Transcription
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
لا تملوا إخواني وأخواتي من سماع أحاديث الفتن. أنا عارف أننا بنقدم حلقات كثيرة عن هذا الموضوع، كل شوية بنتكلم على فتنة من الفتن. قدرنا أن نعيش في هذه المرحلة التي كثرت فيها الفتن واشتدت، وهذا متوقع، ما فيش حاجة غريبة. هذا ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وحكاه لنا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه.
روى البخاري عن الزبير بن عدي. زبير بن عدي من التابعين قال: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج. ظلم الحجاج الناس، ضجت. ذهبت إلى أنس بن مالك صحابي جليل كان معاصر للحجاج فبيشتكوا له الظلم زاد. فقال: اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه. أنتم دلوقتي أنا معاكم إن الحجاج ظالم ومتجاوز الشريعة في أمور كثيرة، لكن المراحل اللي بعد كده هتبقى أسوأ من مرحلة الحجاج، والمراحل اللي بعد كده هتبقى أسوأ من وهكذا إلى يوم القيامة. قال: اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم. يبقى مكملين كده إيه على طول من سيء إلى أسوأ. سمعته من نبيكم. يعني هذا مش رأي أنس بن مالك بيقول لهم لا، هذا الكلام سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
من أخطر الفتن التي نمر بها موت الصالحين وبقاء الفاسدين. كل شوية صالح يموت وسيء يبقى فاسد. يبقى في البخاري عن مرداس الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقبض الصالحون الأول فالأول. شوف الصالحين عهد الخلافة الراشدة، حتى على مستوى الخلافة الراشدة نفسها، أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي معروفين بهذا الترتيب أصلاً في الفضل. يموت الصالحون، يأتي التابعون، يموت التابعون، يأتي تابع التابعين. وكل شوية بيموت الصالح الأول فالأول. وبعدين يقول إيه في الآخر كلمة خطيرة جداً، وتبقى الكلام للنبي صلى الله عليه وسلم والحديث في البخاري: وتبقى حفالة كحفالة التمر والشعير لا يعبأ الله بهم شيئاً. الحفالة هي الحثالة، زي الحثالة بالضبط مبنى ومعنى. فالحفالة زي الحثالة. وإيه الحثالة؟ الحثالة هي رديء الشيء. لما بيكون الثمرة لها قشر وتنخل الثمرة، القشر بيفضل اللي هو الحثالة اللي مالوش قيمة، الأذى هو ده الحثالة. بيحصل إزاي الانتقاء ده؟ الحثالة دي إزاي بتظهر؟ لما الصالحين بيروحوا وتبقى الحثالة أو الحفالة في نص الحديث. فخلاص الثاني مات، الصالح مات ولم يبق في الدنيا إلا الفاسد أو كثر. موت الصالحين وكثر بقاء الفاسدين، فالحثالة كثرت كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم.
إزاي بيحصل الانتقاء ده بالفتن؟ تكثر الفتن ينجح فيها البعض وهو قليل، ويموت على التوحيد وعلى الشريعة ويفشل في الفتن الكثير. هم الحثالة اللي بتفضل دي. "ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب". كيف يحدث هذا التمايز؟ عن طريق الفتن التي نحن كل شوية بنتكلم على فتنة وبنحذر منها علشان ما تقعش فيها وتبقى من الحفالة أو الحثالة. لا، تبقى من الصالحين الذين ماتوا على الإيمان.
وخلي بالك أن كلما اقتربنا من الساعة كلما كثرت الفتن. وهذا في نص الحديث: لا تقوم الساعة حتى ذكر أمور ثم قال: تظهر الفتن. وفي رواية: تكثر الفتن. هذه عملية غربلة. غربلة الفتن بتعمل غربلة في الناس. يقع من الغربال الناس الطيبة الكويسة، تموت على الإيمان، ويبقى في الغربال الناس اللي هم حثالة. عملية الغربلة دي، ده غربلة الناس دي لفظ نبوي على فكرة. يعني الرسول صلى الله عليه وسلم استخدم لفظ الغربلة في حديثه. حديث رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد والحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشك أن يأتي زمان يغربل الناس فيه غربلة، غربلة شديدة، تبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم. مرجت يعني فسدت. فسدت العهود والأمانات واختلفوا فكانوا هكذا. وشبك بين أصابعه صلى الله عليه وسلم. شبك يعني معناها أن الاختلاف كان شديد. تصارعوا، قاوم بعضهم بعضاً، قتل بعضهم بعضاً، تعدى بعضهم على بعض. هكذا اختلفوا. نتيجة إيه؟ نتيجة اختلاف الأمانات واختلاف العهود. نتيجة إيه؟ نتيجة أنهم فشلوا في الامتحانات، الابتلاءات، الفتن، فصاروا حثالة من الناس.
فقالوا الصحابة انزعجوا جداً لما سمعوا هذا الكلام، خافوا. فقالوا: وكيف بنا يا رسول الله لو احنا عشنا في الزمن ده اللي بيموت فيه الصالحين وتبقى فيه الحثالة؟ نعمل إيه؟ قال لهم أربع نصائح سريعة جداً. "أوتيت جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم: خذوا ما تعرفون، وذروا ما تنكرون، وأقبلوا على أمر خاصتكم، وذروا أمر عامتكم".
هقول الكلام ده بشيء من التوضيح بعد ما أقول لكم الرواية الثانية. في رواية ثانية جت فيها نفس القصة برضه عن عبد الله بن عمرو بن العاص حكاها برضه وقال فيها إيه: بينما نحن حول رسول الله. الرواية دي لأبي داود ولا حاجة. بيقول: بينما نحن حول إذ ذكر الفتنة. عشان أنا بقول لكم إن هي اسمها فتنة فعلاً. هو ذكر فتنة معينة ووصف الحال إن هتبقى العهود يعني منقطعة وفاسدة والناس هتخون كتير. فقال صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم، وخفت أمانتهم، وكانوا هكذا. وشبك بين أصابعه. قال عبد الله بن عمرو بن العاص كان قاعد ساعتها هو بنفسه بقى عبد الله بن عمرو رأس. قام بسرعة للرسول صلى الله عليه وسلم. فقلت إليه فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ لو أنا في مثل هذا الموقف أعمل إيه؟ قال له الأربع حاجات اللي قلناها في الرواية السابقة وزود عليها اثنين. سبقهما باثنتين بيدوا برضه معنى إضافي للموضوع. قال: الزم بيتك، وأملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بامر نفسك، واعرض عن أمر العامة.
طيب، من الأحاديث دي أنا آخد بعض النقاط مهمة جداً، ويا أن انتبه إليها. ده حديث فتن. يعني أنا المفروض أنا أنا أسمع جيداً عشان أنفذ عشان ما أقعش في الفتنة. غرضي أن أكون من الصالحين اللي بيموتوا على الإيمان، مش من الحثالة اللي بتبقى. وغرضي أن أنا ما أتأثرش بالحثالة اللي كثرت.
أولاً: نريد أن يكون منهجنا كمنهج عبد الله بن عمرو بن العاص، اللي هو بسرعة قام واهتم واعتبر نفسه في المشكلة عايشها. مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام بيتكلم على حاجة في آخر الزمان، لكن هو جايز يكون آخر الزمان ده قريب جداً. جايز عصر هذه الأمور. فده دي أول نقطة.
النقطة الثانية: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أدى نصيحتين في الأول مهمين جداً: "خذوا ما تعرفون، وذروا ما تنكرون". "خذوا ما تعرفون" يعني اعملوا المعروف. المعروف من الدين زي الأمر بالمعروف كده. المعروف من الدين ده أنا ممكن ما أكونش عارفه كويس، فمحتاج إيه؟ محتاج سؤال، محتاج علماء. كل قضية تتعرض لها في هذا الزمن الذي كثرت فيه الحثالة، هتكون الحثالة دي عندها غرض إن هي تضلك. تقول لك بعض القواعد وبعض الأسانيد وبعض الأساليب وبعض الطرق اللي تنحرف بك عن الطريق المستقيم. حل الكلام ده إيه؟ خذ ما تعرف. يبقى لازم أكون اللي أنا بعمله ده معروف، معروف ليه؟ عند العلماء. فاروح أسأل العلماء. ما تزهقش من السؤال في كل قضية تتعرض لها. قضية في التعاملات الحياتية مع جيرانك، مع أهل بيتك، مع الهيئات المختلفة، في أي مجال، في أي تخصص. كثر من الأسئلة عشان تخرج من الأزمة. و"ذروا ما تنكرون". هيزينوا لك حاجات كثيرة جداً جداً. لو أنت شاكك فيها بلاشها. مع أنها ممكن تبقى حلال. واللي هم بيسموه ترك الشبهات. ترك الشبهة ممكن تبقى حلال مش حرام، بس أنا مش عارف. زي ما الحديث بيقول: الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس. فمن اتقى المشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. أنا أتقي المشبهات مع أنها وارد أنها تكون حلال أو حرام ليه؟ لأن أنا عندي تقوى، عندي ورع. عشان كده الحديث ده نفسه في آخره الرسول عليه الصلاة والسلام اتكلم على موضوع القلب: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله". هذه مضغة إيه؟ القلب. لأن القلب ده هو التقوى اللي بتدفعني لأخذ ما أعرف وترك ما أنكر.
وبعدين أدى نصيحتين ثانيين مهمين جداً خلي بالك منهم. قال: "وأقبلوا على أمر خاصتكم، وذروا أمر عامتكم". يعني إيه الكلام ده؟ يعني أقبل على الأمر خاصتي، نفسي. أنا أصلح نفسي. وأذر أمر العامة. مش كل شوية أنا عمال ألوم على الناس وأعلق على الناس وأنقد الناس وأقول الناس دي عملت كذا وعملت كذا، وأنا جوايا العبر وجوايا المشاكل قد كده. لا. في هذا الزمن اللي كثرت فيه الحثالة واللي هو آخر الزمان والفتن فيه الكثيرة، اللي تعمله إن أنت تنشغل بحال نفسك. صلحها. كلها عيوب. عيوب عقائدية، عيوب أخلاقية، عيوب في التعاملات، عيوب على مستوى علاقتك مع ربنا، علاقتك مع الناس، علاقتك مع نفسك. عيوب كثيرة جداً. صلح نفسك. أقبل على إصلاح نفسك وذر أمر العامة كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم.
ده يشبه الاعتزال على فكرة. الكلام اللي بيقوله النبي صلى الله عليه وسلم ده يشبه موضوع الاعتزال. عشان كده في الرواية الثانية قال: "الزم بيتك، وأملك عليك لسانك". الاختلاف بالناس في زمن الفتن بيوقعك في مشاكل كثيرة، خاصة عن طريق اللسان. تقع في آفات اللسان. بتكذب، بتدلس، بتغتاب، بتنم، بتتفحش في القول، بتقول حاجات كثيرة مخالفات باللسان خطيرة جداً جداً. واللسان ده أكثر ما يدخل العبد النار كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم.
إحنا يا ترى دخلنا في زمن اعتزال الناس ده؟ الحقيقة إحنا دخلنا فيه بشكل نسبي. يعني إحنا ممكن نقول في أوائل، لكن دخلنا فيه بالفعل. أنا شايف إن إحنا دخلنا فيه بالفعل. هل نعتزل الناس؟ لا. أنا عندي أعمال مهمة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما زالت بتجيب أثر مع الناس. يبقى أنا مش بعتزل الناس. بس اللي يتعمل في ساعة ما تعملوش في ساعتين. واللي بيتعمل في في يوم ما تعملوش في أيام عشان تقلل من الاختلاط على قدر ما تستطيع. لأن الزمن فيه حثالة كثيرة فعلاً. فده أنا خايف على الدين، خايف على عقيدتي، على أخلاقي. فلازم أنا أكون يكون حريص بهذه الصورة.
وخلي بالك من وسائل التواصل الاجتماعي خطيرة جداً جداً. تخليني أدخل في أمر العامة وأغرق فيها تماماً وأنسى أمر نفسي. أقعد ساعة واثنين وثلاثة وأعلق على الناس وتعليق ده على ده ونقد ده لده ووصف ده لده وشتيمة ده في ده. شيء بشع جداً جداً. ابتلاء كبير جداً خلانا نعيش وسط مشاكل حثالة الناس. فشيء خطير جداً. الأمر مش سهل. أنا عارف عايز جهد عظيم جداً جداً.
إحنا فعلاً في زمن الغربلة. زمن غربلة الناس. حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم تحذيراً يعني متكرراً. بل إن عندي رواية قالها بيحذر المسلمين بأسلوب نادر للغاية. لما تسمعوا تستغربوا. قال صلى الله عليه وسلم في رواية ابن ماجه عن أبي هريرة ورواية صحيحة: "لتنتقون كما ينتقى التمر من أغفاله". الغربلة هيتنقى التمر السليم من التمر الرديء. هيحصل عملية التنقية هذه أو الغربلة. "فليذهبن خياركم". الناس الخيار هيموتوا. الناس الطيبين. "وليبقين شراركم". اللي هي الغربلة، حثالة الناس. ثم قال: "فموتوا إن استطعتم". يا الله! أنا ما عنديش قدرة أن أنا أموت في اللي أنا عايزه. بس معنى الكلام إن أنت يكون فضل ربنا عليك كبير قوي لو أنت مت قبل ما تصل إلى مثل هذا الزمان.
فنسأل الله عز وجل السلامة من الفتن وحسن الخواتيم. جزاكم الله خيراً والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.