📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

قصة مؤثرة لتائب من الإباحية

الدكتور إياد قنيبي - القناة الرسمية51:41

Transcription

السلام عليكم ورحمه الله وحياكم الله يا كرام. قبل أيام التقيت بشاب أخبرني عن قصة توبته من الإباحية، وكانت مؤثرة للغاية. مما زادها جمالاً أنه كان يحدثني ويبكي، يحدثني ويبكي. والشاب ما شاء الله يشع من وجهه فيما نحسبه الإيمان والسكينة والطمأنينة.

فقلت له: "لازم تكتب لي هذه القصة حتى ننشرها لإخواننا وأخواتنا". كاتب لي القصة بالفعل. فسألته عن بعض النقاط، أخبرني بها إلى أن خرجت هذه القصة بالشكل الذي سوف تسمعونه. وهي مليئة بالفوائد ومؤثرة للغاية. لذلك ما سأفعله معكم الآن هو أني سأمشي مع القصة، أحكي لكم القصة التي حكاها الشاب الذي بعث لي إياها، ثم بعد ذلك نعود ونستخرج الدروس والعبر من بعض فقراتها. فتعالوا نسمع القصة كما أرسلها صاحبنا.

طيب، يقول: "كانت البداية أني نشأت في أسرة عندها حب للدين بصدق، ولكن الفجوة بين الأقوال والأفعال فيما يخص الدين كبيرة جداً. فكانت النتيجة أني أول ما بدأت أكبر، بدأت أنفلت من أوامر الدين التي كان يمليها علينا والدي الذي كان لا يطبق ما يقول وما يعلمنا إياه من الدين. إذا والده يقول لهم: 'اعملوا، سووا، الدين يأمر بكذا'، ولكن هو نفسه عنده تفلت من بعض الأحكام. فهم لما كبروا هم أنفسهم أيضاً صاروا يتفلتوا من الدين".

قال: "ولكن في ظل كل هذا الاضطراب في التربية، كان والدي غفر الله له وجزاه عنا خيراً، كان يغرس فينا الصدق. فأذكر حديثاً للنبي صلى الله عليه وسلم كان والدي يكرره علينا عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً. وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً'. والحديث رواه البخاري ومسلم".

قال: "وكان يتردد معنى الصدق في رأسي وينغرس في قلبي بفضل الله سبحانه وتعالى". إذا أبوهم، على الرغم من وجود بعض المشاكل في السلوك، لكن كان يغرس فيهم قيمة إيش؟ الصدق.

طيب، قال صاحبنا: "مضت السنوات، كبرنا، التربية الإيمانية ضعيفة، صحبة فاسدة، سوشيال ميديا، إنترنت مفتوح على المواقع الإباحية، اختلاط في الكلية والجامعة والشارع وأماكن العمل، وشاب متأجج فيه الشهوة بشكل فطري في هذا العمر. فماذا كانت النتيجة؟ النتيجة هي التعبير الذي استخدمته يا دكتور إياد في حلقات الحرب على الفطرة: حالة من السعار الجنسي".

يقول: "اللي صار معنا أنه صار عندنا سعار جنسي كما وصفت في حلقات الحرب على الفطرة. قال: 'كنت أنام وأصحو وما عندي إلا هم واحد: كيف أستجيب لشهوتي؟ كيف؟ ليش؟ مع مين؟ شو الطريقة؟ مش مهم، المهم بدي أفرغ الشهوة والسعار اللي أنا فيه'. وكان أكبر باب للشهوة هو المواقع الإباحية، والتي أدمنت عليها شيئاً فشيئاً. ثم اكتشفت مع الوقت أنها تجرني جراً لرغبات كنت أستحقها وأقرف منها، ومع ذلك لم أستطع تركها. فلم يكن هناك ضابط للشهوة ولا وازع ديني يوقفني".

قال: "إلى حد أنني تعودت على المشاهد الإباحية المعتادة، فصرت أبحث عما هو أقذر وأفحش، الله يغفر لي ويعفو عني. ولدرجة أني صرت أنظر لأي أنثى حولي بنظرة غريزية بحتة، والعياذ بالله. يقول صاحبنا: 'تشوهت نفسيتي تماماً وانسلخت عن فطرتي'. وكنت أظن مع ذلك أني لا زلت أملك نفسي وأتحكم فيها، إلى أن هداني الله سبحانه وتعالى بفضله ومنته وكرمه وحلمه ورحمته إلى سلسلتك يا دكتور إياد والمعنونة بسلسلة الحرب على الفطرة".

يقول صاحبنا: "فلما دللت على سلسلة الحرب على الفطرة، سمعت فيها ما تشيب له مفارق الولدان. وأكثر ما أثر في كانت الحلقة الرابعة تحديداً، والتي عنوانها 'حقائق صادمة: التجارة باسم حقوق الطفل والمرأة'. والتي اكتشفت بعدها أني كنت أساق سوقاً للحالة الشعورية من السعار الجنسي الذي أنا فيه. اكتشفت أني عايش بكذبة كبيرة كبيرة اسمها منظمات حقوق الإنسان والمرأة والطفل، خصوصاً أني اشتغلت معهم في مركز طبي وكنت أستغرب من بعض ما أراه، ثم فهمت السبب لما حضرت الحلقة".

يقول صاحبنا: "أكثر شيء وجع قلبي بعد كل هذه الفضائع التي سمعتها في الحلقة هو اكتشافي أنني بسبب الشهوة المنفلتة التي دفعتني لمتابعة الإباحية، أصبحت جزءاً من منظومة تجارة الجنس وتجارة البشر والمخدرات وغيرها. يعني أصبحت أنا سبب في كل هذه الجرائم. كيف؟ أنا لما أفتح هذه المواقع الإباحية، فأنا أمول هؤلاء الناس. متابعتي لهذه المقاطع هي سبب أن هؤلاء المجرمين يزدادوا في شغلهم أكثر ويحرصوا يجيبوا كمان نساء وبشر يتاجروا بهم للجنس. فكل ما زاد الدخول على هذه المواقع يزداد نهمهم وطغيانهم. فاكتشفت أني مشارك في كل هذا. وليش كل هذا؟ عشان شهوة ما تتعدى لحظات. فقلت لنفسي: كم من الناس تألموا من ورائي أنا وأمثالي. والله للحظة تخيلت الأطفال والنساء الذين يتاجر فيها لأجل الجنس والإباحية، فكنت بدي أموت من القهر".

"طبعاً حاول الشيطان يقنعني أنه مش لهالدرجة، وأنت شو دخلك، وكلها كم مقطع وما تكبر الموضوع. وهنا كان موضوع الصدق الذي أحسب أن ربنا نجاني به من كل هذا. فقلت لنفسي بوضوح: أنا مجرم إذا بضل بهالدوامة من الإباحية. وبدأت أحاول أبعد عن أي شيء ممكن يدفعني للإباحية بصدق. فأول ما خطر ببالي السوشيال ميديا، سألت حالي بصدق: أنت شو مستفيد منهم؟ فيسبوك، انستغرام، سناب، وغيرهم. طبعاً الشيطان صار يذكرني أنه لا تمسح تطبيقات السوشيال ميديا، بيطلع لك موعظة مرات عليها فبتستفيد منها، بتوصل رحمك، وبتعزي المسلمين من خلالها. فجأة الشيطان صار يدلني على الخير. لكن من فضل الله سبحانه وتعالى علي أنه أكرمني بالصدق، فقلت: ما بدي إياهم، ومسحتهم بالتدريج. ووالله الذي لا إله إلا هو يا دكتور، أنه من هنا بدأت أعيش. أنا اكتشفت أني كنت مستعبد، والله هذا هو الوصف الدقيق للي كنت عايش فيه فعلاً، مستعبد للإباحية والسوشيال ميديا وأفكار الناس اللي زيي وغرقان فيها. والأسوأ من كل هذا، والأسوأ من كل هذا، أني مفكر حالي صاحب قرار واني لي شخصية وأفكار. ومن فضل الله سبحانه وتعالى علي أنه أكرمني وثبتني وعافاني من كل هذا الضلال. فتبت من الإباحية وتركت السوشيال ميديا. لكن كان لا يزال هناك عادات كثيرة سيئة ما تركتها، كما سأذكر بعد قليل".

"بعد شهور من توبتي، دخلت في حالة اكتئاب حاد. الناس صارت تبعد عني، وحتى أصحاب الشغل طلبوا مني أدور على شغل ثاني وأترك لأني أصبحت لا أطاق. دائماً حزين، ما في شيء ممكن يفرحني. كل يوم أصحى من النوم أبكي أني ليش صحيت. ما أظل أي معنى للحياة في عيني أبداً. بدأت أفكر أني ليش ما أخلص من هالمعاناة وأنتحر. قلت لنفسي: أعطي لحالك فرصة، وروح على طبيب نفسي. طبعاً كنت أصلي بس على كيفي، يعني على فضاوطي، وكنت أدخن وعادي أتعاطى مخدرات إذا صح لي، وأحكي مع بنات المسلمين ولساني فالت، وفي غض بصر، وبسمع أغاني، وشوية غيبة على عقوق على قطع رحم إلى آخره. كل هذا ومستغرب ليش مكتئب؟ كانت تتردد في رأسي آية: 'وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ'. وآية: 'وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ'. فكنت صادقاً ومقتنعاً أنه أنا المشكلة، بس مش قادر أعرف بالضبط شو لازم أعمل. لكن قد تستغرب يا دكتور أني أثناء كل هذا التخبيط، كان لا يزال عندي، كان لا يزال عندي تعظيم لله، وهذا مما غرسه أبي فينا، جزاه الله عنا خيراً. يعني كنت لا أقبل أن أسمع الكفر أبداً".

قال: "استمر الاكتئاب الذي حكيت لك عنه، إلى أن في يوم كنت قاعد أدخن وأوعظ شاب مسكر بوجه الدنيا وبدور على شغل. فكنت بقول له: يا زلمة، ما هو أنت صلي عشان ربنا يرزقك. ربنا يقول: 'وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ'. يعني صلي والله سبحانه وتعالى بيرزقك يا زلمة، واضحة. فصفن الشاب، يعني سرح، وقال لي: إن شاء الله. هلا عشان نفهم إخوانا، صاحبنا يتكلم عن صاحبه اللي كان بيشكي له أنه أنا مسكر الدنيا في وجهي مش لاقي عمل. فصاحبنا بقول لصاحبه: خليني أسمي صاحبه هذا نسميه عمار عشان ما نتخربط. فصاحبنا بيحكي لعمار: يا عمار، مبينة المسألة، روح صلي يا رجل، صلي عشان الله يرزقك. فعمار صفا سرح. وقال: إن شاء الله. بعد أسبوعين تقريباً، رأيته بوجه غير الوجه الذي أعرفه. عمار، يعني صاحبنا، رأى عمار بوجه مختلف. قال لي: ما حكيت لك شو صار؟ ربنا رزقني محل، هيني بديكور فيه، يعني بعمل له ديكور. وأهم من المحل أني صرت أصلي الحمد لله. قال: وكان هذا الخبر من أجمل الأخبار اللي سمعتها وأنا في قمة كآبتي في هذيك الفترة. العجيب أنه بعد فترة، هذا الشاب عمار هو نفسه صار له ورد من القرآن، من فضل الله سبحانه وتعالى. فكان يقرأ بسورة طه. صور لي عمار الصفحة اللي فيها آية: 'وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ'. وبعث لي إياها وقال لي: تذكرتك ودعيت لك. ليش؟ لأنه صاحبنا هو اللي ذكر بهي الآية: 'وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ'".

يقول صاحبنا: "قرأت صفحة القرآن اللي بعث لي إياها عمار، وقرأتها وأنا مكتئب وبدور على حل. وإذا بي أقرأ في نفس الصفحة قبلها بآيات قول الله تعالى: 'فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ'. قال صاحبنا: 'لعلك ترضى'. آها، أنا هذا اللي ناقصني، وهون مشكلتي. كل شيء بحياتي تمام، بس مش راضي. مهنتي ممتازة، راتبي ممتاز، بس مش راضي. الحل سبحان الله وبحمده. الآية ماذا تقول؟ 'وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ'. قال: الحل سبحان الله وبحمده. تمام، رح أظل أحكيها. قال: ظلت على لساني أسبوع أو عشر أيام. رأيت بعدها رؤيا، وقع في قلبي تفسيرها أول ما صحيت أن الله سبحانه وتعالى أذهب عنك ما فيه من هم. والله يا دكتور، صحيت واحد ثاني تماماً، تماماً، تماماً. قمة السعادة والفرح والتفاؤل والهمة بفضل الله تعالى ورحمته ومنته وكرمه سبحانه. فتعافيت من الاكتئاب وبدأت أنظف حياتي. لكن لسه في ضعف وفي معاصي".

يقول صاحبنا: "وفي ليلة قاعد بقلب مقاطع اليوتيوب، وما كنت مسحته لأنه ضرره أقل بكثير من الانستغرام والسناب شات. فقاعد بقلب ومدخن نص باكيت وزهقان حالي، وكل شوي بقول: هسه بقوم بصلي الوتر. يعني شوي بقوم بصلي الوتر. طلع لي مقطع قصير لك يا دكتور إياد تتكلم فيه أنك أتيحت لك الفرصة أن ترتع مع الراتعين في أمريكا وأن تخوض في الدنيا وشهواتها، ولكن أم المسلمين منعتك من هذا. وذكرت فيه قصة كوم الرماد في مسجد باندونيسيا. هذه قصة حكيناها للي متابعنا".

قال صاحبنا: "ربنا جعل في هذا المقطع أثراً عظيماً، عظيماً، عظيماً في قلبي. قلت لحالي: كل الأم هالمسلمين، وأنا مش قادر أساعدهم ولا حتى بأني أترك ذنوبي، لعل الله يقبل مني وينظر لي ولهم بعين الرحمة. صرت أدعي وأبكي وأكسر الدخان بأصابعي. أقول: ربنا سبحانه يا رب بترجاك، بدي أتركه عشانك يا رب، نصرة للأمة. أنا مش قادر أعمل شيء، بس هيني بدي أترك الذنب عشان أساعد بأي شيء. وأبكي وأقول: يا رب أنا خايف، يا رب أنا خايف أرجع. بترجاك، بدي أرجع، ثبتني وأعني وأكرمني. وأبكي وأترجى ربنا وأقول له: أنا بقدر، بس أنت على كل شيء قدير. يا رب، حتى صرت أقول: مشان الله يا رب".

"وحط لي إيموجي ابتسامات. حتى صرت أقول: مشان الله يا رب".

يقول: "وكانت تلك الليلة مع الله سبحانه وتعالى بداية الأفراح. وكانت تلك الليلة مع الله سبحانه وتعالى بداية الأفراح. أكرمني سبحانه، فترة قصيرة كنت متعافياً من الدخان وآثاره تماماً بفضل الله وبرحمته. ثم أكرمني صرت أتعلم تجويد القرآن. ثم أكرمني صرت أصلي في المسجد الخمس صلوات. ثم لحيتي طالت. ثم صيام اثنين وخميس. ثم صحبة صالحة. ثم زوجة أحسبها مؤمنة صالحة مصلحة تقية بارة تحب الله ورسوله، أحسبها ولا أزكي على الله أحداً. وزادني بها هداية ولله الحمد. ووهب لي بفضله ورحمته بنتاً وولداً، أسأل الله أن يجعلهما من الصالحين المصلحين الصديقين المتقين. ومن فضل الله ورحمته أن جعلني سبباً في هداية أهلي وإخواني وأخواتي وكثير ممن حولي. ووالله، والله، والله أني أعيش سعادة لا يعلم بها إلا الله من فضله ورحمته وكرمه وجوده سبحانه. وصرت والحمد لله أصحو مبسوطاً من النوم، أحمد الله سبحانه وتعالى على فيضان النعم التي أكرمني بها، وأهمها الهداية. اللهم لك الحمد".

يقول صاحبنا في الختام: "أسأل الله العظيم أن يثبتنا على دينه حتى نلقاه وهو راض عنا، وأن يستعملنا في نصرة الدين وأهله إلى يوم الدين". ثم أخونا دعا للعبد الفقير وختم بقوله: "والحمد لله رب العالمين". أي والله الحمد لله رب العالمين. هذه هي القصة باختصار.

طيب يا إخوانا، بعد أن انتهينا من عرض قصة صاحبنا التائب من الإباحية، تعالوا نستنبط منها الفوائد والعبر درساً درساً، وهي دروس مهمة جداً ونافعة جداً بإذن الله.

**الفائدة الأولى:** بعض الشباب إذا استقام بدأ ينظر إلى والديه بعين اللوم: "أنتم قصرتم، أنتم سبب ضياعي، أنا عانيت بسبب تقصيركم في تربيتي". في قصة الأخ التائب من الإباحية، صاحبنا ذكر أن والده كان يحب الدين، لكنه لم يكن يطبق كل ما يعلمه أبناءه. أخبرني أنه كان يقسو عليهم ويضربهم أحياناً دون داعٍ، ويحضر بعض المناسبات المختلطة، ومع ذلك يقول لهم: "صلوا واذهبوا إلى مراكز القرآن". ومع ذلك، لاحظوا أدب صاحبنا لما تكلم عن والده. لم يقل: "أبي دمرني، أبي هو السبب في انجرافي وانحرافي"، بل قال: "كان والدي غفر الله له وجزاه عني خيراً، يغرس فينا الصدق". شوفوا الأدب! يدعو لوالده وينصفه، ويلتقط الجانب الطيب في تربيته على الرغم من وجود الأخطاء وشيء من القسوة.

**العبرة هنا يا إخوانا:** أن الاستقامة مش معناها أنك تطلق لحيتك وتصلي في المسجد وتترك المعصية فقط. من أعظم آثار الاستقامة أن يلين قلبك ويحسن خلقك، ويرى والداك من تدينك رحمة وبراً لا قسوة وانتقاماً. وأن تنظر لمن حولك عموماً نظرة رحمة. تذكر قول الله تعالى: "كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ". أنت كنت في ضلال والله أنقذك، فخلّ عندك رحمة للناس الذين لم ينالوا من الهداية ما نلته أنت. وأولى الناس بهذه الرحمة والدك.

**الفائدة الثانية:** بعض الناس تقول له: "لماذا لا تصلي؟ لماذا لا تقترب من ربنا؟" فيقول لك: "أبي كرهني في الدين، كان يأمرنا بالصلاة ثم نراه يخالف ما يقول، كان يقسو علينا، فكرهت الالتزام كله". شوف قد يكون أبوك أخطأ، وقد يكون بعض المتدينين شوهوا لك صورة الدين، لكن هذا ليس عذراً لك. في قصة الأخ التائب من الإباحية، صاحبنا عانى من قسوة أبيه وتناقض أبيه في التربية، ومع ذلك لم يتخذ ذلك ذريعة لكراهية الدين. فالعبرة هنا يا إخوانا أنه لا تضحك على حالك. خطأ الناس لا يسقط حق الله عليك، بل الأصل أنك تغار على دين الله من سوء تمثيل بعض الناس له. لا تجعل قسوة أب أو سوء خلق متدين حجاباً بينك وبين ربك. قال الله تعالى: "بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ". سيسأل كل واحد عن نفسه، ولن تنفعه أعذار صنعها من أخطاء الآخرين.

**الفائدة الثالثة:** بعض الآباء يستهين بآثار المبادئ التي يحاول غرسها في أولاده، خاصة إذا لم يرَ أثرها مباشرة، بل ربما رأى عكسها في سلوكهم. في قصة صاحبنا، مع أن والده كان عنده تقصير وتناقض في التربية، إلا أن قيمة واحدة غرسها في أبنائه بقيت تعمل في قلب هذا الشاب سنوات طويلة: قيمة الصدق. فلا تستهن بأي قيمة تربوية تغرسها في ولدك وهو صغير. قد لا ترى أثرها يوماً، وقد يبتعد الولد سنوات، لكن كلمة صادقة، وخلقاً تغرسه، وتعظيماً لله تزرعه في قلبه، قد يكون بعد سنوات حبل نجاة، حبل النجاة الذي يرجع به إلى الله.

**الفائدة الرابعة:** بعض الآباء يعطي ابنه الموبايل والإنترنت مفتوحين على كل شيء، ثم يتفاجأ بعد سنوات: "ليش ابني تغير؟ ليش صار متعلق بالشاشات؟ ليش قلبه صار قاسي؟" وإذا عرف أن ابنه دخل في الإباحية يصعق: "ابني معقول؟ ابني اللي ربيته يعمل هيك؟" في قصة الأخ التائب من الإباحية، صاحبنا قال عن مرحلة الشباب المبكر: "تربية إيمانية ضعيفة، صحبة فاسدة، سوشيال ميديا، وإنترنت مفتوح على المواقع الإباحية". وهنا العبرة يا إخوانا: ترك الموبايل مفتوحاً في يد ابنك أو بنتك من تضييع الأمانة. هو من تضييع الأمانة. ولا تقل: "أنا أثق بتربيتي، أثق بابني وبنتي". المسألة مش مسألة ثقة بأبنائك، بل عدم ثقة بالذين يريدون إفسادهم بكل وسيلة. شاب في عمر الشهوة المتأججة تعطيه وسيلة تعلم أنت أن الخبثاء يدخلون منها لإفساده، ثم تقول له: "دير بالك على أخلاقك". هذا مثل من يرمي ابنه في البحر ثم يقول: "إياك أن تبتل بالماء". ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له: "إياك إياك أن تبتل بالماء". الأبوة ليست طعاماً وملابس ومصاريف وكلمات تربوية فقط. الأبوة حماية، متابعة، حوار، ووضع حدود. لا تعطي ابنك مفتاح الفتنة، ثم تبكي بعد سنوات وتقول: "من أين جاء هذا الخرب؟"

**الفائدة الخامسة:** بعض الشباب يحاول إقناع نفسه أن الإباحية مجرد تنفيس مؤقت للشهوة، ويقول: "أفرغ شهوتي وأرتاح بدل ما أقع في الحرام الأكبر". والحقيقة أن هذا المستنقع لا يطفئ الشهوة بل يؤججها، ولا يترك الإنسان كما هو، بل يغير نظرته ويشوه فطرته ويجره مع الوقت إلى ما كان يستقذره في البداية. في قصة الأخ التائب من الإباحية، صاحبنا قال: "إنه مع الوقت لم يعد يكتفي بما كان يشاهده أولاً، بل صار يبحث عما هو أقذر وأفحش، وصار ينظر لكل أنثى حولي بنظرة غريزية بحتة، والعياذ بالله". وهنا العبرة يا إخوانا: أن الإباحية ليست متنفساً، هذه كذبة. الإباحية نار كلما أطعمتها اشتعلت أكثر. ومن أراد العفاف لا يفتح باب السعار ثم يقول: "لماذا لا أستطيع أن أغلِقه؟"

**الفائدة السادسة:** يا إخواننا، أحياناً تعمل عملاً لله ثم لا ترى أثره فوراً. تتكلم، تنصح، تدافع عن دين الله، تحاول حماية أبناء المسلمين وفطرتهم، ثم ترى أن أهل الباطل ماضون، وأن كثيراً مما حذرت منه يفرض فعلاً في بعض بلاد المسلمين. هنا قد يدخل الشيطان على الإنسان ويقول له: "ما الفائدة؟ تعبنا ولم يتغير شيء". في قصة الأخ التائب من الإباحية، صاحبنا قال: "إلى أن هداني الله سبحانه وتعالى بفضله ومنته وكرمه وحلمه ورحمته إلى سلسلتك يا دكتور إياد والمعنونة بسلسلة الحرب على الفطرة". وذكر بعدها كيف كانت السلسلة سبباً في تركه لإدمان الإباحية، خاصة حلقة "حقائق صادمة: التجارة باسم حقوق الطفل والمرأة". في الواقع إخواني، هذه السلسلة لم تأتِ من فراغ. جاءت من ألم على أبناء المسلمين وفطرتهم، ومن خوف من قوانين وتغييرات تفرض باسم حماية الطفل، بينما حقيقتها أنها تفتح أبواباً خطيرة على الأطفال والأسر. نعم، فرض أيضاً ما كنا نحذر منه في بعض البلاد، لكن لم يكن هذا سبباً للتوقف أو اليأس، بل كان سبباً للاستمرار. وانظروا كيف يدبر الله عملاً تظن أن أثره محدود، وإذا به يكون سبباً في هداية شاب غارق في الإباحية، ويكون باباً لرجوعه إلى الله، وأن يصبح هو بدوره داعية يهدي به الله آخرين. وهذه دعوة منا لحضور سلسلة الحرب على الفطرة، ففيها جرعة عالية جداً من الوعي والإحساس بالمسؤولية والترفع عن الوقوع في شباك أعدائنا. وهي مناسبة لمن تجاوزوا الـ 15 أو 16 سنة. وبالمناسبة، فرض هذه القوانين كان أيضاً دافعاً لنا لإطلاق مسابقة "أنت مهم" استنقاذًا لما يمكن استنقاذه من أبناء المسلمين، وقد رأينا لها أثراً أحسب أنه بركة عظيمة من الله عز وجل. فالعبرة هنا إخواني: قدم ما تستطيع في الدفاع عن الدين، ولا تقل: "تكلمنا وما تغير شيء"، لا تقل: "الباطل انتشر وانتهى الأمر". اعمل ما تستطيع. قد لا ترى أنت الثمرة الآن، لكن الله يضع كلمتك في قلب إنسان لا تعرفه، وفي وقت لا تتوقعه، فيجعلها سبباً في نجاته ونجاة آخرين معه. أنت تعمل لله، والله يفعل بعملك ما لا يخطر ببالك.

وهنا لفتة أخرى مهمة: سألت صاحبنا: "ما الذي جعلك تحضر سلسلة لواحد مثلي كإياد، مع أنك كنت غارقاً في الضياع؟" فقال: "حتى في حالي هذا، كنت أحب أهل الدين". وهذا مش حالي أنا بس، بل حال كثير من الشباب لمثله. الفت هنا إخواني أنه لا تتعامل مع الشاب العاصي وكأنه بالضرورة يكره الدين أو يكره أهل الدين. كثير من الشباب يكون غارقاً في الشهوة، مقصراً في الصلاة، متخبطاً في حياته، لكن في داخله بقية خير ينتظر كلمة مؤثرة تترك بابه. فلا تيأس من الناس بسبب ظاهرهم.

**الفائدة السابعة:** بعض الشباب وهو يشاهد الإباحية يظن أن الموضوع بينه وبين شاشة فقط. يقول: "أنا ما آذيت أحداً، أنا جالس وحدي، فتحت مقطعاً ثم أغلقته وانتهى الأمر". لكن الحقيقة أنك حين تفتح هذه المقاطع لا ترى ما وراء الشاشة. لا ترى السوق القذر الذي تعطيه رقماً جديداً ومشاهدة جديدة وطلباً جديداً. وهذا بالضبط ما هز صاحبنا التائب من الإباحية. فلما فهم ما وراء هذه المواقع قال: "أنا لما أفتح هذه المواقع الإباحية، فأنا أمول هؤلاء الناس. متابعتي لهذه المقاطع هي سبب في أنه هؤلاء المجرمين يزدادوا في شغلهم أكثر ويحرصوا يجيبوا كمان نساء وبشر يتاجروا بهم للجنس. فكلما زاد الدخول على هذه المواقع يزداد نهمهم وطغيانهم. فاكتشفت أني مشارك في كل هذا". ثم قال: "كم من الناس تألموا من ورائي أنا وأمثالي. والله للحظة تخيلت الأطفال والنساء الذين يتاجر فيها لأجل الجنس والإباحية، فكنت بدي أموت من القهر". وهنا العبرة يا جماعة: أن الإباحية ليست معصية فردية تفعلها لوحدك وانتهى الأمر. كل مشاهدة، كل دخول، كل تفاعل هو رقم يضاف إلى سوق قذر قائم على إذلال الإنسان وتسليع الجسد ونشر السعار الجنسي لصالح مجرمين لا يرون تدمير الأعراض وحرق دنيا الناس وآخرتهم إلا وسائل لتنمية أرصدتهم. قد تقول: "أنا لا أقصد كل هذا". صحيح، قد لا تقصد، لكن عدم قصدك لا يعني أنك خارج المنظومة. فمن أعظم ما يعينك على التوبة أن لا ترى الإباحية مجرد ذنب خاص، مجرد ذنب خاص، بل مشاركة في منظومة ظالمة مجرمة يجب أن تخرج منها فوراً.

**الفائدة الثامنة:** إخواني، أحياناً إذا بدأت تدرك قبح المعصية وآثارها، يأتيك الشيطان ليهونها في عينك، فيقول لك: "مش لهالدرجة، لا تكبر الموضوع، كلها كم مقطع، أنت ضعيف، الفتن كثيرة". يعني يحاول تصغير الذنب في عينك حتى تبقى فيه. في قصة الأخ التائب من الإباحية، صاحبنا قال: "إن الشيطان حاول أن يقنعه بهذا الكلام". لكن هنا ظهر أثر الصدق الذي غرس في قلبه، فقال لنفسه بوضوح: "أنا مجرم إذا بضل بهالدوامة من الإباحية". شوفوا الصدق! لم يقل: "كثير من الشباب يفعلون هذا"، لم يقل: "أنا ضعيف والله يغفر لي"، لم يقل: "ما في داعي أكبر الموضوع". بل واجه نفسه بالحقيقة. وهنا العبرة يا جماعة: لا تضحك على حالك. أول طريقة توبة أن تسمي الذنب باسمه، لا أن تغلفه بالأعذار. قال الله تعالى: "وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ". اعترفوا بذنوبهم، لم يبرروها، لم يجملوها، لم يحولوها إلى ظروف نفسية كأنهم مجبرون عليها. وفي الوقت نفسه، لا تخدر نفسك بعبارة: "آه، أنا مذنب، بعترف بذنبي والله يغفر لي"، ثم تبقى في نفس المستنقع. نعم، الله غفور رحيم، لكن الصادق لا يستعمل رحمة الله مخدرًا للاستمرار في المعصية، بل يراها باباً للرجوع. اعلموا أن الله شديد العقاب، وأن الله غفور رحيم. كن صادقاً مع نفسك، فبدايه النجاة، بداية النجاة أن تقول: "أنا أخطأت ولا أريد أن أبقى على هذا الحال".

**الفائدة التاسعة:** أحياناً الإنسان يعرف أن هناك باباً يجره للمعصية، لكنه يظل يفتش عن مبررات ليبقيه مفتوحاً. فيقول مثلاً: "السوشيال ميديا فيها مواعظ، أصل بها رحمي، أتابع أخبار المسلمين، أستفيد منها". طيب جميل، لكن كن صادقاً مع نفسك: هل نفعها عليك أكبر أم ضرارها؟ في قصة الأخ التائب من الإباحية، صاحبنا لما أراد أن يبتعد بصدق عن كل ما يجره للإباحية، أول ما خطر بباله السوشيال ميديا، سأل نفسه بصدق: "أنت شو مستفيد منها؟" فلما قرر حذفها، بدأ الشيطان يذكره بالمصالح: "بيطلع لك موعظة، بتوصل رحمك، بتعزي المسلمين". فجأة الشيطان صار يدلّه على الخير. وهنا العبرة يا جماعة: إذا صار الشيء باباً واضحاً لمعصيتك، فلا تخدع نفسك بمنافعه. قاعدة شرعية معروفة: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح". درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. نعم، قد ترجع لبعض الوسائل لاحقاً، لكن بعد أن تقوى، ممكن ترجع بعض التطبيقات، لكن بعد أن تقوى وتضع حدوداً واضحة وتدخل دخولاً محسوباً، لا دخول الغريق الذي يجره التيار. فلا تقل: "عن أسباب الفتنة فيها خير". اسأل نفسك بصدق: هل أنا أستخدمها للخير أم أستخدم الخير الذي فيها عذراً لأبقى قريباً من الفتنة؟ أحياناً التوبة لا تحتاج كلاماً كثيراً، وإنما تحتاج قراراً حاسماً أن تقطع الطريق الذي يرجعك للذنب. في قصة صاحبنا التائب من الإباحية، لما صدق مع نفسه ورأى أن تطبيقات التواصل الاجتماعي تذكره بالإباحية وتسحبها إليه، قال: "ما بدي إياها"، وبدأ يمسحها. لم يقل: "يا ربي تب علي"، ثم ترك الباب مفتوحاً في جيبه. لم يقل: "سأقاوم" وهو يبقي نفس الأسباب التي كانت تكسره كل مرة. وهنا العبرة يا جماعة: من صدق مع الله هاجر عما يرده إلى المعصية. تطبيق، حساب، صديق، مكان، عادة، أو بيئة كاملة. وتذكروا حديث الرجل الذي قتل 100 نفس. لما سأل العالم، قال: "هل لي من توبة؟" قال له العالم: "نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء". وبالفعل الرجل كان صادقاً في إرادة التوبة، فخرج من أرضه إلى أرض الصالحين. هذا الرجل لم يترك مجرد مكان جغرافي. ترك وراءه عالماً كاملاً يعرفه، أصحاب سوء، هيبة، يمكن كان زعيماً للعصابة، ولعله ترك أهلاً ومالاً وسكناً. كان صادقاً في قطع العلائق مع المعصية. قطع العلائق مع المعصية. فلما مات في الطريق واختصم فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، تصوروا أن الله تعالى غير جغرافياً هذه الأرض ليرحمه، فأوحى الله إلى هذه أن تقربي، وأوحى إلى هذه أن تباعدي، على شأن يبعد عن أرض المعصية ويقترب من أرض الخير، حتى يكون أقرب لأرض الصالحين، فقبضته ملائكة الرحمة. إذاً الفائدة هنا: أن من صدق التوبة والاستعانة بالله على ترك المعصية، أن تقطع صلتك بما يشدك إليها.

**الفائدة الحادية عشرة:** بعض الناس يظن أن الحرية معناها: "أعمل اللي بدي إياه، أشاهد اللي بدي إياه، أفتح اللي بدي إياه، أعيش بلا قيود". لكن صاحبنا التائب من الإباحية اكتشف أن هذه لم تكن حرية أصلاً. فقال: "أنا اكتشفت أني كنت مستعبد، مستعبد للإباحية والسوشيال ميديا وأفكار الناس اللي زيي، والأسوأ أني كنت مفكر حالي صاحب قرار واني لي شخصية وأفكار". وهنا العبرة يا جماعة: ليست الحرية أن تستطيع فتح باب المعصية متى شئت. الحرية ألا تكون المعصية قادرة على سحبك متى شاءت. الإنسان قد يكون مستعبداً وهو يقول: "أنا حر". مستعبداً لشهوة، أو شاشة، أو عادة، أو رأي الناس. ولا حرية حقيقية إلا بالعبودية لله، التي تجعل وصولتك محددة واضحة: رضا الله تعالى. صاحبنا لما بدأ يخرج من عبودية الإباحية والسوشيال ميديا، قال كلمة مؤثرة: "والله الذي لا إله إلا هو، من هنا بدأت أعيش". من هنا بدأت أعيش. وهنا تفهموا معنى قول الله تعالى: "أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا". قد يكون الإنسان حياً وحراً في الظاهر، لكنه من الداخل أسير تقوده شهوة، تسحبه شاشة، إرادته منهارة. فإذا أردت أن تذوق الحياة حقاً، فاخرج من عبودية الهوى إلى حرية العبودية لله تعالى.

**الفائدة الثانية عشرة:** بعض الشباب إذا وجد الضيق أو الحزن أو الفراغ، يقول في نفسه: "غريب، أنا تركت الحرام، لماذا لم أحس بالراحة مباشرة؟" يمكن التوبة ما نفعت. لا، ليس معنى أنك تركت الحرام أن آثاره ستختفي في يوم وليلة. في قصة صاحبنا، لما بعد شهور من توبته، دخل في حزن شديد، وبدأ الناس يبتعدون عنه، وحتى في الشغل صاروا لا يطيقون التعامل معه. مع هذا كله، لم يتراجع عن التوبة. وهنا العبرة يا جماعة: لا تجعل صعوبة البداية تصدك عن التوبة. أحياناً ما تعانيه يكون رواسب طريق طويل من المعصية. أحياناً يكون أعراضاً انسحابية لترك العادة التي أدمنت عليها. وأحياناً يكون اختباراً من الله لصدقك. هل أنت صادق في أنك تريد ترك هذه المعصية لله؟ أهم شيء: ألا تجرب مع الله. ما تقول: "بجرب أسبوع أو شهر، إذا ارتحت بكمل، وإلا برجع لما كنت فيه". ما في تجربة مع الله. لما تهاجر إلى الله وتعبر البحر وتصل الشاطئ، احرق السفن القذرة. ما في رجوع. ما في نظر للخلف. حتى لو واجهت صعوبات، الله يختبرك، يضعك على المحك، ينقيك من ذنوبك بهذه الصعوبات. قد تتعب في البداية، نعم، لكن تعب الخروج من الأسر أهون من راحة البقاء في السجن. وتذكر قول الله تعالى: "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ". كيف يعني؟ بعض الناس بيكون في دائرة المعصية، يقول: "خليني أجرب التوبة". فبدخل رجل في دائرة التوبة. فإن أصابه خير بعد محاولة أو تجربة التوبة، اطمأن به، بقول لك: "والله شفت الخير، على وجه التوبة، إذاً خليني خلص أدخل كاملاً في طاعة الله". وإن أصابته فتنة، صار معه مشاكل، يطلع الرجل انقلب على وجهه. إيش حاله هذا يا رب؟ قال تعالى: "خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ". فما في تجربة مع الله يا جماعة.

**الفائدة الثالثة عشرة:** بعض الناس إذا وجد الضيق في حياته، لا يبدأ بمحاسبة نفسه، بل يبدأ يعاتب القدر والعياذ بالله. بقول: "ليش يا ربي حياتي هيك؟ ليش كل هذا يحدث معي؟" في قصة صاحبنا، نعم، هو تاب من الإباحية، لكن كان لا يزال هناك معاصٍ كثيرة في حياته. فلما أصابه الاكتئاب الشديد، لم يعاتب القدر، بل نظر إلى نفسه بصدق وقال: واسمعوا هذا الكلام الجميل. قال: "كنت أصلي بس على كيفي، يعني على فضاوطي، وكنت أدخن وعادي أتعاطى مخدرات إذا صح لي، وأحكي مع بنات المسلمين ولساني فالت، وفيش غض بصر، وبسمع أغاني، وشوية غيبة على عقوق على قطع رحم إلى آخره". ثم قال كلمة صادقة جداً: "طبعاً هذا اللي قصد أنه كلام جميل، مش الكلام الأول". قال: "كل هذا ومستغرب ليش مكتئب؟" وقالت تتردد في رأسي آية: "وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ". وآية: "وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ". قال: "فكنت صادقاً ومقتنعاً أنه أنا المشكلة، بس مش قادر أعرف بالضبط شو لازم أعمل". يعني ماذا علي أن أفعل؟ شوفوا ما أجمل أن الإنسان يغلق تماماً باب سوء الظن بالله تعالى، ويدرك مقام العبودية لله تعالى الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. فيفكر الإنسان: أنا إيش لازم أعمل؟ قال الله تعالى: "مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ". ومن هنا يأتي الفتح حين تتوقف عن مساءلة القدر تماماً، وتحصر تفكيرك فيما عليك أنت فعله.

**الفائدة الرابعة عشرة:** إخوانا، بعض الشباب يرى في نفسه تناقضاً. أحياناً يعمل ما يدل على تعظيم الله ودينه، وأحياناً يعمل ما يدل على التفريط في أمر الله والاستهانة بالاستقامة. ويمكن يفصل بين هذا الفعل وذاك الفعل دقائق أو ثوانٍ. مرات معظم، ومرات ما في تعظيم. هنا من أخطر ما يكون أن تسمح لنفسك الأمارة بالسوء أن تقول لك: "أنت منافق، أنت متناقض، ما دمت تفعل هذه المعاصي فلا قيمة لهذا الخير الذي تعمله، بل عملك لهذا الخير شيء مضحك وسخيف". إياكم يا جماعة، هذا من أخطر مداخل الشيطان. في قصة صاحبنا التائب من الإباحية، قال: "أثناء كل هذا التخبيط، كان لا يزال عندي تعظيم لله، وهذا مما غرسه أبي فينا، جزاه الله عنا خيراً". طلبت منه تفاصيل، كيف يعني كان عندك تعظيم لله؟ فقال: "مرة كنت ألعب كرة بشكل دوري مع شباب، لكن كفر أحدهم يعني والعياذ بالله سب الرب أو الدين، فتركت اللعبة. ولما أغلقت المساجد في كورونا، كنت مقهوراً جداً، أقول: كيف بيت الله يغلق؟ بالمناسبة، بعث لي إياها هذه المعلومة كتسجيل وبكى بعدها أنه يعني كان عنده حرارة وحرقة كيف يغلق بيت الله. ولما يفتح المسجد أروح أصلي، لكن لا ألتزم طويلاً أيضاً. كنت لما أطلع مع أصحابي في طشة، كنا نشغل الأغاني، لكن إذا مررنا بجانب مسجد نطفيها وما نسترجي نخليها. وإذا مررنا بمقبرة، كنا نقول لبعض: طفوا الأغاني وندعي للأموات. ثم بعد دقيقتين نرجع نشغل الأغاني. يعني بتحس أننا كنا في فصام، الله يغفر لنا".

العبرة هنا يا جماعة: نعم، هذا التناقض مؤلم ولا يجوز أن ترضى به وتتعايش معه. لكن لا تسمح للشيطان أن يقول لك: "ما دمت مقصراً، فاترك كل شيء، خربانة خربانة". لا لا. تعظيم الله الذي بقي في قلبك قد يكون أعظم حبل ينتشلك من الغرق. الخير الذي فيك يثنى عليه، افرح به، عزز نفسك عليه، ولا تحتقره، ولا تنظر إليه على أنه فصام. بل ثبته وابنِ عليه. فرق كبير جداً بين أن تقول: "عندي خير وتناقض في نفس الوقت، فسأثبت هذا الخير وأحاول أن أزيده"، وفي المقابل أن تقول: "عندي خير وتناقض، إذاً هذا الخير لا قيمة له وسأتركه". كنت نشرت مقطعاً بعنوان "خربانة خربانة" أحذر فيه من هذا التفكير. فاحدى الأخوات قالت: "لما كنت متبرجة، كان بعض الرجال في العمل يمدون أيديهم للمصافحة، فلا أمد يدي وأعتذر عن المصافحة وأقول: إنه ما يجوز. فيقولوا لي: 'معلش، يعني أنت متبرجة، إيش فارقة معك؟' فتقول لهم: 'لا، لن أضم معصية أخرى إلى معصيتي'".

فإذاً، لا تجعل الشيطان يدفنك تحت شعار "خربانة خربانة". حافظ على ما بقي في قلبك من تعظيم لله، فهو أرجى ما تلقى به الله، وقد يكون هو الحبل الذي ينتشلك من الغرق.

**الفائدة الخامسة عشرة:** إخوانا، بعض الشباب إذا كان عنده معاصٍ وتقصير يقول: "أنا مثلي ما بيطلع لي وين ينصح الناس؟ أنا آخر واحد ينهى عن المنكر". وهذا خطأ كبير. تركك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو معصية وإثم تضمه إلى معاصيك. في قصة صاحبنا، كان لا يزال عنده تقصير ومعاصٍ، ومع ذلك لما اشتكى له صاحبه الذي سميناه عمار أن الدنيا مسكرة بوجهه، نصحه صاحبه وقال له: "يا زلمة، ما هو أنت صلي عشان ربنا يرزقك". ثم ذكره بقول الله تعالى: "وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ". شوفوا البساطة. هو نفسه كان محتاجاً من ينصحه، لكن هذا لم يمنعه من دلالة صاحبه على الخير. وهنا العبرة يا جماعة: لا تترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهما كان حالك، ما دمت لا تفعل ذلك رياءً، ولا لتتظاهر بأنك أفضل ممن تنصحهم، ولا لتدجل عليهم، وإنما تريد بنصيحتك هذه وجه الله. بالفعل، ولاحظوا من تفاصيل القصة كيف أن هذه الكلمة التي قالها صاحبنا لعمار كانت طرف الخيط لبداية توبته مما تبقى في حياته من معاصٍ. أحياناً يفتح الله لك باباً للخروج من الضيق من حيث لا تتوقع. مثلاً، صفحة من القرآن يرسلها لك شخص في وقت عجيب. وهذا ما حدث مع صاحبنا. كان في قمة الكآبة يبحث عن باب يخرج منه، فارسل له صاحبه عمار صفحة من القرآن فيها آية: "وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ". فماذا فعل صاحبنا؟ قرأ الصفحة فوجد فيها قول الله تعالى: "فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ". هنا قال: "لعلك ترضى". آها، أنا هذا اللي ناقصني، وهون مشكلتي. كل شيء بحياتي تمام، بس مش راضي. ثم قال: "الحل سبحان الله وبحمده". تمام، رح أظل أحكيها. فظلت على لسانه أسبوعاً أو عشرة أيام، رأيت بعدها رؤيا، وقع في قلبي تفسيرها أول ما استيقظ أن الله سبحانه وتعالى أذهب عنك ما أنت فيه من هم. ثم قال: "والله يا دكتور، صحيت واحد ثاني تماماً، تماماً".

تماما قمة السعادة والفرح، وتعافى من الاكتئاب بفضل الله. وهنا لفتة مهمة جداً إخواني. أحياناً ينتظر الإنسان إشارة خاصة من الله، وكأن الهداية لن تبدأ إلا إذا جاءته هذه الإشارة. لكن كثيراً من أسباب الهداية تكون أمامك: آية تسمعها، نصيحة تأتيك، موقف مؤثر تراه. المشكلة أنك قد تمر على هذه التذكيرات ولا تقف عندها، أو تقف عندها وتفهمها، لكن لا تعمل بها. بينما صاحبنا تأمل الآيات وتوقف عند موضع "لعلك ترضى"، ثم لم يكتفِ بالفهم بل عمل. جعل التسبيح على لسانه أياماً، ثم رأى الرؤية التي استيقظ بعدها منشرحاً معافىً من الاكتئاب. فتحولت الفرصة إلى فتح، وإن شئت فقل إلى كرامة.

السؤال الآن: ماذا لو أن صاحبنا لم يتأمل صفحة القرآن التي أرسلها عمار؟ أو لو أنه تأملها وقرأ "لعلك ترضى" لكنه لم يسبح ولم يتصرف بحسبها؟ لربما كان ليرى الرؤيا ولا ليتعافى من الاكتئاب. فليست الكرامة أن تنتظر شيئاً خارقاً وأنت واقف مكانك. الكرامة أن يفتح الله لك باب هداية فتدخل منه، أن تأتيك نصيحة فتأخذها بصدق، أن يفتح لك باب طاعة فلا تؤجله. ولهذا قالوا: الاستقامة أعظم كرامة، لأن أعظم ما يكرم الله به عبداً ليس مجرد رؤية يراها أو موقفاً يهزه، بل أن يثبته على الطريق بعد أن دله عليه. فمن أكرمه الله بأن دله على الطريق فَلْيَدْخُلْهُ ولا يقف عند الباب ينتظر علامة أخرى.

بعض الشباب إذا بدأ يترك معصية جاءه اختبار صعب. ليس أن يتركها وهو وحده في غرفته، بل أن يتركها أمام أصحابه الذين يعرفون ماضيه ويعرفون أن عنده معاصي أخرى. فقد يثبطونه ويقولون له: "بدك تعمل علينا شيخ؟ ناسي اللي عملته في اليوم الفلاني؟". وهذا بالضبط ما حدث مع صاحبنا في تفاصيل أرسلها لي لم أسردها في القصة الرئيسية خوف التطويل. قال لي: "بعدما تعافيت من الاكتئاب، كان لا يزال في حياتي معاصٍ. فقلت لنفسي: لازم أترك هذه الذنوب. حاولت أترك الدخان لكن ما قدرت. فقلت: أبدأ بأبسط شيء أقدر أتركه وما يؤثر على يومي. فبدأت بالأغاني. وفعلاً قلت: يا ربي تركتها لوجهك الكريم، ويا رب أعني. مضت الأيام وكل شيء تمام. وبعد كم أسبوع، طالع مع الشباب السيارة وبيحكوا للسائق: شغل أغاني. لأني قاعد قدام (يعني جالس في الأمام بجانب السائق)، فالشباب في الخلف بيحكوا له شغل أغاني. وأنا رفضت وأصرّيت. وبالأخير شعرت أن ربنا بيختبر صدقي في التوبة. حكيت لهم: ما بدي أشغل أغاني لأنها حرام وأنا تبت إلى الله تعالى منها. عملوا لي حفلة استهزاء طبعاً وبيقولوا لي: اترك الدخان اللي بإيدك الأول يا زلمة، بدك تسوق علينا شيخ؟ هسه ناسي شو عملت مع البنات؟ وقعدوا يذكروني بذنوبي، الله يعفو عنهم. تألمت وزادني الله سبحانه وتعالى إصراراً على الثبات. وقلت لهم: بدكم تسمعوا أغاني؟ نزلوني على الطريق. وما نزلوني والحمد لله، وما حدا شغل أغاني الحمد لله، وظلوا بارمين بوزهم طول الطريق (يعني بقوا مكشرين طول الطريق)".

وهنا العبرة يا جماعة: من علامات صدق التوبة أن ترضي الله ولو سخط الناس. والله أحق أن تخشاه. إذا جاءك الاختبار فلا تسأل: ماذا سيقول أصحابي؟ اسأل: ماذا يرضي ربي؟ أخسر أغنية، أخسر ضحكة، أخسر رضا مجموعة في سيارة، ولا تخسر صدقك مع الله تعالى. ومن التمس رضا الله في سخط الناس كفاه الله مؤونة الناس. ولا تسمح لأحد أن يحقر من تركك لأي معصية بحجة أنك ما تركت باقي المعاصي. تركك لمعصية واحدة هو خير ونجاح، انجاز تبني عليه. ولا تسمح للناس أن يثبطوك بتذكيرك بماضيك، فالله الذي أقبلت عليه أوسع رحمة من كل ذنوب ماضيك.

إحنا يا إخوانا بنتعامل مع رب عظيم ودود كريم. يضعك على المحك، فإذا أثبت أنك تريد رضاه سبحانه أكثر من رضا الناس، تضحي لوجهه الكريم، فشوف بعديها الأنعام من هذا الرب العظيم. قلنا صاحبنا ترك الأغاني لوجه الله، ثم جاء الاختبار. كان مع أصحابه في سيارة، طلبوا منه تشغيل الأغاني، رفض، سخروا منه وذكروه بماضيه، لكنه ثبت. قال صاحبنا: "وربنا أكرمني بعد هذا الموقف إكراماً عجيباً. بعد فترة قصيرة جداً، لقيت حالي بترك ذنوب بدون ترتيب، وصرت أعمل طاعات بشكل تلقائي. مثلاً، بطلت أحكي كلام بذيء، صرت أقدر أغض البصر، وصرت أحب أسمع وأقرأ القرآن". لاحظوا كيف لما تعرض الامتحان رضا الله أو رضا الناس وثبت، فتح الله له أبواباً أخرى لم يكن يخطط لها. صار يترك معاصي تلقائياً ويقبل على الطاعات تلقائياً. وهنا تفهم معنى قول الله تعالى: "ويزيد الله الذين اهتدوا هدى". الهداية تجلب هداية. وتفهم معنى الحديث القدسي العظيم الذي يقول فيه الرحمن سبحانه: "إذا تقرب عبدي مني شبراً تقربت منه ذراعاً، وإذا تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة". نحن يا جماعة نتعامل مع رب ودود كريم سبحان الله.

وهنا كلمة للشباب الذين لم يتوبوا بعد: إذا رأيت صاحبك بدأ يترك ذنباً، فلا تكسره بالله عليك، ولا تذكره بماضيه لتسحبه إليه. هذا بالضبط ما حصل مع صاحبنا لما رفض تشغيل الأغاني. أصحابه لم يقولوا له: الله ثبتك، بل ذكروه بذنوبه وسخروا منه وحاولوا إرجاعه خطوة إلى الوراء. يا أخي، إذا لم تستطع أن تكون عوناً على التوبة، فلا تكن عوناً للشيطان. لا تتحول إلى وسواس خناس في صورة صاحب. لا تكن ممن ينطبق عليه: "الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا". قد يكون صديقك بدأ بخطوة صغيرة وهو من داخله يرتجف: هل أستطيع أن أكمل؟ هل سأثبت؟ فلا تأتي أنت وتطعن هذه الخطوة. لا تثبط التائبين في أول الطريق، فربما كلمة تشجيع منك تكون سبباً في ثباته، وكلمة سخرية منك تكون سبباً في انتكاسته. فانظر أيهما تختار أن يكون في موازينك يوم القيامة.

أحياناً تنشر كلمة خير أو مقطعاً قصيراً ثم لا ترى أثره كما كنت ترجو، تقول: التفاعل قليل، والموضوع مهم، والناس لم تنتبه. لماذا؟ لكن أنت لا تدري متى وكيف ينبت الله البذور التي تبذرها. في قصة صاحبنا ذكر أنه كان قد بقي بعض العادات التي لم يستطع تركها كالتدخين. ثم كيف وهو على هذا الحال، ظهر له مقطع قصير للعبد الفقير لما تكلمت عن التعرض للفتن في أمريكا: "لكن الأم هالمسلم منعتني من أن أرتمي مع الراتعين". ثم قال صاحبنا: "ربنا جعل في هذا المقطع أثراً عظيماً عظيماً عظيماً في قلبي. ثم قال: كل الأم هالمسلم المسلمين وأنا مش قادر أساعدهم ولا حتى بأني أترك ذنوبي. لعل الله يقبل مني وينظر لي ولهم بعين الرحمة". وهنا العبرة يا جماعة: لا تستهن بأثر الكلمة الطيبة. قال الله تعالى: "ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها". قد تنشر مقطعاً قصيراً ثم تنساه، لكن الله يضعه في قلب إنسان في لحظة انكسار، فيكون سبباً في حياة جديدة. فلا تقِس أثر الخير بعدد المشاهدات والتفاعلات. ازرع الكلمة الطيبة واترك الإنبات لله تعالى.

أجمل لحظات هذه القصة هي لما رأى صاحبنا المقطع الذي هز قلبه، ونظر إلى حاله وما بقي في حياته من شوائب، وأحس بضعفه واضطراره إلى الله، فصار يترجى الله تعالى. قال: "صرت أدعي وأبكي وأكسر الدخان وأقول لربنا سبحانه: يا رب ترجاك، بدي أتركه عشانك. يا ربي نصرة للأمة، أنا مش قادر أعمل شيء، بس هيني بدي أترك الذنب عشان أساعد بأي شيء. يا ربي أنا خايف أرجع، بترجاك، بدي أرجع، ثبتني وأعني وأكرمني. أنا بقدر، بس أنت على كل شيء قدير. يا رب". قال: "حتى صرت أقول: مشان الله يا رب". هذه يا جماعة من أجمل لقطات القصة، بل هي درة التاج. فيها استحضرت عندها قول الله تعالى: "أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض". كثيراً ما نستحضر هذه الآية عندما نكون بحاجة لتفريج كرب دنيوي كالمرض أو الحبس، أو تحصيل خير دنيوي كالمال أو العمل. لكن من أعظم مواضع الاضطرار أن تضطر إلى الله ليعينك على ترك معصية غلبتك. ولاحظوا كيف أخونا تبرأ إلى الله من حوله وقوته: أنا ما بقدر، بس أنت على كل شيء قدير يا رب. هذا الاضطرار والتبرؤ من حولنا إلى قوة الله من أعظم أسباب استجابة الدعاء.

نختم الوقفات مع قصة صاحبنا بعباراته الأخيرة التي تصف حالته بعد ترجي الله تعالى والانكسار بين يديه. قال: "وكانت تلك الليلة مع الله سبحانه وتعالى بداية الأفراح". ثم ذكر كيف أكرمه الله بترك الدخان، وتعلم التجويد، وصلاة في المسجد، والصحبة الصالحة، والزوجة الصالحة، والذرية، وأن جعله سبباً في هداية أهله ومن حوله. ثم قال كلمة تختصر المعنى كله: "قال: والله والله والله إني أعيش سعادة لا يعلم بها إلا الله من فضله ورحمته وكرمه وجوده سبحانه". وقال: "وصرت الحمد لله أصحى مبسوط من النوم، أحمد الله سبحانه وتعالى على فيضان النعم اللي أكرمني بها، وأهمها الهداية". اللهم لك الحمد.

وهنا يا إخوانا نفهم معنى قول الله تعالى: "من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون". الحياة الطيبة لا تعني أنك لن تبتلى، ولا أن الدنيا ستصير جنة بلا هموم. لكن معناها أن تعيش بقلب حي مطمئن بالله، يرى نعم الله ويفرح بهدايته سبحانه، ويشعر أن الله أراد به خيراً حين أنقذه من الظلام إلى النور. وأنا أحسب أني رأيت هذه الطمأنينة التي يتكلم عنها صاحبنا، رأيتها في قسمات وجهه. وبالمناسبة، أحد الإخوة المعروفين في مدينته أثنى عليه أمامي وذكر أثره الطيب في تلك المدينة، مما أضفى مزيد مصداقية على قصة صاحبنا. نسأل الله أن يديم عليه فضله ويزيده منه.

بهذا يا كرام نكون انتهينا من رحلتنا مع هذه القصة، ويبقى في القلب أمران لا أريد أن أختم قبل أن أقف عندهما. أولاً: نقول لمن وقع في الإباحية أو ما هو دونها من المشاهد التي تسخط الله عز وجل وتابع معنا هذه القصة لنهايتها: لقد وقعت في الفخ وتم اصطيادك بنجاح والحمد لله تعالى. ساق إليك هذه القصة هيا لك سبباً من أسباب الهداية، فسيسألك عنها يوم القيامة: ماذا عملت بعد سماعها؟ فلا تخرج منها كما دخلت. اسأل نفسك الآن بصدق: ما الباب الذي يجب أن أغلقه الليلة؟ ما التطبيق الذي يجب أن أحذفه الآن؟ من الشخص الذي يجب أن أنهي علاقتي به الآن؟ لأنك ستُسأل عن هذا كله.

ثانياً: إلى من يسمعنا ممن يدخل المواقع الإباحية: أرجو ألا يكون قد تسرب إلى أنفسكم أن الأمر سهل، ممكن أستمر على هذه المعصية وأتوب في يوم من الأيام كما تاب هذا الشاب فأعيش بعدها حياة طيبة. لا والله، لا تضمن تفكيرك بهذه الطريقة فيه استهانة. قد تحرمك التوفيق. تقول: سأغوص في المستنقع الآن ثم أغتسل منه متى شئت. ومن قال لك أن قلبك سيبقى حياً حتى توفق لإرادة الخروج؟ تظن أن قلبك بيدك؟ أين أنت من قول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنكم إليه تحشرون". واعلم أن الله يحول بين المرء وقلبه، فلست أنت المتحكم بقلبك بحيث تضمن هدايته وقت ما تشاء. وقد يحرمك الله من العزيمة على الطاعة لأنك تلكأت عن الاستجابة لأمره بعدما سمعت العظات والعبر. فلا تغتر بحلم الله عليك.

أنا يا جماعة بصراحة مستغرب ومتألم للغاية، كيف يمكن لمسلم يشهد لله تعالى بالوحدانية ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة، كيف يمكنه أن ينظر إلى هذا الفحش؟ كيف يستخدم نعمة البصر التي خلقها الله فيما يسخط الله ولا يستحيي من الله؟ هذا القلب الذي أعطاك الله إياه لتعرفه سبحانه وتحبه، كيف تدفنه في هذه القاذورات؟ كيف ترى أمتك ولا تقدم لها ولا حتى توبة من ذنب شنيع كهذا؟ هذا الشاب الذي ذكرنا قصته، نجاه الله وانقلبت حياته انقلاباً عظيماً. لكن هناك من تابوا ولا يزالون يدفعون ثمناً مريراً: فشل في حياتهم الزوجية، مرارة لا تُنسى، صور مختزنة في الذاكرة لا تُمحى. لكن الله غفور رحيم، سيقبلني إذا تبت. لكن حتى إذا وفقك الله لتوبة حقيقية تسقط عنك عذاب الآخرة، فهذا لا يعني أنك ستنجو من الآثار الدنيوية للذنب. آدم عليه السلام تاب من معصية الأكل من الشجرة، فتاب الله عليه، لكنه دفع الثمن غالياً بأن نزل من الجنة. لذلك لا تؤجل. ارجع الآن قبل أن يصبح الثمن أثقل. ارجع الآن، لا غداً، ولا بعد رمضان، ولا بعد الزواج. ارفع يديك الآن وقل: يا رب، كما أنقذت عبدك هذا، فانقذني. يا رب، لا تتركني لنفسي. ثم خذ بالأسباب: احذف ما يجب حذفه، واصبر على البداية، فمن يتصبر يصبره.

اللهم يا حي يا قيوم، يا من هديت هذا الأخ بفضلك ورحمتك، اهدِ كل عبد يسمعنا الآن. اللهم خذ بيده إليك ولا تكنه إلى نفسه. اللهم أحي قلوبنا وطهر أبصارنا واحفظ فطرتنا، وأذقنا لذة معيّتك والأنس بك حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. والسلام.