Transcription
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، أحمده، وأستعينه، وأستغفره، وأعوذ بالله عز وجل من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه. وأصلي وأسلم على نبي الرحمة والهدى، وعلى آله، وأزواجه، وذرياته، وأصحابه، والمحبين له، والمتمسكين بسنته إلى يوم الدين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حديثنا بإذن الله في هذه الحلقة عن الرسول والرسالة. تحدثنا في الحصة السابقة، والتي قبلها، عن معرفة الله عز وجل. ثم تحدثنا عن أهمية الكتب، كتب القرآن، والإنجيل، والكتب التي أنزلها الله عز وجل.
الآن نتحدث عن الرسول، عن الرسل، ولكننا نخص بالحديث عن رسول الله صلى الله عليه، نخص به سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم. وقبل ذلك، أذكر المستمعين الأحبة بما يمكن أن يفيد: أن الله عز وجل علم في الأزل أن العباد البشر الآدميين الذين سيخلقهم ويوجدهم، ليخرجهم من العدم إلى الوجود، علم سبحانه أنهم لا يستطيعون أن يسعدوا في الدنيا، وأن يفوزوا بالرضا في الآخرة بمجرد عقولهم، وتجاربهم، وخبراتهم، ومعارفهم، وعلومهم، ولو بلغوا ما بلغوا. علم سبحانه أن هناك أموراً لا يدركها البشر، ولو اجتمعوا، كما قال في القرآن: "قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا". أي معيناً ومؤازراً.
إذاً، علم الله عز وجل أن عباده لا يستطيعون، ولو بذلوا ما بذلوا، ولو وصلوا في العلم والفكر ما وصلوا، يبقون في أشد الحاجة إلى أن يبعث الله الرسالة، واختار من بينهم رسولاً يوحي إليه، يهديهم، ويبشرهم، وينظمهم، ويعلمهم كيف يسعدون في الدنيا إن هم امتثلوا، وكيف يفوزون يوم القيامة برضاه إن هم استجابوا لذلك.
لا نجد أمة من الأمم المذكورة في القرآن الكريم إلا وكان لها رسول أو نبي، ولها رسالة سماوية. الله عز وجل لم يُكِل عباده إلى عقولهم، وعلومهم، وتجاربهم، وخبراتهم، وفلاسفتهم، وعلماءهم، ومثقفيهم، لم يُكِلهم، وإنما تولى سبحانه رحمة منه لضعفنا، "وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا"، تولى برحمته وعنايته وإحسانه توجيهنا كيف نعيش في الدنيا، وكيف نفوز برضاه يوم القيامة.
قال عز وجل في بعض المخلوقات البشرية، في بعض الآدميين الذين أنكروا وقالوا: "مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ". أنكروا هكذا معنى أنهم يستطيعون أن يعيشوا ويحيوا سعادتهم في الدنيا ويفوزوا بالآخرة دون توجيه سماوي ودون تربية نبوية. قال الله عز وجل عن هؤلاء: "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ". لم يعظموه، لم ينزهوه، لم يقدسوه، لم يجلوه. "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ".
فأجابهم ورد عليهم، قل للنبي صلى الله عليه وسلم، لأن هذه القولة صدرت عن أهل الكتاب، عن اليهود: "قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ". قل: "مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ؟" فكان الجواب: "قُلِ اللَّهُ". إذاً، أبطل نفيهم ورد عليهم بأنه أنزل الكتب على أمم، ومنها كتاب موسى عليه الصلاة والسلام.
ثم قال، مذكراً العقلاء المتبصرين الذين يرغبون في حسن الفهم عن الله: "وَكَمْ". هذه ليست استفهامية، كما تقول: بكم هذا؟ أو كم عندك؟ هذه خبرية، أي كثيراً. "كَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ". إذاً، هذا إثبات من الله عز وجل أنه أرسل الكثير من النبيئين إلى الأمم الأوائل. ثم قال عز وجل: "وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ". وإن هنا نافية، أي وما من أمة، ولكن "إن" أشد نفياً مما. "وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ". ثم قال أيضاً: "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ".
أنا اكتفيت بهذه الآيات التي تثبت أن الله عز، تثبته وتقرره. وأقول لأحبتي: إنني اكتفيت بالقرآن مصدراً في هذه الكلمة، قرآن وحده. "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ". بهذه الآيات قرر الله عز وجل أن الله لم يتخل عن عباده، وإنما بعث إليهم رسالات، أنزل إليهم رسالات، واختار منهم رسلاً، من أجل أن يسعدوا ويطمئنوا ويرتاحوا إلى نظام الخالق في الدنيا والآخرة.
ثم أقام الله الحجة على كل أمة. أقام الله الحجة على كل أمة. وهذه آيات تكشف لنا شيئاً من إقامة الحجة على الذين يزعمون أو يدعون أن الله ما أنزل شيئاً، أو أنهم يستطيعون، أو أنهم. قالوا: "لَوْ كَانَ لَنَا كِتَابٌ أَوْ نُرْسِلُ إِلَيْنَا رَسُولٌ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ". كما يقول سبحانه: "وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ". بأمارة، بمعجزة، أو آيات متلوة. "لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ". "أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى". ولو أن أهلكناهم من قبل، لو أن أهلكناهم يعني قبل أن يأتيهم الرسول وتُنزل عليهم الرسالة، لو قدر الله عز وجل أن يهلكهم وهو رحيم، لأن الله عز وجل لا يعذب قوماً ولا يهلك قوماً إلا بعد البينة. "وَلَوْ أَنَّنَا وَلَوْ أَهْلَكْنَاهُمْ مِنْ قَبْلِ مَا مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا لِنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى". لولا أرسلتها. كأنهم لا يعترفون بأن الله أرسل الرسل وأرسل محمداً صلى الله عليه وسلم للأمة كلها.
ثم يقول سبحانه أيضاً: "رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ". هي توكيدات لقولات الكفار الذين ينكرون ويشككون في وجود الرسالة والرسول. "فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى". فرد الله عليهم: "أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ؟ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ". قل: "فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ". هذه حجة قائمة ورد لكل تقولات ولكل الخزعبلات التي يدعيها اليهود وأمثالهم.
أما مقام خاتم الأنبياء والرسل، محمد صلى الله عليه وسلم، فأنتم تعلمون أيها الأحبة أن الله عز وجل قال: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ". وقال: "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ". وقال: "وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ". كان الرسول يبعث إلى قومه فقط. وأنتم تعلمون أن الذي يُكَلَّف من قبل الله عز وجل، وحتى الذين يُكَلَّفون من قبل البشرية بالانتقاء والاختيار، أو بالغلَبة والقهر، فإنه يُطالَب بتسيير وتدبير شؤون الأمة، صغيرها وكبيرها، ذكرها وأنثاها، ببشرها وحيواناتها، ومعادنها ونباتها وشجرها، ودينها وعقيدتها وأخلاقها ونظامها وحكمها، وما كل ما يتعلق بشؤون حياتها، ربما لسنين طويلة.
يعلمها الله، ولكن نبي رسول. كانت الرسالة التي تنزل قبل رسالة الإسلام هي رسالة وافية كاملة، ولكن ليست شاملة كاملة وافية للأمة التي ينزل يختار الله فيها رسوله، الأمم السابقة قبل سيدنا محمد. لكن لما علم الله وقدر في الأزل أن آخر الأمم هي أمة محمد بن عبد الله، وآخر الرسل هو رسول الله، إذاً ينبغي أن تكون الرسالة هكذا صالحة لجميع الأمم، لجميع البشر على ظهر الأرض إلى يوم القيامة. وهنا تبدو المهمة خطيرة وعظيمة، لا يعرف مداها إلا الله عز وجل.
فمحمد صلى الله عليه وسلم كُلِّف بأن يبلغ رسالة الله للناس كافة. "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ". ليس لعربي، ولا لقريش، ولا للبشرية كلها. وهذا أمر خطير، كيف يُكَلَّف عبد بشر، ولكن ليس كالبشر، اختاره الله عز وجل وزوده وعلمه، وربه على عينه، صنعه على عينه، وأنزل عليه آخر رسالة. فرسالة الإسلام كاملة شاملة ودائمة، بينما الرسالات السابقة لم تكن شاملة ولم تكن دائمة، كانت موقوتة.
فينبغي أن يؤمن المؤمن، ينبغي أن يفهم المؤمن ويتذوق هذا المعنى: أن رسالة الإسلام رسالة خاتمة لكافة الناس، شاملة لكل الطوائف، لكل الشرائح، لكل المستويات، لكل المراتب، لكل كل الدرجات، من من أدنى العبيد إلى أرقى البشر، سواء في العلم، أو في السلطة، أو في المال، أو في القوة، أو في أي شيء. كلهم ينبغي أن يخضعوا ويستجيبوا لله والرسول، كما سنرى.
فإذاً، رسالة الإسلام شاملة ودائمة، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس نبي العرب فقط، وإنما قال الله: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ". ويؤكد هذا قول الله عز وجل: "إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ". لا يقبل من أمة، ولا طائفة، ولا فرد، أن يقول: لم يبعث الله لي نبياً ولا رسولاً، ولم يعلمني، ويريد أن يتخذ بذلك معاذراً.
ويقول الله عز وجل مؤكداً: "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ". يجعله ظاهراً وشاملاً، ومهيمناً، وغالباً، وخاتماً، وناسخاً لكل الأديان السابقة. قال في موضعين في سورة التوبة وفي سورة الصف.
ثم قال، يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس أنه ليس رسولاً إلى العرب، وإلى قريش، وإلى طائفة معينة: "قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ". قل، يأمره بأن يقول: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا". إني رسول الله إليكم جميعاً. فهو رسول العالمين، رسول المخلوقات.
ويقول سبحانه: "مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ". في اقرأ، وخاتم لا نبي ولا رسول بعده صلى الله عليه وسلم. وأمره ربه عز وجل، أمره بأن يبلغ للناس كافة: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ".
وبناءً على ما سبق، يكون واجباً على العاقل، على البالغ، على القادر، على المكلف شرعاً، يجب عليه أن يتبع ويؤمن ويقتدي بالرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، بأمر أمر الله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ". أي الرسول إذا دعاكم لما يحييكم. وقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ". وقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ". أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر. أولي الأمر معطوفة بدون تكرار. أطيعوا.
وقال الله عز وجل في فائدة ومزية وفضيلة اتباع محمد صلى الله عليه وسلم: "وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا". أي الهداية في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن شاء أن يهتدي.
ثم نجد القرآن الكريم أثنى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدحه، وذكره بفضل كبير: "وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا". وهذا الثناء من الله عز وجل، وهذا البيان أن الله جعل لمحمد صلى الله عليه وسلم مرتبة تفوق مراتب الأنبياء والمرسلين قبله، هذا يتضمن تحبيبنا ودعوتنا وترغيبنا في الاقتداء به. فالله عز وجل مدحه وأثنى عليه، فكيف لا نتبعه نحن؟ يا خيبة من لا يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ". هذه الأسوة الحسنة في كل شؤون الحياة، الشؤون الفردية، والشؤون الأسرية، والشؤون الجماعية، والشؤون الإقليمية، والشؤون الدولية، والشؤون العالمية. أسوة حسنة.
وقال عز وجل: "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ". هكذا يمدح الله عز وجل محمداً صلى الله عليه وسلم ليجعلنا نحن نقتفي ونتبع ونحب ونستجيب.
ويقول عز وجل: "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي". قل، يا محمد، يأمره بأن يخبرنا ويخبر البشرية كلها: "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ". إذا كنتم تدعون وتزعمون محبة الله، أو تحبون الرسول صلى الله عليه وسلم، فعليكم بالاتباع. أما من لم يتبع رسول الله ولم يقتدِ به وخالفه، وابتَدَع، وجاء بما لم يكن عليه أمره، فهو كاذب، صاحب بهتان وبدعة.
ثم نجد الله عز وجل يوعد وينذر ويهدد كل من يعصي الرسول صلى الله عليه وسلم ويتبع غير سبيل المؤمنين. غير سبيل المؤمنين، سبيل. ولم يقل سبل. سبيل المؤمنين هو سبيل رسول الله. وكل السبل التي تبتدعها الناس والبشرية في أي زمن ومكان، كلها باطلة، لا سبيل على الحق إلا سبيل الرسول وسبيل المؤمنين.
يقول عز وجل: "وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ نُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ". ويقول سبحانه: "وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ". يخالفه ويضاده ويتبع غير سبيل المؤمنين. "لَهُ الْهُدَى". "وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا".
ويقول الله عز وجل في الذي يطعن في النبي، ويطعن في سبيل النبي، ويطعن في دين النبي، وفي أخلاقه، وفي سيرته، وفي نظمه التي جاء بها من عند الله عز وجل: "وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ". من المنافقين والكفار، والذين يؤذون وغيرهم. "وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ". قل: "أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ".
ثم أختم بالتهديد الخطير والخزي والندامة يوم القيامة لمن عادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا. يقول الله عن حال المخالفين القاصدين المتعمدين الذين يرفضون اتباع النبي صلى الله عليه وسلم: "وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ". الظالم هنا ليس الظالم فقط في الذي اعتدى على حقوق الناس المادية، الظالم هو الذي خالف رسول الله، هو الذي ابتدع، والذي بدل الدين، والذي بدل الحكم، والذي بدل الأنظمة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم وأبدلها بالأنظمة البشرية. يقول: "وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ". يقول: "يَا لَيْتَنِي". يا ليتني للتمني، وهو ينادي عليها، والتمني يكون لشيء بعيد مستحيل. "يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا". يعني يا ليتني عاهدت واتحدت ووافقت واستجبت وآمنت واقتديت بالرسول صلى الله عليه وسلم. آه، ولكن لا ينفعه الندم. "يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا". "يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا". "لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا". خذولاً، فعول، مبالغة.
وكم هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا إلى منهج الله، إلى طريق الله، إلى حكم الله، إلى نظام الله، ولكن الشياطين من الإنس والجن يدعوننا إلى القوانين، ويدعوننا إلى البدع، ويدعوننا إلى الخرافات، وإلى الأباطيل، وإلى الترات، وإلى الآراء الباطلة، ويبعدوننا عن منهج الله عز وجل. فكل شيطان، سواء إنس أو جني، هو خذول للإنسان، يخذله ويحول بينه وبين أن يرى النور ويقتدي بخاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم.
أسأل الله أن يرزقنا حب النبي صلى الله عليه وسلم، وحب أتباعه، وأزواجه، وذرياته، والمخلصين لسنته، وأن يحبب إلينا ويزين في قلوبنا سنته وأحكامه ونظامه ومنهجه، حتى نلقى الله عز وجل.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.