدولة الحديثة في العالم العربي. لماذا؟ لأن الدولة في أوروبا، في أوروبا، كانت دولة اتصال الجزء بالجزء من أجل أن يتشكل الكيان المركزي. أما في حالنا، فهو دولة انفصال الكل إلى أجزاء صغيرة مبعثرة. والضعف هنا أصبح ضعفاً بنيوياً وليس ضعفاً طارئاً. أي أنه ليس ضعفاً بسبب أنه والله جاء عندي مجموعة من الأمراء اللي واحد في حلب وواحد في دمشق وواحد في طرابلس وواحد في أنطاكيا، كما كان الحال في الحروب الصليبية، ثم تم تجاوز ذلك من خلال نور الدين زنكي والعودة مرة ثانية إلى نظام الوحدة. لا، الذي حدث أن النظام كله تغير وفرض علينا هذا الشكل الجديد.
وهذا الشكل الجديد المسمى بالدولة القطرية في حد ذاته زُرعت فيه بذور الضعف. فالضعف هنا لم يعد طارئاً يمكن تصحيحه فقط بقليل من العقدين، ثلاث من الزمن. لا، أبداً. هو أصبح منظومة قائمة بذاتها. وهذه المنظومة أصبحت في حد ذاتها مزروعة، مزروع فيها ضعف لا يمكن تجاوزه. ولذلك، ما في دولة في المنطقة قادرة بذاتها، منفردة، على أن تحقق الرفاه الاقتصادي والأمن السياسي والاستراتيجي، وكذلك الدفاع عن حدودها ومكوناتها بشكل يستطيع لها، تستطيع من خلاله أن تتسيّد أو أن تصبح قائمة بذاتها. هذا الشيء، هذا البناء، هذا ليس بناء طبيعي. هذا بناء قد افتُعل. هذا ليس بناء موافق لـ 1300 سنة من التراث الاستراتيجي العربي والإسلامي. إنما هذا بناء جاء من الخارج وزُرع في هذه الأرض ليضمن حالة التجزئة هذه.
وما تجره التجزئة من ضعف، وما يجره الضعف من تبعية، وما يجره ذلك من تدخل أجنبي في الأرض. فالتدخل هذا مش تدخل والله جاء عفو الخاطر، إنما جاء عن هندسة استراتيجية عميقة الجذور. والحقيقة أنها هندسة لا شك أنها شيطانية، لكنها نجحت إلى حد كبير في أن وضعت بلادنا تحت ما نسميه اليوم بحالة الضعف المقيم، الضعف البنيوي المستمر. الذي تحاول فيه دويلة صغيرة لا يزيد عدد سكانها، سكانها عن خمسة ملايين، أن تتحكم بمصائر أمم وأن تعلن للعالم أنها تريد أن تقيم إسرائيل الكبرى في المنطقة. كان المنطقة فارغة ويستطيعون أن يخططوا كما يشاؤون. لماذا هم يتكلمون هكذا؟ لأنهم حقيقة هو امتداد لنفس النمط الاستعماري اللي جاء في 1917، والذي بنى المنطقة بالشكل الذي يريد دون استشارة سكانه حتى ولا سائل فيهم.
ومن هنا، لماذا لا ما فعلته قبل 100 عام يمكنك أن تفعله اليوم؟ بل بالعكس، تفعله بأدوات أكثر حدة، لأنه اليوم عندك السلاح أكبر، ولأنه عندك الدعم، الولايات المتحدة الأمريكية، فأنت على كل شيء قادر. فلماذا لا تعيد تصميم المنطقة بالشكل الذي تراه؟ ولذلك، لما تكلم السفير الأمريكي توماس، توماس باراك، وقال إنه والله سايكس بيكو هذا الذي بُني قبل 100 سنة لم يعد قادراً على أن يؤسس استقراراً في المنطقة، وهو صادق في ذلك. هو لم يقل هذا لكي يقول: "علينا أن نتجاوز سايكس بيكو باتجاه منظومة تلغي ما كان سايكس بيكو يريده من تجزئة". إنما جاء ليقول: "نريد أن نجزئ هذه المنطقة أكثر". هذه المنطقة أكثر، بمعنى أنه ما جُزّئ في سايكس بيكو الآن، نحتاج أن نجزئه أكثر ونفتته أكثر. وهي هي النظرية الاستعمارية.
لأن النظرية الاستعمارية طوال التاريخ هي نظرية تجزئة. ليس لم تكن نظرية وحدة. هذه مهمة. هذا حدث في القارة الهندية، وحدث عندنا هنا، وحدث في أفريقيا في كل مكان. المنظومة الاستعمارية هي منظومة تجزئة الآخر، بينما هي منظومة توحيد المستعمر. فالمستعمر يتوحد في أرضه، ولكنه يجزئ المستعمر، يجزئ المكان الذي يريد أن ينهب خيراته أو أن يسيطر عليه أمنياً. وبالتالي، هذه المنظومة الموجودة في أرضنا هي منظومة ضعف مقيم. هي ليست منظومة ضعف طارئ كما حكى الحال الحروب الصليبية أو المغول أو أي ما كان في لحظات ما من اضطرابات وقعت في العالم الإسلامي.
هناك نقطة أخرى. طيب، في عندنا صراعات دائماً في المنطقة. صحيح، نحن كان عندنا الدولة العباسية، كان عندنا الدولة الفاطمية. الدولة الفاطمية كانت إسماعيلية، والدولة العباسية على سبيل المثال كانت سنية، وكان في صراع بينهما. وكان لدينا صراع ما بين العثمانيين والصفويين عبر التاريخ. صحيح 100%. وكان لدينا صراع بين مكونات في المنطقة دينية أو عرقية أو مذهبية بعضها مع بعض. هذا صحيح. لكن انتبهوا لشيء مهم جداً. كل هذه الصراعات كان التدافع في نفس الإطار الحضاري. يعني كنا نتدافع مع بعضنا بعضاً. العثمانيون والصفويون، الصفويون كانوا اثنا عشرية، والعثمانيون كانوا حنفية على سبيل المثال، يتصارعون ضمن فضاء استراتيجي واحد، يتدافعون فيه، فيغلب القوي الضعيف، ويعدل موازين القوة، ثم يعاد الكرة مرة ثانية ضمن مكونات طبيعية عضوية موجودة في المنطقة. حالة مقيمة فيها إقامة عتيقة قديمة، هي مكون طبيعي فيها.
ولذلك، لما يتقاتل أهل المنطقة ويتصارعون ويتدافعون، هو تدافع طبيعي ضمن كل السياقات، مثل ما أوروبا تدافعت، مثل ما أفريقيا تتدافع، مثل ما آسيا. هذا شيء طبيعي. وأين المشكلة تحدث؟ المشكلة تحدث عندما يأتي الخارج لكي يستخدم هذا التدافع من أجل حالة من الاستعمار والهيمنة الصفرية. ما الفرق بينهما؟ التدافع الداخلي الموجود في المنطقة، دكتور، سواء مذهبي، وسواء كان طائفي، سواء كان له علاقة بالقوة. يعني نحن الصراعات على سبيل المثال ما بين خراسان وبغداد، هذه ليست بسبب الشيعة والسنة. يعني بالأساس كان لدينا صراعات بسبب التشكلات الجيوسياسية والاستراتيجية. الدولة الخوارزمية كانت سنية، والدولة العباسية كانت سنية، ومع هذا كان بينهما صراع كبير طويل. لكن المتفق عليه أنه صراع ضمن التدافع الطبيعي في المنطقة، وليس صراع أبادي، ليس صراع صفري، ليس إقصائي استئصالي.
هذه نقطة مهمة. لأن الصراع الإقصائي الاستئصالي يأتي عندما يأتي الغريب من الخارج. فصراعنا، صراعاتنا في المنطقة هي تدافعات في الإقليم. [تنحنُح] ومفيدة أحياناً. مفيدة لماذا؟ لأنه إذا ضعفت، تحتاج أن تقوي نفسك مرة ثانية حتى تعدل موازين القوة، فلا يستفرد أحد بأحد. مثلاً، هذا الشيء طبيعي ويحدث عبر 1000، 2000، 3000 سنة. هذا هو نمط معتاد في المنطقة، في كل مناطق العالم. لكن الخارج عندما يتدخل ويزرع كياناً مثل الكيان الصهيوني على سبيل المثال، أو يأتي باستعمار، ولا يأتي بتدافع داخلي طبيعي، ويأتي بمنظومة استئصالية، منظومة تلغي ما كان موضوعياً، ما كان عضوياً، ما كان طبيعياً، ما كان تلقائياً، ما كان تدافعاً، وتحيله إلى صراع صفري، صراع وجودي، صراع يريد أن يغير البنية، ليست البنية الفكرية ولا الثقافية ولا المذهبية فحسب، بل حتى البنية الجيوسياسية والاستراتيجية والاقتصادية، ويحيلك إلى تابع دائم، وإلى ضعيف دائم، وإلى متبع له دائم.
ومن هنا، حالة الصراع مع المعتدي الخارجي أو الذي جاء من خارج المنظومة، هذه حالة وجودية. بينما حالة التدافع في داخل الإقليم، هذه منظومة طبيعية صارت وستصير وستبقى مستمرة، سواء كانت لأسباب لها علاقة بالجيوبوليتكس، لأسباب لها علاقة بالموارد، لها أسباب بالعائلات الحاكمة، لها أسباب بالمذاهب. هذه تحدث وستبقى مستمرة، لأنه المنظومات هذه تتدافع، وهذا شيء طبيعي. لكنها لا تبيد، لا يبيد بعضها بعضاً باعتبار أنه نحن كلنا سكان هذه المنطقة نتدافع في حدود موازين القوة التي تمكننا من أن نقوي أو نثبت أو نضخم أو نحصل على غنائم أكبر. هذا الشيء مهم.
فهنا، صراعنا مع المنظومة الاستعمارية وتجلياتها، سواء كانت بالتجزئة وتبعية تبعت سايكس بيكو وملاحقه، أو بالمنظومة الصهيونية، هذا صراع مختلف من نوع آخر. هذا صراع نحتاج أن نستيقظ له. ونحتاج هنا أن نستعيد ما كان موجوداً لدينا في السابق، وهو فكرة أن نلتقي، أن نتجمع، أن نتوحد، أن نتفق. طبعاً، ممكن يجي واحد يقول لي: "يا أخي، أنت رجل مثالي جداً وبتحكي عن الواقعية المقاصدية. شو الواقعية في التوحد؟ ما أنت شايف ما حدا متوحد مع حدا". أنا رأيي في هذه المسألة أن هذه اللحظة بالذات، هذه اللحظة بالذات، سوف تلجئنا، سواء عن حسن نية أو عن ضرورة، سوف تلجئنا إلى التماس وسائل وطرق للتوحد. أحياناً ما يصنعه العدو يقنعك أكثر مما تقنعك الحجة، ويقنعك النمط التاريخي. وأعتقد أننا نحن وصلنا الآن تقريباً إلى مشارف هذه المرحلة التي لم يعد لدينا فيها حل إلا أن نبدأ بالتفكير بمنظومة جامعة نستعيد فيها قوتنا.
[موسيقى]
في أية منظومة؟ وأنا أتكلم هنا عن فراغ في المنظومة. أنا قلت لكم الفراغ الاستراتيجي أعرفه بغياب المنظومة العضوية الطبيعية الناشئة من المنطقة. وأنا أعتقد أنه نحن نعيشها منذ 100 عام. معضلة أية منظومة هي في الأمن، ليست في الاقتصاد بالمناسبة. لماذا؟ الاقتصاد هو منتج مهم، ضروري جداً لاستقرار حالة موجودة على الأرض. بمعنى، الأمن مقدم على كل شيء. لأن الأمن هو الذي يسمح للتاجر، تاجر بدون خوف، هو الذي يسمح للقوافل أن تتحرك، ويسمح للمصانع أن تعمل. لكن حالة غياب الأمن هي التي تؤدي إلى عكس ذلك.
الذي حدث في منطقتنا أن أية منظومة أمنية جامعة انتهت، وأُحِلّ مكانها فكرة الأمن القطري أو الأمن الوطني. والأمن القطري، لأنه بنية النظام الذي شُكّل في أرضنا، بنية تستدعي ضعفاً، جاءت الدولة القطرية العربية تحديداً لكي تستعين بالخارج وتستقوي به. ومن هنا، كان لابد من وجود قواعد أمريكية، وكان لابد من وجود تسلح من مصانع أوروبية، وكان لابد لنا من اتفاقات دفاع مشترك واتفاقات أشياء كثيرة جداً.
وين المشكلة في هذه المنظومة؟ لأنه ليس هناك حماية مجانية. هذه ليست قوات مرتزقة تأتي إليك بالمال وأنت تقوم بتسخيرها كما تشاء. بالعكس، هي تأتي بمنظومتها الأمنية إليك، فتستخدم ما لديك من موارد وما لديك من حاجات، وتسخرها ضمن المنظومة الأمنية الأمريكية أو المنظومة الأمنية الغربية. وأنت تصبح في هذه الحالة تدفع ثمن الحماية. فالحماية هنا ليست مجانية. حتى لو دفعت فلوس، أنت ستدفع أكثر من ذلك أيضاً. وضع استراتيجي معين، تصنيف استراتيجي معين، أولويات استراتيجية لا تتبع لك، إنما تتبع للذي زودك بالحماية. وهذا ما نسميه بفخ الحامي.
فالحامي هنا الذي يأتيك بجيشه ليؤسس لك قاعدة، هو لا يأتي لك بالأمن. هو يأتي لك بفخ جديد. لماذا؟ لأنك تصبح مرهوناً بأمنه. فهو الذي يقرر الحرب والسلم، هو الذي يقرر من تقاتل أنت ومن لا تقاتل، وهو الذي يقرر إن كان من الضروري أن يتم غزوُك أو لا، أو أن يتم تدمير نظامك أو لا. فهو هنا، أنت استبدلت مفهوم الأمن الذاتي أو الأمن المشترك بـ "أمن الحماية المستوردة" التي لها تكلفة عالية جداً.
ما الذي يحدث في هذه الحالة؟ ويحدث دائماً في كل مكان. أنها تنتقص من السيادة. فيتحول مفهوم سيادة الدولة إلى مفهوم الأمن الداخلي. أي الأمن ضد المواطنين. فلذلك، لابد من سجون، لابد من أجهزة استخبارات قوية، إلى آخره. الأمن الداخلي هذا هو ليس تجلي حقيقي للسيادة. تجلي سيادة أي دولة هو في قدرتها على التفاعل مع محيطها ومصائرها الاستراتيجية الكبرى، حدودها. هذا هذه السيادة. لكن العلاقة مع المواطن أصبحت هي مفهوم السيادة. فلذلك، نحن نتسيّد على الإنسان المواطن، بينما لدينا الحامي الذي يتسيّد علينا. وهنا صار في عندنا خلال.
إذاً، مفهوم السيادة اختل. اختل مفهوم السيادة. مجرد أن تصبح أنت جزءاً من منظومة حماية أجنبية، فأنت هنا بدأت تفتقر إلى السيادة اللازمة التي هي أحد مقومات الدولة. فعندما تختل السيادة، إيش اللي بيحصل في ذلك الوقت؟ شرعية الحكومة، شرعية النظم، شرعية حتى التفكير في المناهج الدراسية، التفكير في المؤسسات العاملة داخل الكيان أو الدولة، تصبح أيضاً مهتزة.
فإذاً، حماية أجنبية، انتقاص للسيادة، ثم بعد ذلك تأكل للشرعية، ثم بعد ذلك خوف من الناس الذين سوف يقولون إن هذا الكلام غير مناسب، ثم مزيد من استدعاء الحماية الخارجية، ثم دورة مفرغة. هذه الدورة، فخ الحامي، نسميه فخ الحامي. هذه دورة لا حد لها، لا تنتهي حقيقة على خير. عادة تنتهي إلى إشكالات كبرى. لابد لنا من أن نجد حلاً لها، وإلا سنصبح دائماً واقعين في هذه الحلقة المفرغة من ضرورة استدعاء الخارج لكي يؤدي إلى الاستقرار الداخلي. وهذا ليس مفيداً على الإطلاق ومضر. وأعتقد أن ضرره أصبح واضحاً لنا جميعاً. ونحتاج أن نفكر ببديل. وهذا الذي سوف نحاول أن نتكلم عنه في الحلقة القادمة.
لكن قبل أن نتحرك للحلقة القادمة، أريد أن أقدم مفهوماً آخر. إذا نحن قدمنا في هذه الحلقة مفهوم، أولاً كنا نتكلم في الحلقة الماضية عن الواقعية المقاصدية. وقلنا إن الواقعية المقاصدية المقصود بها الإدراك العميق للواقع كما هو من أجل تجاوزه باتجاه مستقبل أفضل. وبالتالي، أنا عندي مقصد، وهذا المقصد واضح بالنسبة لي، ولكني لا أريد أن أسقط هذا المقصد على الأرض وعلى الواقع بطريقة فجة تؤدي إلى خلل، تؤدي إلى فوضى، تؤدي إلى فتن. وإنما أريد أن أتعامل مع الواقع، ثم أتدريج في الصعود قدماً نحو مقصد أسمى.
ولكن في كثير من الأحيان، الواقعية الغربية، اللي هي للأسف الشديد كثير من نظمُنا الحاكمة استوردتها بشكل أعمى، أصبحت كالتالي: أتعامل مع الواقع لصيانته. أنا بتعامل مع الواقع لصيانة الواقع. ما بدي أحسن من هيك. لا يوجد أفضل مما هو كائن. ثم هو الواقع أصلاً تعيس. بقول لك: "آه، بس بدي شيء يكون أتعس، لكن كويس، خليني على حالي". هذا لا يؤدي في الحقيقة إلى خير، لأنه عادة يؤدي إلى مزيد من التأكل ومزيد من الضعف ومزيد. ولذلك، الواقعية المقاصدية هي تعامل مع الواقع كما هو من أجل تجاوزه نحو مستقبل أفضل. أما الواقعية الراهنية أو الواقعية الانهزامية، الحقيقة هي الواقعية التي تعتبر أن الواقع هو المبدأ وهو المنطلق، ولكنه بنفس الوقت هو المال. كذلك، المقاصدية بتقول لك: "لا، الواقع مبدأ ومنطلق، ولكن المال شيء آخر نتفق عليه جميعاً".
فمن هنا، نحتاج أن نتكلم عن المقاصد. هذه المقاصدية في علم المقاصد، كما قلت لكم في الحلقة السابقة، تكلم علماؤنا الكبار عن ضرورات الـ [أصوات شخير] الضرورات الخمس التي ينبع منها تنبع منها كل المقاصد. فقالوا بحفظ الدين، حفظ النفس، حفظ المال، وكذلك حفظ العرض. وكنت أتأمل في هذه المعاني كثيراً. منا لما نذكرها بقول لك: "آه، حفظ الدين، أنه الواحد يكون متديناً وكويس جداً وما في مشكلة". وحفظ النفس، إذا واحد دخل على بيتك ويريد أن يقتلك، فأنت قتلته، فلا فلا بأس في ذلك لأنك حفظت نفسك. وحفظ المال، لو سُرق منك وإلى آخره.
فهذه المعاني لا شك أنها معاني صحيحة، والفقهاء تعاملوا معها. لكن أنا أريد أن أتحول من هذه المعاني إلى معاني أخرى أكثر استراتيجية. بمعنى، هل يمكننا في الواقعية المقاصدية أن نقول إن حفظ الدين يعني في البعد الاستراتيجي وليس الفردي الشخصي، حماية الهوية الحضارية مثلاً؟ حفظ للدين، أليس كذلك؟ طيب، حفظ النفس. ألا يمكننا أن نقول إن حفظ النفس هو المنظومة الدفاعية المشتركة التي لا تؤدي بنا إلى استدعاء الخارج؟ جيد. طيب، حفظ العقل. ألا يؤدي بنا ذلك للقول باستقلالية المنظومة التعليمية بحيث يقول لنا: "منظومتنا حتى تحفظ عقولنا فلا تُستلب لحداثة مادية ولا تُستلب لرؤى وتصورات فلسفية مستوردة". فهذا حفظ للعقل. حفظ النسل. ألا يمكننا أن نقول إنه يأتي أيضاً بالتماسك الاجتماعي والأسري، وأن منظومة الأسرة ومنظومة المجتمع، منظومة القانون التي تدعم الأسرة والمجتمع، هذا من حفظ النسل، أليس كذلك؟
ثم حفظ المال. أليست السيادة الاقتصادية ووجود نظم اقتصادية بين دولنا تستثمر أموالنا في أرضنا، تثبت أي ما لدينا من أموال في داخل استثماراتنا، سواء دفاعية أو اقتصادية أو سياسية، واجتثاث الفساد؟ أليس ذلك أيضاً من باب حفظ المال؟ فهنا، الضرورات الخمس هذه التي تنبني عليها المقاصدية التي تحدث عنها الشاطبي، كلها تصلح أن تكون أسساً لنظرية استراتيجية في الواقع. وهذا ليس صعباً وليس مستحيلاً. فلذلك، الانغماس في الواقعية الانهزامية، الابتعاد عن فكرة أننا لدينا وعي استراتيجي عميق موجود في تراثنا. نحن 1300 سنة موجود، وهذا التراث انقطع من 100 سنة فقط. لكن منذ، منذ، منذ أو خلال 1300 سنة كان لدينا إمبراطوريات، كان لدينا دول، كلها حكمت وفق نظريات ورؤى وتصورات. كان لدينا فلاسفة وكان لدينا علماء. تكلمت لكم في المرات الماضية عن أناس مثل الفارابي، تكلمنا عن ابن سينا، تكلمنا عن الجويني، عن الماوردي، عن ابن خلدون، نظام الملك الذي كتب "سياست نامه" والذي كان له مدرسة عظيمة جداً أدت بعد ذلك إلى نور الدين زنكي وإلى صلاح الدين الأيوبي. تكلمنا عن علاء الدين قونالي زاده في العهد العثماني. كل هؤلاء كتبوا في فلسفة السياسة، كتبوا في الاستراتيجيا بدون أن نسميها استراتيجيا، كتبوا فيها في أصولها، وهو عمق أكبر بكثير مما كتبه فلاسفة الغرب بعد ذلك حتى، لا سيما بعد عهد مكيافيلي.
إذاً، هل بالإمكان لنا أن نستعيد، أن نستعيد من خلال هذا العمق التاريخي رؤى وتصورات جامعة يمكننا من خلالها أن نسقطها على الواقع وأن نفكر في المستقبل وفقاً لها، بحيث أن نحفظ أنفسنا ونحفظ الدين ونحفظ المال ونحفظ النسل ونحفظ العقل ونحفظ الدين كما أراد أئمة المقاصد؟ أعتقد أن ذلك ممكن وضروري وواجب، وقد آن أوانه.
السلام عليكم.
[موسيقى]