Transcription
بينما يغرق العالم في صخب الاحتفالات ونهايه العام، تدور رحا حرب صامته وبارده على حدود الجزائر الجنوبيه. حرب لا يسمع ضجيجها الا الراسخون في علم الكواليس، ومن يملكون القدره على قراءه ما بين السطور.
فما حدث خلال الـ 72 ساعه الماضيه لم يكن مجرد احداث عابره او مناوشات روتينيه، بل هو اعلان صريح عن بدء الفصل الاخطر من مخطط الحصار الجنوبي. ذلك المخطط الذي طالما حذرنا منه وتحدثنا عن ارهاصاته، وها هو اليوم يكشف عن وجهه القبيح دون اي مساحيق تجميل، ليضع المنطقه كلها على فوهه بركان.
دعونا ندخل مباشره في صلب الموضوع، ودعونا نربط النقاط التي يحاول البعض تشتيتها. فقبل ساعات قليله، انتهى اجتماع لقاده ما يسمى بـ "كونفدراليه دول الساحل" في باماكو. وظاهريا قد يبدو الامر شانا داخليا يخص الجيران، لكن التدقيق في مخرجات هذا الاجتماع واللغه الخشبيه العدائيه التي صيغت بها البيانات، يكشف ان القرار لم يعد في باماكو ولا في نيامي ولا في واادوكو، بل اصبح يدار بالريموت كنترول من عواصم بعيده لا تريد للجزائر ان تتنفس.
لقد تحولت هذه الدول التي كانت تعتبر الحديقه الخلفيه والعمق الاستراتيجيه للامن القومي الجزائري، الى منصات متقدمه لقوى معاديه. وتحديدا تلك القوى الاستعماريه التي طردت من الباب وتحاول الان العوده من النافذه الجنوبيه، مدججه باحقاد التاريخ ومصالح الجغرافيا.
المعلومات التي وصلت الينا والتي يتم تداولها في اروقه ضيقه جدا، تتحدث عن رصد تحركات عسكريه غير مسبوقه على طول الشريط الحدودي. ونحن هنا لا نتحدث عن تحركات لجيوش نظاميه تقليديه، بل نتحدث عن رصد طائرات مسيره (درونز) متطوره جدا، قامت بطلعات استطلاعيه استفزازيه بالقرب من نقاطنا الحدوديه الصفريه خلال الليله الماضيه.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوه ولا يجرؤ الكثيرون على طرحه: من اين لهذه الدول التي تعاني جيوشها من نقص في التجهيز والتمويل، ان تمتلك تكنولوجيا بهذا التعقيد؟ ومن الذي يدير غرف العمليات هذه؟ الاجابه واضحه وتصرخ بالحقيقه: هناك بصمات استخباراتيه اجنبيه، وهناك خبراء عسكريون من شركات امنيه خاصه ومن دول وظيفيه معروفه بعدائها للجزائر، هم من يحركون هذه الدمى لمحاوله جر الجيش الجزائري الى رد فعل غير محسوب.
ان ما يجري هو تطبيق حرفي لاستراتيجيه الاستنزاف الرمادي. فهم يدركون جيدا ان المواجهه المباشره مع الجيش الجزائري هي انتحار عسكري لا طاقه لهم به. لذلك لجوا الى اسلوب الحروب الهجينه.
ومع عمليه اغراق الحدود بشحنات مهوله من الاقراص المهلوسه والسلاح التي احبطتها مفارز الجيش امس، الا جزء من هذه الحرب. فنحن لا نتحدث هنا عن مهربين يبحثون عن الربح، بل نتحدث عن جيش من المهربين يعملون ضمن اجنده تدميريه. فالهدف من ضخ نصف مليون قرص مهلوس ليس التجاره، بل هو قصف العقول الجزائريه وضرب الجبهه الاجتماعيه في مقتل، واشغال القوات المرابطه في مطارده الاشباح في الصحراء بدلا من التركيز على الاخطار الاستراتيجيه الكبرى. انها محاوله لتحويل الحدود الى ثقب اسود يبتلع الجهد والمال والرجال.
ولعل التوقيت هو اخطر ما في هذه المعادله. فلماذا اشتعلت الجبهه الجنوبيه الان بالتحديد؟ ولماذا تزامنت هذه الاستفزازات مع الغضب الفرنسي الاستيري من مسابقه البرلمان الجزائري على قوانين السياده والذاكره؟
ان الربط بين هذا وذاك ليس ضربا من التنجيم، بل هو قراءه واقعيه للجغرافيا السياسيه. ففرنسا التي تخسر نفوذها في افريقيا، والكيان الصهيوني الذي يتوغل في القاره السمراء، التقيا عند هدف واحد: خنق هذه القوه. تدرك ان الجزائر هي العقبه الوحيده المتبقيه امام اعاده هندسه المنطقه وتقسيم المقسم. ولذلك تم تفعيل خطه الكماشه، اي الضغط من الجنوب لاضعاف الموقف التفاوضي والسيادي للجزائر في ملفات الشمال والبحر المتوسط.
انهم يريدوننا ان ننشغل بحمايه ظهرنا المكشوف، لكي يمرروا صفقاتهم المشبوهه في الغرف المظلمه. علينا ان نتوقف مليا عند نوعيه التسليح الذي بدا يظهر في ايادي الجماعات المسلحه المنتشره في شمال مالي والنيجر. فالتقارير الميدانيه تشير الى وصول صواريخ محموله على الكتف واجهزه اتصال مشفره حديثه. وهذا يعني ان هناك خط امداد لوجستي مفتوح، وهناك جسر جوي خفي يغذي حاله اللا استقرار.
ان تحويل منطقه الساحل الى افغانستان جديده هو السيناريو الذي يتم العمل عليه الان. والهدف النهائي هو استدراج الجيش الجزائري للتدخل خارج الحدود. يريدون تكرار سيناريوهات المستنقعات التي استنزفت جيوشا عظمى. يريدون للجزائر ان تغرق في الرمال المتحركه.
لكن ما يغيضهم ويصيبهم بالجنون هو البرود الاستراتيجي الذي تتعامل به القياده الجزائريه مع هذه الفخاخ. ان صمت الجزائر الرسمي ليس صمت ضعف، بل هو صمت الرادارات التي ترصد وتخزن الاحداثيات، وصمت القناصه الذين ينتظرون اللحظه المناسبه. فالجيش الجزائري يعي تماما ان المعركه الحقيقيه هي معركه استخباراتيه ومعركه سياده جويه، وليست معركه كر وفر مع مرتزقه.
وما المناورات الصامته واعاده الانتشار التي تمت في الـ 24 ساعه الماضيه في النواحي العسكريه الجنوبيه، الا رساله ردع فهمها المشغل الاصلي قبل الوكيل المحلي. رساله مفادها ان اي محاوله لاختراق الحرم الحدودي ستقابل بجحيم من النيران، وان الجزائر تملك من اوراق الضغط الاقتصاديه والدبلوماسيه ما يمكنها من خنق الدول الحبيسه التي تعتمد في شريان حياتها على الموانئ والحدود الجزائريه.
لكن الامر لا يتوقف عند الجانب العسكري. فالمؤامره تستهدف ايضا عزل الجزائر عن عمقها الافريقي. فهناك حمله اعلاميه ممنهجه ومموله بسخاء تشن الان في منصات التواصل الاجتماعي الموجهه للشعوب الافريقيه، تحاول شيطنه الدور الجزائري وتصويره على انه دور هيمنه، وذلك لقطع الطريق على مشروع الطريق العابر للصحراء وانبوب الغاز النيجيري.
انهم يريدون ضرب المشاريع الاقتصاديه العملاقه التي تعول عليها الجزائر لبناء مستقبلها، واستبدالها بمشاريع وهميه تخدم مصالح الغرب. وهذا ما يفسر العدائيه المفاجئه في خطابات بعض القاده الجدد في الساحل، الذين يبدو انهم قبضوا الثمن مسبقا لبيع مستقبل شعوبهم ومحاوله الاضرار بجارهم الكبير.
نحن امام مشهد سريالي، حيث يتحالف الضحيه مع الجلاد ضد الاخ. فدول الساحل التي كانت الجزائر هي رئتها التي تتنفس بها وحصنها الذي يحميها من الارهاب، نراها اليوم تنخرط في حلف مشبوه يهدف لزعزعه استقرار المنطقه. ولكن، وكما يقول المنطق والتاريخ، فان هذه التحالفات الهشه المبنيه على المصالح المؤقته والرشاوي السياسيه سرعان ما تتهاوى. فالجزائر دوله قاره وثابته، وهذه الانظمه متغيره وزائله.
وما يحدث الان هو رقصه الديك المذبوح لمشاريع الاستعمار الجديد التي تلفظ انفاسها الاخيره، والمحاوله اليائسه لخلط الاوراق قبل الدخول في العام الجديد 2026، الذي تشير كل التوقعات الى انه سيكون عام الحسم وتغير موازين القوى العالميه.
في ختام هذا المشهد القاتم، لابد ان ندرك شيئا مهما، وهو ان الرهان الحقيقي اليوم هو على وعي الشعب الجزائري وتماسكه. فالمؤامره الخارجيه لا تنجح الا اذا وجدت صدا في الداخل. وما يحاولون فعله عبر التهويل والتهديد والحرب النفسيه والمخدرات، هو كسر الروح المعنويه وزرع الشك.
لكن الحقائق على الارض تقول عكس ذلك. فالجزائر اليوم اقوى عسكريا واكثر استقلالا في قرارها السياسي من اي وقت مضى. وما يجري في الجنوب هو دليل عافيه وقوه، لانهم لا يحاصرون الا القلاع الحصينه التي استعصت عليهم. اما الدول الضعيفه، فهم يبتلعونها دون ضجيج. وما هذا الضجيج الذي نسمعه الا صراخ عجزهم عن النيل من سياده الجزائر.