📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

اذا فهمت القدر لن تحزن بعد الآن من اجمل ما سمعت كلام يريح القلب لا يفوتك.. العلامة ابن عثيمين

تقوى39:39

Transcription

يعني كل شيء بقدر. بقدر في زمنه، بقدر في مكانه، بقدر في طوله، بقدر في قصره، بقدر في حجمه، كبير أو صغير، بقدر في شدته، بقدر في خفته. كل شيء بقدر. حتى المطر. استمع يا أخي، المطر. حبات المطر أو قطرات المطر. نعم، بقدر.

قال الله تعالى: "وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ". وامشِ. إلا عندنا خزائنه. وما ننزله إلا بقدر معلوم. وقال تعالى: "وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ".

بأي شيء؟ بقدر. القطرة الواحدة، ولو كانت من أصغر القطرات، بقدر قدرها الله عز وجل على أي مكان تنزل، وفي أي زمان تنزل. ويعلم جل وعلا أي ثمرة ونتيجة تكون لهذه القدرة. إذاً، كل شيء بقدر. الإنسان بقدر. أخلاقه ذميمة أو حميدة بقدر. ولهذا قال الله عز وجل: "وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ".

الله هو الذي يعطي من يشاء ويحرم من يشاء. لكنه لا يعطي العطاء إلا لمن هو أهل للعطاء، ولا يحرم العطاء إلا لمن هو أهل لحرمانه من العطاء. لقول الله تعالى: "اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ". المهم، كل شيء مخلوق بقدر. أجل الإنسان بقدر. أجل الحيوان بقدر. أجل النبات بقدر. أجل الحر بقدر. أجل البرد بقدر. كل شيء بقدر. "إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ". وهذا دليل على عموم علم الله عز وجل واحاطته بكل شيء.

استمع. "وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ". يعني أن الله إذا أراد شيئاً أمر مرة واحدة، ثم كان الشيء كلمح بالبصر. أهناك شيء أسرع من لمح البصر؟ لا يكون. كلمح البصر بمجرد أن يقول الله عز وجل: "كُنْ"، فيكون. وما أمرنا إلا واحدة. كلمح بالبصر.

واستمع إلى قول الله تبارك وتعالى في البعث: "إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ". الله أكبر! صيحة واحدة. يأمر الله عز وجل، فإذا هم الخلائق كلها جميعاً محضرون إلى الله عز وجل. وقال تعالى: "فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ". على وجه الأرض. كلمة واحدة تخلق الخلائق كلها بعد الفناء بكلمة واحدة. "وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ".

في هذه الآية استدل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، استدل بها على الإيمان بالقدر. من أين أخذ؟ أن كل شيء خلق بقدر. والإيمان بالقدر لا يتم. الإيمان بالقدر لا يتم إلا بأربعة شروط.

الشرط الأول: أن تؤمن بعلم الله المحيط بكل شيء. أن تؤمن بعلم الله المحيط بكل شيء. يعني أن الله علم ما كان وما يكون، ولو كان كيف كان يكون. يعلم كل شيء سابق أو لاحق. فلا يجهل ما يستقبل، ولا ينسى ما مضى. ولما قال فرعون لموسى: "مَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى؟" ماذا قال له؟ قال: "عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى". عز وجل. لا يجهل، لا يضل، أن لا يجهل، ولا ينسى، لا ينسى ما كان. فهو لا يجهل ما يستقبل، ولا ينسى ما كان ومضى. فلا يمكن أن تؤمن بالقدر إلا إذا آمنت بأيش؟ بعلم الله المحيط بكل شيء، جملة وتفصيلاً. يعلم الله كل شيء. كل ما مضى فهو معلوم عند الله. كل ما يستقبل معلوم عند الله. "يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَرْجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ". هذه واحد.

الثاني: أن تؤمن بأن الله تعالى كتب مقادير كل شيء إلى قيام الساعة. لا بد أن تؤمن بهذا. كتب جل وعلا في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة. أفهمت؟ طيب. قال الله عز وجل في كتابه العزيز: "أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ". ألم تعلم؟ من المخاطب؟ أي إنسان يخاطب. ألم تعلم أيها المخاطب أن الله يعلم ما في السماء والأرض؟ "إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ". أي ما في السماء والأرض. "إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ". ففي هذه الآية ذكر الأمرين جميعاً، وهما العلم، وايش؟ والكتابة. العلم في قوله: "يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ". الكتابة: "إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ". أحسنت، بارك الله فيك.

أتدرون متى كانت الكتابة؟ كانت الكتابة قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. سمع. خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال قلم: ربي، وماذا أكتب؟ قال: ربي، وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. كتب القلم ما هو كائن إلى يوم القيامة. وهنا أسألكم: هل سؤال القلم ربه ماذا يكتب، هل يعتبر تأخراً في تنفيذ الأمر؟ من يعرف؟ طيب، ليش؟ أحسنت، بارك الله فيك. لأن هذا أمر مجمل. اكتب ماذا أكتب؟ ولهذا لما قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. سبحان الله العظيم.

كل شيء يخضع لأمر الله. كل شيء يسجد لأمر الله. إلا عتاة بني آدم. عتاة بني آدم ما يخضعون لأمر الله. "وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ".

كمل. والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس. وكثير حق عليه العذاب. أتدري ما الكثير الذي حق عليه العذاب بالنسبة لمن سجد؟ تسعة وتسعون من الألف. هؤلاء حق عليهم العذاب. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: يقول الله تعالى يوم القيامة: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك. فيقول الله له: اخرج من ذريتك بعثاً إلى النار. اخرج من ذريتك بعثاً إلى النار. فيقول: يا ربي، وما بعث النار؟ آدم، الآن امتثل ولا لم يمتثل؟ نظر. ما قلنا في القلم قبل قليل؟ آدم امتثل، لكن قال: ما هو بعث النار؟ كم؟ فقال: من كل ألف، تسعمائة وتسعة وتسعون. هؤلاء بعث النار. أهل النار مخلدون فيها، والعياذ بالله. تسعمائة وتسعة وتسعون من الألف في النار. اللهم أنجنا من النار. أسأل الله العافية. هؤلاء أهل النار، وواحد في الجنة. ناجٍ. أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم.

فكبر ذلك على الصحابة. عظم عليهم وشق عليهم. قالوا: يا رسول الله، وأينا ذلك الواحد؟ قال: أبشروا، فإنكم في أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه. يأجوج ومأجوج منكم. يعني أيها المسلمون، واحد. ومن يأجوج ومأجوج ألف. يعني تكميل الألف. على كل حال، يا إخواني، الآن نقول إن كل شيء كتب وانتهى. شُقَّت الأقلام، وطويت الصحف. هذان شيئان.

الشيء الثالث: أن تؤمن بأن كل ما حدث في الكون فبمشيئة الله. كل ما حدث في الكون فبمشيئة الله. ما حدث من فعل الله، كإنزال المطر، وإحياء الموتى، وإماتة الأحياء، والرياح، والبرق، والرعد. هذا معروف أنه بمشيئة الله، لأنه ليس لنا فيه تدخل اطلاقاً. كلام معقول ومعلوم. غير. لكن ما سار من ما كان من فعلنا. ما كان من فعلنا. هل هو بمشيئة الله؟ أنا الآن أحرك يدي. وأسألكم: هل هو من فعل الله؟ هل هو بمشيئة الله؟ في مشيئة الله. طيب. من يستطيع أن يكشف لي كيف كان ذلك بمشيئة الله؟ تفضل. ولن نقبل منك الجواب، لأنك قدمت اليد اليسرى. وأنا حذرتكم يا إخواني، لا تأخذوا بالشمال، ولا تعطوا بالشمال. فإن الشيطان يأخذ بشماله ويعطي بشماله. فهمت؟ نعم. هذه المرة الثانية. وكفانا الله شر الثالثة. اجلس. نعم. تفضل. هذا دليل لا شك أنه دليل. لم يشأ أبداً من القرآن. هذا محال. أُسِرَّ لمن شاء. يستقيم. قال الله تعالى: "وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ". "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ". أتم. "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا". وقال تعالى: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ". وفي الآية الأخرى: "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ". إذاً، ما نفعله نحن، فإنه بمشيئة الله. انتبه. كل ما ما نفعله فهو بمشيئة الله. لكن كيف أعلم أنه بمشيئة الله؟ أعلم أنه إذا وقع ما شئته أنا، فقد... ايش؟ فقد شاء الله. ولا شك. ولا يمكن أن يكون في ملك الله ما لا يشاؤه. لا يمكن أن يكون في ملك الله ما لا يشاءه الله أبداً. ثم المشيئة من الناحية العقلية. المشيئة صفة من صفات الإنسان أو لا؟ مشيئة الإنسان صفة من صفاته. والله ما أدري. اختلفتم. مشيئة الإنسان صفة من صفاته. نعم، لا شك. والإنسان مخلوق لله. وكل شيء مخلوق، فصفاته مخلوقة. والخالق صفاته غير مخلوقة. لأنه خالق. فصفاته غير مخلوقة. الآدمي مخلوق، فصفاته مخلوقة. إذاً، مشيئتك مخلوقة لله باعتبار أنها صفة من من صفاتك. طيب. عرفتم الآن الدليل السمعي الأثري والدليل العقلي النظري في أن مشيئة الإنسان كائنة مخلوقة لله عز وجل.

الأمر الرابع: الخلق. الأمر الرابع مما لا بد منه في الإيمان بالقدر: الخلق. وهو أن تؤمن بأن الله تعالى خالق كل شيء. بأن الله خالق كل شيء. فهمت؟ قال الله تبارك وتعالى: "اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ". وقال تعالى في الآية التي نحن بصددها: "إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ". حركاتك مخلوقة لله، ولا لا؟ لكنها فعل لك. ولهذا لا يُنسب فعلك لله، وإنما يُنسب فعلك لك. لكن الذي خلق هذا الفعل هو الله. فالإنسان هو المصلي، وليس الله المصلي. هو الصائم، هو المتصدق، هو البار، هو العاق، هو الواصل، هو القاطع. فالفعل فعل الإنسان، لكنه مخلوق لله، لأن فعل الإنسان ناتج عن أمرين: عن إرادة وقدرة. أنتم معي؟ فعل الإنسان ناتج عن إيش؟ عن إرادة وقدرة. لأنه إذا لم يُرد لم يفعل. قلت لصاحبك: يا فلان، هيا إلى صديقنا. قال: لا يفعل. أو لا يفعل. انتبه. قلت لصاحبك: هيا إلى صديقنا فلان. قال: لا والله، بروح هناك. هل يفعل أو لا يفعل؟ لماذا؟ لعدم الإرادة. قلت لصاحبك وهو مشلول، وليس عندك آلة تحمله عليها: يلا يا فلان، نزور صديقنا فلان. يذهب؟ ما يذهب؟ ما يذهب. ليش؟ غير قادر. إذاً، فعل الإنسان ناتج عن أمرين: عن إرادة، وايش؟ وقدرة. من خلق الإرادة؟ الله. من خلق القدرة؟ الله عز وجل. إذاً، فعلك مخلوق لله، لأن الفعل لا يكون إلا بإرادة جازمة وقدرة تامة. وإذا كانت الإرادة الجازمة والقدرة التامة مخلوقتين، مخلوقتين لله، لزم أن يكون فعلك ايش؟ مخلوقاً لله عز وجل. ولهذا قال الله تعالى: "وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ". أي خلقكم وعملكم. أنت مخلوق لله، وعملك مخلوق لله.

الأشياء إذاً أربعة. ما شاء الله. قبل أن تسألوا، ولعل إشارتكم قبل السؤال تقتضي حرمانكم من من طلب الجواب. لأن من استشهد قبل أن يستشهد، من شهد قبل أن يستشهد، فعند بعض العلماء ترد شهادته. طيب. الآن أسأل: ما هي الأربعة التي لا بد للإيمان بالقدر منها؟ الضيف. يلا. هذا واحد. تمام. نعم. تمام. بارك الله فيك. هذا لا بد منه. لا يمكن أن يتم الإيمان بالقدر إلا بهذه الأمور الأربعة: الإيمان بالعلم، بالكتابة، بايش؟ بمشيئة الله، بخلق الله. ولهذا جمعت هذه الأربعة في بيت أنشدكموه مرة أو مرتين أو ثلاثاً، ثم أطالبكم فيه:

علمٌ كتابٌ مولانا مشيئتهُ وخلقُهُ وهو إيجادٌ وتكوينُهُ.

المرة الثالثة: علمٌ كتابٌ مولانا مشيئتهُ وخلقُهُ وهو إيجادٌ وتكوينُهُ. وعليكم الجواب. أحسنت. تمام. علمٌ كتابٌ مولانا مشيئتهُ. هذه ثلاثة في الشطر الأول. وخلقُهُ في الشطر الثاني. وهو إيجادٌ وتكوينُهُ. وعرفتم الأدلة الدالة على ذلك.

والقدر تنازعت الأمة فيه، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم على أصحابه وهم يتنازعون في القدر، فغضب عليه الصلاة والسلام من ذلك غضباً شديداً، لأن التنازع في القدر خطير جداً. ولذلك ضل فيه طائفتان ضلالاً مبيناً. طائفة تقول: لا قدر في أفعال العبد. لا قدر في أفعال العبد. تعني أن العبد مستقل بفعله، ليس إلا في تعلق اطلاقاً. مثلاً: أتكلم بإرادتي، أفعل بإرادتي، أذهب بإرادتي، أرجع بإرادتي، لا بإرادة الله، وليس إلا تعلق في فعله. انتبه. هؤلاء من هؤلاء؟ يسمون القدرية. نفاة القدر. الذين هم مجوس هذه الأمة. مجوس هذه الأمة. لأن المجوس يقولون: الحوادث لها خالقان. خالق للخير، وخالق للشر. هؤلاء المقدرية يقولون: الحوادث لها خالقان. حوادث تتعلق بفعل الله، خالقها الله. حوادث تتعلق بفعل العبد، خالقها من العبد. هؤلاء يقولون: الإنسان يفعل في اختياره، ولا علاقة لله بهم. فقابلتهم الجبرية ببدعة أقبح. قالوا: الإنسان مجبر على عمله، ليس له إرادة ولا قدرة ولا اختيار أبداً. مجبر إجبار على العمل. يصلي؟ جبراً. يصوم؟ جبراً. غصب عليه، وليس له إرادة. رجلان، أحدهما... نعم. رجلان على سطح. أحدهما دفعه شخص مع الدرج حتى تدحرج بغير اختيار. وتعرفون الإنسان لو دحرجك من أعلى الدرج وهو قوي، تمسك نفسك ولا لا؟ لا تمسك نفسك. خص تندفع. وآخر نزل من الدرج بهدوء، درجة درجة. يقولون: إن فعلهما سواء. كل منهما ايش؟ مجبور. الأول الذي يتدحرج، والثاني الذي ينزل درجة درجة. هل هذا معقول؟ معقول؟ لا والله، غير معقول. لكن لغلوهم في إثبات القدر، سلبوا الإنسان قدرته واختياره. وقالوا: الإنسان حركاته كحركات السعفة في الهواء، وحركات الأشجار في الرياح. مثل واحد منكم يأتي يحرث الدرس باختياره ولا بغير اختيار؟ على رأي الجبرية، بغير اختيار. بغير اختيار. وذهبت طائفة تحتج بالقدر، سلكت مسلك الجبرية في المعاصي، ومسلك القدرية في الطاعات. إذا فعل الإنسان منهم الطاعات، قال: فعلتها باختياري، وشمخ بأنفه، وقال: أنا من أنا؟ وزكى نفسه. وإذا عصى، قال: الله فلان، اتق الله. قال: والله غصب عليك. صار ايش؟ جبرياً عند المعصية. قدرياً عند الطاعة. يحتج بالقدر في المعاصي، ولكنه في الطاعات كانه الذي فعل، فمنّ على الله بعمله. والحمد لله. الحمد لله الذي هدى الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه.

ويذكر أن رجلاً من المعتزلة جلس إلى شخص آخر مخالف لرأيهم. فقال المعتزلي: سبحان من تنزه عن الفحشاء. سبحان من تنزه عن الفحشاء. الفحشاء من فعل العبد، ولا لا؟ "وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا". على الفحشاء. طيب. قال هذا القدري: سبحان من تنزه عن الفحشاء. نعم، المعتزلي هو قدري. المعتزلة هو القدري. سبحان من تنزه عن الفحشاء. فقال له السني أو المقابل: سبحان من يكون في ملكه إلا ما يشاء. والفحشاء حدثت في ملك الله، ولا خارج ملك الله؟ في ملك الله. الإنسان مملوك لله، وعمله مملوك لله، كله. فقال له القدري أو المعتزلي: أ رأيت إن منعني الهدى وقضى علي بالرد، أحسن إلي أم أساء؟ شوف كيف ينزل. أ رأيت إن منعني الهدى وقضى علي بالرد، أحسن إلي أم أساء؟ فقال له خاطبه: إن منعك ما هو فقد أساء. وإن منعك ما هو فضله، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وهنا نقول: إذا من الله على الإنسان بالطاعة، فهو ايش؟ فضل الله وإحسانه. وفضل الله يؤتيه من يشاء. فبهت القدر، وعجز عن الإجابة.

أعود فأقول: الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة، ولا يتم إلا بأربعة أمور عرفتموها. واعلم أن للإيمان بالقدر ثمرات جليلة. منها أنه من تمام الإيمان، لأنه أحد أركانه. ومنها أنه من تمام الإيمان بربوبية الله عز وجل. ومنها أن الإنسان يطمئن. أن أصابه مرض، فبقدر. من؟ بقدر الله. أن أصابه صحة، فبقدر الله. أن سرق ماله، فبقدر الله. أن هلك ولده، فبقدر الله. تجده مطمئناً. تجد المؤمن بالقدر مطمئناً دائماً. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ". لأن المؤمن يقول: أنا عبد، أنا مملوك. يفعل بي سيدي ومالكي ما شاء. أليس كذلك؟ فتجده مطمئناً، راضياً. إن أصابته الضراء صبر واحتسب الأجر، وقال: عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. ولهذا يذكر أن بعض الصالحات قطع إصبعها ولم تتكلم بشيء. لم تتكلم بشيء. فقيل لها: مالك يا فلانة؟ قالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها. كلمة عظيمة. الإنسان إذا ابتُلي بمرض أو بجرح أو بغيره، وذكر الأجر، يهون عليه، ولا لا يهون؟ يهون عليه. يقول: هذا يكفر الله به سيئاتي، ويكثر به حسناتي، مع الاحتساب وانتظار الفرج. فالإيمان بالقدر من أكبر أسباب طمأنينة القلب.

من فوائد الإيمان بالقدر أن الإنسان لا يفخر بنفسه إذا عمل عملاً صالحاً. كما قال تعالى: "مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ". التعليل. اقرأ لكي لا تأسوا على ما فاتكم. لا تحزنوا إذا فاتكم شيء، لأن هذا الشيء مكتوب، لابد أن يقع. "وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ". أي لا تفرحوا فرح بطر وخيلاء بما أعطاكم. "وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ الْبَطِرِينَ". فانت يا أخي، آمن بالقدر إذا أردت الطمأنينة، والرضا، والسرور، والانشراح. لا تجزع من مصيبة، ولا تفخر بحسنة. كن دائماً مع الله عز وجل.

لكن المعاصي. المعاصي يجب أن لا ترضاها لنفسك، ولا لغيرك. يجب أن تنأى عن المعاصي، وأن تنهى عن المعاصي. حدث النبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم قال: "ما منكم من أحد". استمل الحديث العظيم. "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار". كل مكتوب. نسأل الله أن يجعل مقعدنا في الجنة. كل شيء مكتوب. قالوا: يا رسول الله، إذاً ندع العمل ونتكل على ما كتب. الصحابة أوردوا على الرسول هذا. ما دام شيء مكتوب، ليش نعمل؟ قال: "اعملوا، فكل ميسر لما خلق له". ثم قرأ: "فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى". لا تقل: والله إذا كان المقدم علي أني من أهل الجنة، فأنا من أهل الجنة ولو كنت نائماً. وإن كان أن كان من أهل النار، فهو من أهل النار ولو كنت قائماً. لا تقل هكذا. اعمل.

أرأيتم الآن لو أن شخصاً قيل له: تزوج، يأتيك الأولاد. قال: إن كان الله قدر يجون، في هذا... ايش؟ ها؟ هذا مجنون. قبل أن نقول: من يأتيهم، نقول: أنت مجنون. خلف الله عليك عقلك. تزوج، يأتيك الأولاد. قال: كان أولادي كان مقدر. هل أحد يرضى منه هذا؟ طيب. اعمل صالحاً لتدخل الجنة. قال: والله إذا كان أنا من أهل الجنة، فسوف... ايش؟ سأدخلها. ما يمكن تدخل إلا بعمل. اعمل. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، وجزاه الله عنا أفضل ما جزى نبياً عن أمته، قال هذه الكلمة الموجزة الواضحة القاطعة: "اعملوا". لابد من عمل. "فكل ميسر لما خلق له". واحد مثلاً جالس يصلي في بيته، وهو ممن تجب عليه الجماعة. قل له: يلا، امشِ صلِّ مع الجماعة. صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفجر بكم؟ سبعة وعشرين درجة. كان الكاتبين الدرجات بحصر. هل هذا معقول؟ نعم، غير معقول. إذاً، لابد أن نعمل. لأننا في الحقيقة يا جماعة، في الحقيقة لا ندري ما المكتوب لنا إلا إذا وقع. صح؟ هل منكم أحد يعمل، يعلم أنه سيقع غداً شيئاً؟ هو يقدر في ذهنه أنه غداً بيصوم، وبيحضر الدرس، وبيقوم يصلي الضحى، وبيقرأ القرآن، وما أشبه ذلك. يقدر هذا. لكن هل يعلم أن ذلك سيكون؟ لا. قد يحال بينه وبينه. ولهذا نهى الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: "وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ".

فأنت اعمل. وإذا عملت، علمنا أن الله كتب لك ما عملت. "اعملوا، فكل ميسر لما خلق له". قال النبي عليه الصلاة والسلام: "أما أهل السعادة فيُيسَّرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فيُيسَّرون لعمل أهل الشقاوة". ولذلك تجد شخصين أخوين شقيقين، أحدهما سلك طريق الخير، والثاني سلك طريق الشر. والمنبت واحد، والبيت واحد، والأب والأم واحد. ولكن هذا أراد الخير فهُدي له، وهذا أراد الشر فهُدي له. واضح؟ "فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ". والله لن يُضِلَّكَ الله إلا وهو يعلم أنك تريد الضلال. ولذلك احرص يا أخي، احرص على إحسان النية، ومعاملتك مع الله. اجعل عملك خالصاً لله عز وجل. لا تراعي فيه أحداً، ولا تريد أن يمدحك الناس. هذا واحد. والثاني: اتبع الشرع. اتبع الشرع. قد يكون تهجد الإنسان خيراً، لا شك. وقد يكون غير التهجد أفضل منه. ألم تعلموا أن نبيكم عليه الصلاة والسلام يحث على اتباع الجنائز، ومع ذلك يفوت جنائز كثيرة ما حضرها. لماذا؟ لأنه مشتغل بما هو ايش؟ بما هو أفضل. ألم تعلم أنه يصوم حتى يقال: لا يفطر، ويفطر حتى يقال: لا يصوم. هكذا جاء الحديث. لأنه عليه الصلاة والسلام يتبع ما هو الأفضل. فأنت احرص على اتباع السنة، فهو خير.

وسأسأل واحداً منكم عن رجل قام يصلي سنة الفجر، فأطال فيها. أطال القراءة، أطال الركوع، أطال السجود، لأنه يحب أن يقرأ، يحب أن يسأل، أن يدعو الله. وآخر صلى سنة الفجر فخفف، خفف حتى يقول القائل: إنه لم يقرأ بفاتحة الكتاب. أيهما أفضل؟ ما شاء الله. الحمد لله. الحمد لله جعل منا علماء. يلا. الثاني. بارك الله فيك. الأفضل الثاني الذي خفف، لأنه اتبع للسنة من الأول. مع أن الأول أكثر عملاً، لكن من وافق السنة، فعمله هو الأفضل، وإن قل.

واستمع إلى قول الله تعالى: "هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا". أحسن، ولا أكثر؟ أحسن عملاً. وكلما كان أوفق للشرع، فهو أحسن. فعليك يا أخي بهذه القاعدة المهمة. وأسأل الله تعالى أن يهديني وإياكم صراط المستقيم، وأن يتوفانا في الدنيا والآخرة، وأن يجعل خير أعمالنا آخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وأن يجعل لنا من بركات هذه الليالي الثواب الجزيل والخير الكثير.