Transcription
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره. ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والمثيل والكفي والنظير. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلق، وأمينه على وحيه. أرسله ربه رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين. فهدى الله تعالى به من الضلالة، وبصر به من الجهالة، وكثر به بعد القلة، وأغنى به بعد العيلة، و لم به بعد الشتات، وأمن به بعد الخوف، وأغنى به بعد الفقر. فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين وأصحابه الغر الميامين ما اتصلت عين بنظر، ووعت أذن بخبر. وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد، أيها الإخوة الكرام، قضى الله سبحانه وتعالى أن تكون الأيام دولا بين الناس. فهذا الدهر قلب، ربما ينشأ الإنسان غنيا، ثم ربما يصبح الإنسان غنيا ويمسي فقيرا. وربما أصبح صحيحا وأمسى سقيما، وربما أصبح أمرا وأمسى مأمورا، وربما أصبح ظالما وأمسى مظلوما. والله جل وعلا هو الذي يقسم الأرزاق بين الناس، وهو الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء. وهو سبحانه وتعالى الذي يعطي ويمنع. قل: "اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير. تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل".
وقد كان نبينا صلوات ربي وسلامه عليه ينظر في العبر التي تقع حوله. فكان عليه الصلاة والسلام ينظر في أخبار كسرى وأخبار قيصر، ويحدث أصحابه بشيء من هذه العبر. كما بعث النبي صلى الله عليه وسلم برسالة إلى كسرى فمزقها، فقال عليه الصلاة والسلام: "إن الله ممزق ملكه". وبعث عليه الصلاة والسلام إلى والي اليمن برسالة فمزقها، فقال عليه الصلاة والسلام: "إن الله ممزقه وممزق ملكه". وبعث صلى الله عليه وسلم برسالة إلى هرقل فأمسكها وعظمها، فقال عليه الصلاة والسلام: "لا يزال الناس يجدون منه قوة ما دام في الدهر خير".
وكان عليه الصلاة والسلام يقول لأصحابه متحدثا عن ملوك الأرض وعن سقوطهم وزوال ملكهم وذلهم بعد عزهم وافتقارهم بعد غناهم. كان عليه الصلاة والسلام يقول لأصحابه: "إذا سقط كسرى فلا كسرى بعده". فلا كسرى بعده.
وكان صلوات ربي وسلامه عليه إذا رأى أحوال أصحابه ورأى أحوال زمانه تذكر أحوال الأمم التي كانت قبله. فإنه لما مر عليه الصلاة والسلام بقوم من المشركين قد علقوا سيوفهم على شجرة ذات أنواط، يعني لها أغصان يتعبدون عندها ويرجون بركتها من دون الله تعالى، قال الصحابة: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال عليه الصلاة والسلام: "الله أكبر، إنها السنن". يعني ما يقع على الأمم السابقة يقع على من يأتي بعدها من أمم. إنها السنن، إنها السنن. قلتم: "والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة". نعم، إنها السنن.
إن الذي أسقط الدول السابقة، وأتم أطفال أولئك الملوك السابقين، وأذلهم بعد عزهم، وجعلهم شذر مذر، إنه الذي لا يزال يمزق الملوك والحكام والعظماء ويسقط الدول إلى زمننا هذا. كلا، بل يسقطها إلى قيام الساعة. فالأمر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "إنها السنن". يعني أنها السنن التي سنها الله تعالى والطريقة التي يسير عليها الخلق. فمن اعوج عنها أو خالفها أو أراد أن يناكفها، أصابه الله جل وعلا بما أصاب به الملوك السابقين.
أيها المسلمون، إن الذي ينظر في التاريخ يجد أمما قد مرت على التاريخ كثيرة. يجد أسماء متعددة من الملوك، يجد لهم عجبا ويجد لهم ذكرا. حتى قد مر على اليمن أكثر من ألف ملك في دولة التبابعة. حتى نظم في ذلك نشوان الحميري، نظم في ذلك قصيدة طويلة أرخ فيها لأكثر من ألف ملك، كلهم ملكوا وكلهم عزوا، لكن من الذي يعرفهم اليوم؟ نظمها في قصيدة من ذلك أنه قال فيها:
الأمر جد وهو غير مزاحِ
فاعمل لنفسك صالحا يا صاحِ
كيف البقاء مع اختلاف طبائعٍ
وكرور دهرٍ وكرور ليلٍ دائمٍ وصباحِ
تجري بنا الدنيا على خطرٍ
كما تجري عليه سفينةُ الملاحِ
تجري بنا في لج بحرٍ مالهُ
من ساحلٍ يوماً ولا ضحضاحِ
شغل البرية عن عبادة ربهم
فتنٌ على دنياهم وتلاحِ
كل البرية شاربٌ كأس الردى
من حتف أنفٍ أو دمٍ سفاحِ
ثم ذهب في قصيدته، ثم قال بعدما أرخ لألف ملك: قال: "وملوك حمير ألف ملكٍ أصبحوا في الترب رهن ضرائحٍ وصفاحِ".
نعم أيها المسلمون، إن الذي يتأمل اليوم في خلال ما وقع خلال العام المنصرف من أولئك الأقوام الذين حكموا عشرات السنين، منهم من حكم أكثر من أربعين سنة، وأكثر من ثلاثين سنة، وأكثر من عشرين سنة، وهو يأمر وينهى، وهو الحاكم، وهو قائد الجيش، وهو المسؤول عن الاقتصاد والأمور الاجتماعية والسياسية. وهو كما قال الله تعالى في وصف فرعون: "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد". الناس كانوا يحتاجون إلى كسرة الخبز، وهو يعبث به في طعامه. يحتاج الناس إلى القرش وإلى الدرهم وإلى ما هو أقل من ذلك، وهو يطعم به كلبه وقطته. يحتاج الناس إلى ثوب ولو من خيش يسترون به عورات أطفالهم، وهو يعبث في المال بشراء الموديلات وبشراء الموضات التي هي بملايين الدراهم والدنانير. ثم بعد ذلك رأينا كيف فعل الله جل وعلا به.
نتذكر عندما نرى هؤلاء قول النبي عليه الصلاة والسلام: "إن الله ليملي للظالم". يملي للظالم، يظلم ويفعل ما يشاء ويأمر وينهى، وليس عنده إلا من يزينون له. "وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول". قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلت". ثم قرأ قول الله جل وعلا: "وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد".
أيها المسلمون، إن الذي ينظر في سقوط الدول وفي سقوط الظالمين من أولئك الحكام الذين تسلطوا وظهروا على الناس وبغوا عليهم في أموالهم وأعراضهم وأنفسهم وصحتهم، إن الذي ينظر في أسباب سقوط الدول وفي أسباب سقوط الظالمين، يجد لذلك أسباباً يستطيع أن يستخرجها من كتاب الله تعالى أو من سنة النبي عليه الصلاة والسلام أو من خلال التاريخ الذي يقع أمامه.
ومن أول ذلك ظلم العباد. أن يقع منه ظلم للناس سواء سواء في منعهم من حقوقهم، ومنعهم من خيرات البلاد التي يعيشون فيها. يعيشون في بلاد غنية ومع ذلك لا يكاد أحدهم ما يسد به رمقه. وإذا احتاج إلى علاج أو إلى دواء احتاج أن يسلك عشرين سبيلاً لأجل أن يحصل على دوائه أو علاجه، وربما لا يحصل على ذلك أيضاً. يضيق على الناس في أموالهم وفي خيراتهم وفي صحتهم، ويحيطهم دائما بالرعب منه والخوف من الاعتراض عليه. فلا يزال الله تعالى يملي لأمثال هؤلاء حتى إذا أخذه لم يفلت بسبب ظلمه لهؤلاء العباد. يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "بابان تعجل فيهما العقوبة في الدنيا: البغي والعقوق".
ولقد كان نبينا وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعيش في خوف شديد من ربنا جل في علاه، وينشغل قلبه دائما بالمراقبة من أن يكون ظلم الناس شيئاً. ألم تر أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما وقف في معركة بدر وكان يرتب أصحابه بين يديه، وخير الصحابة من شهد بدراً، كان يرتبهم بين يديه، وإذا بأحد الصحابة الأخيار كان متقدماً على الصف، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم معه عصا يرتب بها الصف حتى يتحدث معهم وليشرح لهم خطة القتال، فهو قتال وحرب وموت. فقال صلى الله عليه وسلم له: "تأخر يا فلان". فلم يسمع. قال: "تأخر يا فلان". فلم يسمع. فتقدم صلى الله عليه وسلم إليه وضرب بطنه بعصاه. قال: "تأخر". قال: "يا رسول الله، أوجعتني". أوجعتني. فقال صلى الله عليه وسلم: "خذ، خذ، اقتص مني". والله ما جلده بصوت، ولا قال لزبانية: خذوه فغلوه، ولا رماه في السجن، ولا قال له: أنت تعرف تتكلم مع من؟ ولا التفت بطرف عينه إلى من حوله فالتقموا الرجل التقاما. لا، قال: "خذ، اقتص مني". ونحن في قتال. نعم، ونحن في قتال، وأنت القائد. نعم، حتى وإن كانت ضربتك له غير مقصودة. نعم. فأخذ العصا ذلك الصحابي وهو سواد رضي الله عنه. قال: "يا رسول الله، أنت ضربتني وأنا كاشف لبطني ما علي رداء، فاكشف بطنك لأضربك كما ضربتني". فإذا به عليه الصلاة والسلام يحسر الرداء عن جسده المبارك. أرك، فيقبل ذلك الرجل لاثماً لجلد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضماً له، مقبلاً له، يقبل العدل، يقبل الحاكم الذي يربي شعبه أحراراً ليسوا عبيداً.
بعض الحكام اليوم، مع الأسف، يريد أن يكون الشعب مجموعة من العبيد، مجموعة من القطعان، مجموعة غنم، حتى وإن كان فيهم علماء. نعم، تعيش كما تعيش الشاة، حتى وإن كنت أحصل على شهادات عالية ولي وزني في الأمة. نعم، تعيش ورائي وتسير ورائي كما تسير الغنم وراء راعيها. لا نسمح لك بكلمة ولا اعتراض ولا رأي. النبي صلى الله عليه وسلم كان يربي أحراراً، يربيهم رجالاً، ما كان يربيهم مجموعة عبيد شياه بين يديه. لذلك قادوا العالم. قال: "خذ، اقتص يا سواد". فيقبل على بطن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلثم ذلك البطن المبارك وذلك الجسد الشريف، يقبله، يقبله. نعم، يقبله لأنه يحبه حباً صادقاً. فهو عليه الصلاة والسلام لم يكن يستأثر دونهم بالأموال، ولم يكن يستأثر دونهم بخيرات البلاد، ولم يكن عليه الصلاة والسلام يدخل بيته فإذا المياثر والأرائك وأنواع الطعام والشراب بين يديه وهم يعيشون على فقر ومسكنة. لا، كانوا إذا جاعوا جاع معهم، وإذا مرضوا مرض لمرضهم، وإذا حزنوا حزن لحزنهم. يموت ودرعه مرهون عند يهودي في صاع من شعير ليطعم به زوجته. يرونه بأعينهم وهو يحفر معهم في الخندق. فلما رفع عليه الصلاة والسلام الفأس ليضرب الحجر، وإذا بطنه معصوب بحجر من شدة الجوع. ما كان يقول: والله أموال الدولة كلها بين يدي، أفعل بها ما أشاء. لا.
الصحابي لما يحب النبي صلى الله عليه وسلم يحبه حباً حقيقياً. يا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتاج ليجعلهم يحبونه أن يحفظوا نشيداً يرددونه باسمه. لا، ولا يعلقوا صورة عندهم. لا، ولا يلزمهم بأن يحبوه ويعظموه. لا، ولا كان يعلقون صورته ويلزمهم بمحبته. كلا، إنما كان من خلال تعامله معهم، من خلال عدله معهم، كان حبه يدخل إلى قلوبهم. "خذ يا سواد، اقتص مني". أي الحكام اليوم يعملها؟ لا أقول الحكام، لا، بل من هم أقل من الحكام، أمير، وزير، مدير ظالم. كم من صفعة وجهت إلى إنسان ضعيف قطع الله اليد التي صفعت ولم يستطع أن يقتص لنفسه. وكم من إنسان سلب حقه أو سلب ماله أو منع من حقه ولم يستطع أن يقتص. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خذ يا سواد، اقتص مني". فيأخذ سواد بن غزية العصا وينكب مقبلاً. فقال عليه الصلاة والسلام: "ما حملك على ما صنعت؟" لماذا تقبل بطني؟ لماذا طلبت أن أكشف ردائي؟ "ما حملك على ما صنعت؟" قال: يا رسول الله، قد حضر ما ترى، نحن الآن في قتال وموت، قد حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر جسد يمسه جسدي هو جسدك يا رسول الله. لا تلوهم على هذا الحب. ولم يحبوه عليه الصلاة والسلام فقط لأنه نبي، إنما لأنه كان نبياً عادلاً رحيماً شفيقاً. لذلك يحبون أيضاً أبا بكر، ويحبون عمر، وعثمان، وعلي. تقرأ في التاريخ عن عمر بن عبد العزيز فتراهم يحبونه لأنه كان عادلاً في التعامل معهم.
إن الحاكم الذي يظلم شعبه، الحاكم الذي يعامل شعبه على أنهم مجموعة من الشياه، القطعان، الغنم، يفرح إذا مر على مخبز ورأى مئة أو مئتين من الرجال والنساء يمسكون صفاً ليحصلوا على الخبز. يفرح بذلك. أشغلهم بطعامهم وشرابهم والبحث عن لقمة عيشهم، وتنعم أنت في فجورك ونعمتك وترفك. هذا من أعظم أسباب سقوط الدول، ومن أعظم أسباب سقوط الحكام الذين يظلمون شعوبهم في عيشهم ويضيقون عليهم.
صلى النبي صلى الله عليه وسلم يوماً بأصحابه، فلما انتهى من الصلاة، وكان من عادته، بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه، أن يقعد لأصحابه، فإذا به يقوم سريعاً ثم عاد إليهم. قام إلى بيته ثم رجع. قال الصحابة: ما بعثك سعياً يا رسول الله؟ وقال عليه الصلاة والسلام: "ذكرت شيئاً من تبر كان عندنا قطعة ذهب لم أتصدق بها في البيت، ذكرتها فخشيت أن تحبسني". ما أريد أن يتأخر. قام وأمر بهذه القطعة من الذهب أن تتصدق بها ورجع إلى أصحابه. قطعة ذهب في بيته. لا إله إلا الله. إذاً ماذا سيقول صلى الله عليه وسلم لو رأى الخزائن في قصر بن علي مليئة بمئات الكيلوات من الذهب؟ ماذا كان سيقول؟ ماذا سيقول لو دخل على بيت القذافي ورأى السرير مطعم بالذهب؟ ماذا سيقول؟ ماذا سيقول لو علم بثروة حسني مبارك أو غيره من الحكام وعلي صالح وقل غير ذلك؟ ماذا سيقول عليه الصلاة والسلام إذا كانت كسرة من ذهب يسرع من مصلاه لأجل أن ينفقها؟ وهؤلاء حكام قد تولوا إلى مزبلة التاريخ. انظر إلى الأموال التي جمعوها. ذكرت شيئاً من تبر من ذهب. والله لو قام النبي عليه الصلاة والسلام اليوم بيننا ليرين شيئاً عظيماً. هذه أمته، هؤلاء حكامها.
هذا من أعظم أسباب سقوط الدول، ومن أعظم الأسباب أن يقرب الحاكم اليهود أو النصارى أو المنافقين، ويصبح هؤلاء هم بطانته وهم أهل استشارته. يضع هذا وزيراً، وهذا مسؤولاً، وهذا قائداً في الأمن، وربما كان هذا الوزير ظالماً، سكيراً، عربيداً، يستولي على أموال الناس بما شاء. وهذا الحاكم لا يهمه، أهم شيء أن تأتي إلي خنوعاً منكسراً تثبت عرشي. كلما جئت تزيد فيه مسماراً في العرش. تشرب خمراً يا أيها الوزير أو الأمير أو المسؤول، أو تتعاطى مخدرات أو تغتصب الفتيات. افعل، وتاكل أموال الناس. افعل ما تشاء، المهم كلما جئت إلي عرشي مسماراً حتى يثبت أكثر.
لما تولى عمر رضي الله تعالى عنه لم يكن يولي أبداً أبداً أحداً من قرابته أبداً. فظهر من رجل من قرابته حكمه وعقل وإدارة، فولاه عمر على قرية صغيرة اسمها ميسان، وهو النعمان بن عدي، رجل صالح وذكي وحاكم. فولاه عمر، وكان هذا الرجل شاعراً، والشاعر ربما كرر أبياتاً لا تصف وضعه الحقيقي. فربما شاعر كرر أبياتاً في العشق أو في الغزل وهو أعف الناس، لكنه شعر يجري على لسانه. فجلس يوماً النعمان مع أصحابه فتناشدوا الشعر، وكانت زوجته في المدينة، ينه، وهو أعزب في ميسان. فانشأ يقول:
ألا هل أتى الحسناءَ أن خليلَها
بميسانَ يسقى في زجاجٍ وحنتمي
إذا شئتَ غنتني دهاقينُ قريةٍ
وصنّاجةٌ تهفو على حرفِ مِيسَمي
إذا كنتَ ندْماني فبالأكبرِ اسقني
ولا تسقني الأصغرَ المتثلمِ
لعلَّ أميرَ المؤمنينَ يسوءُهُ
تنادمنا بالجوسقِ المتهدّمِ
نقل هذا الشعر، تناقله الناس حتى وصل إلى عمر. من القائل؟ قالوا: القائل النعمان بن عدي، أميرك على قرية صغيرة اسمها ميسان. فكتب إليه عمر: بسم الله الرحمن الرحيم. حم. تنزيل من الرحمن الرحيم. غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير. إنه قد بلغني أنك قلت: "لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادمنا بالجوسق المتهدم". نعم والله إنه ليسوءني ذلك. فإذا بلغك كتابي هذا فلا تطويه إلا عندي. لا تطوِ الكتاب، اجعل الكتاب مفتوحاً تقرأ "غافر الذنب" حتى تصل إليه. فلم يمض وقت إلا وهو ما بين يدي عمر. قال له عمر: أي قول هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، والله إنما هو شعر فقط، شعر. والله ما شربت الخمر في حياتي. هذا شعر. فقال عمر: والله إني أعلم أنك صادق، أعرف أنك رجل لست سكيراً ولا عربيداً ولا لصاً، ولا تصاحب المغنين والمطربين والفجرة، وليسوا هم أهل مجالسِك، ولست تجتمع معهم في بعض الدول وتصور معهم. لا، عمر يدري أن هذا إنسان نظيف. لكن والله لا تلي لي عملاً. والناس يتناقلون هذا الشعر، ما دام أنك قلت في شعرك، وإن كان تصنعاً غير حقيقة، ما دام أنك قلت شيئاً يدل على تعاطيك للخمر، فوالله لا تلي لي عملاً أبداً.
وأين الحكام اليوم الذين يعرف أن هذا الوزير هذا يأخذ إجازته فلا يكاد أن يفيق من سكره، أو ربما بعض المقربين إليه له علاقات بأنواع المحرمات؟ هذا غير الأموال وغير ظلمه للعباد. هذا من أعظم أسباب سقوط الدول، من أعظم أسباب ذل الحكام بعد عزهم. "قيضنا لهم قرناء". هؤلاء قرناؤك. ويوم يعض الظالم على يديه يقول: "يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا. يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلاناً خليلا. لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني، وكان الشيطان للإنسان خذولا".
ومن أسباب سقوط الدول والحكام المبالغة في الترفه والعيش الرغيد. يقول ابن خلدون في المقدمة، وهي كتاب في غاية الحكمة والروعة، يقول: إن الدول تمر على ثلاث مراحل. دول في التاريخ تمر على ثلاث مراحل. مرحلة الجيل الأول وهو مرحلة قوة الدولة، لأنهم عاصروا إنشاء الدولة وذاقوا الفقر والحاجة. ثم مرحلة الجيل الثاني وهم الذين لم يشاركوا في إنشائها لكنهم رأوا ذلك ولم ينشأوا في نعيم تام، لأن النعيم ما جاءهم إلا بعد ما كبروا قليلاً. ثم قال: أما الجيل الثالث فهو الذي ولد ونشأ في الملك. قال: فإن زاد في الترفه والتنعم كان سقوط الدولة بسببه.
وأنظر في الدول السابقة، في دولة بني العباس، يقول أحد المؤرخين، قاله ذكره ابن كثير عن أحد مجالس الخليفة. قال: طلب مني الخليفة شيئاً من الغالية، طيب، فقلت: عندنا شيء منه نفيس في بيت المال. قال: جئ به إلي. قال: فجئت به إليه. قال: بكم هذا؟ قلت: بكذا وكذا من الدنانير، غالي جداً. قال: والله لا أفتحه ما دام أنه غالي، نحافظ عليه. قال: ثم أخذه وشمه وناولني إياه. قال: وبعد سنين تولى الخليفة الآخر. قال: عندك شيء من الغالية؟ قلت: نعم. قال: هاته. قال: فاتيته به. قال: بكم هذا؟ قلت: بكذا وكذا من الدنانير. قال: ففتحه فانبعثت رائحته في المجلس. قال: فأخذ بطرف إصبعه من حوافه ثم مسحه في ظهر يده وأطبقه. قال: احفظه. ثم جعل يفرك به يديه ما يريده أن ينتهي، حفاظاً على المال. قال: وبعدها بسنين تولى خليفة. فقال: عندك شيء من الغالية؟ قلت: نعم. قال: آتني به. قال: فاتيته به نفسه. قال: فقال: بكم؟ قلت: بكذا وكذا. قال: ففتحه ثم جعل يده فيه فمسح يده ثم مسح رجليه ثم قال: يا أيها الناس، افعلوا به ما شئتم. قال: فلما رأيته يعبث به قلت في نفسي: والله ليسقطن ملكه. فلم تمض عليه سنين حتى سقط الملك في عصره.
والمعتمد بن عباد كان من سلالة ملوك رجال أشداء، عاصروا القتال والشجاعة والقوة. لكنه جاء ووجد كل شيء جاهزاً بين يديه، فجعل يعبث كما يشاء، حتى اشتهت زوجته يوماً لما رأت الجواري يحملن الجرار الماء على البئر، اشتهت أن تخوض في الطين. فأمر بمسك وعنبر وخلط وجعلها تخوض فيه تحمل جرار الذهب. فلم يمض عليه وقت وقد انشغل بالتوافه وحوله له مجموعة من المطربين والمغنين والفجرة، حتى سقط ملكه وسجن في سجن أغمات، وصار أولاده شذر مذر. كما وقع اليوم لعدد من الحكام، فصارت بناته يغزلن ويخطن الأحذية حتى تستطيع أن تعيش، وهو مرمى في السجن. فلما لما جيء إليه بناته يوماً يزرنه في السجن بأقدام حافية وثياب ممزقة وقد ذهبت تلك النضارة والعز، جعل يبكي ويقول فيما مضى وقد جئنا في يوم عيد:
قال فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا
فساءك العيد في أغماتِهِ ماسورا
ترى بناتكَ في الأطمارِ عاريةً
أجسادُهنَّ وما يملكنَ قطميرا
يُطِنَّ في الطينِ الأقدامَ حافيةً
كأنها لم تُطِقْ مسكاً وكافورا
من باتَ في ملكٍ يسرُّ بهِ
فإنما باتَ في الأحلامِ مغرورا
من بات في ملك يسر به فإنما بات في الأحلام مغرورا. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيدنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان. قولوا ما تسمعون، وأستغفر الله الجليل العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه. صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وإخوانه وخلانه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد، أيها الإخوة الكرام، إن الله جل وعلا هو الذي يعز من يشاء، وهو سبحانه وتعالى الذي يذل من يشاء. يهب الملك لمن يشاء وينزع الملك ممن يشاء. ولا يدل تمليك شخص أو إمارته أو حكمه على أنه مقرب إلى ربه، بل ربما يكون هذا ابتلاء وامتحاناً. فقد قال فرعون من قبل: "أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون؟". نسأل الله سبحانه وتعالى أن يولي على المسلمين خيارهم، وأن يصرف عنهم شرارهم. اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم. ونعوذ بك ربنا من الشر كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم. اللهم إنا نسألك أن تصلح أحوال المسلمين في كل مكان. اللهم أصلح أحوال إخواننا في سوريا. اللهم احقن دماءهم. اللهم تقبل شهداءهم. اللهم أرنا عجائب قدرتك فيمن يظلمهم يا قوي ويا عزيز. اللهم أرنا عجائب قدرتك في بشار وزمرته ومعاونيه يا حي يا قيوم يا قوي يا عزيز يا مالك الملك يا من تعز من تشاء وتذل من تشاء يا حي يا قيوم يا رب العالمين. اللهم اشف صدورنا منه ومن زمرته يا قوي يا عزيز. اللهم وإنا نسألك لإخواننا في اليمن أن تجمع شملهم وأن تؤمر عليهم خيارهم وأن تصرف عنهم شرارهم وأن تصب عليهم الخير صباً ولا تجعل عيشهم كداً كداً. اللهم ونسألك لإخواننا في مصر أن تعم بلدهم بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، وأن تجمعهم على أحبهم إليك وأكثرهم طاعة لك، وأن تصب عليهم الخير يا رب العالمين. ولإخواننا في ليبيا وفي تونس وفي فلسطين والعراق وفي كل أرض من أرضك يا رب العالمين. يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم واحفظ بلادنا من شر الأشرار وكيد الفجار وشر ما تعاقب عليه الليل والنهار. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى. اللهم خذ بناصيته للبر والتقوى. اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك، وسائر ولاة أمور المسلمين. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.