📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

هذا ما قدّمه نتنياهو لترامب مقابل الصمت على غزة | اعترافات صادمة من عميلة اسرائيلية

رؤية | Ro’ya8:11

Transcription

يبدو أن العلاقة بين نتنياهو وواشنطن وصلت إلى أَقذر ما يمكن. فعندما شعر أنه محاصر، مثقل بالهزائم، جاء إلى واشنطن لا ليطلب دعماً، بل ليقدم تنازلات. تنازلات لم يكن ليفكر بها لولا أنه يعرف أن كل شيء ينهار. والحِبّة التي رافقته لم تكن دبلوماسية كما ظن البعض، بل كانت محشوة بوثائق تُشعل حروباً وتُسقط أسماء. وثائق لا تُرسل عبر البريد، ولا تُسلم عبر وسطاء. في إسرائيل يسمونها "المرفقات الرمادية". وما لم يُعرض في المؤتمرات، تكشفه اليوم امرأة من داخل حلقة نتنياهو، مستشارته السابقة، كانت تشرف بنفسها على تجهيز الملفات التي لا تمر عبر البروتوكول، بل تُسلم يدًا بيد داخل الغرف المظلمة.

نتنياهو ليس قائداً، إنه جثة سياسية ترفض أن تُدفن. ورغم ذلك، لا يزال يعرف كيف يُساوم. أما ترامب فلا يقل إجراماً عنه، الفرق الوحيد أن أحدهما يُشعل الحرب بصوته، والآخر يربح منها بصمته. للأسف، ما حدث في واشنطن لم يكن لقاءً دبلوماسياً هذه المرة، بل كان تبادلاً صامتاً لأقذر أنواع المعلومات. جلسا على الطاولة لا ليتناقشا، بل ليتبادلا ما لا يجب أن يُقال ولا حتى يُكتب. وغزة لم تكن الهدف الحقيقي، غزة كانت الثمن. لم يكن نتنياهو يبحث عن دعم، بل عن صمت، صمت أمريكي كامل مهما حدث في غزة، ومهما تساقطت الجثث.

في تلك الزيارة، تم تجهيز ملف خاص له داخل دائرة ضيقة من مكتب رئاسة الحكومة. واحد من أخطر ما يُسمى داخل المؤسسة الإسرائيلية " بالمرفقات الرمادية". ملف لا يُسجل، لا يُرسل عبر البريد، لا يدخل الأرشيف، بل يُسلم يدًا بيد، ويُنسى بعد أن يؤدي غرضه. هذا الملف كان يحتوي على معلومات استخباراتية شديدة الحساسية عن شخصيات تعاونت سراً مع الحكومة الإسرائيلية، منها شخصيات عربية بارزة. وكان يتضمن كذلك تفاصيل عن تدفقات مالية لمشاريع ظاهرها خيري، لكن وجهتها الحقيقية كانت خفية. اتصالات سابقة مع حركات مسلحة، تقارير استخدمت في سنوات سابقة للضغط والابتزاز، لكن هذه المرة لم تُستخدم للتهديد، بل قُدمت على الطاولة كتنازل مباشر. وكل من يعرف ترامب عن قرب يدرك أنه ليس بحاجة إلى المال من إسرائيل، خاصة في هذا الوقت، لكنه بالتأكيد بحاجة إلى ورقة سياسية رابحة. وما قدمه نتنياهو كان بالضبط ما يبحث عنه: وثائق يستطيع استخدامها في لحظة أخرى ضد حلفائه أو خصومه أو حتى شركائه.

نتنياهو لم يكن يُفاوض، كان يُقايض على كل شيء: الدم، الصمت، الكرامة، وحتى ما تبقى من السيادة. وكان يعلم جيداً أن مقابل هذا الملف لن يُسأل عن الأطفال الذين يُحرقون في غزة، ولا عن المدن التي تُقصف، ولا عن المتظاهرين الإسرائيليين الذين يهتفون بإسقاطه. كل المطلوب أن تبقى أمريكا صامتة. لكن داخل إسرائيل لم يكن الجميع مرتاحاً. عدد من المستشارين والمسؤولين الأمنيين باتوا على شفى الغليان، ليس لأنهم يعترضون على محتوى الملف، بل لأنهم يدركون تماماً أن ما قُدم هناك في تلك الزيارة لم يكن لمصلحة الدولة، بل لمصلحة رجل يحاول إنقاذ نفسه بأي ثمن.

أنا كنت مستشارة في مكتب رئيس الحكومة، ومسؤولة مباشرة عن الإشراف على تجهيز ملفات العروض السرية التي تُنقل إلى البيت الأبيض. ملفات لا تُفتح في الاجتماعات، بل تُعرض في اللحظات المغلقة، وتُستخدم أحياناً كأداة مساومة أو كرشوة. ولو تحدثت عن جزء صغير من الخطط التي تُصاغ هناك لما صدقني أحد. خطط خبيثة، خبيثة جداً، تُصاغ بعقول لا تعرف الرحمة، وتُناقش ببرود تام، وكأنها استراتيجيات تسويقية لا خطط إبادة. كانوا يبحثون عن طرق لا لمواجهة المقاومة، بل لقتل صورتها. عن كيف يمكن تحويل كل طفل في غزة إلى رقم بلا ملامح، عن كيف يمكن تمرير المجازر ثم طمسها ثم نسيانها. بعض الاجتماعات كانت تُطرح فيها أسئلة صادمة: كم مجزرة يحتاج الإعلام ليمّل من النشر؟ كم يوماً يتحمل الرأي العام صراخ الأطفال؟ وكيف نحاصر العقل العربي حتى يعتاد الصورة؟ كنت أجلس أحياناً مذهولة من الطريقة التي يفكرون بها، لكن بعد فترة لم أعد مذهولة، صرت منهكة، مشلولة داخلياً. ثم أدركت الحقيقة المرة: العالم لا يريد أن يسمع هذه الخطط، العالم غير مستعد لمواجهتها، والأسوأ: العالم لا يُغيّر شيئاً.

قصص كثيرة ظهرت، مجازر موثقة بالصوت والصورة، جرائم لا تحتاج إلى تحليل سياسي ولا رواية ثانية. ومع ذلك، كل شيء يُغلق خلال أيام، ويعود الصمت. في تلك اللحظة، بدأنا نحن القلة نشعر أننا لا نستطيع أن نكمل. بعضنا قدم استقالته، بعضنا صرخ في وجه مسؤول ففصل في اليوم التالي، وبعضنا مثلي حاول أن يغادر بصمت. لكننا لم نُمنح هذه الرفاهية. الآن نحن مُلاحقون، لسنا مجرمين، لكننا شهود، وهم لا يحبون الشهود. لكني ما زلت على اتصال مع بعض الذين لم يغادروا، أصدقاء، زملاء، موظفون عاشوا معي سنوات داخل الحلقات المغلقة. وبعد لقاء نتنياهو مع ترامب الذي جرى بالأمس، تلقيت ثلاث رسائل قصيرة لا تحمل تفاصيل، لكن يكفي مضمونها. أحدهم كتب: "هذه ليست زيارة، هذه مغامرة". والآخر قال: "إنه يقدم كل شيء وبأقل مقابل". أما الثالث فكان أكثر وضوحاً: "الملف وصل، وكانت فيه أشياء لا أحد أراد أراد أن تُفتح من جديد".

أنا لا أدعي أنني أعلم ما دار داخل الغرفة، لكني أعرف نتنياهو، وأعرف طاقمه، وأعرف طريقة تعامله حين يشعر بالخطر الحقيقي. ما حدث أمس لم يكن تفاوضاً، لم يكن اجتماعاً للبحث في مستقبل غزة أو إيران كما يدعون في الإعلام، كان لحظة حاسمة: إما أن يجد نتنياهو مخرجاً، أو يبدأ العد التنازلي لانهياره. وأنا واثقة من شيء واحد: ما حمله إلى واشنطن لم يكن مجرد أوراق سياسية، كانت هناك معلومات، وثائق استخباراتية، وقطع من الذاكرة السوداء لدولة لا تعرف الرحمة حين تقرر أن تنقذ نفسها. ترامب ليس ساذجاً، ولن يغامر باسمه من أجل رجل غارق في الأزمات. إن قبل مقابل تلك التنازلات فهو يخفي نواياه، وإن رفض فنتنياهو لن يخرج من هذه الزيارة كما دخل. إسرائيل، هناك من بدأ يشعر بالارتباك لأنهم يعلمون أن أي ورقة تُسلم اليوم قد تتحول غداً إلى سلاح يُطلق في الاتجاه الخطأ.

و أنا، أنا لم أتكلّم بدافع البطولة، بل بدافع الخوف، الخوف من أن نصل إلى لحظة يصبح فيها كل شيء ممكناً، حتى خيانة الحلفاء وبيع الدولة مقابل أن يبقى شخص واحد فوق الطوفان. أنا أعلم أن ما قلته لن يرضي أحداً في إسرائيل، سيقولون أنني خانَت الثقة، وفي الخارج سيقول البعض أنني تأخرت كثيراً. لكنني لم أتكلّم لأرضي أحداً، تكلمت لأنني أعرف تماماً كيف تُصنع الأكاذيب، وكيف تتحول المجازر إلى أخبار عاجلة ثم إلى أرقام ثم تُنسى كأنها لم تكن. كل شيء رأيته كان يُدار بعناية، ليس فقط على مستوى القرار، بل على مستوى الصورة والصوت والتوقيت. أنا لست الضحية هنا، غزة هي الضحية، لكنني على الأقل قررت أن أكون شاهداً، ساكتاً. وليس هناك أقصى من أن تعرف كل شيء وتنتظر فقط متى ينفجر.