Transcription
كثير من الناس اللي بتقابلهم في حياتك ممكن يسببوا لك مشاكل ما لها أول ولا آخر، وينكد عليك حياتك بمختلف الأشكال. سواء كان مديرك في الشغل أو زميلك أو حتى أصحابك، ممكن يكونوا عنيفين أو سيئين، سواء بدون قصد أو حتى بقصد أنهم يتلاعبوا فيك وفي مشاعرك. ممكن يظهر عليهم من برا أنهم لطيفين أو واثقين من أنفسهم، وتسمع كلامهم تصدقهم على طول. الشيء اللي يخليك تثق فيهم وتسلم لهم نفسك، وفي النهاية تكتشف أن هذا المدير أو هذا الزميل قاعد يضرك في شغلك، ومتعمد أنه يستغلك ولو كان هذا الشيء ضد مصلحتك.
اللي بيصير في هذه الحالات أنك ما بتكون أصلاً متوقع هذا الشيء، لأنها بتصير بطرق غير مباشرة. يعني ما في أحد حيقول لك بشكل واضح: "أنا نيتي كذا" أو "أنا أقصد كذا". لا، الموضوع بيكون فيه سيناريو معين أو سياق بيستغلوا الشخص الآخر عشان يستفيد منك بطريقة أو بأخرى. هؤلاء الأشخاص يعرفوا كيف يسحبوك لدراما هم يقدروا يتحكموا فيها. ممكن ترفض أو تعترض أو تنفعل، لكنك في النهاية تحس أنك عديمة الحيلة، وأن الضرر خلاص حصل، واتس تول ليت، وتستمر الحياة، وتستمر هذه المواقف والحالات بالتكرار بأشكال وجوانب مختلفة، لكن بنفس النتيجة السيئة بالنسبة لك.
ممكن تلاحظ كمان نفس اللخبطة والشعور بعدم الحيلة هذا أحياناً مع نفسك ومع تصرفاتك أنت، مش مع أحد ثاني. يعني مثلاً ممكن تقول شيء معين فيه إهانة أو تقليل من مديرك أو زميلك أو صاحبك، فتستغل من نفسك: "ليش قلت هذا الشيء وأنت أصلاً ما كنت تبغى تقوله؟" لكن اللي صار أن التّنشن والغضب اللي فيك خرج بطريقة أو بأخرى بدون رغبة منك في إخراجه. أو كمثال ثاني، أنك تستثمر وقتك وجهدك وتركيزك في شغلة معينة أو مشروع معين، وتنتبه بعد فترة أنه كان شيء غلط، وأنه كان قرارك هذا ساذج ومجرد مضيعة لوقتك.
في الحالات المحيرة اللي زي هذه، نحنا بنلاقي أنفسنا فجأة دخلنا في أنماط سلوكية محطمة للنفس، وما احنا قادرين نتحكم فيها. اللي نقدر نفهمه بخصوص هذه الحالتين اللي ذكرناهم، اللي هم: أولاً أفعال الناس السيئة ضدنا، وثانياً سلوكياتنا المفاجئة لنا أحياناً، أنه نحن في الحالتين ما بيكون عندنا أي فكرة عن أسباب حدوثهم، وبالتالي بنكتفي بتفسيرات بسيطة، أنه "والله الشخص هذا ظالم أو سيء أو مختل عقلياً أو قليل الأدب" هذا في الحالة الأولى طبعاً، أو في الحالة الثانية لما ما تفهم تصرف أو سلوك من نفسك فتقول: "ما كنت في المود" أو "ما كنت مركز". لكن هذه الأوصاف، يقول الكاتب روبرت جرين، هي أوصاف ما بتضيف أي فهم للحالات، ولا بتمنع من أنها تتكرر مرة ثانية.
الحقيقة هي أننا كبشر غالباً سطحيين جداً، ونحب نبسط الأفكار. بنعمل ردود أفعال عاطفية لكلام وأفعال الناس ضدنا، ونكون أفكار مبسطة عن أنفسنا وعن الناس. بنختار أسهل وأبسط القصص اللي بنقولها لأنفسنا عشان نفسر أي شيء، وهذا هو عكس كل اللي حنتكلم عنه بالتفصيل من كتاب "ذي لوز أوف هيومان نيتشر" (قوانين الطبيعة البشرية) للكاتب الرائع روبرت جرين، صاحب كتاب "القوانين الـ 48 للقوة" اللي تكلمنا عنه بالتفصيل في القناة. قوانين الطبيعة البشرية كتاب فكرته أنه يدخل بعمق في كل تفاصيل وجوانب السلوك البشري، ويصل لجذور كل سلوك وأسبابه بشكل يخليك، لو فهمت الأفكار اللي فيه كويس، فطريقة فهمك وتعاملك مع الناس، وحتى مع نفسك، راح تختلف بشكل جذري حرفياً وبدون مبالغة. هي عبارة عن 18 قانون بالتحديد، كل قانون حكاية لحاله، وحنتكلم عن كل واحد من هذه القوانين بشكل كافٍ ووافي بإذن الله.
قبل ما ندخل في أول قانون من قوانين الطبيعة البشرية الـ 18، أذكرك بالاشتراك في القناة وتفعيل الجرس عشان يوصلك الجديد أول بأول. عجبك الفيديو؟ أعطيه لايك وشاركه مع الناس اللي عندهم نفس الاهتمام. القانون الأول: ذا لو أوف راش نالتي (قانون اللا عقلانية). أنت غالباً بتتصور أنك متحكم بمصيرك، تفكر وتخطط لحياتك لأفضل شيء ممكن توصل له، لكنك في نفس الوقت ما أنت مدرك تماماً بتأثير العاطفة وسيطرتها على جزء كبير من تفكيرك. العاطفة بتخليك تميل لأفكار ترضي غرورك أو الإيغو حقك، بتخليك تبحث عن إثباتات تؤكد لك الشيء اللي أنت أورييدي مؤمن فيه، بتخليك تشوف اللي أنت تبغى تشوفه حسب مزاجك، وهذا الانفصال عن الواقع يعتبر مصدر رئيسي للقرارات السيئة والأنماط السلبية اللي حتشوفها في حياتك.
العقلانية هي القدرة على مقاومة هذا التأثير السيء للعاطفة على قراراتك وأفكارك، هي القدرة على أنك تفكر أكثر وتعمل ردود أفعال أقل، لأنك تفتح عقلك لما بيصير فعلياً، مش لما هو شعورك. العقلانية هي الشيء اللي نحنا لازم نسعى لأننا نكسبها ونطورها. كل ما يصير لنا شيء سيء، نحن بشكل طبيعي يعني بنبحث له عن التفسير، وإذا ما قدرنا نوصل للسبب اللي خلى خطتنا تفشل مثلاً، أو السبب اللي خلانا نواجه مقاومة مفاجئة لأفكار من الآخرين، فهذا الشيء راح يكون مزعج ومؤلم جداً بالنسبة لنا. لكن لو وصلنا لأسباب أو تفسيرات معينة، فهذه الأسباب اللي احنا بنوصل لها بتكون في العادة على شكل لوم لشخص أو لناس معينين، وأنهم هم اللي أحبطوك أو ضروك بطريقة أو بأخرى، أو أنه "والله الوضع العام في البلد وفي المكان اللي أنت عايش فيه"، أو تقول أنك مشيت وراء نصيحة سيئة ومعلومة مغلوطة. وإذا خلاص يعني ما وصلت لواحد من هذه الأسباب وما لقيت أي تفسير، فالتفسير الأخير موجود دائماً: الحظ السيء والظروف. هذه التفسيرات في العادة توضح شعورنا بالعجز، من منطلق: "إيش كنت حأقدر أسوي؟" يعني كيف كنت راح أعرف أن فلان كان مبيت لي النية السيئة هذه؟ نحنا في العادة ما نقدر نحدد الأفعال الخبيثة للآخرين، نقدر بس نشك أو نتخيل. فالتفسير اللي قلناها قبل شوية نتيجتها أنها بتضخم عندك المشاعر: الغضب، الإحباط، وخيبة الأمل، اللي بيقود في النهاية لشعور سيء بشكل عام عن نفسك.
ورغم أن العالم بالتأكيد مليء بالأسباب، سواء الأشخاص أو الأشياء اللي ممكن تأثر علينا، وأنه في أشياء كثيرة في الدنيا نحنا ما نقدر نتحكم فيها، لكن بشكل عام، يقول روبرت جرين: الشيء اللي بيطلع لنا بالدرجة الأولى وبيخلينا نتخذ قرارات سيئة وغير محسوبة هو اللا عقلانية المتجذرة فينا، أو زي ما قال أور ديب رود راش نالتي: "إلى أي مدى عقولنا مسيطرة عليها عاطفتنا؟" ويقول: "أول شيء لازم تعرفه قبل ما تفكر تصير عقلاني أكثر هو أنك تفهم وتعرف تماماً أنه: أولاً، ما في أحد يقدر يتفادى التأثير اللا إرادي للعاطفة على العقل، ولا حتى أعقل وأحكم شخص في العالم. وثانياً، اللا عقلانية هي إلى حد ما تعتبر وظيفة موجودة في العقل بشكل فطري، تخلينا بشكل تلقائي وبدون تحكم مننا نعتمد على العاطفة. بعبارة أخرى، نحنا ما عندنا قدرة واعية على الوصول لجذور العاطفة والمزاجات المختلفة اللي بتنتجها، فحدنا أننا بمجرد ما نحس بمشاعر معينة نحاول نفهمها ونفسرها. وطبعاً زي ما قلنا، أن تفسيراتنا دائماً سطحية وبسيطة، ومبنية على الشيء اللي نحنا حابين نفهمه، مش على الحقيقة. والحسن الحظ أن اكتساب العقلانية أو أننا نصير عقلانيين بأكبر درجة ممكنة ما هو شيء معقد، ويعتمد على معرفة وفهم ثلاث خطوات رئيسية، وكل خطوة فيها تفاصيل مهمة برضه.
الخطوة الأولى: معرفة أنواع الانحيازات. العواطف بتأثر بشكل مستمر على عمليات التفكير واتخاذ القرار عندنا بشكل غير واعي منا، واحدة من أكثر العواطف تأثيراً هي الرغبة في الشعور باللذة والمتعة وتفادي الشعور بالألم. أغلب أفكارنا مبنية حول هذه الرغبة، وهي تحديداً المصدر الرئيسي لكل أنواع الانحيازات العقلية اللي حنتكلم عنها، وهي كالتالي: أولاً، الكونفرميشن بايز (الانحياز التأكيدي): أن يكون عندك فكرة وقناعة معينة، وتقنع نفسك بأنك وصلت لهذه القناعة بشكل منطقي وعقلاني، وتقعد تبحث عن أدلة وإثباتات تدعم وجهة نظرك، واللي هو ممكن يكون شيء منطقي فعلاً ومنهجية علمية أنك بتبحث عن دليل يثبت وجهة نظرك، لكن وبسبب فكرة الرغبة في اللذة أو المتعة وتأثيرها اللاواعي على قراراتنا، فنحنا بندور بس على الأدلة اللي تثبت الشيء اللي احنا نصدقه، وهذا هو ما يعرف بالانحياز التأكيدي. ثانياً، الكونفكشن بايز (الانحياز للمعتقدات): يكون عندنا فكرة معينة مرضية لنا بشكل خاص، ربما ما حد يدري عنها، لكن داخل نفسك أنت يكون عندك شكوك بخصوص صحة الفكرة هذه، وبالتالي وفي محاولة لإقناع نفسك بصحتها تحارب عشانها، وتدخل في نقاشات وجدال مع أي أحد ينقضها ويقول لك أنها ما هي صحيحة، اللي هو: كيف ممكن يعني تكون هذه الفكرة ما هي صحيحة، وهي بتسبب لي كل هذا الشعور بالرضا والاستمتاع؟ ثالثاً، الأبيرون بايز (الانحياز للمظاهر): نحنا ما بنشوف الناس بناء على حقيقتهم، بل بناء على مظاهرهم واللي بنشوفه منهم، وفي العادة يعني زي ما يقولوا: "المظاهر خداعة". أولاً، لأن الناس أصلاً متدربين على أنهم يظهروا الجوانب المناسبة في المواقف المناسبة، بحيث يظهروا أفضل ما فيهم في هذه المواقف، وبالتالي يتم تقييمهم بشكل إيجابي، يظهروا كأنهم أطيب وأحسن الناس. أحياناً يجتهدوا في أنهم يعطوا انطباعات عن أنهم مثلاً كفؤين على الشغل قدام زملائهم ومديرهم، ونحن بنحكم عليهم بناء على هذه الأقنعة وبنعترف أننا ننخدع بتأثير الهالة أو ما يعرف بالهيلو إيفكت، اللي هو لما نشوف أي صفات سواء كانت إيجابية أو سلبية في شخص معين، نربطها بشكل مباشر بصفات ثانية، سواء كانت سلبية أو إيجابية برضه، تتوافق مع الصفات الأولى. يعني مثلاً، الناس اللي لبسهم مرتب وجميل هم ناس تحس أنك تقدر تثق فيهم. فهنا الربط بين صفة اللبس المرتب والجميل والمظهر الجميل، وصفة الثقة. في كمان الجروب بايز (الانحياز للمجموعة). الإنسان هو كائن اجتماعي بالفطرة، الشعور بالعزلة والاختلاف عن المجموعة هو شعور مخيف وصعب بالنسبة له. بنحس براحة كبيرة لما نشوف أنه في ناس بفكروا بنفس طريقة تفكيرنا، بل بنتبنى آراء وأفكار بس عشان نحس بهذا الشعور المريح، وفي نفس الوقت بنقنع أنفسنا بشكل غير واعي أننا مقتنعين بهذه الأفكار فعلياً بأنفسنا بغض النظر عن الناس، ونادراً ما يعترف أحد أنه ماشي مع الرأي الفلاني لمجرد أنه متوافق مع العقل الجمعي للمجموعة المعينة اللي هو جزء منها. ذا بليم بايز (الانحياز لإلقاء اللوم): الأخطاء والإخفاقات تقود للحاجة للتفسير والتبرير. مفروض يعني نبغى نتعلم الدرس ونتفادى تكرار هذه الأخطاء، لكن في الحقيقة نحنا ما نبغى نشوف بشكل حقيقي الأخطاء اللي احنا ارتكبناها، بل ردة الفعل التلقائية الأولى بتكون لوم الآخرين أو الظروف. والسبب في وجود هذا الانحياز هو أن فكرة الاعتراف بالخطأ هي فكرة مؤلمة نفسياً من جهة، وبتجرح كبريائك وغرورك من جهة أخرى. السوبريوريتي بايز (الانحياز للشعور بالتفوق): أنك تحس أنك مختلف عن الناس، وأنك أكثر عقلانية وأعلى أخلاقاً منهم، وما حد طبعاً بيقول هذا الكلام لأحد كذا في وجهه، لأنه فيه نوع من التعجرف على الناس. لكن يقول روبرت جرين: في عديد من الدراسات لما يطلبوا من الناس أنهم يقارنوا أنفسهم بالآخرين، الناس غالب ردودهم بتكون فيها انعكاس لانحيازهم بالشعور بالأفضلية وتفوقهم على الآخرين. نحنا بنميل دائماً لأن نشوف أخطاء ولا عقلانية الآخرين قبل نفسنا. هذه كانت الأنواع الستة للانحيازات المتجذرة في الطبيعة البشرية، واللي معرفتها هي أول خطوة في طريق تحسين التفكير العقلاني. بنجذب دائماً لأننا نشوف أنفسنا كعقلانيين عن طريق هذه الانحيازات، نشوف أنفسنا محترمين وأخلاقنا عالية وغيرها من الصفات اللي المجتمع بيحترمها، لأن الصفات المقابلة لهذه الصفات هي صفات ممكن تعرضك لأنك تكون فاقد وظيفة اجتماعياً، وما حد يحترمك أو يقدرك. المشكلة أن هذا الشيء موجود في الطبيعة البشرية، يعني كل الناس تقريباً عندهم هذه الانحيازات للشعور بأنهم أكثر عقلانية، وطبعاً الواقع يقول عكس هذا الشيء، لأنه لو كان كل الناس حول العالم بالعقلانية، ما كان الوصول لها عن طريق الوعي والمجهود، ما بيجي كذا بشكل طبيعي أو فطري.
الخطوة الثانية: الحذر من العوامل المسببة للا عقلانية. في عدة عوامل تحتاج أنك تحطها في بالك عشان تمنع عقلك من أنه يتصرف بناء على عاطفتك، ويخليك تتخذ قرارات وأفعال غير عقلانية تندم عليها بعدين، وفي نفس الوقت حتخليك تحذر من لا عقلانية الناس المبنية على نفس العوامل هذه. العامل الأول: بعض الذكريات من الطفولة. في السنوات المبكرة من مرحلة الطفولة، الواحد يكون أكثر حساسية وقابلية للتأثير من أي وقت لاحق في حياته، يكون متعلق جداً بأبوه وأمه، والعلاقة هذه لها التأثير الأكبر. مع مرور الوقت، ونفس الشيء ممكن ينقال عن تجربة معينة ممكن يكون واحد مر فيها في هذا العمر. الجروح الناتجة من هذه التجارب بتنغرس وتنحفر في ذاكرته، وصعب ينساها. أحياناً يحاول قمع الذكريات هذه لو كان ذكريات سيئة، سواء خوف أو إذلال أو غيره، وأحياناً أخرى الذكريات هذه ممكن تكون إيجابية، لحظات كان فيها اهتمام ومحبة ودعم، ذكريات نحب نسترجعها ونعيشها مرة ثانية. وفي مراحل لاحقة في الحياة، شخص أو حدث معين راح يذكرك بهذه الذكريات، أو زي ما يقولوا: "يجيك على الجرح". الشيء اللي راح يثير عندك مشاعر مفاجئة قوية مجرد ما تذكر هذه الذكرى القديمة اللي من أيام طفولتك. الجروح القديمة اللي من الطفولة هذه صعب أنك تفصل نفسك منها تماماً أو تمسحها من ذاكرتك ببساطة كذا، لكن على الأقل لازم نعرف تأثيرها علينا لما يتم تذكيرنا بها، سواء بطريقة مقصودة أو غير مقصودة. لأنك إذا كنت فاهم أن الذكرى الفلانية السيئة اللي صارت لك وأنت صغير هي شيء بيأثر على مشاعرك لما تذكرها، فأنت راح تكون أكثر عقلانية لما تجي في بالك قبل ما تتخذ ردة فعل معينة. الربح أو الخسارة بشكل سريع ومفاجئ. النجاح المفاجئ اللي بين ليلة وضحاها ممكن يكون خطير جداً، لأنه بشكل تلقائي شعور الإنجاز الجميل هذا هو شعور عقلك بيحاول يكرره على طول. والمشكلة أن لما نكسب أو ننجح في شيء بشكل سريع ما بنتعامل مع الموضوع بشكل فيه حكمة أو تحليل للي صار، ولأنه شيء ربما يكون صار بشكل فيه حظ كبير، ممكن ما يكون قابل للتكرار أو الاستمرار بنفس السهولة والسرعة، وأنه النجاح عشان يستمر فلازم يكون في شغل وتعب واستمرارية وتحسن تصاعدي على مدى زمني طويل نوعاً ما. ونقعد نحاول نكرر نفس الشيء بنفس الطريقة، ونرفض كلام أي أحد يحذرنا أو ينصحنا أن الموضوع هذا صعب يتكرر، ونقول أنهم: "إيش فهمهم؟ أنا سبق وجربت ونجحت". ولأنه الموضوع ما راح ينجح مرة ثانية غالباً، فنحن مصيرنا في النهاية السقوط والفشل المؤلم اللي بيؤدي للإحباط والدخول في الاكتئاب وغيره. في المقابل، الخسارة الغير متوقعة بتأثر علينا بنفس الطريقة، بتخلينا نحس أننا منحوسين وحظنا دائماً سيء في أي شيء، وبالتالي نصير مترددين في أي شيء، ونخاف من أي حاجة، وبالتالي نقع في أخطاء أكثر وفشل أكثر. يقول روبرت جرين: الحل هنا سهل، كل ما تمر بتجربة نجاح مفاجئ سريع أو خسارة مفاجئة غير متوقعة، خذ خطوة لورا وقيم الموضوع بمنطقية وحط كل شيء في مكانه الطبيعي الصحيح، بدون تفاؤل مبالغ فيه ولا تشاؤم مبالغ فيه، واحذر بالذات من الشعور الزائف اللي بيجيك بعد المكاسب السريعة، لأنها ما هي مبنية على أي شيء حقيقي، والتعلق فيها راح يوصلك في النهاية لإحباط كبير. الضغوط المتصاعدة. الناس اللي حولك ممكن يظهروا كأنهم عاقلين ومتحكمين في حياتهم، لكن أي واحد فيهم في ظرف معين أو موقف معين فيه ضغط عليه، لما الضغط هذا يتصاعد ويزيد راح تشوف شخص مختلف تماماً، أو بمعنى صح راح تشوفه على حقيقته. القناع الكول حق السيطرة على النفس والهدوء راح ينشال، تلاقيه يفقد مشاعره ويعصب وينفعل، ويسوي أشياء ممكن ما سبق شفته يسويها قبل كده. في الحقيقة، الاسترس أو الإجهاد والضغط بيظهر جوانب من الناس هم بيحاولوا يخفوها دائماً. ركز مع الناس اللي في الحالات هذه، وحلل تصرفاتهم بغرض أنك تعرف شخصياتهم الحقيقية، وفي نفس الوقت كل ما تلاحظ أنه في ضغوطات قاعدة تزيد عليك راقب نفسك كمان بحرص، شوف هل في أي علامات من تصرفاتك تدل على أنك بتتصرف بحساسية ناتجة من الضغوط هذه؟ ركز مع المشاعر اللي بتجيك في هذه الفترة اللي أنت مضغوط فيها، ولا تعتقد أنك شخص مختلف عن الناس وأنك تقدر تتحكم في الضغط وتتحكم في ردود أفعالك فيه بدون ما تنفعل على الضغط هذا، لأن تقريباً هذا مستحيل. لكن عن طريق أنك تعرف تأثير الشيء هذا وتركز على تصرفاتك في الفترة هذه، فأنت راح تقدر على الأقل تمنع نفسك من أنك تتخذ قرارات تندم عليها بعدين. انفليمن انديفيجوال (الأشخاص المسببين للاشتعال). والله هذه أحسن ترجمة عندي. في ناس كذا بطبيعتهم يميلوا لأنهم يثيرون مشاعر الناس اللي بيتعاملوا معهم بمختلف أنواع المشاعر، من المحبة للكراهية، للثقة للشك، لأنهم عندهم القدرة على أنهم يعبرون بشكل واضح عن مشاعرهم بشكل ينتج بالتوازي نفس المشاعر هذه للناس اللي حولهم. لكن بعض هؤلاء المسببين للاشتعال ممكن يكونوا نرجسيين، وشايفين نفسهم أصلاً بيطلعوا الدراما والأفلام والمشاكل اللي جواهم ويصدرها للناس. لذلك مهم أن الواحد يعرف النوع هذا من الأشخاص ويلاحظ طريقة تأثيره على الناس، لأنهم بيخلوك تفكر فيهم على طول مجرد ما تتعامل معهم، حتى لو ما هم موجودين بيأثروا على اللي حولهم، إما بأنهم يخلوهم تابعين وفيين لهم، أو يصيروا أعدائهم. وفي الحالتين، هم بيقودون لأنك تكون غير عقلاني، سواء كنت تابع مخلص على العمى أو خصم متطرف الخصومة. أفضل طريقة للتعامل مع هؤلاء الأشخاص أنك تحاول تفهم الأسباب اللي تخليهم يتصرفوا كذا، لأنهم ممكن يحاولوا يعكسوا صورة معينة عن أنفسهم، لكنهم في الحقيقة بني آدمين عندهم نفس نقاط الضعف ونفس المخاوف اللي عندك واللي عند كل الناس. ركز على هذه الصفات البشرية اللي فيهم، وحاول أنك ما تعطيهم أكبر من حجمهم، لا سلباً ولا إيجاباً.
تأثير المجموعة. لما نكون جزء من مجموعة بحجم معين، فنحن نصير مختلفين تماماً. لاحظ نفسك مثلاً وأنت في الملعب بتشجع فريقك المفضل، أو أنت في حفل غنائي لفنان معين وسط الجماهير، مستحيل وقتها ما تلاقي نفسك بتتصرف بطريقة معينة بناء على المجموعة اللي أنت فيها. أنك تكون في جروب أو في مجموعة فمعناها أنك ما راح تميل أنك تتصرف بناء على قناعاتك أو بناء على المنطق، بقدر ما راح تميل للانتماء لهذه المجموعة، والشيء هذا ممكن يصير كمان في بيئة العمل تحديدا، لو القائد أو المدير كان بيلعب بمشاعر الموظفين، بحيث أنه يخليهم أكثر تنافسية أو أكثر رغبة في أنهم يحققوا أهدافه، أو أنه يخلق ديناميكية "الأس فيرسس ذم" (وضعيه نحن ضد هم). وتأثير المجموعة ما يشترط وجود الناس بشكل فعلي قدامك فيزيكالياً يعني، بل ممكن يكون حتى لو كل واحد في بيته وجالس على الجوال، هذا اللي بيصير فعلياً في السوشيال ميديا اليوم. احذر من الناس اللي بيستغلوا هذا التأثير بشكل معين يخدم أهدافهم هم، في العادة بيستخدموا تكتيكات معينة زي أنهم يتكلموا قدام المجموعة عن شيء هم عارفين أنه الكل متفق عليه، فيخلق جو فيه رضا واتفاق، يعني يدخلوا لك من منطلق كلمات فضفاضة بس عاطفية زي العدل والمساواة والحقيقة، والذي منه يتكلموا بالشعارات والأهداف النبيلة بدل ما يتكلموا عن حل لمشكلة معينة بطريقة معينة محددة. فأنت في هذه الحالة دائماً حاول أنك ترجع لتفكيرك المنطقي اللي بتفكر فيه لو كنت لحالك، وأنك ترفض أي تعدي على استقلاليتك أو استقلاليه تفكيرك بغض النظر عن المجموعة، بالذات لما المجموعة هذه يكون فيها أشخاص بيستغلوا الوضع زي ما قلنا قبل شوية.
الخطوة الثالثة: استراتيجيات العقلانية. يقول روبرت جرين: الاستراتيجيات التالية مصممة عشان تساعدك تكون عقلاني قدر الإمكان. الاستراتيجية الأولى: اعرف نفسك كويس. الجزء العاطفي اللي فيك بيتغذى ويعيش على الجهل، اللحظة اللي تكون واعي فيها بكيف هذا الجزء العاطفي يسيطر عليك هي اللحظة اللي حيكون لك فيها أفضلية عليه، أفضلية المعرفة. لذلك أول خطوة في الطريقة العقلانية هي دائماً من الداخل. أنت حتحتاج أنك تصيد اللحظات العاطفية لما تصير وتنتبه لها، وعشان هذا يصير فلازم تعرف مسبقاً أنت كيف بتتصرف تحت الضغوط، إيش نقطة الضعف اللي تظهر فيك في هذه اللحظات؟ هل بتحس برغبة في أنك ترضي أحد؟ هل بتحس برغبة في السيطرة أو في التنمر على أحد؟ هل بتحس بعدم الثقة وغيره؟ ركز مع قراراتك، بالذات القرارات اللي ما كانت فعالة، هل بتشوف فيها نمط معين، شيء مثلاً مبني على الخوف أو الاندفاع؟ اختبر نقاط القوة حقتك، إيش اللي بيخليك مختلف عن الناس أو بيعطيك أفضلية ما عليهم؟ هذا راح يخليك تحدد أهداف تتناسب مع اهتماماتك ومع نقاط قوتك ومهاراتك، لأنك لما تعرف إيش اللي بميزك فأنت راح تكون أكثر قدرة على أنك تقاوم الانحياز للمجموعة في الصح وفي الخطأ. الاستراتيجية الثانية: افهم عواطفك من جذورها. إذا كنت غاضباً، خلي الشعور يستقر ويهدى، وبعدها فكر فيه: هل كان سببه شيء تافه أو ما له داعي؟ هذا في حد ذاته مؤشر كبير على أن السبب هو شخص آخر. بنفس الطريقة حاول تشوف الصورة الكبيرة وراء كل شعور، وشوف كيف بدا وإيش سببه. واحد من الطرق اللي بتساعد على كذا هي فكرة الجورنال أو التدوين وكتابة اليوميات. لكن العائق الوحيد في هذه العملية، عملية فهم جذور العواطف، هو الإيغو حقك والكبرياء اللي بيخليك تستمر في أنك تؤمن بأوهام معينة عن نفسك وتصدقها فعلاً، وهذا شيء ممكن يكون مريح في اللحظة الحالية، لكن على المدى البعيد حيخليك شخص دفاعي دائماً، وصعب أنك تتعلم وتتحسن. حاول تكون محايد وأنت بتقيم تصرفاتك، لما تتعود على الشيء هذا فأنت راح تقدر بعد فترة تتعامل بشكل أفضل مع بعض المشاعر، بحيث تقف بعيد شوف نفسك كأنك شخص ثاني، وبالتالي يكون تقييمك مجرد وعقلاني بدرجة كبيرة. الاستراتيجية الثالثة: زد من وقت ردة الفعل. القوة اللي ح تكتسبها من الاستراتيجية هذه تجي مع الوقت والممارسة والتكرار. لما تمر بحدث معين أو فعل ما يحتاج رد، فأنت لازم تدرب نفسك على أنك تأخذ خطوة لورا قبل أي شيء. الخطوة للوراء هذه ممكن يكون معناها أنك تنسحب بنفسك يعني فيزيائياً من المكان كله أصلاً وتروح مكان تكون فيه لحالك وما يكون عليك فيه أي ضغط للرد بطريقة سريعة، أو ممكن يكون عن طريق كتابة الإيميل الزعلان حقك بس ما ترسله اليوم، اكتبه خليه في الدرافت خليه لليوم الثاني، أو يكون بأنك ما تتصل أو ترسل رسالة واتس وأنت في حالة عاطفية معينة، بالذات الحالات الانفعالية. إذا لقيت نفسك مستعجل على شيء مهم زي المقابلة الوظيفية مثلاً، أجلها يوم لو كان ممكن، خلي العواطف المستعجلة تبرد شوية وتهدى، وكل ما طولت المدة كل ما كان أفضل عموماً، وطبعاً هذا حسب الحالة وحسب الإمكانية، وتسحب على المقابلة أسبوع وتضيع الفرصة عليك يعني. الفكرة هنا أن العقلانية صعب تكون موجودة أثناء ردة الفعل السريعة، فكل ما طولت مدة ردة الفعل كل ما أكونت أكثر قدرة على اتخاذ قرارات وعمل تصرفات عقلانية أكثر. الاستراتيجية الرابعة: تقبل الناس كما هم. التعامل مع الناس هو أكبر مصادر الاضطرابات العاطفية، لكن الموضوع مو لازم يكون بالشكل هذا. المشكلة الأساسية هي أننا دائماً بنحكم على الناس ونتمنى أنهم يكونوا مختلفين عن ما هم عليه، نبغى نغيرهم، نبغاهم يفكروا ويتصرفوا بطرق معينة، غالباً يعني بنفس الطريقة اللي نحنا بنفكر ونتصرف فيها، لأن الشيء هذا تقريباً مستحيل، بما أن كل شخص مختلف عن الثاني فنحنا دائماً محبطين وزعلانين من الناس. بدل من كذا، يقول روبرت جرين: "تعامل مع الناس باعتبارهم ظواهر زيهم زي الجبال أو النباتات"، يقول حرفياً يعني: "هم ببساطة موجودين في الحياة، ذي سمبلي إكزست، وبيجوا بأشكال مختلفة، وهذا اللي بيخلي الحياة أصلاً غنية ومثيرة للاهتمام". فتعامل مع الموجود بدل ما تقاوم وتحاول تغير فيهم، اعتبر فهم الناس لعبة أو لغز أنت بتحاول تحله وتفهمه، اعتبره نوع من الكوميديا البشرية حسب تعبير روبرت جرين. صحيح الناس ما هم عقلانيين، بس ترى حتى أنت زيهم، يعني ما في حد فينا بريء من تهمة اللا عقلانية. يقول روبرت: "خلي فهمك وتقبلك للطبيعة البشرية فهم متطرف، يعني خليك مؤمن بكل قوة أن هذا الشيء موجود كده كده في الطبيعة البشرية، لأن هذا راح يخليك أهدأ أكثر وأقل انفعالا وأكثر عمقاً في تعاملك مع الناس". ما يحتاج تعكس عواطفك ومشاعرك عليهم وتنتظر تشوفها فيهم، بالطريقة هذه أنت حتكون متوازن أكثر وهادئ أكثر، وح تعطي عقلك مساحة أكبر للتفكير بعقلانية. وطبعاً هذا ما ينفي أن الموضوع صعب جداً، بالذات لما تتعامل مع الناس اللي من النوع المجنون اللي بيجيبوا لك الصداع في التعامل معهم زي النرجسيين والعصبيين وغيرهم من المسببين للاشتعال اللي ذكرناهم خلال الحلقة، لكن التعامل معهم يعتبر برضه جزء من اختبار قدراتنا العقلانية. الاستراتيجية الخامسة: حاول الوصول للتوازن الأمثل بين التفكير والعاطفة. احنا ما نقدر نفصل العاطفة من التفكير، هما شيئين مترابطين ومتعلق ببعض تماماً، لكن دائماً في عامل مسيطر أكثر عند كل واحد من الناس. في ناس العاطفة مسيطرة عليهم بشكل كبير مقارنة بغيرهم، اللي نحنا نبغاه هو التوازن اللي بيقود لأفضل نتيجة فعالة ممكنة. اليونانيين القدماء كان عندهم تشبيه جميل للفكرة هذه، ما يسمى بالفارس والفرس: ذا رايدر اند ذا هورس. الفرس هي طبيعتنا العاطفية اللي تدفعنا للتحرك، والفرس هذه عندها طاقة وقوة كبيرة، لكن بدون فارس لا يمكن التحكم فيها وتوجيهها، وحتكون عرضة للتوهان وممكن يصير لها مشاكل كثيرة. الفارس هو التفكير، اللي عن طريق التدريب والممارسة بيتعلم كيف يمسك زمام الأمور ويوجه جري الفرس، ويحول هذه الطاقة الحيوانية القوية لشيء منتج. واحد من غير الثاني ما ينفع، بدون الفارس ما في توجيه للحركة ولا في هدف أو وجهة محددة، وبدون الفرس ما في قوة، ما في طاقة. فيغلب الناس الفرس أو العاطفة هي المتحكمة والمسيطرة، والفارس ضعيف. وفي بعض الناس الفارس أو
التفكير قوي أكثر من اللازم، وشد الزمان بشكل قوي بشكل زايد يخاف أنه يخلي الفرس تجري وتنطلق من فترة لأخرى. الفارس والفرس لازم يشتغلوا مع بعض بشكل ناغم ومتوازن. مثال جيد للتوازن المقصود هنا هو أنك تحاول تخلي في توازن جيد بين الشك والفضول.
في هذه الحالة، أنت راح يكون عندك شكوك معينة، وما تبغى تقبل بسرعة توضيحات الناس وتقديمهم للأدلة حسب فهمهم. أنك تشوف بس نتائج أفعالهم وتحكم بناء عليه بغض النظر عن اللي بيقولوه وعن ادعاءاتهم. لكن لما تاخذ الموضوع هذا بشكل زائد عن المعقول، فأنت راح تكون منغلق على نفسك، وتشك في أي شيء، وبالتالي ممكن تفوت فرص كثيرة. لذلك، الفضول هنا مطلوب بدرجة معقولة. أنت تحتاج يكون عندك روح الأطفال فضولية، وتكون مهتم في أي شيء، وفي نفس الوقت تتمسك بقدر كافي من التدقيق والتحقق من الأفكار والمقترحات. الحاجتين مطلوبه هنا بشكل متوازن.
الاستراتيجية السادسة والأخيرة: حب العقلانية. مهم أنك ما تشوف طريقة العقلانية كشيء مؤلم ومزعج، لأنه في الحقيقة بالعكس تماماً. العقلانية بتعطيك قوة مرضية وممتعة في نفس الوقت، شيء أعمق من أي شعور ثاني ممكن تحس فيه. الشعور هذا ممكن تكون حسيته وأنت شغال على مشروع معين سواء في الجامعة أو الشغل. كل ما عملت تقدم معين أو قطعت شوط مهم، شعور الحماس والإنجاز الجميل اللي بتحس فيه هذا، أتوقع فهمتني. متعة أنك تتحكم في الجزء العاطفي اللي فيك، وتترك مكان للهدوء والوضوح في التفكير، وبالتالي أفعالك تكون فعّالة أكثر، وتكون بعيد أكثر عن الاضطرابات اللي بتنتج من المشي الأعمى والعاطفة. أن يكون عندك الشعور العظيم بالرضى عن نفسك بشكل عميق، عندك مساحة عقلية أكثر للتفكير، عندك تحكم أكبر بحياتك.
يقول الكاتب: كل البشر نرجسيون بدرجات مختلفة. في ناس أكثر نرجسية من ناس ثانيين، والشيء هذا بيتكون من مراحل مبكرة من عمر الإنسان. من اللحظة اللي بنولد فيها، الكائن البشري بيحس باحتياج كبير للاهتمام وجذب الانتباه، لأنه بطبعه كائن اجتماعي من الدرجة الأولى. فإذا الناس ما أعطوه اهتمام، فما راح يقدر يخلق مستوى من التواصل معهم. إحساسه بأهميته مبنية على هذا الشيء بشكل كبير، ولأنه هذا شيء مهم جداً للكائن البشري، فأغلب الناس ممكن يسووا أي شيء تقريباً عشان يجذبوا الانتباه لأنفسهم. ممكن يوصلوا لإنهم يرتكبوا حتى جرائم، أو يعني ينهوا حياتهم. لو نظرت بشكل أعمق لسبب أي فعل من الأفعال المتطرفة اللي قلناها هذه، فحتلاقي الدافع الأساسي وراها هو جذب الانتباه لإشباع الشعور بالأهمية.
المشكلة أن الإنسان عشان يشبع جوعه ورغبته الملحة في لفت الانتباه هذه، بيواجه مشكلة حقيقية وهي أن الاهتمام، حسب ما يقول روبرت جرين، فيه منه كمية محدودة فقط متاحة عند الآخرين، ودائماً في منافسة عليها. في الأسرة، الأخ يحتاج أنه يتنافس مع إخوانه. في المدرسة، الطالب حيحتاج أنه يتنافس مع باقي الطلاب. في العمل، الموظف يتنافس مع زملائه، وهكذا. مع أن الصراع هذا قد يبدو أنه ما هو منطقي، وأن فكرة أن الواحد يعتمد على الآخرين عشان يثبت قيمته لنفسه بشكل معين هي شيء لا يعتمد عليه، لكن مع ذلك الإنسان بطبعه بيستمر في السعي للتنافس على جذب الانتباه والاهتمام من غيره. هذه مقدمة سريعة للقانون الثاني من قوانين الطبيعة البشرية: قانون النرجسية. النرجسية العميقة.
الكاتب يقول: في مرحلة الطفولة، إذا كان الطفل النرجسي من النوع الإكسترافيت الاجتماعي أو المنفتح على الناس، فوقتها هذه الصفة راح تكون ميزة بالنسبة للطفل. يقدر يتعامل مع الناس بشكل أفضل، فنان في جذب الانتباه، الناس يشوفوه طفل فيه حيوية وحماس ونشاط. يقول لك: الولد هذا ما شاء الله عليه، لأنه بالنسبة لطفل، الناس ممكن يعتبروا هذه الصفات علامات لمستقبل مشرق وناجح له. لكن ما وراء هذه الصفات، يقول روبرت جرين: هذا الطفل واللي زيه هم قاعدين يتكون تدريجياً عشان يصيروا في النهاية مدمنين لفت الانتباه، لفت الانتباه اللي يحسسهم بالأهمية. بينما لو كان هذا الطفل النرجسي من نوع الإنتروفيت، الانطوائي أو المنعزل أو اللي يميل أنه يكون لحاله، فهو راح يلجأ للخيال، يكون صورة لنفسه أنه بشكل ما أفضل من غيره. وطبعاً هو ما بيكتسب هذه الأفضلية بشهادة من الناس، لأنها أصلاً ما هي حقيقية. يتخيل نفسه بأي شكل خياله يوديه له، بما أن خياله حيوديه يمين ويسار ويتغير مع الوقت، هو كان كمان بيتغير ويتخيل شخصيات جديدة لنفسه كل فترة. كل هذه الأشياء بسيطة وهينة في مرحلة الطفولة، لكن الكابوس الحقيقي للنرجسيين يبدا في العشرينات والثلاثينيات من عمر النرجسي، لأنهم ممكن يكونوا لسه ما قدروا يكونوا قدرة ما أسماها الكاتب "الانر ثرموستات" أو المقياس الداخلي. بمعنى أو بآخر، يعني مقياس يقيم فيه ذاته.
النوع الإكسترافيت الاجتماعي بيكون مستمر في محاولة لفت الانتباه عشان يحس أنه له قيمة وأنه له تقدير واحترام، درجة ممكن يصير فيها درامي [موسيقى] واستعراضية، تحديهم. فهم ما بيدافعوا عن أنفسهم بشكل منطقي، لأنه أصلاً إحساسهم بالأفضلية على الناس ما هو مبني على شيء حقيقي. هم بيميلوا للفعل الانفعالي والغاضب، يشخصوا الموضوع فوراً مع الطرف الثاني، ويحسوا بأنه لهم الحق في أخذ الثار منهم ورد الهجوم. في التصرفات اللي زي هذه، هم دائماً بيحطوا أنفسهم في موقف الضحية، بحيث يخلطوا الناس بل ويكسبوا تعاطفهم معهم. النرجسيون حساسون بشكل أكثر من الطبيعي، ياخذوا كل شيء زي ما قلنا بشكل شخصي، شكاكين، يشكوا في أي شيء، وفي العادة تلاقي عندهم خصوم وأعداء من كل جهة حولهم. لما تتكلم معهم عن شيء ما هو متمحور حولهم بشكل مباشر، فحتلاقي في وجههم تعابير الملل أو قلة الصبر، كأنه منتظرك تخلص الكلام الفاضي هذا اللي أنت قاعد تقوله، اللي ما بيمدح فيه واللي ما بيتكلم عنه في أقرب فرصة يحاول يغير مسار الحديث ويخليه عنه، يقول لك قصة قصيرة كده معينة، طريفة، وصارت له. ممكن يمر بنوبات حسد شرسة لو شاف أحد ثاني قاعد يحصل على الانتباه اللي هو يستحقه أو يحس أنه أولى به.
النرجسيون دائماً بيظهروا ثقة عالية بالنفس، لأنه هذا يساعد في لفت الانتباه لهم، وبيخفي الفراغ الداخلي اللي عندهم وهشاشة إحساسهم بذاتهم. علاقاتهم بالناس المقربين اللي حولهم علاقات غريبة وغير اعتيادية بل وصعبة الفهم، لأنهم بيميلوا لأنهم يشوفوا أي أحد حولهم كامتداد لهم، ما يعرف بالسيلف أوبجكت، ناس مجرد أدوات يستخدموها لفت الانتباه وتأكيد التصورات النرجسية اللي عندهم، وهدفهم الأساسي السيطرة على هذول الناس بالضبط زي ما بيتحكموا بأيديهم وأرجلهم. لذلك، النرجسي التعامل معه مزعج جداً، والتقرب منهم ممكن يكون مضر كمان، لأنه أي شخص يقرب منهم بيكون عرضة لدراما تهِم ويخليه يحس بالذنب كمان إذا ما أعطاهم الاهتمام أو الانتباه اللي هم دائماً يبغوا يحصلوا عليه. العلاقات الاجتماعية معهم دائماً ما هي مريحة، كل شيء لازم يتمحور حولهم. لذلك، يقول روبرت جرين: بمجرد ما تحدد الشخص النرجسي وتعرفوا أن هو نرجسي، حاول تتجنب أنك تكون علاقة قريبة معاه أو تقرب منه تماماً، وابعد عن الشر وغني له.
يقول روبرت جرين: مهمتنا نحن هنا كدارسين للطبيعة البشرية، حسب تعبيره، مكونة من ثلاثة أجزاء: أولاً، لازم نفهم أصلاً ظاهرة النرجسية العميقة. أي نعم، النرجسيون هم أقلية في المجتمع، لكن رغم قلتهم فهم بيسببوا مشاكل كبيرة، وإذا كبيرة للناس، فنحتاج نعرف نحدد الأنواع التوكسيك اللي بيحولوا كل الناس اللي حولهم لأشياء أوبجكت يستخدموها لصالحهم. وثانياً، لازم نكون صادقين مع أنفسنا، ونعرف أن النرجسية هي جزء من طبيعتنا البشرية وما ننكرها. إحنا كلنا نرجسيون بدرجات متفاوتة. أي نعم، النرجسية اللي إحنا بنتكلم عنها اليوم هي النرجسية العميقة تحديداً، لكن النرجسية درجات وكلنا نرجسيون بدرجة معينة. الكل يحب أنه يتكلم أحياناً عن نفسه ويحكي قصته، يحب يبدي رأيه في أشياء ربما ما أحد طلب رأيه فيها أصلاً، يحب أنه الناس ياخذوا أفكاره ويشاركها، ينبسط لما أحد يمدح ذوقه في شيء معين. جميعنا نحب المدح والإطراء، لأنه الإنسان بطبيعته يحب نفسه ويحب الناس يمدحوه. وعشان نوضح الفكرة، فمسألة أنك تخلق لنفسك شخصية أنت تحبها هي شيء كويس وصحي، يعني ما نقول لا ما هو شيء غلط، يعني من حيث المبدا بالعكس. لو كان في احترام حقيقي داخلي للذات، فهذا بحد ذاته كفيل بأنه يحارب النرجسية العميقة ويمنعها بدرجة كبيرة.
ثالثاً، والشيء الأكثر أهمية، لازم نبدا في أننا نركز على تكوين نرجسية صحية، أو "هيلثي نارسسزم" حسب تعبير روبرت جرين. أصحاب النرجسية الصحية عندهم تقييم أقوى وأكثر واقعية لأنفسهم، ما يحتاجوا تقييم من الناس عشان يحسوا بقيمة أنفسهم، ولا يحتاجوا يبنوا تخيلات غير حقيقية عن شخصياتهم. يعرفوا تمام المعرفة أنه ما في أحد كامل، وإنهم بالضرورة عندهم قصور في بعض الجوانب، وإنهم في أي وقت من الأوقات ممكن يرتكبوا هفوات أو أخطاء، ممكن حتى يضحكوا على الأخطاء اللي هم ارتكبوها في مرحلة ما. ما بي شخص الأمور عال بطال، تقديرهم لأنفسهم حقيقي وواقعي وقوي جداً. في تعاملهم مع الناس، هم بيتعاملوا بتفهم لاختلاف الناس، وبيحطوا أنفسهم مكانهم، وهذا ما يسمى بالإيمباثي. إيمباثي أكثر من مجرد التعاطف، نقدر نقول المعنى الأقرب هو التفهم. ربما عشان نوصل الفكرة بشكل أفضل، حنتكلم أكثر عن هذا النوع من النرجسية في الفقرة الجاية، اللي حأتكلم فيها عن كل أنواع النرجسية.
النوع الأول: النرجسي المتحكم. وهذا النوع في العادة يكون عنده طاقة وطموح كبير أكثر من النرجسيين العاديين. في نفس الوقت، الناس اللي من هذا النوع عندهم مخاوف داخلية أكثر، والطريقة الوحيدة بالنسبة لهم عشان يخفوا هذه المخاوف، ويرضوا طموحهم الكبير في نفس الوقت، هي بأنهم يلفتوا انتباه أكبر وتقدير أكبر من الناس أكثر من المعتاد. والشيء هذا بالنسبة لهم بيتحقق عن طريق وصولهم لسلطة معينة في المجتمع اللي هم فيه. المسألة بالنسبة لهم مسألة تحكم وسيطرة. هم يقدروا يتحكموا في مشاعرهم، ويقدروا يتحكموا حتى في ردود أفعالهم في فترات معينة أو مواقف معينة، لكن في مرحلة معينة لاحقاً يبداوا يظهروا وجوههم المتحكمة المحبة للسيطرة على الناس. من منطلق يعني: ليش نهتم ونعطي اهتمام للناس؟ لا، العكس هو اللي لازم يصير، الناس هم اللي لازم يهتموا وينتبهوا. في الشركات، هذا النوع من المدراء يميل لأنه يكون مايكرو مانجر، يتدخل في كل كبيرة وصغيرة في أمور العمل، ما بيثقوا في أحد بسهولة، يحولوا الموظفين اللي تابعين لهم لآلات تشتغل بس لمصلحته هو كمدير، بدون ما يكون عندهم أي إمكانية لاتخاذ أي قرار بدون ما يرجعوه في كل شيء.
النوع الثاني من أنواع النرجسية: النرجسي المسرحي. من المفارقات الغريبة عن موضوع النرجسية العميقة هي أنها عادة تكون غير ملحوظة من الناس إلا أن يصير السلوك النرجسي متطرف وواضح جداً لدرجة لا يمكن تجاهلها. والسبب هنا بسيط جداً: بعض النرجسيين متمكنين جداً من الخداع والتمثيل على الناس، ومن هنا جاء تسمية هذا النوع بالنرجسي المسرحيين. بيلعبوا عدة أدوار، ممكن مثلاً يخفوا احتياجهم الكبير لفت الانتباه عن طريق عمل دراما وأفلام على الناس، يظهر لك أنه أطيب وأصدق وأكثر شخص محترم أنت قابلته في حياتك. مش بس كذا، بل بيستعرض هذا الشيء وبيخليه واضح للجميع بقصد. الحل الوحيد مع هذا النوع، يقول روبرت جرين، هو أنك تفهم الخدع اللي هو بيحاول يعملها، يعني لا تكون مسلم نفسك لأي شيء يظهر لك من أي أحد. حتلاحظ أصلاً أن هذا النوع دائماً يحب يسلط الضوء على نفسه، دائماً يظهر نفسه كالأفضل والأكثر والأصدق والأمن والأحسن شيء في الدنيا. ركز على الأدائات المسرحية الأوفر اللي بيعملها عشان يثبت هذه الصفات لنفسه.
النوع الثالث: الزوجين النرجسيين. الشيء اللي يخلينا نوصف علاقة معينة بأنها علاقة نرجسية هو افتقاد هذه العلاقة لأي نوع من التفهم، واللي بيقود في النهاية لإن كل طرف ياخذ وضعية الدفاع عن نفسه بشكل مستمر قدام الطرف الثاني. والتفهم، حتى لو كان من طرف واحد على الأقل، فهو بيحفز الطرف الثاني لأنه يلين أكثر ويترك الوضعية الدفاعية. التفهم يحدث من الطرفين لما يفهموا النظام القيمي حق بعض بشكل واضح، لأن النظام القيمي لكل شخص يفرق عن الثاني مهما كان، والنظام القيمي هذا بيتكون من مراحل مبكرة في الطفولة غالباً. فلذلك لازم يكون في تفهم للاختلاف.
النوع الرابع والأخير من أنواع النرجسية: النرجسية الصحية، وهي اللي تكلمنا عنها في الفقرة السابقة. الشيء اللي بينمي قوة الإيمباثي أو التفهم هو الاحتياج. إذا كنا نحس أن حياتنا مبنية على قدرتنا على فهم مزاجات وعقول الناس، وقتها سهل علينا أننا نتفهم سلوكياتهم. في العادة، للأسف، ما أحد بيحس بالاحتياج هذا، لأن أغلبنا نعتقد أننا أصلاً فاهمين الناس كويس ونعرف نتعامل معهم. الخطوة الأولى والأكثر أهمية في هذه الحالة، يقول الكاتب روبرت جرين، أنك تعرف أنك ما عندك هذه المهارات الاجتماعية الاستثنائية بالفطرة كذا بدون ما تثقلها وتدرب عليها. تحتاج أنك توقف وتعطي تركيز أكثر لتصرفات الناس، راقب مزاجهم المتقلب كأفراد وكمجتمع نفسي. كل واحد وإيش اللي بيحركهم ويحفزهم، وإيش اللي بيحبط وبياثر عليه سلبياً. الفكرة هنا بشكل مختصر أنك تحط نفسك مكان هذا الشخص عشان تفهم موقفه بشكل أفضل. زي ما يقول الشاعر الأمريكي القديم والت ويتمان: "لا تسأل الجريح كيف يشعر، بل أكن أنا الجريح نفسه". البشر عندهم قدرة طبيعية خارقة أنهم يتواصلوا بشكل أفضل مع الناس اجتماعياً. القدرة هذه هي الإيمباثي، التفهم، القدرة اللي إذا تم ثقلها واستخدامها بشكل جيد هي بتساعد الواحد على أنه يفهم عقول الناس اللي حوله وتقلباتهم المزاجية، وبالتالي يصير عنده قدرة أكثر في أنه يتوقع أفعالهم التالية، فيصير يقدر يخفف من التوتر أو الشد اللي كان ممكن يصير لو الأفعال هذه جات بشكل مفاجئ بالنسبة له. للأسف، هذه القدرة أو هذه الأداة، أداة التفهم، تغطي عليها طبيعة البشر النرجسية اللي تكلمنا عنها. الجميع نرجسي بلا استثناء زي ما قلنا، لكن بدرجات متفاوتة. بعض الناس نرجسيون نرجسية عميقة، وهم اللي تكلمنا عنهم بالتفصيل بأنواعهم خلال هذه الحلقة، وهؤلاء هم اللي لازم أنك تلاحظ وتحدده عن طريق معرفتك لأنواعهم وأساليبهم والصفات اللي ذكرناها عنهم قبل ما تصير واحد من ضحايا نرجسيتهم العميقة. القانون الثالث من كتاب قوانين الطبيعة البشرية [موسيقى]: قانون تقمص الأدوار.
رغم أنه حوالي 65% من طرق التواصل بين البشر هي طرق غير لفظية خالية من الكلام، لكن 5% فقط من هذه الـ 65 بيتم فهمه واستيعابه بشكل صحيح من الناس. الناس ركزوا بشكل أكثر على الكلام، الكلام اللي في الغالب يستخدم لإخفاء الأفكار والمشاعر الحقيقية لصاحبه. ما أطلقه الكاتب روبرت جرين "النون فيربال كيوز" أو الإشارات الغير لفظية اللي بتقول لنا بشكل الأدق إيش الناس بيحاولوا يوصلوا له أو يقصدوه عن طريق كلامهم، بغض النظر عن إيش كان الكلام نفسه. هذه الإشارات بتقول لنا إيش هم بيحاولوا يخبو خلف العبارات اللي قالوها، رغباتهم الحقيقية، بتعكس بشكل فوري مزاج الشخص اللي قاعد يتكلم ومشاعره. عدم الانتباه لهذه الحقيقة في التعامل مع الناس معناها أن الواحد راح يتعامل معهم على الأعمى، حيصير فيها سوء فهم في أغلب الأحيان، هيفقد فرصته في أنه يفهم الإشارات اللي بتعكس حقيقة الشيء اللي هم يبغوه أو اللي يبغوا يوصلوا له. البشر ممثلون بارعون، بيتعلموا كيف يندمجوا في المجموعة عن طريق ارتداء نفس الملابس والتكلم بنفس لغة المجموعة، بيتعلموا كيف يظهروا بشكل معين مناسب عشان يتم تعيينهم مثلاً في مكان معين أو يتم قبولهم بين ناس معينين أو ثقافة معينة. نحن كلنا بلا استثناء، يقول روبرت جرين، ممثلون جيدون لدرجة أننا ما بنكون حتى مدركين للشيء هذا وهو بيصير حاجة كده زي الممثل اللي لما يتقمص دور معين فيلم أو مسلسل لدرجة أنه حتى بعد التصوير يكون لسه مو قادر يخرج من الدور ويرجع لطبيعته. نحن مقتنعون فعلاً أننا دائماً صادقين وحقيقيين في كل تعاملاتنا الاجتماعية، وهو برضه نفس الشيء اللي بيقولوها الممثلون المحترفون، أنه إذا كنت تبغى الناس يصدقوا تمثيلك في الفيلم فلازم تصدق أنت نفسك أنك الشخصية اللي قاعد تديها فعلاً.
لو جيت تشوف نفسك وتركز مع تصرفاتك وطريقة تعاملك مع مختلف الأفراد اللي في عيلتك، وطريقة تعاملك مع مديرك وزملائك في الشغل، فرح تشوف أنك دائماً بتغير الشيء اللي بتقوله لكل شخص أو لكل فئة. لون صوتك بيتغير، لغة جسدك، حتى الأخلاق اللي بتتعامل فيها بطريقة مبنية على الشخص اللي بتتعامل معاه أو المجموعة اللي أنت تبغى تكون جزء منها، الناس اللي أنت تبغى تبهرهم أو تثير إعجابهم، حتى الأخلاق اللي بتتعامل فيها بطريقة مبنية على الشخص اللي بتتعامل معاه أو المجموعة اللي أنت تبغى تكون جزء منها، الناس اللي أنت تبغى تبهرهم أو تثير إعجابهم. أنت بتتصرف معاهم بطريقة مختلفة تماماً عن الطريقة اللي بتتعامل فيها مع الناس المقربين لك واللي بتاخذ راحتك معهم. أنت بتسوي كل هذه التقلبات بطريقة لا واعية بدون ما تفكر حتى أو تتعمد الشيء هذا. يقول الكاتب: دورنا هنا من خلال كلامنا عن هذه الطبيعة البشرية ينقسم لجزئين رئيسيين: أولاً، نحتاج أننا نفهم ونتقبل حقيقة أن الحياة مليئة بتقمص الأدوار، أو ما أسماه "الصفة المسرحية" حرفياً. فمش مفروض تقيم الموضوع هذا بشكل أخلاقي، أو تعتبر تقمص الأدوار في مختلف المواقف لغرض عكس شخصية أو صفات معينة هو شيء سيء. بالعكس، بل لازم يكون هدفك أنك تتقن أداء هذه الأدوار في كل مرحلة في حياتك بطريقة فعّالة. أنك تقدر تلفت الانتباه لما تحتاج تلفت الانتباه لمهاراتك، أنك تعرف كيف تتعامل مع كل شخص بشكل أفضل. ما في شيء غلط هنا، فمهم نعرف هذا الشيء أولاً.
ثانياً، معرفتنا لتفاصيل هذا القانون بتخلينا أكثر قدرة على أننا ما نكون سذج ويسهل خداعنا من الناس اللي بيعرفوا يستخدموا هذه الصفة أو هذه الطبيعة البشرية بشكل فيه مصلحة لهم وضرر لنا. ما ننخدع بالمظاهر، وما نكون ضحايا للممثلين البارعين الكثر اللي حولنا، وبالتالي نصير أكثر مهارة في اكتشاف الإشارات اللي تكلمنا عنها في المقدمة، الإشارات اللي تعكس مشاعر ورغبات الشخص أكثر من كلامه. والشيء هذا بيتحقق عن طريق معرفة ثلاثة أشياء رئيسية تخلينا نفهم هذا القانون بشكل عملي. وللفصل هذا من الكتاب مقسم بناء عليها، وحنتكلم عن كل جانب بشكل مفصل. الجوانب الثلاثة هي: أولاً، معرفة طرق ومهارات مراقبة ردود أفعال الناس. ثانياً، تعلم أساسيات فهم طرق التواصل الغير لفظية اللي برضه ذكرناها في المقدمة. وثالثاً، إتقان فن إدارة الانطباعات. يعني ممكن تحسوا كلامي ملعب كذا ومكلكع على قولتهم، لكن حنتكلم عن كل واحد فيهم ونشرحه بشكل واضح عشان توصل للفكرة بشكل مبسط أكثر. الموضوع مقسم لثلاث مراحل: مراقبة ردود أفعال الناس، نتكلم معهم، والناس طبعاً بيصدر منهم ردود أفعال على أشكال مختلفة، ممكن بدون ما يتكلموا، ممكن أثناء ما هم بيتكلموا. اللي يهمنا ردود أفعالهم اللي بتظهر عليهم أكثر من الكلام اللي بيقولوه، وهذا هو المقصود بفهم طرق التواصل الغير لفظية. وأخيراً، أنت نفسك تحتاج تعرف كيف تترك انطباعات جيدة للناس عن طريق إتقان ما أسماه الكاتب فن إدارة الانطباعات. حلوين حلوين، نبدا الآن بأول جانب في الفقرة الجاية.
مهارات مراقبة ردود الفعل. لما تجي تراقب سلوك شخص معين لمدة معينة، أنت تحتاج أنك أولاً تحدد تعبيراته الأساسية، اللي هو يعني شكله الطبيعي في حالة عادية بدون ما يكون بيظهر أي تعبير أو رد فعل معين لشيء معين، اللي هو حسب تعبير الكاتب "البيس لاين إكسبريشن". بعض الناس طبيعتهم هادئة ومتحفظة، ملامح وجوههم الأساسية تعكس هذا الشيء. بعض الناس لا، طبيعتهم حركية وفيها نشاط أكثر. في ناس بطبعهم أصلاً متوترين دائماً، وتحس أنه قلقان 24 ساعة. الهدف هنا أنك لما تعرف التعبير الطبيعي أو المعتاد أكثر لشخص ما، فأنت راح تنتبه أكثر لأي تغييرات تصير عليه. يعني مثلاً، حركة مفاجئة أو حماس مفاجئ لشخص معروف بالنسبة لك أنه هادي ومتحفظ، تعابير وجه مرتاحة لشخص أنت دائماً تشوفه ومتوتر وقلقان. بمجرد ما تعرف البيس لاين حق الشخص، أو التعبيرات الأساسية حق هذا، راح يسهل عليك أنك تشوف التغيرات أو التقمص اللي هو حيعملها.
حاول تراقب نفس الشخص في حالات مختلفة، ركز مع الإشارات الغير لفظية، الغير كلامية لو جاز التعبير، هو بيتكلم مع صاحبه، مع زوجته، مع مديره، مع موظفه وغيره. راقب الناس اللي على وشك أنهم يسووا شيء حماسي أو مثير للاهتمام، زي الاستعداد لرحلة ممتعة أو إيفنت في مجال تخصصهم، هم متفائلون وبان عليه توقعات كبيرة. لاحظ نظرات الترقب، اتساع حدقات العيون، الانتعاش في كل ملامح وجوههم، الابتسامات الخفيفة على شفاههم وهم يفكروا في الشيء المحمس اللي حيصير. في المقابل، راقب مثلاً الناس اللي على وشك دخول اختبار صعب ومهم أو عندهم مقابلة وظيفية مصيرية، راح تشوف تعابير وإكشنات مختلفة تماماً. رغم أن الأمثلة هذه واضحة وممكن تكون بديهية، لكن الفكرة هنا أنك تعرف الفروقات بين كل حالة عاطفية بشكل أكبر، وبالتالي تقدر تربط التعبيرات أو رد الفعل بتظهر وقتها على وجوه الناس وتستنتج مزاجهم وشعورهم.
لاحظ كمان الإشارات المختلطة، "ميكسد سيجنالز"، لما مثلاً شخص يبدي إعجابه بفكرتك لكن وجهه بيكون فيه تنشن ويكون في عدم راحة في نبرة صوته، أو أنه شخص يهناك بالترقية اللي أنت حصلت عليها بس الابتسامة على وجهه واضح أنها مصطنعة ومزيفة. الإشارات المصطنعة اللي زي هذه كثيرة وبنشوفها بشكل شبه يومي، اللي يهمك منها هو الجانب السلبي اللي وراها، المشاعر الغير صادقة اللي بيحاول الشخص يخفيها، فتقدر وقتها تعرف ليش الشخص هذا زعلان من ترقيتي ولا ليش بيدعي أنه معجب بفكرتي بس هو في الحقيقة ما هو مقتنع فيها. بس انتبه وأنت بتراقب ردود أفعال الناس وبتحاول تلاحظ الإشارات الغير لفظية اللي قلنا عنها، لأنه في بعض الأخطاء اللي ممكن ترتكبها. طبيعة الكلمات فهي واضحة ومباشرة، لكن الإشارات والملامح ودود الفعل فهي تخضع لتفسيراتك أنت. ما في شيء مباشر قاعد ينقال أو تفسير لهذه التعبيرات مضمون بنسبة 100%. الموضوع يعتمد على الشخص وعلى السياق. فلو ما كنت حذر، فأنت ممكن تتسرع في تفسير دود فعل الناس أو الإشارات اللي بتظهر لك بشكل خاطئ أو بشكل يعكس مشاعرك أنت وتحيزك ضد هذول الناس، واللي بالتالي حيخليك توصل لاستنتاجات مش بس غير مفيدة، بل ربما تكون خطيرة كمان. حط في بالك برضه أن الناس من مختلف الثقافات بيتصرفوا بطرق مختلفة، ممكن تعتبر مقبولة في ثقافتهم وما هي مقبولة في ثقافات ثانية. في بعض الثقافات مثلاً الناس بطبعهم يبتسموا أقل أو بيلمسوا بعض أكثر بشكل طبيعي عندهم، أو لغتهم بطبيعتها معتمده على تغيير نطق كلمات معينة لتأكيد معنى معين حسب تون الصوت في نطق الكلمة أو حسب مد الكلمة أكثر وهكذا. فدائماً حط في الاعتبار الخلفية الثقافية للناس، فسر الإشارات اللي بتظهر منهم بناء عليه. يعني واضح مثلاً الفرق بين طريقة التعامل باللمس بين العرب والأوروبيين وبين دول شرق آسيا، لغة الجسد وطريقة التعبير والإيماءات بالرأس تختلف بينهم في بعض الجوانب.
مراقبة ردود الفعل مش بس مفروض تطبقها على الناس، أنت تحتاج كمان تراقب ردود فعلك أنت. لاحظ قد إيش أنت مثلاً بتبتسم ابتسامات مصطنعة، قد إيش بتحس بالتوتر وبتحاول تخفيه، إيش الأعراض اللي بتظهر عليك وأنت متوتر؟ هل بيتحرك بشكل مختلف؟ هل بتعرق؟ هل بيصير عندك رعشة في شفايفك أو في رجولك وغيره؟ لأنك لما تعرف اللي بيظهر عليك في حالات معينة فأنت حتقدر تقيس هذا الشيء على الناس وتفهم أكثر حالتهم لو ظهرت عليهم نفس الإشارات، وفي نفس الوقت حتكون منتبه أكثر وتحاول تتحكم قدر الإمكان بإيش تظهر وإيش تخفي حسب الحالة أو الموقف اللي أنت فيه. وهذا شيء مهم جداً طبعاً ويساعد في أنك تلعب الدور الاجتماعي المناسب في المكان المناسب. حنتكلم أكثر عن الجزئية هذه في نهاية القانون. ننتقل الآن للجانب الثاني من قانون تقمص الأدوار، وهو عن طرق التواصل الغير لفظية. الإشارات الغير لفظية تنقسم لثلاثة فئات رئيسية مهمة، هي اللي أنت حتلاحظ وتفهم ردود أفعال الناس عن طريقها، يعني أي رد فعل من الناس بشكل غير لفظي، أو خلينا نقول على شكل تعبيرات وجوههم أو لغة جسدهم، بتعكس واحد من ثلاثة أشياء: الحب أو الكره، السيطرة أو الخضوع، والخداع.
أولاً: إشارات الحب والكره. تخيل معي السيناريو التالي: شخص ما في المجموعة اللي أنت فيها يكرهك، بغض النظر عن سبب الكره، سواء كان حسد أو غيره أو عدم ثقة، أيّ كان. لكن بيئة المجموعة اللي أنتم فيها ما تسمح له بالتعبير عن مشاعر الكره هذه أو أي مشاعر سلبية بين الناس اللي فيها، والشخص اللي حيظهر هذه المشاعر حيتم اعتباره شخص غير لائق بالمجموعة أو زي ما يقولوا ما هو "تيم بلاير". فبالتالي الشخص هذا حتلاقيه غصباً عنه يبتسم لك، يشرك في النقاشات والحوارات، بل وحتى يحاول يبين أنه بيدعم أفكارك. أنت ممكن تحس أحياناً أنه في شيء ما هو مضبوط، مع أن العلامات واضحة جداً، أنت بس اللي بتنساها أنك بتركز أكثر على اللي بيظهر لك من هذا الشخص، وفجأة وبدون أي مقدمات يظهر هذا الشخص سلوك سيء جداً ضدك. القناع اللي هو كان لابسه يختفي ويظهر لك على حقيقته. شيء ممكن يكون مألوف بالنسبة لك، إما أنه صار لك شخصياً أو صار لأحد تعرفه. الناس بيعطوا إشارات من خلال لغة جسدهم تظهر إما حبهم أو كرههم لناس ثانيين. الإشارات هذه تشمل أشياء زي تقليب العين بشكل مفاجئ لما أنت تقول له شيء معين، أو نظرة فيها تكشيرة، عض الشفايف بحيث إنها ما تكون ظاهرة، ثبات الرقبة لو كان واقف وقتها، يغير وضعيته بحيث ما يكون موجه جسمه عليك بشكل كامل، يضم يدينه وأنت بتتكلم، بشكل عام يكون واضح أنه في تنشنه في لغة جسده. المشكلة هنا...
هي إنك ما راح تشوف هذه الإشارات كلها ما لم يضايقك هذا الشخص بشكل واضح لدرجة يصعب إخفاؤها. لكن اللي المفروض يصير هو إنك تدرب نفسك على إنك تلاحظ ما يسمى الكاتب بالمايكرو اكسبريشنز، التعبيرات الصغيرة جدًا قبل التعبيرات الواضحة، عشان تكون سابق الطرف الثاني بخطوة. المايكرو اكسبريشنز اللي بالمناسبة يقول روبرت جرين إنها تعتبر من الاكتشافات اللي علماء النفس وصلوا لها مؤخرًا، تم توثيقها في فيلم وثائقي. هي تعبيرات سريعة كده بتصير في جزء من الثانية، يا صدتها يا ما صدتها. وطبعًا هذا ما ينفي أهمية الإشارات والتعبيرات الواضحة العادية اللي بتدوم أكثر من عدة ثواني، واللي بطبيعة الحال أسهل في الملاحظة. واللي هي زي مثلًا لما تروح لشخص عنده فكرة سلبية عنك، أو شخص يكرهك عمومًا، لو فاجأته وظهرت له من جهة هو ما كان شايفك منها، يعني جيته من الجنب ولف عليك وشافك، حتلاحظ علامات واضحة لعدم الراحة اللي حتظهر عليه. الأدَمِي واضح إنه ما هو مبسوط إنه شافك، والملامح هذه بتكون عليه لثانية أو ثانيتين. أو زي لما تقول رأي معين قدامه، فتلاقي عيونه بتنمش بسرعة لبضع ثواني. هو طبعًا بيحاول يغطي هذه الريأكشنات بأسرع وقت ممكن، ويعطيك الابتسامة الفيك الجميلة. وعكس اللي ممكن يكون لسه ظاهر من لغة جسده، فهو حيحاول يقول شيء أو تعليق معين إيجابي، يخفي فيه أو يخفي من خلاله شعوره الحقيقي بأنه ما هو طايقك ولا طايق كلامك. الشيء هذا بيريحه أكثر من التنشَن اللي بتنتج من فكرة إنه لازم دائمًا يكون لطيف، ويراهن على إنك تركز على كلامه، وتنتبه لتعبيراته وابتساماته المزيفة.
أحيانًا ممكن شخص ثاني يستخدم الأسلوب الساخر، ويوجه لك كلام معين قوي، وكأنه يعني بيمزح ويطقطق، ما هو جاد، يقول وهو مبتسم بنبرة المزح، في حين أنه يعني تمامًا اللي قاعد يقوله. يقول روبرت جرين: إذا شكيت في إنه في شخص معين ممكن بيغير منك أو بيحسدك، اتكلم معه عن خبر جيد صار بدون ما تظهر إنك قاعد تستعرض، يعني ولاحظ وقتها المايكرو اكسبريشنز حقته، حقّه الإحباط وخيبة الأمل اللي بتظهر على وجهه. استخدم نفس الطريقة عشان تختبر مشاعر الغضب أو الكره اللي عند ناس ثانيين ضدك.
فائدة إنك تفهم مشاعر الشخص اللي قدامك من خلال ردود فعله وتعابير وجهه أو من لغة جسده عمومًا، هي إنها بتعطيك فرصة تحدد كيف تتعامل مع كل شخص من بدري، قبل ما يجيك أي ضرر من أحد بسبب إنك ببساطة ما كنت عارف حقيقة مشاعره تجاهك. ثانيًا، إشارات السيطرة أو الخضوع. البشر دائمًا بيكونوا هياكل أو تسلسلات هرمية بناءً على المنصب والمال والسلطة. كل ما كان الشخص أكثر مالًا أو سلطة أو منصبًا، كل ما كان أعلى في هذا التسلسل الهرمي أو الترتيب في الأهمية. في العادة ما أحد يحب يتكلم بشكل مباشر عن أفضلية في التصنيف بناءً على هذه المعايير قدام الناس، لكن اللي بيصير إنه علامات السيطرة أو الخضوع بتظهر عن طريق التواصل غير اللفظي. وطبيعة الحال، إحساس الأفضلية على الناس في مجتمع معين بيعطي الواحد شعور بالثقة اللي بتظهر عليهم من خلال لغة جسدهم. وبعض الناس ممكن يحسوا بالثقة هذه قبل حتى ما يوصلوا لسلطة أو لمنصب معين، ويصير يتعامل بمبدأ "ما سيكون"، اللي هو "أنا كده كده حأوصل لمكانة رفيعة". الناس اللي عندهم طموحات كبيرة بيحاولوا دائمًا يظهروا هذه الإشارات، لكن طبعًا لازم يعملوها بشكل جيد عشان ينجحوا في عكس الصورة هذه، لأن إشارات الثقة المزيفة راح ترجع عليهم بنتيجة عكسية تمامًا.
الثقة عادةً يجي معها شعور كبير بالاسترخاء، بيظهر بشكل واضح على الوجه، وحريّة أكثر في الحركة. الشخص اللي بيحس بالقوة أو السلطة يحس دائمًا إنه يقدر يتحرك براحته حوالين الآخرين، يعمل أي كونتاكت، تواصل بصري مع أي أحد. دائمًا يضيق عيونه كعلامة على الجدية والكفاءة. إذا حس بالملل أو الانزعاج، يظهر ملله أو انزعاجه عادي، ما عنده مشكلة. في العادة يبتسم أقل، لأن الابتسامات الزائدة عن الحد تعبر عن نوع من ضعف الثقة أو الاهتزاز. يحس إنه يقدر وقت ما يقرر يلمس أي أحد، يعني يربت على ظهر هذا بشكل ودي، أو يمسك يد ذاك، ويتكلم معك وكذا. يحب يظهر أفضلية في الهيكل الهرمي بعدة طرق: يتكلم بشكل أسرع من الآخرين، ويحس إنه من حقه يقاطع أي شخص متى ما يبغى، ويتحكم بمجال النقاش. لما يصافح يصافح بقوة زائدة، وكأنه يبغى يكسر يدك، ويسلم عليك. يحب يظهر أو يحضر متأخر أكثر من الناس، لأن هذا بيعكس أفضلية. اللي جاي في بالي هنا إنه حتى في الكورة، حتلاحظ غالبًا إنه النجم يطلع آخر واحد من النفق وقت دخول اللاعبين للملعب، لو ما كان كابتن، يعني لأن الكابتن بيطلع أول واحد. القادة اللي بيظهر عليهم التنشَن أو التردد في تعابيرهم غير اللفظية، فهم في العادة بيكونوا غير واثقين من أنفسهم ومن سلطتهم، وبيحسوا بالتهديد. علامات القلق وعدم الثقة هذه في العادة بتكون واضحة وسهلة إنه أي أحد يلاحظها، زي إنه مثلًا يتجنب التواصل البصري المباشر في حالات معينة، يرمش بشكل أكثر من الطبيعي، يبتسم ابتسامات مصطنعة كثيرة، وضحكات تخفي التوتر، وغيره من العلامات. الفائدة من معرفة العلامات هذه هي إنها حتخليك تعرف مستوى ثقة الناس اللي بتتعامل معهم، وتحدد سلوكك معهم بناءً عليه. لأن القائد أو المدير اللي بيعكس عدم ثقة أو خوف معين، التعامل معه يختلف عن التعامل مع القائد اللي بيعكس ثقة كبيرة وهيمنة مطلقة.
ثالثًا، إشارات الخداع. البشر بطبيعتهم سذج نوعًا ما، يعتقدوا إنهم ممكن يحصلوا على أي شيء مقابل لا شيء، وإنه أغلب الناس كويسين ويمكن الثقة فيهم. والطبيعة الساذجة هذه هي اللي بتغذى عليها المخادعون والمتلاعبون، وبيعتمد عليها. يقول روبرت جرين: راح يكون من المفيد جدًا إنه في المستقبل تقل هذه السذاجة في البشر عمومًا، لكن لأننا ما نقدر نغير طبيعة البشر الفطرية، فأفضل ما يمكن فعله هو تعلم كيف يتم ملاحظة العلامات اللي بتنبه على وجود محاولة للخداع، والمحافظة على مستوى معين من التشكيك والبحث عن أدلة. واحد من أكثر العلامات وضوحًا هي لما الناس يظهروا تعابير مبالغ فيها مقارنة بالموقف. لما نبتسم أحد بشكل مبالغ فيه، يظهر بشكل فرندلي ولطيف أكثر من اللازم، أو يحاول يكون مرح ومسلي كثير بشكل يخلي من الصعب إنك ما تتماشى معه وتسايِره، وتقلل من مقاومتك له، وتثيره عليك. لما الشخص يحاول يغطي شيء معين، فهو راح يتصرف بطريقة محترمة ومرحّة ومسلية أكثر من اللازم. أو لما يحاول مثلًا يشرح فكرته بطريقة فيها طاقة مبالغ فيها، أو لما يدافع عن نفسه بدرجة عالية من الإنكار، هذه كلها علامات يفترض إنك تلتقطها، وتبدأ ترفع مستوى حذرك من هذا الشخص، لأنها تعتبر ربما محاولات لتشتيت الانتباه عن الحقيقة. مع إن كل هذه العلامات، زي التعابير المرحة والإيماءات الجسدية الإيجابية، ممكن يكون معناها لطف أو طبيعة عادية، لكنها لما تجي من شخص أنت ما تعرفه تمام المعرفة، أو من شخص ممكن يكون مخفي شيء ما، فهذه إشارة تنبيه كبيرة للحذر.
من الطرق اللي بيستخدمها المخادعون الأذكياء، حسب تعبير الكاتب، هم إنهم دائمًا بيحاولوا يظهروا انطباع معاكس. إذا كانوا بيحاولوا يخفوا تصرف لا أخلاقي أو سيء هم ارتكبوه، فراح يحاولوا يغطوا عليه بأنهم يظهروا تعابير جادة جدًا وصارمة. الوجه يكون جامد، وبدل ما يكون في إنكار بشكل واضح وبإصرار، فالمخدعون بيقدمون شرحًا واثقًا ومستندًا على سلسلة من الأحداث، ربما الأدلة اللي تدعم كلامهم، كمان تصويرهم للواقع اللي هم يبغوا يخلقوه يكون سلسًا وواضحًا جدًا. إذا كانوا يبغوا يحصلوا منك على دعم أو حتى على فلوس، فراح يظهروا لك إنهم محترفون ومتمكنون، ممكن حتى يعطوك أرقام وإحصائيات. الشيء اللي حتلاحظوه من كثير من النصابين اليوم بشكل عام. أفضل شيء تسويه لما تشك في إن واحد قاعد يحاول يتلاعب بتركيزك عن الحقيقة، هي إنك ما تواجهه بشكل مباشر في البداية وتتهمه، بل بالعكس، شجعه إنه يكمل في السيناريو حقّه، وأظهر له اهتمامك باللي هو قاعد يقوله أو يسويه. أنت هنا تبغى تخليه يتكلم أكثر وأكثر، ويظهر علامات أكثر من التوتر أو التناقض في الكلام. وفي اللحظة المناسبة، تفاجئه بسؤال غير مريح بشكل مباغت، ربما يخليه يفلت كلام ربما يكشفه وقتها. ركز مع المايكرو اكسبريشنز ولغة جسده. إذا كان فعلًا مخادع، فهو راح يظهر عليه رد فعل فيه لحظة من التجمد كده وهو يسمع سؤالك المفاجئ، أو يعتقد إنك ماشي معه على الخط من الأول. لما تتعامل مع الخداع، حط في بالك دائمًا إن الخداع ما هو كلّه نفس المستوى، بل فيه مستويات مختلفة. في المستوى الأول والبسيط، حتلاقي الأشياء غير المؤذية، زي الكذبات الصغيرة اللي ممكن تظهر من أبسط التعليقات، زي مدح في شكلك أو في لبسك من باب اللطافة غير الصادقة، مدح في شغلة معينة أنت سويتها. زي إخفاء بعض المعلومات عن إيش الشخص هذا قاعد يسوي، مثلًا من باب عدم الشفافية، لأن الشفافية وعدم وجود خصوصية ممكن أحيانًا يكون شيء غير مريح. هذه الأشكال البسيطة من الخداع، أفضل شيء إنه يتم تجاهلها أصلًا، لأن طبيعة المجتمعات المؤدبة المحترمة تعتمد على إن الناس ما يكونوا صريحين دائمًا. هذه حقيقة، فراح يكون شيء سيء للمجتمع إنه كل واحد يقول أي شيء يسوى أو ما يسوى في باله عن أي أحد بشكل مباشر. لذلك، وفّر تركيزك مع الخداع للحالات اللي يكون فيها احتمال وجود رغبة للنصب عليك أو الحصول على شيء من وراك.
الجانب الثالث والأخير من قانون تقمص الأدوار هو، زي ما قلنا، إتقان فن إدارة الانطباعات بشكل عام. كلمة "تقمص الأدوار" لها دلالات سلبية، تحس إنها عكس المصداقية، لأن الشخص الصادق أو الحقيقي ما يحتاج إنه يتقمص أدوار ثانية، حسب اعتقادنا، ويقدر ببساطة يكون على طبيعته. والكلام هذا جميل وصحيح لما نتكلم عن العلاقات المقربة، زي الصداقة والعلاقات الأسرية، اللي يقدر فيها الواحد يكون فعلًا على طبيعته ويتصرف براحته. لكن على صعيد الحياة العملية، فالموضوع معقد أكثر. فلما يتعلق الأمر بشغل معين أو دور معين في المجتمع، فدائمًا يكون في توقعات محددة من هذا الدور من الناحية الاحترافية. فإذا كان الشخص بيتصرف على طبيعته تمامًا، ويرفض إنه يتقمص أدوار تناسب هذا المكان، فالناس راح يشكوا في إمكانياته واستحقاقه للوظيفة أو المكان هذا. كلنا سواء بشكل واعي أو غير واعي، بنخضع للشيء المتوقع من أدوارنا، لأننا بنلاحظ إنه النجاح في المجتمع أو المكان اللي نحنا فيه بيعتمد على هذا الشيء. البعض ممكن يرفض ويقاوم، يسوي كذا في البداية، لكن مع مرور الوقت، في النهاية يضطر يتماشى مع الموضوع لما نحس إن خياراته صارت محدودة ومقيدة جدًا بسبب إصراره على إنه يكون على طبيعته البحتة. لذلك، يقول روبرت جرين: من الأفضل إنك تتقبل الديناميكية هذه، حسب وصفه، وتتعايش معها. لأنك بوعيك بأهميتها، أنت مش راح تكون مدرك لأهمية الانطباع اللي أنت بتعكسه، بل كمان كيف تشكل هذا الانطباع بحيث تخرج منه بأكبر قدر من الفائدة. والشيء هذا بيصير عن طريق إتقان ست مهارات أساسية لإدارة الانطباعات: أولًا، إتقان الإشارات غير اللفظية. بعض المواقف، لما الناس يحاولوا يفهموا أو يحددوا بالضبط مين أنت، فهم راح يركزوا على الإشارات غير اللفظية اللي بتظهر عليك، سواء في مقابلة وظيفية، في تجمع معين، أو حتى من خلال مظهرك العام. لذلك، الأذكياء هم اللي يعرفوا كيف يتحكموا بهذه الإشارات بدرجة معينة، بحيث يعكسوا بشكل واعي إشارات تظهرهم بشكل إيجابي. يعرفوا كيف يظهروا بشكل محبوب، يعطوا ابتسامات حقيقية، يستخدموا لغة جسد تعكس الترحيب، يتعاملوا مع كل شخص حسب وضعه واختلافه، يعرفوا إشارات القوة اللي تعكسها الثقة ويستخدموها بشكل واعي، وغيره من الإشارات اللي تعكس انطباعات جيدة.
ثانيًا، الميثود أكتينج، اللي هو نوع من مهارات التمثيل، ومقصود فيها إن الممثل يظهر المشاعر المناسبة للمشهد. إنه مثلًا يظهر الحزن عن طريق إنه يتذكر أحداث معينة صارت له هو شخصيًا قبل كده، خَلّته يحس بالحزن، فيستدعي هذا الشعور أو هذا الإحساس أثناء أدائه لمشهد حزين في الفيلم أو المسرحية أو غيره. الفكرة إنك تكون متحكم قدر الإمكان، مع إنه هو شيء صعب جدًا، وأي أحد يقنعه في الحياة الحقيقية برا المسرح يعني، لكن قدر الإمكان، كل ما كان عندك قدرة أكبر على استخدام هذا الأسلوب في مواقف كثيرة، كل ما كنت تقدر تتعامل بشكل أفضل مع هذا الموقف. ثالثًا، معرفة الجمهور. وهنا ما نتكلم عن جمهورك كلاعب كرة أو كشخص مشهور، لا، المقصود هنا بالناس اللي أنت بتتعامل معهم عمومًا، فال مرونة مطلوبة. اعرف جمهورك واستخدم معهم الإشارات غير اللفظية المناسبة لهم. رابعًا، خلق انطباع أول مناسب. معروف للجميع كيف إن الناس بيحكموا عليك من خلال انطباعهم الأول عنك، وكيف إنه صعب إنك تغير هذا الانطباع بشكل عام. أفضل تكتيك هو إنك تظهر إشارات غير لفظية بشكل متوازن في أول لقاء لك مع شخص، يعني الحماس الزايد راح يعكس نوع من عدم الثقة في النفس، أو يثير الشكوك حولك، بينما الابتسامة الهادئة والتواصل البصري مع الشخص اللي بتقابله أول مرة راح يكون شيء مناسب جدًا لخلق انطباع أولي جيد. خامسًا، التأثيرات الدرامية. هذا يتضمن إتقان فن الحضور والغياب، حسب تعبير الكاتب. فلو كنت موجودًا دائمًا، فالناس راح يشوفوك أكثر من اللازم، يتوقعوا كل تصرفاتك، بل وحتى ممكن يملوا منك. يفضل إنك تعرف متى تظهر، متى تغيب، فتخلي ظهورك على قدر الاحتياج فقط، وبأقل شكل ممكن. التأثيرات الدرامية تشمل كمان زي إن الواحد يخلق نوع من الغموض حول نفسه، يظهر بتعمد صفات تبدو متناقضة للناس. الناس ما يحتاج يعرف كل شيء عنك، اعلم إنك تخفي بعض المعلومات عن نفسك من باب الاحتياط. وعلى قضاء حوائجكم بالكتمان. بشكل عام، خلي ظهورك وتصرفاتك صعبة التوقع. سادسًا وأخيرًا، إظهار الصفات المحترمة. طبعًا هنا ممكن أختلف شوية مع الكاتب، لأن هذا شيء فيه خلل أخلاقي كبير، لكن خلينا نأخذ منه ما يفيدنا فقط. "الحكمة ضالة المؤمن"، يقول روبرت جرين. أنت لازم تظهر الشيء اللي يعتبر جيدًا ومحترمًا في المجتمع، أنت تبغى تكون دائمًا الشخص الكريم والمتسامح والصادق، إنه يتم وصفك بهذه الصفات هو شيء مهم، يقول. حتى لو تطلب الأمر إنك تعترف ببعض نقاط ضعفك من باب التواضع والصراحة، الناس يحبوا الشخص المتواضع والصادق. هو كده روبرت جرين فجأة كده يعطيك نصائح يعني، تقول لا ما توصل لكذا كمان.
خلاصة هذا القانون يا صديقي العزيز، قانون تقمص الأدوار، هو إنه البشر بطبعهم بيميلوا لأنهم يلبسوا أقنعة تظهرهم بأفضل مظهر ممكن، تظهرهم بشكل يعكس ثقتهم بأنفسهم، يعكس احترافيتهم وتمكنهم من عملهم، يحكي صدقهم وتواضعهم، يقولوا الشيء المناسب، يبتسموا، يظهروا لك إنهم مهتمين بكلامك وأفكارك، يخفوا نقاط ضعفهم من خصومهم. فإذا أخذنا هذه المظاهر واعتبرناها حقيقة الناس، فعمر ما راح نعرف مشاعرهم الحقيقية، وبالتالي نتفا-جا لما يظهروا الوجه الحقيقي في لحظة ممكن تكون تولّيت الناس مصيرهم. يسرب جزء من مشاعرهم الحقيقية عن طريق الإشارات غير اللفظية اللي صعب يتحكموا فيها بشكل كامل: تعبير الوجه، تغيير النبرات، لغة الجسد، الإيحاءات اللي تظهر التوتر. معرفة هذا الشيء ومعرفة كيف يتم التركيز وفهم هذه الإشارات، تعطيك أفضلية كبيرة، وفي نفس الوقت تخليك أكثر قدرة على إنك تستفيد منها في إنك تعكس الإشارات غير اللفظية المناسبة في المكان المناسب والوقت المناسب. قانون السلوك القهري، "الكومبَلسيف بيهيفير"، اللي بيقول فيها الكاتب روبرت جرين إننا لازم نكون صادقين مع أنفسنا، ونعترف إنه بطبيعتنا كبشر مجبورين إننا نتخذ نفس القرارات، ونستخدم نفس الطرق في التعامل مع المشاكل، وإنّه في نمط حياتنا بيتكرر، والمشاكل اللي بنمر فيها، إن المسألة ما هي مسألة حظ سيء بقدر ما هي مسألة متعلقة بالشخصية. البشر بطبيعتهم يعتقدوا إنهم متحكمين بكل شيء يصير لهم، وإنهم بيختاروا مصيرهم بأنفسهم، لكن اللي بيصير أحيانًا بشكل طبيعي إنه أشياء كثيرة بتمشي عكس خطوطهم وتوقعاتهم، سواء علاقات مع ناس مقربين تدهور، أو المسار المهني يتعرض لانتكاسات أو صعوبات، أو غيره من التحديات اللي ممكن تكون مكررة، أو سبق ومرت بهذا الشخص قبل كده في الماضي. أو يلاحظ الواحد إن طريقة شغله تحتاج لتغيير أو تحسين في جوانب معينة، وإنه يقدر يسوي أحسن من كده، فيحاول يغير من طريقة شغله، ويعتقد إنه فعلًا قاعد يغير، لكن يلاقي نفسه في النهاية قاعد يسوي نفس الشيء بنفس الطريقة، ويحصل على نفس النتيجة تقريبًا. الظاهرة هذه ممكن تلاحظها بشكل أوضح على أفعال الناس القريبين منك، تستغرب من تصرفاتهم اللي ممكن تحسها ساذجة أو غريبة، زي اختيارهم لمجال أو تخصص غريب غير عملي وما فيه فرص، أو دخولهم في استثمارات ما هي منطقية، وتشوفهم يكرروا نفس الأخطاء هذه كل فترة بمجرد ما ينسوا التجربة اللي ما كانت موفقة قبل كذا، أو يتعاملوا بطريقة خاطئة مع الشخص الخطأ. تحسه وين ما يروح، وإيش ما يسوي، يحوس الدنيا ويسبب مشاكل لنفسه، ويحط نفسه تحت ضغط ما له داعي بشكل مكرر بنفس الطريقة، وفي النهاية يقعد يلوم الناس ويلوم الحظ، بالضبط زي المدمن اللي يتعب ويحارب الإدمان ويوقف، وبعد فترة تلاقيه يرجع مرة ثانية لإدمانه. أنت بتشوف هذه الأنماط على الناس أكثر من ما هم بيشوفوها على أنفسهم، وأكثر من ما تشوفها أنت على نفسك كمان، لأن ما في أحد يحب يعترف إنه قاعد يتصرف بطريقة قهريّة بدون تحكم منه، الفكرة في ذاتها مزعجة لأي أحد.
الفكرة العامة من هذا القانون تنقسم لجزئيتين رئيسيتين: الجزئية الأولى متعلقة بفهمك لشخصيتك وأنماطها، وتحليل العناصر اللي ساهمت في تكوين هذه الشخصية اللي أنت عليها اليوم. مستحيل الواحد يتجاهل تأثير هذه العوامل على تكوين شخصيته، لأنها عميقة ومُغْرَمة. فهمها والوعي بتفاصيلها، فهو يقدر يحجم من بعض الأنماط السلبية اللي فيه، يقدر يشتغل على إنه يحول النواحي السلبية في شخصيته لنقاط قوة حقيقية، يقدر يحاول يبدا يكون عادات وأنماط جديدة بالتدريب والاستمرارية، يبدا بشكل فعال يكون شخصيته أو يعمل عليها تعديلات ممكن تكون سبب في تغيير أشياء كثيرة تصير له لاحقًا. الجزئية الثانية متعلقة بتطوير مهارة قراءة وفهم شخصيات الناس اللي بتتعامل معهم. وعشان هذا يصير، يقول روبرت جرين: فلازم تعتبر الشخصية هي القيمة الأساسية اللي أنت بناءً عليها بتختار الناس اللي حتشتغل معهم، أو حتكون معهم علاقة اجتماعية، أو حتى معيار للشخص اللي حتختاره كشريك حياة، زوج أو زوجة. القدرة على ملاحظة شخصيات الناس وفهم أفعالهم وأنماطهم السلوكية هي مهارة اجتماعية مهمة جدًا، لأنها ممكن تخليك تتفادى قرارات كثيرة كانت حتسبب لك نكد ومشاكل في حياتك: التعامل مع مدير سيء، الارتباط بشخص غامض وغير مناسب لك وممكن ينكد عليك باقي حياتك، تعيين موظف أو مساعد ما منه فائدة، وغيره. وهذا اللي يخلي هذه المهارة مهارة لا غنى عن اكتسابها وتطويرها، لأن البشر ما هم كفو بطبعهم لما يتعلق الأمر بتقييم الناس اللي [موسيقى] حولهم.
أهم مؤشرات شخصيات الناس تظهر خلال أفعالهم مع مرور الوقت. أنت أكيد حتلاحظ نفس التصرفات ونفس القرارات تتكرر على فترات متباعدة. هذه القرارات المكررة بنفس النمط حتظهر لك شخصية هذا الشخص، وهذا هو الشيء اللي المفروض تلاحظه عشان تفهم شخصية أي واحد: إنك تركز مع السلوكيات المكررة، زي إنه مثلًا يختفي لما يتعرض لضغط معين، أو إنه دائمًا ما ينجز المهمة اللي بداها، أو ممكن بالعكس، لما يكون في موقف يحتاج أحد يتحمل المسؤولية، دائمًا يبادر ويأخذها على اكتافه. المهم إنك دائمًا حتلاحظ إن تصرفاته ما هي مجرد تصرفات معزولة يسويها مرة واحدة وبس، بل حتكون عبارة عن جزء من نمط السلوك القهري اللي عنده. لأن الناس بطبعهم، يقول روبرت جرين، عمرهم ما بيسووا الشيء مرة واحدة، دائمًا يكرروا السلوك ويبرروا لأنفسهم، سواء يقول الواحد إنه ما كان مركز وقتها عشان كده الموضوع ما مشى، بس برضه يكرر نفس الشيء بنفس الطريقة في مناسبة ثانية. بشكل عام، لو جينا نقسم الناس لقسمين من ناحية السمة العامة للشخصية، لو جاز التعبير، فالناس ما بين انطوائي ومنفتح. والتقسيمة هذه تلعب دور كبير في تكوين تفاصيل شخصية كل واحد فيهم.
المنفتحون دائمًا بيعتمدوا على العوامل الخارجية، لأنهم يحبوا الأشياء اللي الناس حبّوها. المجموعة أو المجتمع اللي هم جزء منه بيحددوا لهم الآراء اللي هم يتبعوها، في عادة يكونوا منفتحين للآراء والاقتراحات، لكن فقط الآراء المشهورة أو المتعارف عليها أو اللي لها مرجعية شعبية عند الناس. المنفتحون يحبوا الأشياء الخارجية أو المظاهر، يحبوا اللبس الجميل، المطاعم الجميلة، يستمتعوا بإنهم يشاركوا فعاليات مع الناس. بينما الانطوائي في العادة يكون حساس، وما يرتاح في الأنشطة اللي فيها ناس كثير وازعاج، ما ينبسط فيها، بل وممكن يتضايق فيها بسرعة. يحب يقضي أغلب وقته إما لحاله مع نفسه، أو مع واحد أو اثنين من أصحاب المقربين بالكثير، وبنفس الفكرة يحب الخصوصية بدرجة عالية جدًا في حياته، ويحب يفصل حياته عن الناس. آراؤه ما هي مبنية على الرأي السائد أو على رأي الناس، ولا يفرق معه رأيهم كثير، اللي يهمه رأيه هو ومعاييره الخاصة، أو على الأقل هو مقتنع بكذا. كل ما كان في مكان فيه عدد أكبر من الناس، كل ما حس بالوحدة والضياع أكثر. هذه مواصفات سريعة كده للانطوائي والمنفتح. أحظ النزعات اللي من النوعين موجودة في شخص واحد، وهذا شيء طبيعي، الموضوع ما هو إما كل هذه الصفات أو كل ذيك الصفات لا، لكن عمومًا كل واحد في النهاية تلاقيه يميل إما له يكون انطوائي أو منفتح بدرجة أكبر. والفكرة هذه مهمة لسبب بسيط: بالنسبه للشخص المنفتح، الانطوائي هو شخص ممل وعنيد، ما هو اجتماعي. بالنسبه للانطوائيين، مشي مع كلام الناس ويحب الازعاج، مسألة إن الواحد يكون انطوائي أو منفتح هي مسألة جينية بالدرجة الأولى، ما هي شيء الواحد يختاره يعني، وهي حاجة تخلي شخصين يشوفوا نفس الشيء بشكل مختلف تمامًا. وهذا يقودنا لتصنيف آخر مهم للشخصيات، والمبني على التفرقة بين الشخصية القوية والشخصية الضعيفة، واللي لازم نعرف كيف نقيسه. القوة تعكس شعور بالأمان والقيمة الذاتية، تخلي صاحب الشخصية القوية يتقبل النقد من الناس ويتعلم من تجاربه عادي، بينما الشخصية الضعيفة في المقابل سهل إنها تتأثر من الضغط والظروف الصعبة، الشيء اللي خلاها شخصية صعب إنك تعتمد على صاحبها في أي شيء. نفس الكلام اللي قلناه على الانفتاح والانطوائية، ينطبق على الشخصية الضعيفة والقوية، كلنا عندنا خليط من صفات الشخصية القوية والضعيفة، لكن بعض الناس واضح عليهم إنهم يميلون إما للضعف أو القوة بشكل أكبر. وهذا يقودنا للفقرة التالية اللي حنذكر فيها الأنواع التوكسيك أو السامة من الشخصيات وصفاتهم، رغم إن شخصية كل واحد هي شخصية فريدة ومختلفة تمامًا عن الثاني. شخصيات الناس هي زيها زي بصمات الأصابع، عمرها ما بتكون متطابقة مع بصمات شخص ثاني، لكن نقدر نعرف بشكل عام الأنماط السامة الرئيسية المتكررة بين الناس، واللي كل نمط عنده علامات معينة تخلينا نعرف كيف نتعامل مع كل نوع منهم. الأنماط ما هي بنفس وضوح الشخصيات المخادعة أو المتلاعبة اللي يقول روبرت جرين تقدر تعرفها من بعد كيلو، لا، هذه الأنواع تلخبط أكثر وما هي بنفس الوضوح، لأنها بتعتمد على إنها تخفي حقيقتها بمظاهر تخلي نقاط الضعف اللي فيها تظهر بشكل إيجابي. فأفضل وسيلة دفاعية مع هذه الأنواع إنك تعرفها أولًا وتلاحظ علاماتها من بدري، وبالتالي تتفادي إنك تتعامل معهم بقدر الإمكان.
النوع الأول: الشخصية المثالِية، اللي أصعب شيء بالنسبه لهم إنهم يكلفوا أحد بمهمة معينة، أو إنهم يسووا لهم شيء. المسألة بالنسبه لهم ما هي مسألة معايير عالية أو إخلاص أو تفاني، بقدر ما هي مسألة تحكم وسلطة. يلوموا الناس اللي حولهم على أي شيء يصير غلط، يعني ما في أحد بالنسبه لهم قاعد يشتغل كفاية. يعطوك في البداية علامات على إنهم حينجحوا للاحتراق الوظيفي أو "البيرن أوت"، ويتعثرون أحيانًا بسبب حرصهم الزايد على الكمال. النوع الثاني: الشخصية المعارضة، ما يعترفوا لا بقوانين ولا بقدمِية. فكرة إنهم يتبعوا أحد أو يمشوا ورا نظام معين هي فكرة تعكس الضعف بالنسبه لهم. ما يحب أحد يقول له إيش يسوي وإيش ما يسويه، لازم هو بنفسه يقرر وبمعاييره هو. النوع الثالث: الشخصية المُشخصنة، الناس اللي ياخذوا كل شيء يصير أو ينقال حولهم بشكل شخصي، يشيلوا الكلام اللي سمعوه هذا في نفسهم لفترة طويلة، لفترة ممكن يكون الشخص اللي قال الكلام هذا نفسه نسي إنه قاله أصلًا. الكلام اللي ربما كان عبارة عن تعليق أو كلمة عابرة كده على السريع، الشخصية المُشخصنة ما تنسى هذا الكلام أبدًا وتشيله في نفسها لفترة طويلة. دائمًا تلاقيهم حاسين إنهم مستهدفون، يركزوا مع الكلام اللي أنت قاعد تقوله لهم: هل أنت تحترمهم، أو هل أنت قاعد تعطيهم الشيء اللي هم دفعوا حقه؟ ذاكرتهم ذاكرة جمَل زي ما يقولوا، ممكن يجلسوا سنين وهم يخططوا كيف ياخذوا حقهم المزعوم منك. النوع الرابع: مغناطيس الدراما، النوع اللي يُورّطك دائمًا بالدراما حقته، يخليك تحس بالذنب على شيء أنت ممكن ما تكون سويته أصلًا. معظم الناس العاديين يتفادوا المواجهة، بس هذا النوع يعيش على المواجهة ويحب يدخل فيها. النوع الخامس: الشخصية كثيرة الكلام، أفكارها تبهرك، المشاريع اللي بيقترحها والآراء اللي بيقولها رهيبة، لكن في الحقيقة شخصيته متناقضة تمامًا مع اللي بيقوله. تلاقيه حريص على جذب الانتباه ويظهر القوة، لكن من جهة ثانية هو بشكل خفي خائف من المسؤولية اللي بتجي بشكل طبيعي لما نطلبه تطبيق الأفكار والكلام الكبير اللي هو قاعد يقوله. عمره ما بيخلص أي شيء يبدا، تلاقيه يلوم الناس لأنهم ما أخذوا بكلامه ولا أفكاره، يلوم المجتمع والظروف والحظ السيء. هذا النوع اللي ينطبق عليه المثل الشهير "اسمع جعجعه".
ولا أرى طحنا. النوع السادس: الشخصية الجنسية. مشحونين بالطاقة الجنسية بشكل غريب، بدون وضع اعتبار للمكان اللي هم فيه. إذا كانوا في منصب قيادي، فراح يستغلوا هذه السلطة عشان يوصلوا للي يبغوه بشكل خفي، لا من شاف ولا من دري.
النوع السابع: شخصية الأمير المدلل. يحس أنه أمير كده في نفسه؛ يحس دائماً بأفضلية واستحقاقه. الشيء اللي يخليك تصدقه أحياناً، شوية شوية تلاقي نفسك قاعد تسوي له خدمات، ربما تبذل عشانه جهد بدون مقابل، وما أنت عارف كيف ولا ليش أنت قاعد تسوي كذا. حتلاحظ أنهم لما ما يحصلوا على الشيء اللي يبغوه، راح يتصرفوا بطريقة طفولية، بنفس ردة فعل الطفل اللي ما تعطيه الشيء اللي هو يبغاه.
النوع الثامن: الشخصية المرضية. في البداية تحس إنك ما قت شفت شخص مهتم وطيب وخدوم زيه، لكن بعد شوية تبدا تحس أنه في شيء غلط، ما هو منطقي. يعني كل هذا كده لوجه الله بس، ما أنت لاقي شيء تحط يدك عليه. في الحقيقة، أغلبهم يكون هدفهم أنهم يستفيدوا من الشخص اللي هم قاعدين يخدموه بشكل أو بآخر في النهاية.
النوع التاسع: الشخصية المنقذة. تحس إنك محظوظ إنك عرفت هذا الشخص اللي راح ينقذك من مشاكل ومصاعب كثيرة، أنت كنت على وشك أنك تتعرض لها بشكل ما أو بآخر. هو عارف احتياجك للمساعدة، فيجيك بطرق وحلول، بل وحتى الأكل والشرب والمطاعم الكويسة والأماكن الحلوة. هذه الشخصية عندها حس عالي لاحتياجات الناس، وعن طريقها بيشبع رغبته القارّية في التحكم والسيطرة عليهم، لأنه هذا الهدف الأساسي أصلاً بالنسبة له.
النوع العاشر: الشخصية التصنيفية. عندهم مشكلة في فهم الفروقات الدقيقة بين الناس. بالنسبة لهم، الناس إما أبيض أو أسود، إما كويسين أو سيئين، ما في شيء في الوسط. بيتعاملوا مع الصفات بشكل متطرف، على طول يحطك في كاتيجوري معين، وخلاص. أنت يا كويس يا بطال.
الخلاصة: هذا القانون بسيط وواضح، وما فيه لف ودوران كثير. أنت عندك شخصية معينة، هذه الشخصية تكونت وتشكلت كنتيجة لعوامل كثيرة، دائماً بتسبق عقلك الواعي. العقل بطبيعته مكون، لأنه يُسهل العملية التالية. أول ما تفكر وتنفذ فعل معين، عقلك فوراً بيسجل هذه العملية، ويسهل فكرة إنك تسوي نفس الفعل هذا مرة ثانية، وثالثة، ورابعة، وعاشرة كمان. والفكرة من هذا القانون، قانون السلوك القهري، هي إنك تقدر تروح في أحد اتجاهين، كل اتجاه راح يحدد مسار حياتك بدرجة معينة. الاتجاه الأول: أنك تنكر وتطنش، ما تلاحظ الأنماط المتكررة هذه في حياتك أصلاً، حتى لو لاحظت، إما تطنش أو تبرر لها. والنتيجة من هذا الاتجاه أعتقد واضحة: السلوك القهري والأنماط اللي حتصير لاصقة فيك، ما حتقدر تقاوم طبيعة شخصيتك، أو تتمنى أنها تتغير، لأن تأثيرها قوي.
الاتجاه الثاني، واللي هو الأصعب طبعاً، لأنه ما في شيء كويس في الحياة بيجي بسهولة، هذه قاعدة عامة يعني، لكنه الطريق اللي ممكن يقود للقوة الحقيقية، وتكوين الشخصية بأفضل شكل ممكن. اللي بيصير في هذا الاتجاه هو إنك حتلاحظ وتختبر نفسك بشكل مفصل، تدخل في أعماق شخصيتك، تعرف مثلاً هل أنت انطوائي أو منفتح، وغيرها من الصفات اللي تكلمنا عنها في الحلقة. تنظر بنظرة صادقة لأخطاء وأنماط السلوك القهري اللي دائماً بترجع لورا، تعرف حدود إمكانياتك، المواقف اللي أنت ما بتكون فيها في أفضل حالاتك، تعرف نقاط القوة في شخصيتك، وتبني عليها بالوعي. هذا كل ما تشوف نفسك دخلت في نمط سلوك قهري معين من اللي أنت أوريدي الآن عارفهم، فأنت تقدر توقف وقتها. ممكن يكون صعب إنك تمحي هذه الأنماط تماماً، لكنك على الأقل حتقدر تقلل من آثارها السلبية، وتكرارها بشكل كبير.
القانون الخامس: قانون الجشع، متلازمة العشب الأكثر اخضراراً. حتلاحظها في أمثلة كثيرة، في العمل مثلاً، الواحد فنا تلاقيه دائماً يشوف الناس الثانيين أفضل منه، وضعهم أفضل وأحسن، حياتهم أسهل، مجال عملهم أمتع وأفضل. بمجرد ما يتوظف أو يشتغل، بعد ما كان حيموت وبس، يتوظف يبدا يطمع في شيء أفضل. طبعاً هذا ما هو شيء سيء، دائماً حنتكلم عن الجانب الجيد بعد شوية. المهم في كل الحالات هذه، لو جاء هذا الشخص يشوف الناس اللي هو قاعد يحسدهم، اللي هو شايف أنه سعيد مع أسرته، أو اللي بيشتغل في وظيفة أفضل، أو اللي عايش في مكان أفضل، يلاحظ أن كل هذا ممكن يكون وهم، وأنه كل ما يمشي مع رغباته الواهِمة هذه، حيحس في النهاية بخيبة الأمل. ومع ذلك، سلوك الإنسان في هذه الناحية ما بيتغير، بيستمر بنفس النمط، وهذا اللي تكلمنا عنه في قانون السلوك القهري اليوم. تقدر تشوف الظاهرة هذه بشكل واضح في كل مكان حولك. نحنا بنعيش في عصر التشبع من كل شيء، المسوقين والمعلنين بيحيطوا بك في كل مكان بإعلانات مغرية عن منتجاتهم، يخلوك في النهاية تضغط على الزر وتشتري. الأفلام الأكشن والخيال العلمي وغيرها، من كل شكل ولون. السوشيال ميديا طبعاً حدث ولا حرج! كل هذه الأشياء تأثر على معاييرك، وتخليك أقل دقة، عموماً لها تأثير قوي على خيالك، وتخليك دائماً تبغى الجديد والمختلف.
طيب، والحل يا سيد؟ روبرت جرين يقول لك: أول شيء، دائماً وأبداً في كل القوانين، يبدا بفهم طبيعة البشر. لازم نشوف متلازمة العشب الأكثر اخضراراً اللي فينا هذه، ونعرف أنها موجودة، وأنها دائماً بتدفع لسلوكيات وأفعال معينة. لازم نفرق بين الجشع الجيد والمنتج، وبين الجشع السيء والمضر. أي نعم، الجشع أحياناً هو شيء كويس، بل وكويس جداً كمان، واللي هو هنا راح نسميه الطموح مش الجشع؛ الشعور بعدم القناعة بمستوى معين، سواء علمي ولا مادي ولا اجتماعي، يدفعك لأنك تسعى دائماً للأفضل، وما ترضى بالمستوى اللي أنت وصلت له. بيخليك دائماً تطور نفسك، وتتعلم أشياء جديدة، وتستثمر، وتشتغل، وتجتهد، حيخليك تفكر أكثر في الفرص، وما تضيع في دوامة الظروف السيئة. لكن الشيء هذا لازم يكون تحت تحكمنا، وبشكل واعي، لأنه غالباً عدم الرضا بيجي بشكل غير واضح، الرغبة في التغيير بتكون مشوشة كذا، وما هي مدروسة، ومجرد بتعكس شعورنا بالملل لا أكثر. وهذا الشيء راح ينتج لنا في النهاية وقت ضائع.
مهم الواحد يكون غير سعيد بشغله ومسيرته المهنية مثلاً، هوبا يقرر أنه يعمل تغيير كبير، تغيير لمجال يحتاج مهارات وشبكة علاقات معينة عشان يقدر يدخل فيه أصلاً، ناهيك عن أنه ينجح ويتميز فيه، لكنه يقرر ويروح بالبركة، وبعد كم سنة يحس بنفس الشعور اللي خلاّه أصلاً يغير مجاله الأول، ويجي لهذا المجال، ويحس أن هذا المجال الجديد ما هو مناسب معه، وأنه لو كان فكر فيه بعمق أكثر ما كان حيدخل أصلاً. في العلاقات، ممكن شخص معين يبحث لسنوات عن الشخص المثالي عشان يرتبط فيه، لكن في النهاية يستمر وحيد، لأنه ببساطة ما في حد مثالي. الأفضل أنه الواحد يتقبل أنه أيّاً كان الشخص اللي يرتبط فيه، فهو زيه زي كل الناس، فيه نقص في جوانب معينة، ويكون مستعد أنه يعرف هذه الجوانب، ويتكيف معها، ويشوف الجانب الجميل اللي في هذه الصفات بدون تنازلات. ما في أي علاقة ممكن تنجح وتستمر. بدل الجري وراء آخر الترندات والهبات زي ما يقولوا، والأشياء اللي الناس بيوها يتكلموا عنها، شوف إيش الشيء اللي أنت فعلاً تحبه تسويه، وتحس أنه ذوقك وميولك، بغض النظر عن الترند، وعن اللي طالع؛ لأنه بكذا أنت حتقدر تفرق بين الشيء اللي أنت كنت حسبت أنه أنت تبغاه، هو في الحقيقة مجرد نتيجة لاستغلال المسوقين لنزعة البشرية الجشعة.
القانون السادس: قانون قصر النظر. البشر اللي بطبيعتهم عايشين في اللحظة الحالية فقط، تقدر تشبّههم بشخص قاعد في أسفل جبل، الأشياء المتاحة قدامه وقتها، أو الأشياء اللي حوله، وزي الناس اللي جنبه، أو الغابات والأشجار اللي هو بينها، بتعطيه رؤية محدودة جداً للواقع، وما يقدر يعرف أصلاً أنه قاعد تحت جبل ولا في جبل جنبه أساساً. مرور الوقت تقدر تشبّهه بصعود بطيء على الجبل هذا، كل ما طلع فوق شوية، كل ما اتضحت له الرؤية أكثر، وصار عنده إدراك أكبر بالمكان اللي هو فيه وتفاصيله. بنفس المبدا، في العادة يتضح لنا بعد فترة إننا ما كنا عارفين شيء أصلاً، بسبب التصورات الغير صحيحة اللي كانت عندنا قبل فترة من الزمن. وأي نعم، هو صحيح أن كل ما الوقت يمر على حالة معينة حالية، كل ما عرفت عنها حقائق أكثر أنت ما كنت تعرفها، لكن تأثير الوقت هذا يمكن تعويضه، يقول روبرت جرين، عن طريق ما أسماه بالفار سايد برسبكتيف، بعد النظر، واللي حنتكلم عنه في نهاية القانون، لأننا قبل كده نحتاج أن نتكلم أولاً عن قصر النظر أصلاً وعلاماته الأربع الرئيسية.
أغلب الناس يعتقدوا أنهم قاعدين يفكروا بطريقة طويلة المدى، لأنهم بطبيعة الحال عندهم أهداف وخطط، وهذه الأهداف والخطط تعتبر تفكير طويل المدى، لكن في الحقيقة هم قاعدين يخدعوا أنفسهم. والشيء هذا يوضح لك، لما تتكلم مع شخص ما عن خططه واستراتيجياته لمستقبل القريب أو البعيد، هتنصدم وقتها بالسطح والكلام العام اللي ح تسمعه، وعدم الوضوح وعدم العمق في التفكير اللي في خططه. خطط أغلب الناس، أغلبها عبارة عن أحلام وأمنيات لا أكثر. أفضل طريقة لتفادي الوقوع في قصر النظر هذا هي أولاً معرفة العلامات الواضحة للتفكير قصير النظر اللي بنمر فيها في حياتنا، ودائماً يقول لك روبرت جرين في كل القوانين: الوعي بالضبط بظاهرة أو بالقانون وعلاماته هو أول خطوة. مجرد معرفتك للعلامات هذه، فأنت حتقدر تعرف إنك قاعد تفكر بطريقة قصيرة النظر. العلامات الأربع لقصر النظر هي كالتالي: أولاً: العواقب الغير مقصودة. مصدر هذه الظاهرة هو شيء بسيط نوعاً ما، وهو أنه من خلال حدث ما يصير في لحظة حالية معينة، يتخذ الشخص قراراً أو يختار حلاً معيناً للمشكلة هذه بدون تفكير عميق عنها، أو عن سياقها، أو جذورها، أو العواقب المحتملة؛ لأن أغلب الناس بيتصرفوا بناءً على ردود الأفعال، مش بناءً على التفكير. أفعالهم مبنية على معلومات غير كافية، وبالتالي، وفي كثير من الأحيان، ينتج عن العشوائية وردود الأفعال اللي هي مبنية على التفكير هذه، نتائج غير جيدة. التفكير الغير عقلاني والغير مبني على العواقب، صار اليوم وباء حقيقي، مع وجود سهولة وسرعة في الوصول للمعلومات، الشيء اللي يخلي الناس موهومين بأنهم أوريدي عندهم معلومات، وأنهم فكروا بشكل عميق، وبحثوا عن الموضوع.
ثانياً: الجحيم التكتيكي. في وقت من الأوقات، يلاقي الواحد نفسه متورط في صراعات عاتية وتحديات، يحس أنه ضايع تماماً، لكنه في نفس الوقت شايف أنه استثمر وقت وجهد كبير عشان يوصل للمرحلة هذه، أنه لو استسلم حيضيع كل اللي سواه، وكل اللي تعب فيه. هو وقتها فقد الرؤية لأهدافه البعيدة المدى، الشيء اللي هو قاعد يكافح عشانه، وتحوّل الموضوع لمجرد إرضاء الغرور والأنا، وإثباته أنه هو صح. الحل في هذه الحالات أنه يوقف، سواء بشكل مؤقت، أو حتى بشكل نهائي كمان لو تطلب الأمر، بالذات لصراعات هذه كانت قاعدة تصير من عدة جبهات. في هذه اللحظة، هو يحتاج يفصل شوية عن الوضع، ويغير وجهة نظره، يخلي الأنا حقه يهدى شوية، ويذكر نفسه بأنه الشيء اللي قاعد يعاند عشان يثبته لنفسه أو لأحد ثاني، ما راح يوديه أي مكان، لا على المدى القريب ولا البعيد. يفكر بشكل مختلف عن أهدافه بعيدة المدى، يعيد تقييم أولوياته من جديد، يذكر نفسه بالشيء الأهم بالنسبة له، وقتها يقدر يفكر بطريقة منطقية أكثر، ويحقق خطط استراتيجية أفضل وأكثر فعالية، بدل الجحيم التكتيكي اللي كان فيه، حسب تعبير روبرت جرين.
ثالثاً: جهاز التيكر تيب. خلال تصاعد الأحداث لازمة وول ستريت الشهيرة، حق انهيار سوق الأسهم في عام 1929 في أمريكا، الناس صاروا مدمنين للعب في سوق الأسهم، والإدمان هذا يقول إنه كان من أسبابه عامل غريب جداً، وهو صوت جهاز التيكر تيب، اللي هو كان عبارة عن جهاز يطبع كل تغيير يصير في الأسهم، أي حدث يصير، أي تغير، ارتفاع، نزول سعر الأسهم، على طول هذا الجهاز يشتغل ويطلع صوت، وهذه هي صورته، جهاز قديم يعني. المهم، أنه كل ما الجهاز هذا طلع صوت وبدا يطبع، معناها أنه في تغيير أو شيء قاعد يصير في سوق الأسهم. زي ما قلنا قبل شوية، كثير من الناس وقتها أدمنوا هذا الصوت، الصوت اللي صاروا يسمّوه نبضات قلب وول ستريت. اليوم طبعاً ما عاد في جهاز تيكر تيب، لكن في المقابل صار عندنا ما هو أكثر إدماناً منه وبكثير. أغلب الناس صاروا مدمنين لآخر الأحداث، دقيقة بدقيقة، آخر الترندات والهبات، يحدث كل شوية، الفيد حق تويتر وتيك توك طبعاً لا أحكي لك. الكاتب طبعاً ما ذكره، لأنه وقت إطار الكتاب ما كان طلع لسه تيك توك، لكن كل هذه التطبيقات مصحوبة بإشعارات، والإشعارات لها صوت مصمم أصلاً عشان يخليك تدمن عليه. هذه الرغبة لمعرفة أي شيء بشكل فوري، تتضخم بشكل مستمر. مجرد ما تتعود على سرعة معينة لوصول للمعلومة، صعب جداً تتقبل نفس البطء اللي كان قبل سنة مثلاً. موضوع المحتوى القصير أكبر مثال، الناس الآن تبغى الفكرة بسرعة، تبغى الطبخة في فيديو قصير أقل من دقيقة، ما يبغى فيديو الطبخ أبو نص ساعة أو ساعة عشان يوصل للمعلومة أو للوصفة حق الطبخ. تقدر تقيس هذا على كل جوانب الحياة. الاتنشن سبان كل ما له يقل ويقل ويقل، وبالتالي القدرة على التعامل مع الصعوبات والعقبات، اللي بطبعها تحتاج طول بال، هي كمان بتقل.
رابعاً: الضياع في التفاهات. كثير من الأحيان تحس إنك مركز مع تفاصيل كثيرة، تشوف وقتها إنها مهمة بالنسبة لك، بدون وضع اعتبارات للأولويات، وللشيء اللي يهمك بالدرجة الأولى. لكن مشكلة التركيز مع التفاصيل أكثر من اللازم، هي أن العقل له حدود معينة، إنك تشغله بمعلومات وتفاصيل كثيرة، فهذا الشيء يرهقه ويتعبه، وبالتالي ينتج عندك التشتت والإرهاق الذهني، وبالمحصلة الشعور بالعجز. إنك تعرف إيش اللي أنت تحتاج تحققه في النهاية هو الشيء راح يساعدك لأنك تفرق بين المهم والغير مهم، اللي يسوى واللي ما يسوى. أنت ما تحتاج دائماً إنك تعرف كل التفاصيل، أحياناً تحتاج إنك تكلف أحد بمهام معينة، إذا كنت موظف مثلاً، خلي الناس اللي تحتك أو اللي أنت مديرهم يهتموا بالمهام اللي تحتاج جمع معلومات مثلاً. أفضل تحكم وسيطرة على المواقف بيجي عن طريق تقييم وتحليل المواقف هذه، والتحليل الصحيح طبعاً بيجي عن طريق دماغ مشغول بالتفاصيل والتفاهات.
بعد النظر: الوصول لأقصى القدرات يتطلب بعد نظر، أو بعبارة أخرى، تعميق العلاقة مع الوقت بأفضل شكل ممكن. بمعنى، الوقت هو أفضل معلم للإنسان، حسب تعبير روبرت جرين. فهم هذا الشيء في حد ذاته له تأثير كبير على منظورك. الأشياء اللي بتشوفها في الوقت الحالي، إدراك فكرة أنه بعد سنة من الآن، المشكلة اللي أنت قاعد تمر فيها، وتشوفها شيء كبير وشايل همها، ما راح تكون بنفس القدر من الأهمية، وبالتالي كون عارف هذا الشيء بحد ذاته راح يقلل مستوى التوتر والقلق اللي أنت ممكن تحس فيه وأنت بتمر بهذه المشكلة، أو خلينا نقول هذا التحدي، وترتب أولوياتك بناءً عليه. إدراك أن الوقت بحد ذاته كفيل بأنه كمان يظهر لك نقاط الضعف لخططك اللي أنت ممكن تعتقد أنها خطط ما تخرش المية زي ما يقولوا، فتصير حذر أكثر وواقعي في تقييمها. تقدر كمان بهذا المنظور لأهمية الوقت، تستمتع باللحظات الحالية بشكل طبيعي، بدون مبالغة في تهويل وتَهوين الأمور، تخلق تواصل أفضل بالأحداث الحالية اللي بتصير، في نفس الوقت أنت مدفوع أكثر بفهم أوضح للأهداف طويلة المدى. العلاقة الأعمق هذه مع مرور الوقت، تأثيرها حقيقي فعلاً، بتخليك أهدأ وأكثر واقعية، وتتعامل مع الأشياء حسب أهميتها الفعلية. بعد النظر هذا راح يمكنك من مقاومة ردود أفعال الناس المبالغ فيها للأشياء الحالية، اللي أنت عارف مداها وحجمها الفعلي قياساً بالزمن.
القانون السابع: قانون الدفاعية. في مراحل الطفولة المبكرة، الإنسان بشكل تلقائي بينمي جانب دفاعي من شخصيته. يبدا الموضوع لما الطفل يتكون عنده شعور بالمساحة الشخصية الخاصة فيه، اللي ما في أحد من حقه يتعدى عليها. تدريجياً، يبدا يصير يحس بمشاعر جديدة عليه، زي مشاعر الكرامة، أنه لا يمكن يقبل أن أحد يتلاعب فيه، ويخليه يسوي شيء وهو ما يبغى يسويه، أنه لازم يكون حر ويختار الشيء اللي هو يقرر يسويه بإرادته، مش غصباً عنه. مع مرور السنين، لما يكبر هذا الطفل أكثر، الصفات الدفاعية هذه تثبت عنده بشكل أعمق مما كانت عليه، يصير هذا الكائن البشري عنده شعور أن الناس دائماً بيحاولوا ياخذوا منه شيء، يحاولوا ياخذوا منه وقته وفلوسه وأفكاره، مجهوده في مواجهة هذا الخطر. الطبيعة الدفاعية اللي فيه تتضخم أكثر، بحيث أنه لازم ينتبه لنفسه ومصالحه، بما أنه ما في أحد ثاني راح يهتم فيه أكثر منه. يبدا يبني جدار حول نفسه عشان يبعد الناس السيئين اللي يبغوا يستغلوا ويستفيدوا منه. لكن التويست اللي راح يصير هنا، وركز معاي فيه، أنه لما هذا الشخص يوصل لسن العشرين، ومع أنه وقتها يكون أوريدي مكون نظام دفاعي متكامل، لكن بعض الأحيان أو في بعض الحالات والمواقف، الجدار الدفاعي اللي قلنا عليه هذا ممكن يسقط، أو على الأقل يوطى شوية. يعني مثلاً لما يكون في جلسة حلوة كده مع أصحابه، يحس برابط قوي بينه وبينهم، وما يحس أنه تحت أي تهديد أو رغبة في استغلال من أي أحد منهم، فياخذ راحته معهم، ويبدا يحس بحرية أكثر في أنه يشارك أفكار جديدة أو أشياء معينة هو في العادة ما بيسويها مع أي أحد. أو في مثال ثاني، لما يحضر مؤتمر أو إيفنت معين في مجال هو مهتم فيه، ويسمع المتحدث يتكلم عن موضوع يهمه هو ويهم مئات الناس اللي حوله في نفس المكان. اللي بيصير في هذه الحالات، أنه بيحس بالأمان الداخلي، ما في أحد مركز معه وبيحاول يستغله أو يحكم على تصرفاته. هو وسط مجموعة مترابطة، سواء أصحاب مقربين أو إيفنت معين، كل الناس اللي فيه عندهم نفس التوجهات والاهتمامات، فيحس أنه ريلاكس ومسترخي.
الكلام هذا كله، ذحين يا سيد، روبرت جرين ما فهمنا إيش الفكرة يعني من هذا القانون؟ القانون هذا باختصار بيقول لك التالي: الناس عندهم انطباعات معينة عن أنفسهم، خلينا نقول آراء شخصية عن أنفسهم، والآراء هذه ممكن تكون صح وممكن تكون خطأ، بس ما يهم بالنسبة لنا هل هي آراء صحيحة ولا خطأ، اللي يهمنا هو كيف هؤلاء الناس بيشوفوا شخصياتهم، وكيف بيقيموا أنفسهم. زي ما قلنا، بغض النظر عن صحة أو دقة هذا التقييم، يهمنا بس نعرف هم كيف يقيموا أنفسهم وبس، عشان بناءً عليه حنقدر نخليهم يكونوا منفتحين معنا أكثر، وأقل دفاعية في تعاملهم معنا. وفي الغالب، يقول روبرت جرين، في ثلاث صفات أغلب الناس تقريباً بيحبوا يشوفوا أنفسهم من خلالها: أنا أملك الحرية ومصيري بيدي، أنا ذكي بطريقتي الخاصة، وأنا شخص محترم وكويس. وفعلاً لو فكرت فيها، مستحيل تلاقي أحد ما يشوف نفسه عنده هذه الصفات الثلاثه. ما أحد حيشوف نفسه غبي أو سيء أو ما يملك مصيره. فكرة الحرية والتحكم بالمصير هذه، إذا جينا نشوفها، إذا كنت في إيفنت أو بمجموعة من الناس اللي أنت تحس إنك جزء منهم زي ما قلنا قبل شوية، أو حتى لو اشتريت شيء أو اقتنعت بفكرة معينة، أنت دائماً حتحس إنك موجود في المجموعة هذه، أو اشتريت المنتج هذا، أو اقتنعت بالفكرة هذه لأنك أنت قررت تسوي كذا، أنت اخترت هذا الشيء بنفسك، مع أنه الحقيقة قد تكون إنك مخدوع بالمجموعة، أو اتنصب عليك بالمنتج، أو انضحك عليك بالفكرة اللي أنت اقتنعت فيها، لكنك حتقول لنفسك شيء ثاني، حتقول الكلام المبني على انطباعاتك الشخصية عنك نفسك، واللي هي دائماً مبنية على فكرة إنك تملك حرية اتخاذ القرار وحدد المصير. أما الصفة الثانية: أنا ذكي بطريقتي الخاصة. ف نعم، أنت ممكن تكون عارف إنك ما أنت أينشتاين، لكن في مجالك أو تخصصك وطريقتك الخاصة، فأنت مؤمن بأنك ذكي وأنت حالك. طبعاً هنا بنتكلم عن طبيعة في البشر، الناس عموماً ما يحبوا يحسوا أنهم أغبياء أو حتى أقل ذكاء من غيرهم، وحتى لو اعترفوا أنهم ما هم أذكى ناس في العالم، فهم على الأقل حيقولوا أنهم أذكى من ناس كثيرين حولهم. الصفة الثالثة: صفة أنا شخص محترم وكويس. نحنا نحب نشوف نفسنا ندعم القضايا الصحيحة، ونوقف مع الحق، نتعامل مع الناس كويس، نساعد الناس. إذا صرنا مدراء وحبينا نفرض الانضباط بين الموظفين، نقول إنه هذا كان للمصلحة العامة، عشان نُرَجّح المنظومة. الهدف من ذكر أنواع الآراء أو الانطباعات الشخصية للناس عن أنفسهم، هو أنه ببساطة، رأي الشخص عن نفسه بيحدد قدر كبير من قناعاته وقراراته. مستحيل يقبل أي فكرة تتعارض مع آرائه الشخصية. لما تيجي تحاول تقنع أي شخص بأنه يسوي شيء، واحد من ثلاث أشياء راح تصير: أولاً: إنك، سواء بشكل مقصود أو غير مقصود، راح تتحدى جانب معين من رأيه الشخصي، في نقاش ممكن يتحول في النهاية لجدال، تخليه يحس إما أنه غبي، أو أنه تم غسل دماغه، أو أنه باختصار ما عنده سالفة. في الحالة هذه، أنت قاعد تعطيه إحساس إنك بتقول له: أنا أفهم منك، وأنا أحسن منك. وقتها أنت حتخليه يزيد مقاومته، ويكون أكثر دفاعية. ثاني حالة ممكن تصير، إنك تتعامل مع آرائه الشخصية بحياد أكثر، لا تتفق ولا تختلف معه، وفي هذه الحالة هو حيكون مقاوم شوية برضه، لكنك على الأقل أنت ما خربتها معه على الآخر يعني، وحيكون عندك فرصة لأنك تقنعه بشكل أو بآخر بأفكارك المنطقية. أما ثالث شيء فهو، زي ما أنت توقعت طبعاً، إنك تؤكد على رأيه الشخص تماماً، وتتفق معه، سواء كنت مقتنع فعلاً أو بتسلك له. في الحالة هذه، أنت قاعد تجيه على الجرح. تخيل إنك تشوف نفسك ذكي ومحترم، وتملك قرارك، والناس كمان شايفين كده، وبكد لك هذا الشيء، يعني، يعني ما أعتقد في شيء أحسن من كذا. وهذا يقودنا لخلاصة فكرة هذا القانون: لما تتعامل مع الناس، أعطيهم قدر الإمكان شعور بالأمان الداخلي، سمعهم الكلام اللي هم يحبوا يسمعوه، أعطيهم إحساس إنك محترم ومحترم تفكيرهم، خليهم ياخذوا راحتهم معك، وطبعاً بشكل طبيعي، لأنه لو كان كل هذا واضح إنه مصطنع، فالنتيجة حتكون عكسية تماماً.
القانون الثامن: قانون تحطيم النفس. كل واحد فينا عنده بعض المواقف السيئة، الصدمات اللي ربما يكون مر فيها وهو طفل صغير، وفي الحياة الاجتماعية لما نكبر، تتراكم عليها الإحباطات والإخفاقات، الإحساس بعدم الأهمية، الإحساس بعدم الاستحقاق للأشياء الجميلة في الحياة. الكل عنده لحظات يشك فيها في نفسه. المشاعر هذه ممكن تؤدي في النهاية لأفكار مهووسة تسيطر على العقل، مع الوقت وبدون ما تحس، تصير دائماً تأخذ كل شيء بشكل سلبي وبخوف. الإنسان يعتقد أنه عنده فهم ومعرفة جيدة بالحياة، يتعامل مع كل شيء باعتبار أمر مسلم فيه، معروف، يعني يبغى له يعتبر معرفته هذه هي الواقع والحقيقة، وأنه هذا المنظور اللي عنده هو نفسه موجود عند كل الناس. لكن يقول لك روبرت جرين: الاعتقاد هذا عبارة عن مجرد وهم. ما في شخصين في العالم عندهم نفس التفكير ونفس التجربة في الحياة. نظرتك للحياة هي نظرة شخصية خاصة فيك، تمثل الحقيقة أو الواقع بالنسبة لك أنت وحدك. فهم الفكرة هذه يعتبر خطوة مهمة لفهم طبيعة البشر بشكل عام. تقدر تقول إنه كل واحد فينا بيشوف العالم من خلال عدسات مختلفة، عدسة كل واحد فينا هي عبارة عن سلوكه.
السلوك اللي عند أي شخص، بيتكون خلال حياته من كذا مصدر: أول مصدر للسلوك هو الجينات، كل واحد بيولد بجينات معينة، إما تكون بتخليه يميل للجشع أو اللطف أو العدائية أو البخل أو أو أو، أيّاً كان الجينات اللي انولد فيها، يعني الوضع الديفولت، ضبط المصنع. ثاني مصدر هو عبارة عن التجارب والمواقف اللي مر فيها من فترة مبكرة من حياته وهو صغير، التجارب هذه بتلعب دور كبير في تشكيل سلوكياته، سواء داخل البيت مع أهله أو خارجه. فمثلاً، التجارب السلبية والمؤلمة ممكن يكون لها تأثير طويل المدى، بحيث إنها بتخلي هذا الولد يكون دفاعي ضد أي شيء هو شايف إنه ممكن يذكره بالتجربة الأليمة أو السيئة هذه، فيبدا يتجنب مواقف كثيرة هو بيعتقد بشكل مبالغ فيه إنها شبيهة باللي صار له وهو صغير. خلاص، الموقف ذاك صار هو المقياس حقه في حياته. اللي المفروض نفهمه عن السلوك، هو إنه مش بس بياثر على فهمك وطريقتك للأشياء، بل كمان بيحدد إيش اللي راح يصير لك في الحياة بمختلف جوانبها، في الصحة، في العلاقات مع الناس، في العمل، وفي غيره. السلوك، مع أنه بيجي بأشكال وألوان مختلفة، لكنه بشكل عام هو إما حيكون سلبي وضيق، أو إيجابي وواسع، حسب تعبير روبرت جرين. الناس اللي عندهم سلوك سلبي، يميلوا أنهم يتعاملوا دائماً منطلق الخوف من أي شيء، تلاقيهم بشكل غير واعي يحطوا حدود معينة للشيء اللي هم بيتعاملوا معه، عشان يعطوا أنفسهم قدرة أكثر على التحكم فيه. أما الناس اللي عندهم سلوك إيجابي، فبالعكس، الخوف ما هو الشيء الطبيعي بالنسبة لهم، يحبوا يجربوا أشياء جديدة وأفكار جديدة بكل أريحية. وطبعاً، نفس ما ينطبق على أي صفة بشرية، ينطبق على أنواع السلوك هذه: ما في حد سلوكه إيجابي 100%، ولا في حد سلوكه سلبي 100%. كلنا عندنا نسبة من هذا ونسبة من ذاك، لكن كل واحد فينا يميل لجهة بنسبة أكبر نسبياً، يعني ممكن واحد يكون 70% إيجابي، 30% سلبي، أو العكس. يقول روبرت جرين: دورنا كدارس للطبيعة البشرية هنا ينقسم لقسمين: أولاً، لازم نفهم سلوكنا كويس، وكيف هو بيشكل نظرتنا لكل شيء. أي نعم، هو صعب إنك تلاحظ سلوك نفسك اليومي كل يوم، لأنه جزء
منك خصوصا الأحداث اليومية العادية، لكن تقدر تركز مع نفسك في بعض المواقف المحددة. كيف أنت بتحكم على الناس لما ما يكونوا موجودين قدامك؟ هل بتركز على سلبياتهم وأراهم السلبيّة؟ ولا في العادة بتحسن النية وتشوف إنّه ما في أحد معصوم على الخطأ؟ فطبيعي أي أحد يكون عنده أخطاء. حتشوف كمان علامات واضحة لسلوكك في كيف أنت بتتعامل مع المواقف الصعبة أو اللي فيها مقاومة. هل سهل عليك إنّك تنسى أخطاء أو هفوات أنت ارتكبتها؟ هل بتلوم الناس على أي خطأ أو هفوة هم ارتكبوها؟ هل تكره التغيير وتحب تتفاداه؟ هل تحب الروتين وتحب تتفادى أي شيء غير متوقع أو غير اعتيادي بالنسبة لك؟
حتشوف كمان علامات سلوكك من خلال حدود الناس لك أو تعاملهم معك بالذات بالطريقة غير اللفظية. إذا تكلمنا عنها بالتفصيل في القانون الثالث، قانون تقمّص الأدوار، فلاحظ هل ردود فعلهم فيها توتر أو دفاعية بحضورك مثلاً؟ ثانياً، أنت مش مفروض بس تعرف إيش هو دور سلوكك، بل لازم تقتنع تماماً بتأثيره الكبير على تغيير ظروفك وتفاصيل حياتك. إما أنّه يخليك زي قطعة شطرنج يحركّك الناس يمين ويسار زي ما يحبّوا، أو تكون أنت الشخص اللي بيلعب وبيحرّك قطع الشطرنج.
القسم الثاني هذا كمان يتضمن إنّك تعرف إنّه أيّاً كانت جيناتك، فأنت من وت بقدرات ذهنية أو ذكاء محدود. لا، ما تحتاج تتعامل مع عقلك على أنّه مصمم للتطوّر والتعلم والتحسين المستمر. تعتبر المشاكل والتعثرات على أنّها أدوات للتعلم وزيادة القوة. إنّك تشوف طريقة تعامل الناس معك على أنّها مبنية على سلوكك أنت، نتيجة لسلوك بيدك أنت، وبالتالي فأنت عندك تحكّم عليه.
القانون التاسع، قانون القمع. القمع هنا بمعنى الكبح، كبح مشاعر أو أنماط سلوكية معينة من منطلق عدم الاعتراف فيها. أو حتى لو كان الشخص عارف إنّه في هذا صفة أو هذا النمط السلوكي، فهو بيقمعه أو يكبحه.
إذا جيت تفكر في أغلب الناس اللي أنت تعرفهم وتشوفهم بشكل دائم، فانت ح تاخذ عنهم انطباع إنّهم ناس كويسين ومحترمين، وإنّهم في الغالب بينبسطوا بشوفتك وبجلساتك، وإنّهم ناس واثقين من أنفسهم ومسؤولين ويعرفوا يشتغلوا في فريق، وبيعامِلوا الناس كويس، ومن كل الأشياء اللي أنت تشوف إنّهم يمتلكونها. لكنّهم من فترة لفترة تظهر منهم بعض التصرفات أو ردود الفعل المنافية لكل ما سبق. مرة تلاقيه عصبي، أو تلاقيه يسحب عليك في شيء، أو يقول شيء ويلتزم فيه بس ما ينفذه، أو إنّه فجأة يوجه لك انتقاد أو تعليق عنيف، أو يصير تعامله سيء وغير لطيف، وحتى يوصلك كلام إنّه قال عنك كلام مو كويس في غيابك، وغيره من التصرفات المتناقضة مع السلوك العام اللي أنت ماخذ عنه انطباع كويس. زي ما قلنا، فالسؤال هو: هل هذه السلوكيات السيئة اللي تظهر منهم تعكس حقيقة مشاعرهم هم، بس طول الوقت بيحاولوا يخفّوها بالسلوكيات الكويسة؟ يقول روبرت جرين إنّه في الواقع، هذه اللمحات السيئة اللي أنت بتلاحظها عليهم كل فترة وفترة، ما هي إلا لمحات بسيطة من الجانب المظلم اللي في شخصيتهم، أو كما سمّاه: سلوكيات الظل "ذا شادو"، واللي هي عبارة عن كل السلوكيات والصفات اللي الناس بيحاولوا طول الوقت إنّهم ينكروها، أو زي ما قلنا في مقدّمة هذا القانون، بيحاولوا يقمعّوها ويكبتوها. هذا القمع متعمّق جداً في الناس وفعال لدرجة إنّنا ما بنعتبر الصفات المقموعة هي الصفات الأساسية لهذول الناس.
الشادو أو سلوكيات الظل هذه تظهر في العادة في لحظات الاسترس أو الضغط، أو لما تجيء للشخص على الجرح وتلمسه في جانب حساس عنده. ويقول روبرت جرين: كل ما يكبر الواحد في السن، كل ما يظهر هذا الجانب فيه أكثر، لأنّه بطبيعة الحال، في عمر الشباب يكون نشيطاً ومتحمساً، وعنده أدوار اجتماعية كثيرة ومتعددة، ويكون مستعداً لإنّه يجتهد في إنّه يظهر بأفضل شكل ممكن. لكن لما يكبر شويّة في السن، يبدا يتعب من المجهود اللي يتطلّبه إخفاء صفات الظل، فيظهر هذا الجانب السيء منه أكثر مقارنة بزمان. وبالتالي، وإنّنا نادراً ما نشوف صفات الظل حق الناس، فهم تقنياً يعتبرون غرباء بالنسبة لنا. كل اللي بنشوفه منهم هو جانب واحد فقط، اللي هم بيحاولوا يظهروه طول الوقت: الجانب الجميل واللطيف والمحترم. فمعرفة الجانب الآخر، جانب الظل، يخليك تقدر تشوفهم بشكل أوضح، تتوقع تصرفاتهم بنوعيها: الكويس اللي هم يحاولوا يظهروه طول الوقت، والسيء اللي يظهروه في أوقات متفرقة، تفهم دوافعهم، وما تكون في يوم من الأيام ضحية لعدم معرفتك بطبيعة البشر في كبح الجوانب السيئة وإخفائها.
القانون العاشر، قانون الحسد. ما في صفة أكثر صعوبة وتعقيداً في الطبيعة البشرية من صفة الحسد. كلّنا بنشعر بالحسد كده كده، إحساس إنّه في حد ثاني غيرنا عنده أكثر منّا في شيء نحن نبغاه، سواء أشياء مادية أو مقتنيات أو انتباه الناس أو احترامهم لهم. الحسد معناه إنّنا بشكل غير مباشر بنعترف لأنفسنا بأنّنا أقلّ من شخص آخر في صفة معينة أو في امتلاك شيء معين نحن نقدّره. الاعتراف بهذه الحقيقة ما هو أسوأ شيء، الأسوأ إنّه الناس يعرفوا إنّنا حاسّين بكذا. وبالتالي، بمجرّد ما نحسّ بالحسد تجاه أي شخص، فوراً نسوي كل اللي نقدر عليه عشان نخفي هذا الشعور، حتى بيننا وبين أنفسنا، اللي هو يعني هذا ما هو حسد، هذا شعور بالظلم أو بقلة الحظ أو بعدم الاهتمام من الناس، وإنّ الشخص اللي عنده الشيء المعين اللي نحن نبغاه هو ببساطة محظوظ أو نصّاب، وهذا هو اللي وصّله للشيء اللي هو فيه. غير إنّنا بنقنّع على أنفسنا بأنّ الموضوع ما هو موضوع حسد بل شيء ثاني. نحن كمان بنقنّع أي أحد ثاني إنّه يكتشف إنّنا حسودين. كل اللي بيشوفوه هو الغضب وعدم الرضا والانتقاد وغيره، بس إيش سببه؟ صعب يعرفوا إنّ الحسد ببساطة طول ما أنت أصلاً مغلّف الموضوع بأسباب ثانية كثيرة، وهذا يمثّل مشكلة طبعاً. فكرة إنّك تشوف شخص زعلان أو معصّب وبيتصرف بناءً على زعلِه، بس ما أنت عارف تشوف الحسد اللي وراء هذه العصبية، شيء يسبّب ارتباك وعدم وضوح، لأنّه السبب الحقيقي لعصبية هذا الشخص ما هي واضحة. ليش هو معصّب معانا يعني؟ فتبدا تسأل نفسك: ليش الناس الفلانية صاروا باردين في التعامل معايا؟ ليش المشروع اللي شغال فيه وتعبان فجأة فشل؟ ليش مشّوني من الشغل؟ ليش هذا الشخص دائماً ضدي؟ وغيره من الأسئلة اللي تعكس مشاعر مليانة بالحيرة. عشان كذا، الهدف الأساسي من هذا القانون هو إنّك تعرف أكثر عن صفات الحسد، وبالتالي تقدر تعرف متى أنت فعلاً بتحسد شخص ما، ومتى شخص ما بيحسدك. تعرف العلامات اللي أنت والناس عموماً بيحاولوا عن طريقها يخلو اكتشاف شعورهم بالحسد شيء صعب إنّه يصير. تعرف كيف تتعامل مع الحسد بمجرّد ما تبدا تحسّ فيه، لأنّه زي ما دائماً بنقول، بما إنّه جزء من طبيعة البشر، فأنت كده كده حتحسّ فيه، وهذا شيء طبيعي. لكنّ المهم كيف تتعامل مع هذا الشعور. اللي بيصير دائماً عند أغلب الناس إنّهم بينكرون أصلاً إنّهم حاسدين أحد، أو بلاش حاسدين، خلينا نقول غيرانين من أحد، نفس الفكرة يعني، لكنّهم كده ما هم صادقين مع أنفسهم. الكلّ ك كذا، حيُقنّع نفسه ومع غيره، ما حيكون مرتاح لفكرة إنّه في أحد أحسن منه في شيء معين يهمه أو نفسه يحقّقه. ردّة الفعل لكلام هذا هو شيء واحد لا ثاني ولا ثالث له: الشعور بالحسد أو الغيرة بشكل أو بآخر. خلينا نكون واقعيين ونعرف إنّه تقريباً مستحيل إنّنا نوقف مقارنة أنفسنا مع الناس بكذا بقرار وبضغط زر، هذا شيء مغروس في طبيعة الإنسان ككائن اجتماعي. لكن بدل من كده، اللي المفروض نسويه ونحاول نستفيد من موضوع المقارنات هذا ونخليه دافع للتحسّن والتطوير والإنجاز. إذا حسيت بالحسد تجاه شخص أكثر شهرة أو أكثر جذباً لانتباه الناس، فذكر نفسك إنّ الشهرة هي الواجهة الجميلة اللي أنت شايفها، وإنّه أي شخص عنده مشاكل ثانية وعيوب وتحديات أنت ما أنت شايفها، هو أصلاً ما حيظهرها للناس. طبعاً هذا ما هو تقليل من إنجاز أي أحد أو من نجاحه، بل ببساطة أنت قاعد توسّع نظرتك للأمور، وبالتالي تخفّف من إحساس الحسد اللي ممكن تحسّه. وانت تشوف الجوانب الإيجابية الانستغرامية والسناب شاتية من حياة الناس. الشيء الثاني، أنت دائماً بتركّز بس مع الناس اللي عندهم أكثر منك، مع إنّه يقول لك روبرت جرين من الحكمة إنّك تشوف كمان الناس اللي عندهم أقلّ منك، الناس اللي عايشين حياة أصعب، عندهم مشاكل أكثر، حتلاقيهم غالباً كثيرين. وطبعاً هذا ما هو بغرض إنّك تخفّض معاييرك أو تقلّل طموحاتك، لا أبداً، لكن من باب شكر النعم وإنّك على الأقل تقول الحمد لله قبل أي شيء. أخيراً، لازم دائماً نؤمن إنّ عندنا القدرة على تطوير أنفسنا، الثقة في القدرات هذه بحد ذاتها ممكن نعتبرها زي المضاد الحيوي للحسد. فبدل ما تحسد الناس على الأشياء اللي هم يملكونها واللي أنت نفسك فيها، وتحسّ بالعجز، لا، أنت بثقتك في قدراتك، حتحسّ إنّك أيوه تبغى الأشياء هذه، وأيوه تقدر إنّك توصل لها بإذن الله.
القانون الحادي عشر، قانون العظمة. خلينا نقول مثلاً إنّك عندك مشروع معين أنت مفكّر فيه، أو شخص أو مجموعة أنت قاعد تحاول تقنعهم يسوّوا لك شيء معين. في هذه الحالات وغيرها اللي فيها أهداف معينة أنت ناوي تحققها، في حقيقة تقول التالي: تحقيق أي شيء أنت تبغاه نادراً ما يكون سهلاً، النجاح يعتمد على كثير من الجهد وبعض الحظ الاثنين معاً. فعشان تخلي مشروعك يشتغل كويس، أنت تحتاج إنّك تتخلّى عن استراتيجياتك القديمة، الظروف دائماً تتغير، فلازم تكون منفتح للتجديد ومواكبة للتغيير. الناس اللي أنت بتحاول تقنعهم يسوّوا لك شيء، عمرهم ما راح يردّوا عليك بنفس الطريقة اللي أنت متخيّلها أو اللي بتتمناها. الناس عادة ما يفاجئون بتصرفاتهم وردود فعلهم. هم عندهم احتياجاتهم الخاصة ومصالحهم وتجاربهم ونفسياتهم، مصالحهم وتجاربهم ونفسياتهم اللي حتكون مختلفة عنك. حتقول لي ذحين إيش علاقة الكلام هذا بقانون العظمة؟ وين العظمة في الموضوع؟ إيش هي أصلاً العظمة المقصودة؟ ما هو أنا جاي لك الآن في الكلام، أبغاك بس تحط المقدّمة اللي قلناها هذه بالك وتركّز معايا الآن. شعور العظمة هو نادر لما يكون أحد واعي فيه أصلاً وعارف إنّه قاعد يحسّ فيه. هو بطبيعته يغيّر منظورك للواقع، ويصعب عليك فكرة إنّك تقيم نفسك تقييماً واقعياً ودقيقاً، وبالتالي ما تكون مستوعب المشاكل اللي ممكن تكون بتسبّب لك هذا الشعور طول الوقت. شعور العظمة هو الشعور اللي يخليك تبالغ في تقييم مهاراتك وقدراتك، وفي نفس الوقت تقلّل من تقدير العقبات والصعوبات اللي بتواجهك، وبالتالي حتقبل مهام أعلى من قدراتك وإمكانياتك الفعلية. حتكون مقتنع ومتأكّد إنّه الناس يردّوا على طلباتك بشكل معين أنت متخيّله في بالك، وإذا ما ردّوا عليك بنفس الطريقة هذه، تزعل وتلومهم. ممكن كمان فجأة تقرّر تغير مجالك بدون ما تكون حاطّ في بالك إنّه الموضوع له علاقة بموضوع العظمة، وإنّه سبب الكريير شفت اللي أنت عملته هذا هو إنّه عملك الحالي ما كان بيحسّسك بالعظمة والأهمية والأفضلية. مع إنّه مسألة إنّه الواحد يكون متميّز وعظيم في مجال معين هي مسألة تحتاج سنوات من التدريب والممارسة والخبرة. بدل من كده، أنت تقرّر ببساطة إنّك تغير المجال وأنت متخيّل إنّه في فرص أفضل أنت ممكن تحقق فيها إحساس العظمة أيّاه. وللأسف، بهذه الطريقة صعب الواحد يوصل لمرحلة الإتقان في أي مجال. بالمناسبة، تقدر ترجع لكتاب الإتقان "ماستري" حق روبرت جرين اللي تكلمنا عنه في القناة. في الحالات اللي زي هذه، إحساس العظمة اللي عندك بيمنعك من إنّك تتعلم من أخطائك وتطوّر نفسك، لأنّك بتبدا بافتراضات إنّك أورييدي كويس وأحسن من غيرك، فبعدين تصعب عليك الاعتراف في نفسك إنّك ما أنت كذا، وإنّه هذا مجرد إحساس.
الرغبة في الشعور بالعظمة الفطري اللي فيك، لما تشوف الناس اللي حولك بلا شك حتلاحظ موضوع حبّ الشعور بالعظمة هذا فيهم وفيك كمان يعني طبعاً، وهذا بيجي بأشكال وطرق. أغلب الناس في العادة يحبّوا يشبعوا الرغبة هذه بأنّهم يكونوا برستيج اجتماعي معين لأنفسهم. ممكن يدّعوا إنّهم مهتمّين وحريصين فعلاً على موضوع معين سواء في الشغل أو في مناسبة اجتماعية، لكنّهم في داخل أعماقهم يبغوا الأتنشن ولفت الانتباه في المقام الأول. يبغوا الناس يمدحوه ويثنوا عليهم، يبغوا يحسّوا إنّ عندهم سلطة أو إنّهم موهوبين، وغيره وغيره وغيره من الأهداف الشخصية اللي بتساهم في إشباع رغبتهم في الشعور بالعظمة. المثير للاهتمام هنا هو إنّه كثير من الناس بيخفّوا الرغبة هذه مش بس على الناس، بل على أنفسهم كمان. فتلاقيه يحاولوا يظهروا تواضعهم بشكل متعمّد، أو يقولوا إنّهم ما هم مهتمّين بالمنصب أو السلطة، وحتى يدّعوا إنّهم على قد حالهم وما عندهم شيء. وهتلاحظ إنّهم بيجتهدوا عشان يظهروا التواضع هذا قدام الناس، التواضع اللي يسمّيه روبرت جرين "تواضع العظمة"، وهو شكل من أشكال الرغبة في لفت الانتباه وإحساس الأفضلية على غيره. من مواصفات الناس اللي عندهم هذه النزعة، الرغبة في الشعور بالعظمة بشكل كبير أكبر من المعدّل الطبيعي الموجود في كل الناس، لأنّه زي ما قلنا هي في الطبيعة البشرية. إنّهم تلاقيهم في العادة كثيري الكلام وقليلي الفعل، يحبّوا ياخذوا الفضل في أي شيء، حتى لو كان تافهاً وما هو مؤثّر، بل يخترعوا نجاحات في الماضي من الكيس، يعني يقول لك إنّه كان متوقّع إنّه الشيء الفلاني يصير، وكان عارف وإنّه قال الشيء هذا في يوم كذا قبل كذا يوم من وقوع هذا الشيء، وطبعاً ولا شيء من هذه الادّعاءات قابل إنّك تتأكّد منه فعلاً، مجرد سواليف يعني. هذه العلامات، لما تشوفها فوراً حطّ في بالك إنّها بسبب إنّه هذا الشخص عنده نزعة زائدة للشعور بالعظمة. الجميع عنده هذه النزعة بدرجات متفاوته، نحن هنا قاعدين نتكلم عن قوانين الطبيعة البشرية يعني، كلّ طبيعة بشرية نحن بنتكلم عنها هي موجودة فيك بشكل أو بآخر، هي جزء من طبيعة البشر، وهي زيها زي أي صفة ثانية، رغم إنّها تبدو سيئة في العموم، لكنّ يظلّ لها جوانب إيجابية معينة. إحساس الثقة بالنفس والإيمان بالقدرات اللي بيجي من وراها، ممكن يتمّ استخدامه لتحسين إنتاجيتك وتطوير نفسك فعلاً بشكل عام. اعرف حدود إمكانياتك في أي شيء وتقبلها مبدئياً، لأنّه أفضل أسلوب تقدر تتعامل فيه مع رغبة الشعور بالعظمة، وإنّك تكون واقعي ببساطة. إنّك تعرف الجوانب اللي أنت في العادة بتنجح لها أو بتهتمّ فيها، وعندك مهارة كويسة فيها. لكن بأي حال من الأحوال، أنت مستحيل يكون عندك مهارة في كل شيء، أو تتقن أي شيء. ما في أحد أصلاً كده. ركّز على نقاط قوّتك، ولا تعتقد إنّك حتكون رهيب في كل شيء لمجرّد إنّك نفسك تسويه أو إنّه عاجبك. تحتاج يكون عندك فهم جيد لمستويات طاقتك، متى بتكون في أفضل حالاتك ذهنياً وبدنياً، ومتى لا. إلى أي مدى تقدر تضغط على نفسك، وكيف العوامل هذه بتتغيّر مع الوقت. أنت عمرك 17 غير، وأنت عمرك 30 غير، لما يصير عمرك 50. هذا شيء طبيعي، لازم تكون فاهم كويس وضعك الاجتماعي، وتعرف مين هم الناس اللي تقدر تعتمد عليهم ومين لا. مين الناس اللي علاقتك فيهم قوية بمختلف أنواع العلاقات، من الأهل للأصدقاء لزملاء العمل. لازم تعرف إنّك مهما عملت ومهما سويت، فأنت عمرك ما راح ترضي الجميع.
القانون الثاني عشر، قانون الصرامة بين الجنسين. القانون هذا ما ح نفصّل فيه كثير لسببين: أولاً، عشان الفكرة توصل بشكل واضح، حنحتاج ناخذ وقت طويل جداً. ممكن تقول لي: وماله ما ناخذ وقت طويل؟ حأقول لك إنّه السبب الثاني يوضّح لك ليش. ثانياً، حتى بعد التفصيل اللي ح نفصّله، الفائدة اللي ح نطلع فيها من هذا القانون تكرر لا تُذكر بالنسبة لأغلبنا، لأنّها مواضيع متعلّقة أكثر بالمجتمع الغربي، ما تعني لنا كثير كمجتمع شرقي. فكرة القانون بشكل عام، إنّه الإنسان سواء ذكر أو أنثى فيه صفات ذكورية وصفات أنثوية بنسب متفاوته طبعاً. عند الرجال الصفات الذكورية هي السائدة، وعند النساء الصفات الأنثوية هي السائدة. يقول روبرت جرين إنّه كل طرف من الجنسين يحاول دائماً قمع الصفات المعاكسة اللي فيه. الرجل يحاول كبح أي صفة تعارض صفات الرجولة الظاهرة، زي إنّه يمنع نفسه من إنّه يبكي مثلاً قدام أحد، لإنّه يعتبر هذا يعني أو هذه صفة أنثوية. أو العكس بالنسبة للمرأة، تتفادى مثلاً لعب دور معيّن في المجتمع يتطلّب قيادة أو قوة تعتبرها حاجة ذكورية من صفات الرجال. فبالتالي هو شايف إنّه في سلبيات لعدم الاعتراف بالصفات الغير سائدة عند كل جنس، ويقول كمان إنّه هذه الطبيعة البشرية بتؤثّر حتى على علاقة الجنسين ببعض. يعني لو حاولنا نركّز مثلاً على علاقة الأخ وأخته، الزوج وزوجته، الابن وأمّه، وغيره، كل واحد بيعامل الثاني من منطلق الصفات السائدة اللي فيه. يعني الرجل بسبب انفصاله عن الصفات الأنثوية القليلة اللي فيه وإنكاره لها أصلاً، صعب يفهم المرأة، والمراة بسبب انفصالها عن الصفات الذكورية اللي فيها، فهي برضه صعب تفهم الرجل. في كثير من الأمور نكتفي بهذا القدر بالنسبة لهذا القانون الشائك. اللي مهتمّين يقروا عنه بالتفصيل، أنصحكم بقراءة القانون الثاني عشر كامل من الكتاب نفسه، عشان صراحة تفصيل سواء بجاز أو تفصيل في هذا القانون راح يدخلنا في أماكن نحن بغنى عنها بالذات، وإنّه الكاتب بيتكلم زي ما قلنا من منطلق غربي بدون أي قيود ولا خطوط حمراء.
القانون الثالث عشر، قانون التشدد والتشتت. وما أدراك ما التشتت؟ أزمة من أزمات العصر، في معضلة أزلية تقريباً كل واحد فينا مرّ فيها، أو قاعد يمرّ فيها حالياً، أو راح يمرّ فيها لاحقاً، وهي إنّه بمجرّد ما يخلص الطالب دراسته ويتخرّج من الجامعة، فجأة يلاقي نفسه وسط منافسة شرسة في سوق العمل اللي ما يرحم ولا يفرّق بين خريج جديد وشخص صاحب خبرة. ساحة البقاء فيها للأقوى. والولد تلاقيه قبل كم سنة أو حتى قبل كم شهر كان أهله موفرّين له كل احتياجاته تقريباً، سواء مادياً أو حتى كتوجيه ونصائح وحماية، بل وبعض الأهل ممكن يبالغوا في الشيء هذا كمان. لكن فجأة يصحى من النوم ثاني يوم بعد التخرّج يلاقي نفسه حرفياً لحاله، خبرته في الحياة محدودة جداً، أو ممكن ما يكون عنده أي خبرة يقدر يعتمد عليها أصلاً، ومضطر ياخذ قرارات مصيرية ممكن تحدّد شكل مستقبله. وكله زمان كانت خيارات الناس المهنية محدودة ومعروفة نوعاً ما. هيتخرّج، حيقدّم على الوظائف المعينة، معظمها حكومية أو في شركات كبيرة معدودة ومعروفة، يشتغل فيها ويستمرّ هناك سنوات طويلة، ربما إلى أن يتقاعد بدون ما يغيّر حتى الشركة. طبعاً الاستقرار والوضوح هذا ما عاد موجود اليوم، أو خلينا نقول صار نادراً جداً. شيء بيتغيّر بسرعة، الناس داخلين في منافسة ومعمعة مستمرة عشان يحصلوا فرصة، عكس تماماً الوضع اللي كان في السابق. الشيء اللي يخلي نصائح الأهل، وبالذات لو كان في فرق أجيال كبير بين الأب وابنه مثلاً، نصائح قديمة ما تنطبق على الواقع. فبالتالي، وقدام هذا الوضع المحير، يلاقي الولد أو البنت نفسهم قدام واحد من خيارين: بعضهم يتعاملوا مع الوضع الجديد السريع والتنافسي هذا بشكل جيد في البداية. هم في بداية مسيرتهم المهنية، الطاقة موجودة، والنشاط والحماس موجودين، الفرص المختلفة متاحة، بالذات مجالات جديدة زي السوشيال ميديا وغيرها، فيبدوا يجربوا هنا وهناك بدون ما يربطوا نفسهم بشيء معين، يحسّوا إنّ الالتزام بمجال أو بوظيفة معينة هو مجرد تقييد لحريتهم. السيستم الروتيني والمنضبط شيء عفى عليه الزمن بالنسبة لهم كده كده يعني. مع الوقت يعرفوا إيش بالضبط اللي يناسبهم. فيعني في الوقت الحالي خلينا نجرب ونكتشف أنفسنا بكل حرية، يعني ما ورانا شيء. ناس ثانيين لا، بيتعاملوا مع الوضع بالعكس تماماً، بيبحثوا من البداية عن الاستقرار، يكونوا خائفين من الفوضى اللي فجأة لقوا نفسهم فيها بعد ما تخرّجوا من الجامعة، يدوروا على الوظيفة أو المهنة الكويسة والعملية، إذا كانت مناسبة لهم واهتماماتهم خير وبركة، بس ما هو بالضرورة يعني. أولوية هي الاستقرار اللي يعتبر عملة نادرة أصلاً في سوق العمل اليوم. في الحالتين، سواء التكيّف مع الوضع الغير مستقر أو البحث عن الاستقرار، رغم اختلافهم يعني، لكن دائماً سيكون هنالك مشاكل على طول الطريق. في الحالة الأولى، غالباً راح يكون صعب جداً على أصحابِه إنّهم يطوّروا مهارات قوية وعميقة في مجال معين، حيكون صعب عليهم إنّهم يركّزوا في شيء واحد لفترة طويلة، لأنّهم يتعودوا إنّهم يغيّروا كل شويّة من مجال لمجال، من شيء لشيء. الشيء اللي يخلي صقل مهارة معينة صعب جداً، وزي ما نعرف وسبق تكلمنا قبل كده في حلقات كثيرة من كتب مختلفة، التطوّر والتحسّن والوصول لمرحلة الإتقان في شيء معيّن يحدث بشكل تراكمي مع مرور الوقت، فبالتالي يصيروا عالقين في حالة التنقل من شغلة لشغلة بدون ما يوصلوا لمرحلة الإتقان في أي شيء. حتقول لي: طيب، معناها إذا الحالة الثانية أفضل؟ البحث عن الاستقرار هو أكيد أحسن وفي شتّت أقلّ؟ حأقول لك مش بالضبط، لأنّه في الحالة الثانية في مشاكل ثانية برضه. بعد التخرّج، في العادة يكون الواحد في بداية العشرينيات من عمره، نفرض إنّه توفّق وتوظّف في مجال معيّن وكان مبسوط فيه وقتها، لكن بعد سنوات، لما يصير في الثلاثينيات، ممكن يبدا يحسّ بالملل وبإنّه المجال اللي اختاره هو اختاره بناءً على الموجود والمتاح وقتها، ما هو الشيء اللي هو يحبّ يسوّيه ويستمرّ عليه باقي حياته، فيصير مجرد شغل بالنسبة له، مجرد يفه. وشويّة شويّة يبدا يشوف المجالات الثانية ويفكّر إنّه يغيّر لهذه المجالات. طبعاً الكلام هذا فيه تعميم شويّة لموضوع الكريير والمسارات المهنية. كتاب "سو جود ذا كانت اجنور يو" فيه تفصيل وتعمّق أكثر، أنصحك تقراه أو تشوف الحلقة المختصرة اللي تكلمنا فيها عن هذا الكتاب، اللي باي ذا واي، احتمال نخصّصه شرح أطول سواء في حلقة طويلة أو عدّة حلقات مستقبلاً. اكتبو لي في التعليقات إذا كنتم مهتمّين نتكلم بالتفصيل عن هذا الكتاب. نرجع لروبرت جرين اللي يقول عموماً، في الحالتين نحن بنسوي اللي نقدر عليه عشان نتفادى الإحباطات قدر الإمكان. لكن مع مرور الوقت والسنوات، نبدا نحسّ بالألم ومشاعر سيئة ما نقدر ننكرها أو نكبتها، وما نكون عارفين إيش هو سبب هذا الشعور السيء. الشعور بالتشتت وإنّ الحياة ما هي ماشية معانا بشكل جيد عموماً. والشيء هذا ما هو غلط أي أحد منّا، بل يقول روبرت جرين هو شيء طبيعي جداً إنّه يصير، ويكاد يكون ما في أحد إلا وحسّ بالتشتت في مرحلة ما في حياته، بالذات في العصر الحالي.
أتكلم بعد روبرت جرين بالتفصيل عن فكرة إنّه الحلّ يكمن في الاختلاف الموجود عند كل واحد فينا. كل شخص شخص عنده شيء يميّزه عن غيره، وأهمية إنّك تعرف نقاط قوّتك وإيش اللي يميّزك أو يعطيك أدفانتج أو أفضلية على غيرك وتركّز عليها وتطوّرها. وهذه مواضيع تكلمنا عنها في القناة بالتفصيل في حلقات كثيرة، عدّة كتب زي ماستري وأوت لايرز وذا و ين وغيرهم الكثير. بس أنت مشكلتك يا صديقي العزيز، ما بتدخل القناة ولا بتشوف الفيديوهات السابقة، واحتمال كمان ما تكون مشترك بالقناة أصلاً ولا مفعل الجرس، ولا بتعمل لايك ولا أي حاجة.
القانون الرابع عشر، قانون المطابقة أو ما يعرف بمهم معاهم عليهم عليهم، أو ما يعرف بالموت مع الجماعة رحمة، أو ما يعرف بمع الخيل يا شقرة. اعتقد فهمت القانون خلاص من الأمثلة هذه، ولو رحنا للقانون اللي بعده ما حيكون عندك أي مشكلة. طيب، قانون المطابقة. في لحظات معينة من الحياة، الإنسان بيحسّ بطاقة عجيبة، طاقة إحساسها مختلف عن أي شيء ثاني. لكنّ الطاقة هذه نادراً ما أحد يتكلم عنها أو يحللها. نقدر نوصل للطاقة هذه بإحساس الانتماء للمجموعة. وعشان نوضّح الإحساس اللي بنتكلم عنه هذا، خذ معايا هذه الأمثلة: لما تكون في حفل معين أو تكون على المدرّج في الاستاد في مباراة الفريق المفضّل، في لحظة حماس أو انفعال معينة مشتركة تصير بين الجمهور وأنت منهم، اللحظة هذه بتخلي هذا الشعور اللي تكلمنا عنه يرتفع عندك بشكل تلقائي. الشعور هذا ما حتحسّه لو كنت مثلاً تتفرّج على المباراة على التلفزيون في البيت لحالك أو مع عدد قليل من الناس. في التجمعات الجماهيرية الكبيرة، أنت ممكن تقول أو تسوي أشياء أنت عمرك ما كنت حتقولها أو تسويها لحالك. من ناحية ثانية، لما تلاقي نفسك بتشتغل مع مجموعة معينة وعندكم هدف مهم مشترك أنتم شغالين عليه ولازم تحقّقوه بفترة زمنية قصيرة نوعاً ما، تحسّ وقتها إنّك لازم تسوي أكثر من العادي وتشتغل بشكل أكبر. بمعنى آخر، تحسّ بطاقة كبيرة جاية من إحساسك بالانتماء للمجموعة اللي شغالة معك على نفس الهدف المستعجل هذا، لدرجة ممكن توصل لإنّ أعضاء المجموعة ما يحتاجوا حتى إنّهم يتكلموا مع بعض أو يرتّبوا أي شيء أو ينسّقوا مع بعض، تلاقي الشغل ماشي بسرعة وكفاءة عالية بشكل عجيب. الموضوع عا يذكرني بالمسابقة اللي يكون نظامها تقسيم الناس لمجموعات ويكون عندهم تحدّي معيّن خلال وقت قصير. فعلاً، لو أنت سبق وشاركت في مسابقات زي هذه، حيصلك الشعور اللي قاعدين نوصفه. يقول روبرت جرين: خلينا نسمّي الطاقة هذه "الطاقة الاجتماعية" (Social Force)، نوع خفيّ من أنواع الطاقة اللي يخلي مجموعة من الناس تترابط وتتحدّ مع بعض بنفس المشاعر القوية. كلام جميل جداً. طيب، لمّا تيجي تعارض أو تواجه القوة هذه كشخص من خارج المجموعة أو مختلفة عنها سواء بقصد أو بدون، فأنت حتحسّ بتوتر وعدم ارتياح. الموقف هذا يعني مثلاً لما تسافر لمكان جديد ثقافته مختلفة تماماً عن ثقافة بلدك، أو تبدا دوام في شركة جديدة الناس اللي فيها كلّهم يعرفوا بعض من فترة ومتفاهمين، وضعهم مستقر، أو لما تدخل في حي معيّن من طبقة اجتماعية مختلفة عن طبقة حيك اللي أنت جاي منه، سواء طبقة أعلى بكثير أو أقلّ.
بكثير في كل هذه الحالات، أنت بتكون حاسّ بعدم الانتماء، بأنّ الناس قاعدين يشوفوك باعتبارك شخص غريب عليهم. مش شعور طبعاً، شعور ما هو مريح. مع أنّه لو جيت تفكّر فيها منطقياً، ما في شيء مفروض يخليك تخاف، لأنّك في كل هذه الحالات يعني ما سويت شيء غلط. وهذه هي يا صديقي، ببساطة، الطبيعة البشرية.
نحن كبشر، بطبعنا، عندنا دائماً رغبة أنّنا نحسّ أنّنا جزء من مجموعة، وأنّنا نندمج فيها، ويكون لنا دور فيها، نَحسّ بمشاعرها. عندنا نزعة لا إرادية لتقليد أفعال هذه المجموعة، من الكلام للتعبيرات الجسدية للأفعال. وبشكل مشابه لبعض الحيوانات اللي تحب تصطاد في مجموعات، زي ذئاب والأسود، نحن كمان نحب نصطاد ونهاجم في مجموعات. لكن على السوشيال ميديا، شوف إيش اللي بيصير لما تلاقي هاشتاج أو ترند ضد شخص معيّن، بغض النظر عن إيش سوى، الكل بيهجم عليه وينهش فيه، وبعضهم ما هو عارف أصلاً إيش السالفة، بس دايس مع الناس. يقول روبرت جرين، بشكل عام، النزعة هذه لا هي إيجابية ولا هي سلبية، بل هي جزء نفسي من طبيعة البشر، زي ما قلنا. أكثر شيء يهمّنا في هذا القانون هو ما يُسمّى بالجروب إنتلجنس، ذكاء المجموعة، الذكاء اللي بيتكوّن عن طريق فهم تأثير المجموعة على أفكارنا ومشاعرنا. حيث لما تكون في موقف من المواقف اللي ذكرناها في بداية القانون، تقدر بوعيك بتأثير النزعة البشرية هذه، تمنع نفسك من أنّك تكون معهم، معهم، عليهم، عليهم في الكويس والبطال.
القانون الخامس عشر، قانون التقلب. الإنسان بطبعه يحب يعتقد أنّ المشاعر اللي بيحسّ فيها هي مشاعر بسيطة وواضحة. يحبّ ناس معيّنين، ويكره ناس معيّنين، يحترم ويقدّر ناس معيّنين، وما يعطي أي اعتبار لناس ثانيين. لكنّ الحقيقة أنّ الموضوع ما هو بهذه البساطة، لأنّه من طبيعة البشر، اللي لا مفرّ منها، أنّ مشاعرهم دائماً متناقضة ومتقلّبة، ونادر لما تكون بسيطة وواضحة زي ما هم يعتقدوا. من الممكن أنّ الواحد يحسّ بإحساس الحبّ والعداء في نفس الوقت، أو الإعجاب والحسد في نفس الوقت، عادي جداً. واحد من أسباب التناقض هذا هو أنّ المشاعر القوية والمركّزة تُخوّف، تُمثّل نوع من فقدان السيطرة، تُحسّس الواحد أنّه ما هو ماسك العصاية من النصّ، فبالتالي، لا إرادياً، تلاقيه يُوازن بين شعور معيّن لفترة، وبين نقيضه فترة لاحقة، أو حتّى في نفس الوقت. بالإضافة لأنّه أصلاً مزاجات الناس متقلّبة، تتغيّر من مود لمود كل شوية.
من الأسباب المهمّة، بل والأكثر أهمية في مسألة تقلبّ المشاعر هذه، حسب رأي روبرت جرين، هي فكرة العلاقة بين القائد والتابع، العلاقة الموجودة في كل مكان، في العمل، في البيت، في البلد ككلّ. من جهة، الناس عارفين أهمية وجود قائد، وعارفين أنّهم محتاجينه. من جهة ثانية، هم برضه بيخافوا من القائد. عموماً، الواحد تلاقيه يخاف من أي أحد فوقه أو أعلى منه درجة، بشكل أو بآخر. وما بين الحاجة والرهبة، تصير كلّ التقلبات اللي ممكن تتوقعها عند الناس. وهذا تحديداً هو اللي ركّز عليه روبرت جرين في هذا القانون. طيب، يقول لك روبرت جرين، دورك هنا في هذا القانون، إذا، ينقسم لثلاثة أجزاء رئيسية: أولاً، أنّك تبدأ تلاحظ ظاهرة السلطة هذه بتركيز أكبر، تعتبرها أداة قياس لدرجة تأثير الناس على بعض بشكل غير مباشر. حتقول لي إيش معنى لاحظ ظاهرة السلطة هذه بالضبط؟ ما فهمت. حقول لك ببساطة، يعني أنّك تشوف الناس اللي هم أعلى سلطة من ناس ثانيين: أب وولد، أستاذ وطلابه، مدير وموظّفيه، شوف طريقة تعاملهم المبنية على السلطة، وشوف كيف تأثير هذا التعامل على الناس اللي أقلّ منهم سلطة. ثانياً، أنت تحتاج أنّك تُطوّر استراتيجيات وعادات تُخليك تُظهر امتلاك السلطة، بمعنى إذا شخص متدرّب أو موظّف مبتدئ في استراتيجيات وطرق تعامل تُخليه يُخلّق شعور للناس اللي حوله أنّ هذا الشخص راح يصير مدير أو قائد في النهاية. طبعاً، الاستراتيجيات، وأي شيء له علاقة بموضوع القوة والسلطة، حتلاقيه بالتفصيل المملّ في كتاب القوانين الـ 48 للقوة لروبرت جرين نفسه. حتلاقي رابط الفيديو حقّ الشرح الكامل للكتاب في القناة لو كنت لسه ما شفته. ثالثاً، احذر من أنّك تكون ضحيّة وتسقط في فخّ العلاقة المتقلّبة بين الرئيس والمرؤوس، بين صاحب السلطة والناس الأقلّ سلطة، بين القائد والتابع، لأنّ كثير من هذه العلاقات في الغالب تكون مفهومة غلط، أنّك تحطّ في بالك أنّه زي ما القائد عنده حقوق، هو كمان عنده أدوار وواجبات لازم يديها في المقابل.
القانون السادس عشر، قانون العدوانية. كلّ واحد فينا يحبّ يعتقد أنّه إنسان مسالم وطيب، ويعني ينحطّ على الجرح إبرة زي ما يقولوا، لأنّ الإنسان بطبعه كائن اجتماعي، فعشان كذا، بيقنع نفسه دائماً أنّه شخص اجتماعي ومتعاون مع الناس اللي هو بينهم. لكن، وإذا سمعت كلمة "لكن" من روبرت جرين، فاعلم أنّ ما بعدها حيكون شيء صادم غالباً. لكنّ بعض الأحيان، في لحظة تهديد مثلاً لشيء مهمّ بالنسبة له، زي شغله أو أكل عيشه، أو لما نحسّ أنّه ما قاعد يتمّ تقديره بالشكل اللي هو يستحقه، في حالات فيها إحساس بعدم الأمان المالي، بسبب الغضب أو الإحباط أو خيبة الأمل أو الخوف أو قلّة الصبر، يلاقيه نفسه فجأة صار عنيف بشكل مختلف عن عادته أو عن طبعه الاعتيادي، ممكن يسوي ردّ فعل مبالغ فيه نوعاً ما، عشان يحافظ على شغله، يدخل في تعاملات مالية مشبوهة عشان يحصل على الربح أو العائدة المادية السريعة، يسوي شيء غريب عشان يلفت الانتباه، يصير شخص انتقامي ويهاجم شخص ما على السوشيال ميديا، وقتها هو رسمياً يكون انطبق عليه قانون العدوانية. هذه هي الطبيعة العدوانية اللي عند البشر اللي يقصدها القانون. ومع ذلك، لما نتصرف هذه الطريقة، بيحاول يعقل الموضوع، يعطيه تفسيرات بحيث يقنع نفسه أنّ اللي سواه كان طبيعي، أنّه يا أخي ما كان عندي خيار ثاني حسب التهديد، حسّ أنّه قاعد ينظلم، حسّ أنّه أكل عيشه ينقطع، كان بيدافع عن نفسه، وغيره وغيره من التبريرات اللي بيحاول عن طريقها يقنع نفسه أنّه ما هو كذا، وأنّه شخص زي ما هو يحبّ يعتقد، مسالم وطيب. هو ما في أحد لحظة الشيء هذا على نفسه طبعاً. لكن مع ذلك، بفهم فكرة هذا القانون، كلّ واحد فينا يقدر يركّز مع النزعات العنيفة اللي عنده، اللي تظهر فجأة لما يتعامل شخص ما مع شخص ثاني، والشخص الثاني هذا بيكون في حالة عدوانية، بيكون عنيف بشكل أو بآخر في تعامله، تلاقي الشخص الأول في حالات كثيرة مستسلم أكثر من الطبيعي، أو إذا كان خبيث شوية، حتلاقيه يحاول يتملّق الشخص العدواني بطريقة معيّنة عشان يمتصّ عدوانيته. لكن لما هذا الشخص نفسه يواجه شخص آخر أقلّ عدوانية أو أضعف، بالعكس، هنا تلاقيه يصير متسلّط، والأسد اللي فيه يظهر فجأة. ممكن لو كان فيه شوية خير، يحاول يساعد هذا الشخص الضعيف، لكن المساعدة هذه في العادة تكون عبارة عن غلاف أو زينة لشعور داخلي بالرغبة في ظهور أنّه أعلى أو أكثر قوة، ربما حتّى هو يساعد يكون عنيف، يأمر وينهي بشكل فيه تسلّط، وكأنّه بيجبر على أنّه ياخذ نصيحته. وكلّ هذا بيصير بين البشر بشكل طبيعي بدون وعي منهم، ما بيحسّوا أنّ هذه التصرفات هي سلوكيات عدوانية أو عنيفة. كلّ اللي بيصير، يقول روبرت جرين، ببساطة، هو أنّ الواحد فينا بيقارن بشكل تلقائي مستوى قوّته أو ضعفه مقارنة بالطرف الثاني، وبشكل تلقائي برضه بيتصرف بناءً عليه، إمّا بِيرفع عدوانيته أو يخفضها حسب الطرف الثاني. وتجي تفكّر فيها شوية، فحتلاحظ أنّنا كلّنا عارفين وشايفين أنّ البشر عندهم قابلية لأنّهم يكونوا عنيفين وعدوانيين، كلّنا عارفين أنّ في قتلة ومجرمين ورجال أعمال نصّابين واستغلاليين، وغيره. الناس هذول نحن شايفينهم، عارفينهم يعني. لكن في نفس الوقت، بنفصل بين كلّ هذه الأمثلة من البشر وبين أنفسنا، نتعامل مع أنفسنا كأنّنا محصّنين من أيّ نزعات العدوانية والعنف. دائماً بالنسبة لنا، الناس هم اللي عنيفين وعدوانيين، نحن لا. كلّ واحد فينا شايف نفسه كذا فعلاً، ولو خلاص صدر منه ردّ فعل، يقول أنّ الدفاع عن النفس، ومش هو اللي بدأ، وغيره من التبريرات اللي ذكرناها قبل شوية. والكلام هذا، يقول روبرت جرين، هو عبارة عن سوء فهم للطبيعة البشرية. العدوانية هي نزعة موجودة بشكل فطري في كلّ إنسان، ما نقدر نفصل النزعة العدوانية هذه من الطريقة اللي بنتعامل فيها مع مشاكلنا، الطريقة اللي بنتعامل فيها مع الظلم، أو الطريقة اللي بنحاول نحقّق فيها شيء كبير مهمّ. يقول لك، الأصل اللاتيني لكلمة "أغريشن" (العدوانية أو العنف) معناها "تو ستيب فورورد"، لعمل خطوة للأمام. فقلّ ما نجي نعمل خطوة مهمّة أو نحاول نغيّر أيّ شيء، فنحن بشكل تلقائي بنستخدم هذه الطاقة العدوانية. كلام مثير للاهتمام صراحة، يقول روبرت جرين، العدوانية من جانبها الإيجابي ممكن تخدم أهداف كثيرة كويسة، لكنّها في نفس الوقت، في حالات معيّنة، ممكن تكون نصّ غير اجتماعية، ممكن تسبب تعامل غير جيد مع الناس. الجانب الإيجابي والجانب السلبي للعدوانية هم وجهان لعملة واحدة. فرغم أنّه في ناس هم عدوانيون أكثر من غيرهم بشكل واضح، لكنّنا كلّنا بلا استثناء قابلين لنا في أيّ لحظة نسقط في العدوانية اللي من نوع السلبي. كلّنا، مهما اختلفت صفاتنا، عندنا طيف من العدوانية. لجزء التعبير، العدوانية لا يمكن قمعها تماماً أو إنكارها، لأنّها كده كده حتظهر بشكل أو بآخر في أيّ لحظة. لكنّ الوعي بوجودها يخلي الواحد يقدر يتحكّم فيها أكثر، ويُحوّلها للجانب المنتج والأهداف الجيدة اللي تخدم مصلحته بدون ما تضرّ أحد.
القانون السابع عشر، قانون قصر نظر الأجيال. التغييرات اللي بتصير كلّ فترة وفترة في الموضة أو ستايل لبس الناس أو أذواقهم بشكل عام، ممكن تعتبرها موضوع تافه أو جانبي، ما يستحق أنّك تركزّ معه. لكنّ الشيء هذا في الحقيقة، يقول روبرت جرين، شيء عميق جداً، وبيكشف جانب عجيب من الطبيعة البشرية. إذا جيت تركزّ مع محلات الملابس، ممكن تلاحظ أنّه في ستايلات معيّنة بتزدهر في وقت معيّن، كلّ فترة حتلاقي شيء معيّن هو اللي ترند أو اللي ماشي، فبالتالي المحلات بتوفّره بشكل أكبر. فلما تدخل المحلّ من دول، تشوف أنّه الفترة الفلانية كان واضح أنّه مثلاً التيشيرت الأوفر سايز هي الموجودة أكثر، وفترة ثانية البنطلونات المقطّعة، وغيره. ارجع لورا شوية كده، وحاول تتذكر إيش الملابس اللي كانت طالعة قبل عشر سنوات مثلاً، وقارنها بالموجود حالياً، حتلاحظ أنّه في فرق لا بأس به بين اللبس اليوم واللبس قبل عشر سنوات. طيب، ارجع لورا 20 سنة، هنا حتحسّ الفرق أكبر، واضح لدرجة أنّه ممكن اللبس أو الستايل اللي كان موضة وبنلبسه قبل 20 سنة، لو تلبسه اليوم شكلك يضحك. الظاهرة هذه تخلينا نطرح أسئلة مثيرة للاهتمام: هل التغييرات هذه معناها أكبر من مجرد اختلاف أذواق بين جيل وجيل؟ أكثر من مجرد أنّ الناس يحبّوا يجربوا الأشياء الجديدة كلّ ما تطلع؟ هل هي علامة على تغيّرات عميقة في الجوانب النفسية للناس وحالاتهم المزاجية؟ كيف أصلاً التغييرات هذه بتصير؟ هل التغيير بيجي توب داون، من فوق لتحت، يعني شخصيات مشهورة أو بارزة في المجتمع هي اللي تبدأ موضة معيّنة أو ستايل لبس معيّن فيقلّده الناس، وتدريجياً تصير هي الاستايل العام للبس؟ ولا هل بالعكس؟ هل هؤلاء المشاهير مجرد يتجاوبوا مع ذوق عام في اللبس بدأ يظهر بين الناس عموماً، فيلبسوه، وبالتالي ينتشر أكثر بين مجموعات أكبر من الناس فيصير التغيير هنا بوتوم آب، من تحت لفوق؟ نفس هذه الأسئلة نقدر نسألها عن أذواق الموسيقى وغيرها. يا رجل، الموسيقى لحالها حكاية، شوف كيف كلّ فترة يطلع نوع معيّن من الأغاني يكون هو الترند، واللي الناس تشغّله في المناسبات وفي الأسواق وفي السيارات. نقدر كمان نسأل هذه الأسئلة في الجانب الأهمّ من هذا كله، واللي ربما يكون المصدر الرئيسي لكلّ التغييرات هذه، جانب التفكير والعقلية، ونشوف مثلاً كيف كانت الأدلة والحجج تُطرح أو تُكتب في الكتب. يقول روبرت جرين، قبل 50 سنة، الكتاب كانوا يستندوا أكثر في كتاباتهم على التحليل النفسي وعلم الاجتماع، كانوا يعتبرون البيئة هي المؤثّر الأساسي على سلوك البشر، فتلاقي أسلوبهم كان إفاضياً ونظرياً، وما هو مباشر. لكنّ اليوم، الكتابات تميل للتركيز على أشياء عملية أكثر، على حاجات تعتمد على التفكير العقلاني أكثر، كلّ شيء مدعوم بالداتا والإحصائيات والأرقام. صارت التقارير أو الكتابات المستندة على أرقام لها مصداقية أكثر، الجمل القصيرة والمباشرة والستريت تو ذا بوينت صارت أكثر من أول. حاجة كده زي موضوع الشورتات وفيديوهات التيك توك اللي صارت أكثر من الفيديوهات الطويلة اللي زي هذه اللي قاعد يصير. باختصار، اللي بيحدث هذا التغيير هو خروج أجيال جديدة من الشباب كلّ فترة، واللي بطبيعتهم يبحثوا عن أشياء أقرب لهم وتمثّلهم، وتمثّل تجاربهم هم، واللي في الغالب حتكون تجارب وأفكار مختلفة عن الجيل اللي قبلهم. ولما نقول جيل، فإحنا بنتكلم هنا تقريباً عن فترة 20 سنة، يعني كلّ 20 سنة بيطلع جيل جديد تقريباً، يعني مش بالضرورة 20 سنة بالضبط. الناس اللي بيولدوا في بداية هذه الـ 20 سنة هم الجيل السابق، والناس اللي بيولدوا في نهاية الـ 20 سنة هم الجيل الجديد. معرفة الكلام اللي قاعدين نقوله هذا كله هو ما أسماه روبرت جرين بالوعي الجيلي (الجنريشنال أويرنس)، أنّك تكون عارف أنّ في فروقات طبيعية بتصير بين الأجيال، وأنّه هذا هو جزء لا يتجزّأ من الطبيعة البشرية.
القانون الثامن عشر والأخير، قانون إنكار الموت. الإنسان هو الكائن الوحيد اللي عنده وعي بأنّه كده كده حيموت، باعتبار أنّه أصلاً الكائن الوحيد اللي يقدر يفكّر ويحلّل، بل ويفكّر عن طريق تفكيره كمان. لكنّ الفرق أنّه هنا في حالة التفكير بالموت، يقول روبرت جرين، فهو شيء يُرعب كثير من الناس، يفكّروا عن الألم اللي ممكن يصير وهم بيموتوا، أو يفكّروا بالناس العزيزين عليهم اللي راح يفارقوه لما أيّ واحد فيهم يموت. بالإضافة لصعوبة فكرة أنّ لحظة الموت هذه ما هي معروفة متى تصير، لأنّه ما في أحد يقدر يعرف متى هو راح يموت، فبالتالي تلاقي الناس يحاولوا قدر الإمكان يتجنّبوا التفكير في الموضوع هذا من أساسه، لو جاتهم الفكرة كمان يحاولوا يشتّتوا أنفسهم عنها. لكنّ طبعاً، مهما حاولوا، فالفكرة هذه حتضلّ موجودة في بالهم، ومستحيل ينسوها. واحدة من أزمات العصر، موضوع انتشار الإلحاد، طبعاً، الشيء اللي يخلي ناس كثيرين ما يؤمنوا أصلاً بفكرة الآخرة، بالنسبة لهم الواحد مجرد ما يموت خلاص، شكراً جزيلاً، وهذا زاد من فكرة إنكار الموت عندهم، بعكس المسلمين أو المؤمنين بالديانات السماوية عموماً، اللي على الأقلّ هم عارفين أنّه في آخرة، اللي هي دار القرار زي ما قال الله في القرآن. فكرة هذا القانون باختصار هي كالتالي: يقول روبرت جرين، محاولة كبح فكرة الموت وإنكارها ما بتجيب لصاحبها إلاّ القلق والخوف بشكل مستمرّ، لكنّ المفروض يصير هو أنّ الواحد يكيّف نفسه مع الفكرة ويتعامل معها على أنّها أمر واقع، لأنّه عن طريق كده فقط هو حيعيش حياته بشكل أفضل، ويستغلّ كلّ لحظة هو عايش فيها بأفضل شكل ممكن. وصلنا أخيراً لنهاية الكتاب العظيم، قوانين الطبيعة البشرية، للكاتب الرائع روبرت جرين. أتمنى أكون وفّقت في توصيل بعض الفائدة لكم من الكتاب المهمّ هذا. أشوفكم على خير في فيديو القادم، حتّى ذلك الحين، في أمان الله.