Transcription
ما يحدث الآن على حدودنا الشرقية ليس مجرد اجتماع دبلوماسي روتيني، ولا هو بروتوكول لالتقاط الصور التذكارية. نحن أمام تحرك جيوسياسي ضخم، زلزال صامت يتم التحضير له في الغرف المغلقة بين العواصم الثلاث الكبرى في شمال أفريقيا: الجزائر، تونس، والقاهرة. والسؤال الذي يجب أن يطرحه كل جزائري اليوم قبل غد: هل نحن أمام بداية الحل النهائي للكابوس الليبي، أم أن هناك من يجهز لإشعال الفتيل من جديد في وجه دول الجوار؟
انتبهوا جيداً، لأن ما سأقوله الآن هو قراءة لما بين السطور، لما خفي خلف البيانات الرسمية المنمقة. القصة بدأت في تونس، اجتماع ثلاثي على أعلى مستوى: وزراء خارجية الجزائر، تونس، ومصر، ومعهم المبعوثة الأممية. المشهد يبدو طبيعياً، أليس كذلك؟ لا، التوقيت هو اللغز. لماذا الآن؟ ولماذا بهذه الصيغة الثلاثية الحادة؟
دعونا ندخل مباشرة في صلب المخطط. البيان الختامي الذي خرج من تونس لم يكن حبراً على ورق، بل كان خريطة طريق إجبارية وضعتها دول الجوار على الطاولة. اللهجة تغيرت، لم نعد نسمع عبارات "نأمل" و"نتمنى"، الكلام أصبح عن "وجوب" و"ضرورة". الرسالة الأولى كانت قنبلة موقوتة: الحل لا يقتصر على الأمن والسياسة فقط، بل يجب معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية. ماذا يعني هذا؟ هذا يعني باللغة المباشرة أن دول الجوار أدركت أن الفساد المالي وسوء توزيع الثروة في ليبيا هو الوقود الذي يشعل الحرب، وأن الحلول التجميلية السابقة فشلت فشلاً ذريعاً.
لكن انتظروا، النقطة الأخطر في هذا الاجتماع هي الحديث عن "الملكية الليبية الخالصة". جملة نسمعها كثيراً، لكن السياق هنا مختلف ومرعب لأطراف معينة. الوزراء الثلاثة، وبدعم جزائري قوي جداً، وضعوا خطاً أحمر عريضاً: لا وصاية دولية، لا تدخلات أجنبية، والحل يجب أن يكون ليبياً ليبياً. هل تظنون أن هذا الكلام سيمر مرور الكرام لدى الدول الغربية التي تلعب بمصير ليبيا؟ بالطبع لا. هذا إعلان مواجهة دبلوماسية. دول الجوار تقول للعالم: أمن ليبيا هو أمننا القومي، ولن نسمح لكم باللعب بالنار في حديقتنا الخلفية.
والآن دعونا نكشف السر الذي يجعل هذا الاجتماع قوياً وفاعلاً. البيان تحدث بصراحة تامة عن خروج المرتزقة والمقاتلين الأجانب. هذا هو بيت القصيد. الجزائر ومصر وتونس يدركون أن وجود آلاف المسلحين الأجانب ليس خطراً على ليبيا وحدها، بل هو قنبلة موقوتة تهدد منطقة الساحل والصحراء بأكملها. ونحن في الجزائر نعلم جيداً ماذا يعني انفلات الوضع الأمني في الجنوب. الحديث هنا ليس عن دبلوماسية، الحديث عن أمن قومي ووجودي. الوزراء لم يطلبوا خروجهم، بل أكدوا على ضرورة انسحابهم. هذه لغة إنذار للصديق وللعدو.
ثم تأتي الضربة الأقوى: الدعوة لانتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة. ركزوا على كلمة "متزامنة". لماذا؟ لأن هناك أطرافاً في الداخل الليبي تريد المماطلة، تريد إجراء انتخابات برلمانية لتبقى في السلطة، أو رئاسية بشروط مفصلة. دول الجوار قطعت الطريق على كل هذه المناورات. المعادلة واضحة: انتخابات شاملة تنهي الانقسام وتوحد المؤسسات. انتهى زمن المراحل الانتقالية التي لا تنتهي. دول الجوار نفد صبرها.
ولكن، وهنا المنعطف الدرامي في قصتنا اليوم، هل استقبلت الأطراف الليبية هذا طوق النجاة بالورود؟ المفاجأة كانت الصدمة. رد فعل عنيف، سريع، وغاضب جداً جاء من طرابلس. وزارة الخارجية بحكومة الوحدة الوطنية الليبية خرجت ببيان ناري: رفض قاطع، نعم، رفضوا الاجتماع جملة وتفصيلاً. لماذا؟ الحجة المعلنة هي السيادة. كيف يعقد اجتماع حول ليبيا بدون حضور ليبي؟ الحكومة الليبية اعتبرت ما حدث في تونس تجاوزاً خطيراً وإهانة للدولة الليبية. الموقف يشتعل. طرابلس تقول: نحن هنا، نحن الشرعية، ولا يمكنكم تقرير مصيرنا في غرف مغلقة في تونس دون وجودنا.
البيان الليبي كان حاداً جداً، تحدث عن حق سيادي وعن رفض الوصاية حتى من الأشقاء. الحكومة في طرابلس تشعر أنها محاصرة. تشعر أن هذا التكتل الثلاثي (الجزائر، مصر، تونس) يطبخ شيئاً ما قد ينهي وجودها الحالي أو يفرض عليها مساراً لا تريده. هذا ليس مجرد عتاب، هذا صدام دبلوماسي علني. الأجواء مكهربة. الحكومة الليبية تقول: نقدر علاقاتنا معكم، لكن لا تتجاوزونا. إنها صرخة "أنا موجود" في وجه العمالقة الثلاثة.
دعونا نحلل هذا الاشتباك ببرود أعصاب. هل أخطأت دول الجوار بعدم دعوة الجانب الليبي؟ أم أن الرسالة كانت مقصودة؟ في عالم السياسة، لا توجد صدف. عدم دعوة الحكومة الليبية قد يكون رسالة ضمنية بأن دول الجوار تريد التحدث بحرية، تريد تنسيق مواقفها وفرض رؤية موحدة قبل الجلوس مع الفرقاء الليبيين. هم يعتبرون أن الانقسام الداخلي في ليبيا جعل من المستحيل الحديث مع طرف واحد دون إغضاب الطرف الآخر، فاختاروا التنسيق بينهم أولاً. لكن هذا الخيار أشعل غضب حكومة الدبيبة التي رأت فيه تهميشاً متعمداً.
نحن الآن أمام مشهد سوريالي. دول الجوار تحاول إنقاذ ليبيا من الغرق، والغريق يرفض اليد الممدودة لأنها لم تستأذنه قبل أن تمتد. الوضع معقد جداً. الجزائر، بحنكتها الدبلوماسية وثقلها الاستراتيجي، تحاول الموازنة، لكن الأمن القومي لا يعرف المجاملات. عندما يجتمع وزراء خارجية الجزائر ومصر وتونس، فهذا يعني أن الخطر قد اقترب، وأن الانتظار لم يعد خياراً. المنطقة تغلي، والسودان يشتعل في الجنوب، والساحل مضطرب، ولم يعد مسموحاً ببقاء الثقب الأسود في ليبيا مفتوحاً.
البيان الثلاثي تحدث أيضاً عن تكامل اقتصادي. هل تدركون عمق هذه النقطة؟ أنهم يحاولون ربط مصالح ليبيا بمصالح دول الجوار لضمان الاستقرار. الاقتصاد هو المحرك. لكن كيف سيتحقق ذلك، والحكومة في طرابلس تغلق الباب وتقول: ممنوع الدخول إلا بإذننا؟ نحن أمام عض أصابع حقيقي. من سيصرخ أولاً؟ دول الجوار التي تملك مفاتيح الحدود والعمق الاستراتيجي، أم الحكومة الليبية التي تتمسك بالشرعية الدولية لكنها تعاني من انقسامات داخلية حادة؟
الأمر لا يتعلق فقط ببيان ورد. نحن نتحدث عن سيناريوهات مرعبة. إذا فشل هذا المسار، فشل التوافق يعني استمرار الفوضى، استمرار تدفق السلاح، وبقاء المرتزقة على حدودنا. وهذا ما لن تسمح به الجزائر أبداً. الجيش الجزائري يراقب، والدبلوماسية الجزائرية تتحرك بأقصى سرعة لجمع الشتات، لكن يبدو أن المهمة أصعب مما نتخيل. هناك من يستفيد من بقاء الوضع على ما هو عليه، هناك من يريد لليبيا أن تبقى دولة فاشلة تستنزف قدرات جيرانها.
المبعوثة الأممية حاضرة، وهذا يعطي الشرعية الدولية لاجتماع تونس، وهو ما يزيد من حنق وغضب الأطراف الرافضة في ليبيا. هم يرون أن الأمم المتحدة تتواطأ مع دول الجوار لتجاوزهم. هذه لعبة شطرنج معقدة، كل حركة فيها قد تؤدي إلى كش ملك. والضحية في النهاية هو المواطن الليبي البسيط الذي يحلم بانتخابات واستقرار، والمواطن في دول الجوار الذي يريد أن يطمئن على حدوده.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن، وأنتم تتابعون هذا التحليل: ما هي الخطوة القادمة؟ هل ستتراجع دول الجوار وتوجه دعوة رسمية لليبيا لتهدئة الخواطر؟ أم ستمضي في خطتها وتفرض أمراً واقعاً مدعوماً دولياً؟ وهل ستقوم الحكومة في طرابلس بخطوات تصعيدية أخرى لعرقله هذا المسار؟ نحن نعيش ساعات حاسمة. الملف الليبي يدخل منعطفاً خطيراً جداً. الصدام بين رؤية الجوار وتمسك الداخل بالسيادة قد ينسف كل الجهود إذا لم يتم تداركه بسرعة.
يا سادة، القضية أكبر من خلاف بروتوكولي. القضية هي: من يملك مفاتيح الحل في ليبيا؟ هل هي العواصم الغربية، أم العواصم العربية المجاورة؟ اجتماع تونس هو إعلان صريح بأن دول الجوار قررت استعادة المبادرة. قررت أن الحل يجب أن يمر عبر الجزائر والقاهرة وتونس، وليس عبر برلين أو باريس أو نيويورك فقط. وهذا التحول الاستراتيجي هو ما يثير القلق والتوتر لدى بعض الأطراف التي تعودت على اللعب على حبال التدخلات الدولية.
في الختام، المشهد ضبابي ومفتوح على كل الاحتمالات. لكن الشيء المؤكد الوحيد هو أن الجزائر لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي تهديد جديد يمس أمنها القومي القادم من الشرق. هذا الاجتماع هو بداية وليست نهاية. هو قرع لجرس الإنذار. والأسابيع القادمة ستكشف لنا ما إذا كانت هذه الصرخة الثلاثية ستنجح في إيقاظ الضمائر وتوحيد الصفوف، أم أنها ستصطدم بجدار الرفض والعناد وتدخلنا في نفق مظلم جديد. ابقوا أعينكم مفتوحة، فالأحداث تتسارع بطريقة جنونية، وما يحدث في طرابلس وتونس والقاهرة سيحدد شكل منطقتنا لسنوات قادمة. هذا ليس مجرد خبر عابر، هذا هو مستقبلنا ومستقبل جوارنا. والقصه لم تنته بعد. للحديث بقية، والملفات الساخنة لا تزال مفتوحة على مصراعيها.