Transcription
في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، كان المواطن السعودي العادي ينتظر قرضا عقاريا من صندوق التنمية العقارية لمدة تتراوح بين خمس إلى سبع سنوات. كان راتب الموظف الحكومي المتوسط لا يتجاوز 3000 ريال سعودي شهريا، أي ما يعادل 800 دولار أمريكي.
في الوقت نفسه، كانت المملكة العربية السعودية تنفق على صفقة اليمامة وحدها ما يقارب 43 مليار جنيه استرليني على مدى 20 عامًا، وهو مبلغ يكفي لبناء مليون وحدة سكنية للمواطنين أو لتشييد 200 مستشفى حديث مجهز بأحدث التقنيات الطبية. لكن الأموال لم تذهب إلى الطائرات الحربية فقط، بل تسربت عبر شبكة معقدة من الحسابات السرية والعمولات الخيالية التي وصلت، بحسب تحقيقات مكتب مكافحة الاحتيال البريطاني، إلى 20% من قيمة الصفقة الإجمالية. تخيلوا معي، 20% من 86 مليار دولار تعني 17 مليار دولار اختفت في جيوب أفراد لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة. من كان هؤلاء الأفراد؟ ولماذا قبلت الحكومة البريطانية أن تكون شريكة في هذا المسلسل المالي الغامض؟
الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود، وزير الدفاع والطيران لأكثر من أربعة عقود، كان الرجل الذي وقع على صفقة اليمامة في عام 1985. في الظاهر، كانت الصفقة تهدف إلى تحديث القوات الجوية السعودية بطائرات تورنادو البريطانية الصنع وتعزيز الدفاعات الجوية للمملكة في مواجهة التهديدات الإقليمية المتزايدة. لكن في الخفاء، كانت الصفقة تمثل شيئًا مختلفًا تمامًا. كانت آلية مالية معقدة لتحويل عائدات النفط السعودي مباشرة إلى حسابات بنكية في لندن، جنيف، زيورخ.
وثائق مسربة من بنك بي آي إي سيستمز البريطاني، الشركة المصنعة للطائرات، كشفت عن وجود حساب سري باسم رمزي "الحساب الأحمر" في بنك ريجز في واشنطن، كان يتلقى تحويلات شهرية منتظمة بقيمة 30 مليون دولار. من كان يملك هذا الحساب؟ الوثائق لم تذكر اسمًا صريحًا، لكنها أشارت إلى مسؤول سعودي رفيع المستوى له صلاحيات مباشرة على ميزانية الدفاع.
في عام 2004، حاول الصحفي البريطاني ديفيد ليه من صحيفة الجارديان تتبع هذا الحساب، لكنه تلقى تهديدات قانونية من محامي الأمير سلطان وأُجبر على حذف أجزاء كاملة من تحقيقه. لماذا كل هذا الخوف من كشف الحقيقة؟ ما الذي كان يخفيه "الحساب الأحمر" حقًا؟
في أواخر الثمانينيات، بدأت تظهر شخصية غامضة في دوائر المال والأعمال السعودية البريطانية. رجل أعمال سعودي يدعى وفيق سعيد، كان يُعرف في الأوساط الدبلوماسية باسم "الوسيط الذهبي". كان سعيد يتمتع بعلاقات وثيقة مع العائلة المالكة السعودية، وخاصة مع الأمير سلطان، وكان في الوقت نفسه الممثل الرسمي لشركة بي آي سيستمز في المملكة. هذا الرجل لم يكن مجرد وسيط عادي، بل كان حلقة الوصل الحيوية بين الأموال السعودية والحسابات البريطانية.
بحسب تحقيقات مكتب مكافحة الاحتيال الخطير البريطاني، كان سعيد يتلقى عمولات سنوية تصل إلى 120 مليون جنيه استرليني، تودع مباشرة في حسابات بنكية في سويسرا. لكن الأغرب من ذلك، أن جزءًا كبيرًا من هذه الأموال كان يُعاد تحويله إلى حسابات أخرى في لندن، حسابات لم تُكشف أسماء أصحابها حتى اليوم.
في عام 2003، عندما بدأ المحققون البريطانيون في التدقيق في هذه التحويلات، تلقى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير اتصالًا هاتفيًا من الرياض. بعد ذلك الاتصال بأيام قليلة، أُوقف التحقيق بأمر مباشر من بلير نفسه، بحجة أن استمراره يهدد العلاقات الاستراتيجية بين المملكة المتحدة والمملكة العربية السعودية. من الذي اتصل ببلير في تلك الليلة؟ وما الذي قيل له ليتخذ قرارًا بهذه الخطورة؟
كانت صفقة اليمامة في جوهرها صفقة مقايضة النفط السعودي مقابل الأسلحة البريطانية. لكن التفاصيل المالية لهذه المقايضة كانت أكثر تعقيدًا وغموضًا مما يتخيله أي شخص. بدلًا من الدفع النقدي المباشر، كانت المملكة ترسل 600 ألف برميل من النفط الخام يوميًا إلى بريطانيا، تبيعها شركة بي آي سيستمز في الأسواق العالمية، ثم تحتفظ بجزء من العائدات كرسوم إدارية قبل أن تحول الباقي إلى الحكومة السعودية. هذه الآلية المعقدة خلقت فرصًا هائلة للتلاعب المالي.
تقارير من وزارة الطاقة الأمريكية في عام 1993 أشارت إلى أن سعر النفط السعودي المباع في صفقة اليمامة كان أقل بنسبة 15% من سعر السوق العالمي. هذا الفارق السعري وحده كلف المملكة خسائر تقدر بمليارات الدولارات سنويًا. لكن السؤال الأهم: أين ذهبت هذه الفروقات المالية؟ من استفاد من بيع النفط السعودي بأسعار مخفضة؟ ولماذا لم يعترض أحد من المسؤولين السعوديين على هذه الترتيبات المشبوهة؟
في عام 2007، نشرت صحيفة الجارديان البريطانية وثيقة مسربة من داخل شركة بي آي سيستمز تكشف عن وجود صندوق سري بقيمة مليار جنيه استرليني، كان يُستخدم لدفع مكافآت لمسؤولين سعوديين رفيعي المستوى. الوثيقة لم تذكر أسماء محددة، لكنها أشارت إلى ثلاثة أمراء من الدرجة الأولى كانوا يتلقون مدفوعات ربع سنوية من هذا الصندوق. المحامون البريطانيون الذين دافعوا عن الشركة في المحاكم وصفوا هذه المدفوعات بأنها رسوم استشارية مشروعة، لكن المحققين اكتشفوا أن هذه الاستشارات لم تتضمن أي عمل فعلي أو تقارير مكتوبة. كانت مجرد تحويلات مالية منتظمة إلى حسابات شخصية.
أحد هذه الحسابات، الذي كُشف عنه في تسريبات بنما في عام 2016، كان مسجلًا باسم شركة وهمية في جزر فيرجن البريطانية، لكن المستفيد الحقيقي منه كان، بحسب الوثائق، قريبًا مباشرًا لوزير الدفاع السعودي. من كان هذا القريب؟ وهل كان الأمير سلطان نفسه على علم بهذه التحويلات، أم أنه كان المستفيد الأول منها؟
"حتى اللحظة الأخيرة، كنت أظن أننا سننجو." هكذا يقول ضابط سابق في الحرس الملكي السعودي، ويداه لا تزالان ترتجفان بعد 35 عامًا من تلك الأحداث. هذا الرجل، الذي طلب عدم الكشف عن هويته خوفًا على حياته وحياة عائلته، كان واحدًا من 12 شخصًا فقط يعرفون الحقيقة الكاملة عن الحسابات السرية للأمير سلطان.
في هذه الليلة، ولأول مرة منذ عقود، يتحدث ثلاثة من أعضاء الدائرة الداخلية للأمير عن الأسرار التي حملوها طوال هذه السنوات. "أسرار ستغير كل ما تعتقدون أنكم تعرفونه عن صفقة اليمامة"، يقول أحدهم، وهو محاسب سابق في وزارة الدفاع السعودية. "كنا نتلقى تعليمات مشفرة عبر الفاكس في منتصف الليل، تعليمات بتحويل مبالغ ضخمة إلى حسابات لا نعرف أصحابها، وكان علينا أن نحرق الأوراق فور تنفيذ العملية."
"كان هناك دفتر أسود صغير يحتفظ به الأمير سلطان في خزانة خاصة في مكتبه، يحتوي على أرقام حسابات بنكية في سبعة بلدان مختلفة، من سويسرا إلى جزر كايمان، ومن لوكسمبورغ إلى موناكو. هذا الدفتر لم يره سوى خمسة أشخاص في العالم، وثلاثة منهم ماتوا في ظروف غامضة خلال السنوات العشر التالية." ما الذي كان يحتويه هذا الدفتر بالضبط؟ ولماذا كانت حياة من يعرف محتواه في خطر دائم؟
ما الذي دفع هؤلاء الرجال، بعد كل هذه السنوات، إلى كسر صمتهم والمخاطرة بكل شيء للحديث عن هذه الأسرار؟ بينما كان المواطن السعودي العادي في منتصف التسعينيات يكافح لتوفير تكاليف تعليم أبنائه الجامعي، الذي كان يكلف حوالي 200 ألف ريال سنويًا للطالب الواحد، كانت عائلة الأمير سلطان تنفق على رحلة صيف واحدة إلى الريفييرا الفرنسية ما يعادل 200 مليون ريال سعودي. هذا المبلغ، الذي يكفي لتعليم 100 ألف طالب سعودي لمدة عام كامل، كان يُنفق على استئجار يخوت فاخرة، وإقامة حفلات خاصة، وفنادق خمس نجوم، وشراء مجوهرات نادرة من دور المزادات العالمية.
لكن من أين كانت تأتي هذه الأموال الطائلة؟ الراتب الرسمي لوزير الدفاع السعودي في ذلك الوقت لم يكن يتجاوز 5000 ريال شهريًا، أي 600 ألف ريال سنويًا. كيف يمكن لشخص براتب رسمي لا يتجاوز 600 ألف ريال أن ينفق 200 مليون ريال على رحلة واحدة؟ الإجابة تكمن في شبكة معقدة من الشركات الوهمية والحسابات السرية التي كانت تغذيها عمولات صفقة اليمامة.
وثائق مسربة من بنك يو بي إس السويسري تكشف أن أحد الحسابات المرتبطة بالأمير سلطان تلقى في عام 1997 وحده تحويلات بقيمة 350 مليون دولار أمريكي. هذا المبلغ يعادل راتبه الرسمي لمدة 4666 عامًا. تخيلوا ذلك، راتب 4000 عام في سنة واحدة. من أين جاءت هذه الأموال؟ ولماذا لم يسأل أحد عن مصدرها؟
في أواخر التسعينيات، بدأت تظهر علامات غريبة على سلوك الأمير سلطان، علامات لم يفهمها المقربون منه في البداية. كان يصر على تغيير حراسه الشخصيين كل ثلاثة أشهر، رغم أن هؤلاء الحراس كانوا من أكثر الرجال ولاءً في المملكة، وكانوا يخضعون لفحوصات أمنية صارمة قبل تعيينهم. كان يرفض تناول أي طعام أو شراب لم يحضره طاهيه الخاص، الذي كان يرافقه في كل رحلاته، حتى الرحلات القصيرة داخل المملكة. وكان يتجنب النوم في نفس الغرفة لأكثر من ليلتين متتاليتين، حتى في قصره الخاص في الرياض.
"أحد الحراس السابقين يروي: كان يستيقظ في منتصف الليل ويطلب منا تفتيش القصر بأكمله، يقول إنه سمع أصواتًا غريبة، لكننا لم نجد شيئًا أبدًا." هذا السلوك الغريب تفاقم بعد حادثة غامضة وقعت في عام 2002، عندما زار الأمير سلطان لندن لإجراء فحوصات طبية روتينية. في تلك الزيارة، التقى بشخص لم يُذكر اسمه في أي سجل رسمي، شخص وصل إلى فندق دورشستر في منتصف الليل وقضى ساعة كاملة في جناح الأمير، ثم غادر دون أن يُحيي أحدًا. الحراس الذين كانوا في الخارج يقولون إن الأمير خرج من تلك المقابلة شاحب الوجه، مرتعش اليدين، وطلب إلغاء كل مواعيده لليومين التاليين. من كان ذلك الزائر الغامض؟ وماذا قال للأمير في تلك الليلة ليجعله يتصرف بهذا الشكل؟ هل كان تهديدًا أم تحذيرًا أم شيئًا أكثر خطورة؟
الأمر الأكثر غرابة هو ما حدث بعد تلك الزيارة مباشرة. في غضون أسبوعين، تم نقل ثلاثة من كبار مساعدي الأمير سلطان في وزارة الدفاع إلى مناصب استشارية في وزارات أخرى، وهو ما يعني عمليًا إبعادهم عن دائرة صنع القرار. أحد هؤلاء المساعدين، الذي كان يشغل منصب مدير الشؤون المالية في الوزارة، اختفى تمامًا من الحياة العامة ولم يُشاهد في أي مناسبة رسمية منذ ذلك الحين. عائلته تقول إنه سافر للعلاج في الخارج، لكن لا أحد يعرف إلى أين ذهب بالضبط، ولا متى سيعود. هل كان هذا المساعد يعرف أسرارًا خطيرة عن الحسابات السرية؟ هل كان على وشك الكشف عن معلومات قد تهدد الأمير سلطان وشركائه في صفقة اليمامة؟ أم أن اختفاءه كان مجرد صدفة؟
الوثائق المسربة من وزارة الدفاع السعودية تشير إلى أن هذا الرجل كان يحتفظ بنسخ من سجلات مالية حساسة في خزانة خاصة في مكتبه، وأن هذه السجلات اختفت في نفس اليوم الذي تم فيه نقله من منصبه. ما الذي كانت تحتويه تلك السجلات؟ ولماذا كان من الضروري إخفاؤها بهذه السرعة؟
في تلك الفترة نفسها، بدأ الأمير سلطان يعاني من مشاكل صحية غامضة لم يتم الإعلان عنها رسميًا. كان يشكو من صداع مزمن وآلام في المعدة ودوار متكرر، أعراض لم تستجب للعلاجات التقليدية. طبيبه الخاص، الذي كان يرافقه في كل رحلاته، طلب إجراء فحوصات شاملة في مستشفى جونز هوبكنز في الولايات المتحدة، لكن الأمير رفض بشدة وأصر على أن يتم علاجه في المملكة فقط. هذا الرفض أثار تساؤلات كثيرة بين الأطباء المعالجين، خاصة أن الأعراض التي كان يعاني منها كانت تشبه إلى حد كبير أعراض التسمم البطيء بمواد كيميائية معينة.
"أحد الأطباء، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، يقول: كنا نشك في أن هناك شيئًا غير طبيعي، لكننا لم نستطع إثبات ذلك لأن الأمير كان يرفض إجراء بعض الفحوصات المتقدمة التي كانت ستكشف الحقيقة." السجلات الطبية السرية التي تم تسريبها لاحقًا تكشف أن الأمير سلطان كان يتناول كميات كبيرة من الأدوية المضادة للقلق والاكتئاب، وهي أدوية لم تكن موصوفة له من قبل أطبائه الرسميين. من أين كان يحصل على هذه الأدوية؟ ولماذا كان يتناولها سرًا دون علم أطبائه؟ هل كان يعاني من ضغوط نفسية شديدة بسبب الأسرار التي كان يحملها، أم أن هناك سببًا آخر أكثر خطورة؟
في أواخر عام 2003، حدثت واقعة غريبة في قصر الأمير سلطان في جدة، واقعة لم يتم الحديث عنها علنًا أبدًا، لكنها تركت أثرًا عميقًا في نفوس من شهدوها. في إحدى الليالي، استيقظ الحراس على صوت صراخ عالٍ قادم من جناح الأمير الخاص. عندما اقتحموا الغرفة، وجدوا الأمير سلطان واقفًا في منتصف الغرفة يرتدي ملابس النوم ويصرخ بأن هناك من يريد قتله وأنه رأى شبحًا يقف بجانب سريره. الحراس فتشوا الغرفة بالكامل، لكنهم لم يجدوا أي شخص أو أي شيء غير عادي. الطبيب الخاص، الذي تم استدعاؤه على الفور، أعطى الأمير مهدئًا قويًا وطلب من الجميع عدم الحديث عن هذه الواقعة مع أي شخص خارج القصر.
لكن الحراس الذين كانوا حاضرين في تلك الليلة لم ينسوا أبدًا ما رأوه. رجل في قمة السلطة والنفوذ يرتعد خوفًا من شيء لا يراه أحد غيره. ما الذي كان يخيف الأمير سلطان إلى هذا الحد؟ هل كان يعاني من هلوسات بسبب الأدوية التي كان يتناولها، أم أن هناك شيئًا حقيقيًا كان يطارده، شيئًا لا يمكن لأحد أن يراه إلا بعد تلك الليلة.
بعد أسابيع قليلة، بدأ الأمير سلطان يتصرف بطريقة أكثر غرابة. كان يطلب من مساعديه أن يحضروا له رجل دين من منطقة نائية في جبال عسير، رجل معروف بقدرته على طرد الأرواح الشريرة وفك السحر. هذا الرجل، الذي لم يكن له أي منصب رسمي في المؤسسة الدينية السعودية، زار قصر الأمير عدة مرات وكان يقضي ساعات طويلة معه في جلسات خاصة لا يحضرها أحد. الخدم الذين كانوا يعملون في القصر يقولون إنهم كانوا يسمعون أصوات تلاوة القرآن والأدعية تخرج من الغرفة، وأحيانًا كانوا يسمعون صوت الأمير وهو يبكي. ما الذي كان يحدث في تلك الجلسات؟ هل كان الأمير سلطان يعتقد حقًا أنه مسحور أو ملبوس، أم أنه كان يبحث عن طريقة للتخلص من الشعور بالذنب الذي كان يطارده بسبب الأموال التي نهبها من شعبه؟
"أحد المقربين من الأمير، الذي كان حاضرًا في إحدى تلك الجلسات، يروي أن الرجل الديني قال للأمير: المال الحرام لا يجلب إلا الشقاء، وما أخذته بغير حق سيأخذه الله منك بطريقة أو بأخرى." هل كانت هذه الكلمات مجرد موعظة دينية عامة، أم أنها كانت إشارة مباشرة إلى صفقة اليمامة والأموال المنهوبة؟
الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو ما حدث بعد تلك الزيارات. في غضون شهرين، تبرع الأمير سلطان بمبلغ 500 مليون ريال سعودي لبناء مستشفيات ومدارس في المناطق الفقيرة من المملكة. هذا التبرع الضخم، الذي تم الإعلان عنه في وسائل الإعلام الرسمية، أثار تساؤلات كثيرة. لماذا الآن؟ ولماذا بهذا المبلغ الكبير؟ هل كان الأمير يحاول تكفير ذنوبه، أم أنه كان يحاول تحسين صورته أمام الشعب السعودي الذي بدأ يتساءل عن مصدر ثروته الطائلة؟
المحللون السياسيون يقولون إن هذا التبرع كان محاولة لشراء الصمت والولاء، لكن الوثائق المسربة تكشف شيئًا مختلفًا. جزء كبير من هذا المبلغ لم يصل أبدًا إلى المستشفيات والمدارس الموعودة، بل تم تحويله إلى شركات مقاولات مملوكة لأقارب الأمير، الذين قاموا ببناء مشاريع بتكاليف مبالغ فيها واحتفظوا بالفرق لأنفسهم. حتى في محاولته للتكفير عن ذنوبه، كان الفساد يتسلل إلى كل خطوة. هل كان الأمير سلطان يعلم بهذا التلاعب، أم أنه كان ضحية لجشع من حوله؟ أم أن الأمر كله كان مجرد مسرحية لخداع الشعب وإسكات الأصوات المعارضة؟
تخيلوا أنكم واحد من 12 شخصًا فقط يعرفون كل شيء عن الأمير سلطان، كل سر طبي، كل خطة هروب، كل نفق مخفي تحت الرياض وجدة. الآن، تخيلوا أنه عليكم أن تختاروا، إما أن تحافظوا على ولائكم، أو أن تنقذوا حياتكم.
في الثاني من كانون الأول عام 2010، اتخذ هؤلاء الرجال القرار الذي غير مسار التاريخ السعودي الحديث. ما الذي دفعهم إلى خيانة رئيسهم الأعلى؟ كانوا يعلمون أن الأمير سلطان يحتفظ بقائمة سوداء في خزنته الخاصة، قائمة تحمل 15 اسمًا من الجنرالات والمقربين الذين كان مقررًا أن يتم التخلص منهم بعد انتهاء موسم الحج. هذه القائمة لم تكن مجرد أسماء على ورقة، بل كانت أحكام إعدام مؤجلة. عندما تسربت نسخة من هذه القائمة إلى أحد الجنرالات الكبار في وزارة الدفاع، أدرك الجميع الحقيقة المرة: إما هو أو نحن.
الوثائق المسربة من الأرشيف الأمني السعودي تكشف أن ثمانية من الأسماء الـ 15 كانوا من كبار الضباط الذين يعرفون تفاصيل الحسابات السرية لصفقة اليمامة، والذين كانوا شهودًا على عمليات التحويل المالي الضخمة التي تمت على مدى عقدين من الزمن. لماذا أراد الأمير سلطان التخلص منهم في ذلك التوقيت بالذات؟ هل كان يخشى أن يتحدثوا؟ هل كان يعلم أن التحقيقات الدولية في صفقة اليمامة بدأت تقترب من الحقيقة؟ أم أن هناك سببًا آخر أكثر خطورة دفعه إلى اتخاذ هذا القرار القاتل؟
في تلك الأيام الحرجة من شهر كانون الأول عام 2010، كان الأمير سلطان يعاني من تدهور صحي حاد لم يعد بالإمكان إخفاؤه عن المقربين. كان يعاني من آلام مبرحة في البطن، وكان يتقيأ بشكل متكرر بعد كل وجبة، وكان وزنه ينخفض بشكل ملحوظ أسبوعًا بعد أسبوع. الطبيب الخاص، الذي كان يرافقه منذ أكثر من 20 عامًا، أصر على إجراء فحوصات شاملة في الخارج، لكن الأمير رفض مرة أخرى وطلب أن يتم علاجه في المملكة فقط.
السجلات الطبية السرية التي تم تسريبها لاحقًا من مستشفى الملك فيصل التخصصي في الرياض تكشف أن الأطباء اشتبهوا في إصابته بمرض خطر في الجهاز الهضمي، لكنهم لم يتمكنوا من تحديد طبيعته بدقة بسبب رفض الأمير الخضوع لبعض الفحوصات الضرورية. كان يخاف من شيء ما، كان يخشى أن تكشف هذه الفحوصات سرًا طبيًا قد يُستخدم ضده.
"أحد الممرضين، الذي كان يعتني به في تلك الفترة، يروي: كان يستيقظ في منتصف الليل وهو يصرخ من الألم، وكان يطلب المسكنات القوية، لكنه كان يرفض أن يأخذها من أي شخص غير طبيبه الخاص، حتى لو كان الألم لا يُحتمل." هذا الخوف المرضي من التسمم، هذا الشك في كل من حوله، حتى في الأطباء والممرضين، كان يعكس حالة نفسية متدهورة بشكل خطير. الرجل الذي كان يقرر مصير الملايين من البشر، الرجل الذي كان يتحكم في ميزانية دفاع تقدر بمئات المليارات من الدولارات، كان يرتعد عندما ينهض من كرسيه ويحتاج إلى مساعدة اثنين من الحراس ليتمكن من المشي بضع خطوات. كيف يمكن لرجل في هذه الحالة أن يدير إمبراطورية مالية معقدة تمتد عبر القارات؟ من كان يتخذ القرارات الحقيقية في تلك الفترة؟ ومن كان يتحكم في الحسابات السرية التي كانت تحمل مليارات الدولارات؟
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو ما كشفته قائمة الأدوية التي كان يتناولها الأمير سلطان في تلك الفترة. وثيقة مسربة من صيدلية القصر الملكي تظهر أنه كان يتناول يوميًا أكثر من 15 نوعًا مختلفًا من الأدوية، بينها مسكنات أفيونية قوية، وأدوية مضادة للاكتئاب، وأدوية لعلاج ارتفاع ضغط الدم، وأدوية لتنظيم ضربات القلب، وأدوية لعلاج مشاكل القولون. هذا الكم الهائل من الأدوية الذي كان يتناوله رجل في الثمانينيات من عمره كان يشكل خطرًا كبيرًا على حياته، خاصة أن بعض هذه الأدوية كانت تتفاعل مع بعضها البعض بطرق خطيرة.
"الأطباء الذين اطلعوا على هذه القائمة لاحقًا قالوا إنها تشبه قائمة أدوية مريض في مرحلة متقدمة من مرض مزمن، مريض يعيش أيامه الأخيرة." لكن الأمير سلطان لم يكن يريد أن يعترف بذلك، لا لنفسه ولا للآخرين. كان يصر على الظهور في المناسبات الرسمية حتى لو كان بالكاد قادرًا على الوقوف. كان يصر على إلقاء الخطابات حتى لو كان صوته يرتجف وكلماته تتلعثم. كان يحاول بكل قوته أن يحافظ على صورة الرجل القوي، الرجل الذي لا يُقهر. لكن جسده كان يخونه، وكان الجميع يرون ذلك. هل كان يدرك أن نهايته اقتربت؟ هل كان يحاول في تلك الأيام الأخيرة أن يرتب أموره، أن يحمي أسراره، أن يضمن أن ما فعله طوال تلك السنوات لن يُكشف أبدًا؟
في أعماق وزارة الدفاع السعودية، في طابق سفلي لا يعرف عنه إلا قلة قليلة من كبار المسؤولين، كانت توجد غرفة خاصة تحمل الرمز "يو إم صفر 504 44". هذه الغرفة، التي كانت محمية بأبواب فولاذية مزدوجة وأنظمة أمنية متطورة، كانت تحتوي على أرشيف سري للغاية، أرشيف يضم وثائق عن الحالة الصحية الحقيقية للأمير سلطان، وعن خطط الإخلاء في حالة الثورة، وعن شيء أكثر صدمة بكثير: العلاقات الحقيقية بين بعض أفراد العائلة المالكة والمقربين من النظام. كانت توجد ثلاث نسخ فقط من هذه الوثائق في كل المملكة: نسخة في هذه الغرفة، ونسخة في خزانة خاصة في القصر الملكي، ونسخة ثالثة في مكان لا يعرفه أحد حتى اليوم.
لماذا تم تدمير هذه الوثائق في نفس اليوم الذي تدهورت فيه حالة الأمير سلطان الصحية بشكل حاد؟ من أعطى الأمر بحرق هذه الملفات؟ ولماذا كان من الضروري إخفاء هذه المعلومات بهذه السرعة؟
"أحد الضباط الذين كانوا مسؤولين عن حراسة هذه الغرفة يروي أنه في ليلة الخامس عشر من تشرين الأول عام 2011، جاء أمر مباشر من مكتب الأمير سلطان بإخراج جميع الملفات من الغرفة ونقلها إلى مكان آمن. لكن بدلًا من نقلها، تم حرقها في فناء الوزارة تحت إشراف ثلاثة من كبار الضباط الذين أقسموا على عدم الحديث عن هذا الأمر مع أي شخص." الدخان الأسود الذي تصاعد من تلك النيران كان يحمل معه أسرار عقود من الفساد والنهب المنظم، أسرار كان من الممكن أن تغير مجرى التاريخ السعودي لو تم الكشف عنها.
ما الذي كانت تحتويه تلك الوثائق بالضبط؟ هل كانت تتضمن أدلة على عمليات تحويل الأموال من صفقة اليمامة؟ هل كانت تكشف عن أسماء المستفيدين الحقيقيين من العمولات الضخمة؟ أم أنها كانت تحتوي على معلومات أكثر خطورة، معلومات عن تورط شخصيات أخرى من العائلة المالكة في هذه الصفقة المشبوهة؟
الوثائق التي نجت من الحريق، والتي تم تسريبها لاحقًا من قبل أحد الضباط الذين شاركوا في عملية الإتلاف، تكشف عن تفاصيل مذهلة. كانت هناك قوائم بأسماء شركات وهمية تم تأسيسها في جزر فيرجن البريطانية وبنما وليختنشتاين، شركات كانت تستخدم كواجهات لتحويل الأموال من صفقة اليمامة إلى حسابات شخصية. كانت هناك نسخ من عقود موقعة بين هذه الشركات الوهمية وشركة بي آي سيستمز البريطانية، عقود تنص على دفع رسوم استشارية بنسبة 20% من قيمة كل صفقة. كانت هناك أيضًا رسائل مشفرة متبادلة بين الأمير سلطان ووسطاء ماليين في لندن وجنيف، رسائل تتحدث عن "الحزمة الخاصة" و"الحساب الأحمر" و"العملية النظيفة". هذه المصطلحات الغامضة كانت في الواقع أكوادًا سرية تشير إلى عمليات تحويل أموال ضخمة.
الوثيقة الأكثر إثارة للصدمة كانت عبارة عن جدول زمني يوضح تواريخ ومبالغ التحويلات المالية التي تمت بين عام 1985 وعام 2005. جدول يظهر أن المبلغ الإجمالي للتحويلات بلغ 86 مليار دولار أمريكي، وهو رقم يفوق بكثير التقديرات الرسمية لتكلفة صفقة اليمامة. أين ذهبت هذه الأموال الإضافية؟ من استفاد منها؟ ولماذا لم يتم الإعلان عنها في أي تقرير رسمي؟
الأمر الأكثر غرابة هو أن بعض هذه الوثائق كانت تحمل توقيعات وأختامًا رسمية من جهات حكومية بريطانية، بما في ذلك وزارة الدفاع البريطانية ووزارة الخارجية. هذا يعني أن الحكومة البريطانية لم تكن فقط على علم بهذه العمليات المالية المشبوهة، بل كانت شريكة فيها. كانت هناك مذكرات داخلية من مكتب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير تشير إلى أن إيقاف التحقيقات في صفقة اليمامة كان قرارًا سياسيًا بحتًا، اتخذ بناءً على ضغوط مباشرة من الرياض.
"إحدى هذه المذكرات، المؤرخة في الثامن من كانون الأول عام 2006، تقول بوضوح: إن استمرار التحقيقات سيؤدي إلى تدهور خطير في العلاقات مع المملكة العربية السعودية وقد يهدد مصالحنا الاقتصادية والأمنية في المنطقة. لذلك، نوصي بإغلاق الملف فورًا." هذه الوثيقة تكشف بوضوح أن الحكومة البريطانية كانت على استعداد للتضحية بالعدالة والشفافية من أجل الحفاظ على علاقاتها المالية والسياسية مع النظام السعودي. لكن السؤال الأهم: ما الذي كانت تخشاه الحكومة البريطانية لو استمرت التحقيقات؟ هل كانت تخشى أن تكشف هذه التحقيقات عن تورط مسؤولين بريطانيين كبار في عمليات الفساد؟ هل كانت تخشى أن تفقد عقودًا تجارية ضخمة مع المملكة؟ أم أن هناك أسرارًا خطيرة كانت تريد إخفاءها؟
في أواخر عام 2011، بدأت تظهر شخصية جديدة في دائرة المقربين من الأمير سلطان، شخصية لم يكن أحد يعرف عنها الكثير. كان اسمه عبد الله الفهد، رجل أعمال سعودي في الأربعينيات من عمره، يتمتع بعلاقات قوية مع البنوك السويسرية والبريطانية. هذا الرجل، الذي ظهر فجأة من العدم، أصبح في غضون أشهر قليلة المستشار المالي الشخصي للأمير سلطان، وكان يرافقه في كل رحلاته إلى الخارج. المقربون من الأمير كانوا يتساءلون: من هو هذا الرجل؟ ومن أين جاء؟ ولماذا يثق به الأمير إلى هذا الحد؟
التحقيقات التي أجريت لاحقًا كشفت أن عبد الله الفهد لم يكن مجرد مستشار مالي عادي، بل كان الرجل الذي كان يدير الحسابات السرية للأمير سلطان في الخارج، وكان المسؤول عن تحويل الأموال من حساب إلى آخر لتجنب الرقابة الدولية. كان لديه توكيلات رسمية تخوله التصرف في حسابات بنكية تحمل مليارات الدولارات، وكان يتمتع بصلاحيات واسعة لم يحصل عليها أي شخص آخر من قبل. لكن الأغرب من ذلك كله هو أن هذا الرجل اختفى تمامًا بعد وفاة الأمير سلطان في عام 2012. لم يُشاهد في أي مكان، ولم يظهر في أي مناسبة عامة، وكأنه تبخر في الهواء. أين ذهب عبد الله الفهد؟ هل هرب بالأموال التي كان يديرها؟ هل تم التخلص منه لأنه كان يعرف أسرارًا خطيرة؟ أم أنه ما زال حيًا في مكان ما يعيش حياة هادئة بعيدًا عن الأضواء، محميًا بالأموال التي نهبها من الشعب السعودي؟
الوثائق المسربة من بنك يو بي إس السويسري تكشف أن عبد الله الفهد كان يملك حسابات شخصية في ثلاثة بنوك مختلفة، حسابات تحتوي على مبالغ تقدر بمئات الملايين من الدولارات. هذه الأموال لم تكن من عمله الخاص، بل كانت جزءًا من العمولات التي كان يحصل عليها مقابل إدارة الحسابات السرية للأمير سلطان. كان يحصل على نسبة 2% من كل عملية تحويل يقوم بها، وهو ما يعني أنه كان يجني ملايين الدولارات سنويًا من هذا العمل. لكن السؤال الأهم: هل كان عبد الله الفهد يعمل لحسابه الخاص، أم أنه كان مجرد واجهة لشخص آخر أكثر نفوذًا؟
بعض التحقيقات تشير إلى أنه كان يتلقى تعليمات مباشرة من شخص في العائلة المالكة السعودية، شخص لم يتم الكشف عن هويته حتى اليوم. هل كان هذا الشخص هو الأمير سلطان نفسه، أم أنه كان أحد أبنائه أو أقاربه المقربين؟ أم أن هناك شخصية أخرى أكثر قوة ونفوذًا كانت تقف وراء كل هذه العمليات المالية المعقدة؟
في الأشهر الأخيرة من حياة الأمير سلطان، كان عبد الله الفهد يزوره بشكل يومي تقريبًا، وكان يقضي ساعات طويلة معه في جلسات خاصة لا يحضرها أحد. الحراس الذين كانوا يقفون خارج الغرفة يقولون إنهم كانوا يسمعون أصوات نقاشات حادة، وأحيانًا كانوا يسمعون صوت الأمير وهو يصرخ بغضب. ما الذي كان يحدث في تلك الجلسات؟ هل كان الأمير يحاول استعادة السيطرة على أمواله؟ هل كان يشك في أن عبد الله الفهد يخونه ويسرق منه؟ أم أنه كان يحاول ترتيب أموره قبل أن تنتهي حياته ويضمن أن أسراره ستبقى مدفونة معه إلى الأبد؟
"أحد المقربين من الأمير يروي أنه في إحدى تلك الجلسات، سمع الأمير يقول لعبد الله الفهد: إذا تحدثت، فأنت رجل ميت. وإذا صمت، فأنت رجل غني. الخيار لك." هذه الكلمات تكشف الكثير عن طبيعة العلاقة بين الرجلين، علاقة قائمة على الخوف والمصلحة المتبادلة، علاقة لا مكان فيها للثقة أو الولاء. في عالم المال والسلطة، لا يوجد أصدقاء، بل مصالح فقط. وعندما تنتهي المصالح، تنتهي العلاقات، وأحيانًا تنتهي الحياة نفسها. هل فهم عبد الله الفهد هذه الرسالة؟ هل اختار الصمت والثراء، أم أنه اختار طريقًا ثالثًا لم يتوقعه أحد؟
للمرة الأولى منذ 35 عامًا، يوافق الرجل الذي كان مسؤولًا عن الأمن الشخصي للأمير سلطان على الحديث أمام الكاميرات. ما سيخبرنا به عن الأسابيع الأخيرة من حياة الأمير سيقلب كل ما تعتقدون أنكم تعرفونه رأسًا على عقب. من المحادثات الخاصة بين الأمير وأبنائه، إلى خطط الهروب اليائسة، إلى اللحظة التي أدرك فيها أن كل شيء قد انتهى. شهادة حصرية ستجعلكم تحبسون أنفاسكم حتى النهاية.
"يقول هذا الرجل، الذي نخفي ملامحه لحمايته: في الليلة الأخيرة، طلب مني الأمير أن أحضر له صندوقًا معدنيًا صغيرًا من خزنته الخاصة. كان الصندوق يحتوي على مفاتيح، ليست مفاتيح عادية، بل مفاتيح إلكترونية لحسابات بنكية في 17 بلدًا. أعطاني المفاتيح وقال لي: إذا حدث لي شيء، أحرق هذه المفاتيح ولا تسلمها لأحد، حتى لو كان من العائلة المالكة." لماذا كان الأمير سلطان خائفًا إلى هذا الحد من أن تقع هذه المفاتيح في الأيدي الخطأ؟ ما الذي كانت تفتحه هذه المفاتيح بالضبط؟ وهل تم حرقها فعلاً، أم أنها ما زالت موجودة في مكان ما تنتظر من يكتشفها؟
الحارس الشخصي يكمل: "بعد وفاة الأمير بثلاثة أيام، جائني رجلان لم أرهما من قبل. كانا يرتديان بدلات سوداء ويحملان بطاقات هوية من الديوان الملكي. سألني عن الصندوق المعدني. قلت لهما إنني لا أعرف شيئًا عنه. نظرا إلي بطريقة جعلتني أدرك أن حياتي في خطر. في تلك الليلة، غادرت المملكة ولم أعد أبدًا." من كان هذان الرجلان؟ ولماذا كانا يبحثان عن الصندوق بهذه الطريقة العنيفة؟ هل كانا يعملان لحساب أحد أفراد العائلة المالكة، أم أنهما كانا يمثلان جهة أجنبية لها مصلحة في الحصول على تلك المفاتيح؟
في تلك الأيام الأخيرة من حياة الأمير سلطان، كانت هناك حركة غير عادية في القصر الملكي. سيارات سوداء ذات نوافذ معتمة كانت تدخل وتخرج في ساعات متأخرة من الليل. وكان هناك اجتماعات سرية تعقد في غرف مغلقة لا يسمح لأحد بالاقتراب منها. "أحد الخدم الذين كانوا يعملون في القصر يروي: كنا نرى وجوهًا جديدة كل يوم، رجال يرتدون ملابس مدنية، لكنهم يتحركون بطريقة عسكرية. كانوا يحملون حقائب جلدية سوداء ويدخلون مباشرة إلى جناح الأمير دون أن يسلموا على أحد." ما الذي كان يحدث في تلك الاجتماعات؟ هل كان الأمير يحاول تأمين ثروته قبل أن يفوت الأوان؟ هل كان يوزع الأموال على أبنائه وأقاربه؟ أم أنه كان يحاول التفاوض مع جهات معينة لضمان عدم ملاحقته قانونيًا بعد وفاته؟
الوثائق المسربة من الديوان الملكي تشير إلى أنه في الأسبوع الأخير من حياته، قام الأمير سلطان بتوقيع أكثر من 30 وثيقة قانونية، معظمها كانت عبارة عن تحويلات ملكية لعقارات وأسهم وحسابات بنكية. كان يحاول بشكل محموم أن يضع كل شيء في أسماء أشخاص آخرين لكي لا يتم تجميد أصوله بعد وفاته. لكن السؤال الأهم: هل نجح في ذلك؟ هل تمكن من نقل كل ثروته قبل أن تنتهي حياته؟ أم أن هناك أموالًا ضخمة ما زالت مجمدة في حسابات بنكية لا يعرف أحد عنها شيئًا؟
الأمر الأكثر غموضًا هو ما حدث في اليوم الذي توفي فيه الأمير سلطان. الرواية الرسمية تقول إنه توفي في مستشفى في نيويورك بعد صراع طويل مع المرض. لكن هناك روايات أخرى تقول شيئًا مختلفًا تمامًا. "أحد الأطباء، الذي كان حاضرًا في تلك اللحظة، يقول بشرط عدم الكشف عن هويته: الأمير لم يكن في حالة حرجة في ذلك اليوم. كانت حالته مستقرة نسبيًا، وكنا نتوقع أن يعيش لأسابيع أو حتى أشهر أخرى. لكن في صباح ذلك اليوم، حدث شيء غريب. جاء شخص لم نره من قبل، قال إنه طبيب استشاري من لندن وطلب أن يفحص الأمير بمفرده. بعد نصف ساعة من دخوله الغرفة، بدأت حالة الأمير تتدهور بشكل مفاجئ ومخيف. في غضون ساعتين، كان قد فارق الحياة." من كان ذلك الطبيب الغامض؟ ولماذا لم يتم التحقيق في هذه الواقعة؟ هل كانت وفاة الأمير سلطان طبيعية حقًا، أم أن هناك شيئًا آخر حدث في تلك الغرفة، شيئًا لا يريد أحد عنه؟
"الممرضة التي كانت مسؤولة عن رعاية الأمير في تلك الأيام تقول: بعد وفاته مباشرة، تم منعنا من الحديث مع أي شخص عما حدث. وقعنا جميعًا على اتفاقيات سرية تمنعنا من الكشف عن أي تفاصيل تتعلق بحالته الصحية أو ظروف وفاته. من خالف هذه الاتفاقية سيواجه عواقب قانونية خطيرة." لماذا كل هذا التكتم؟ ما الذي كانوا يخفونه؟ هل كانت هناك أسرار طبية لا يريدون أن يعرفها أحد؟ أم أن هناك شيئًا أكثر خطورة من ذلك؟
تخيلوا حقيبة جلدية سوداء محشوة بسبائك ذهبية وأوراق نقدية من فئة الـ 100 دولار، يتم تحميلها على عجل في طائرة خاصة في ليلة الحادي عشر من تشرين الأول عام 2011. الطيار الذي كان يقود تلك الطائرة ما زال حيًا حتى اليوم ويؤكد أن الحموله وصلت إلى سويسرا، لكن في السجلات الرسمية، هذه الثروات غير موجودة. كم طنًا من الذهب اختفى من احتياطيات البلاد في تلك الليلة؟ ومن يملك اليوم رموز الوصول إلى الحسابات السرية للأمير؟
"الطيار، الذي يعيش الآن في بلد أوروبي ويرفض الكشف عن اسمه، يقول: كانت هناك ثلاث حقائب كبيرة، كل واحدة منها كانت تزن أكثر من 50 كيلوغرامًا. لم يسمح لي بفتحها أو حتى السؤال عن محتواها. كل ما كان علي فعله هو أن أطير بها إلى جنيف وأسلمها لشخص كان ينتظرني في المطار." من كان ذلك الشخص؟ وأين ذهبت تلك الحقائب بعد ذلك؟
التحقيقات التي أجرتها السلطات السويسرية لاحقًا كشفت أن الحقائب تم نقلها إلى خزانة خاصة في بنك خاص في زيورخ، خزانة مسجلة باسم شركة وهمية في جزر فيرجن البريطانية. لكن من يملك هذه الشركة؟ ومن له الحق في الوصول إلى تلك الخزنة؟
"الوثائق القانونية تشير إلى أن المالك الحقيقي للشركة هو "مستفيد مجهول"، وهو مصطلح قانوني يستخدم لإخفاء هوية الشخص الحقيقي الذي يقف وراء الشركة." هل كان هذا المستفيد المجهول هو الأمير سلطان نفسه؟ أم أنه كان أحد أبنائه أو أقاربه؟ أم أن هناك شخصًا آخر تمامًا، شخصًا لم نسمع عنه من قبل، كان يتحكم في هذه الثروة الهائلة؟
الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن هذه الحقائب الثلاث لم تكن الوحيدة. وثائق مسربة من شركة طيران خاصة تكشف أن هناك ست رحلات أخرى تمت في نفس الفترة، كل واحدة منها كانت تحمل حمولة مماثلة. هذا يعني أن المبلغ الإجمالي للأموال والذهب الذي تم تهريبه خارج المملكة في تلك الأسابيع القليلة قد يصل إلى مليارات الدولارات. أين ذهبت كل هذه الثروة؟ من كان يخطط لهذه العمليات؟ ولماذا تمت في ذلك التوقيت بالذات، قبل أسابيع قليلة من وفاة الأمير سلطان؟ هل كان الأمير يعلم أن نهايته اقتربت وكان يحاول تأمين ثروته قبل أن يفوت الأوان؟ أم أن هناك أشخاصًا آخرين كانوا يخططون لسرقة هذه الأموال قبل أن يتمكن الأمير من توزيعها على ورثته؟
"أحد المحققين الماليين الذين عملوا على هذه القضية يقول: ما حدث في تلك الفترة لم يكن مجرد تهريب أموال عادي، بل كان عملية منظمة ومعقدة شارك فيها عشرات الأشخاص من مختلف الجنسيات. كان هناك محامون ومحاسبون ووسطاء ماليون وطيارون وحراس أمن، كلهم كانوا يعملون معًا لتنفيذ هذه العملية الضخمة." هذا المستوى من التنظيم والتنسيق يشير إلى أن هناك عقلًا مدبرًا واحدًا كان يقف وراء كل شيء. من كان هذا العقل المدبر؟ هل كان الأمير سلطان نفسه؟ أم أن هناك شخصًا آخر أكثر ذكاءً وحنكة كان يتلاعب بالجميع من وراء الستار؟
في الأيام التي تلت وفاة الأمير سلطان، حدثت سلسلة من الوفيات الغامضة التي لم يتم التحقيق فيها بشكل جدي. أحد المحاسبين الذين كانوا يعملون في وزارة الدفاع السعودية توفي في حادث سير مريب على طريق الرياض-جدة. طيار الطائرة الخاصة التي كانت تنقل الأمير في رحلاته الأخيرة اختفى دون أثر، وعائلته تقول إنه سافر إلى الخارج ولم يعد. أحد الحراس الشخصيين للأمير عُثر عليه ميتًا في شقته في لندن، والشرطة البريطانية أغلقت القضية بسرعة ووصفتها بأنها انتحار. هل كانت هذه الوفيات مجرد صدف؟ أم أن هناك من كان يتخلص من الشهود الذين يعرفون أسرارًا خطيرة؟
"أحد المحققين الخاصين الذين عملوا على هذه القضايا يقول: النمط واضح جدًا. كل من كان له علاقة مباشرة بالحسابات المالية السرية للأمير سلطان، إما مات في ظروف غامضة أو اختفى دون أثر. هذا ليس صدفة، بل هو تصفية منهجية للشهود." من كان يقف وراء هذه التصفيات؟ هل كان أحد أفراد العائلة المالكة يحاول إخفاء الأدلة؟ هل كانت جهة أجنبية تحاول حماية مصالحها؟ أم أن هناك منظمة سرية كانت تعمل على محو كل آثار صفقة اليمامة والأموال المنهوبة؟
في خزانة شخصية للأمير سلطان تم العثور عليها بعد وفاته، كانت هناك قائمة مكتوبة بخط اليد. لم تكن قائمة تسوق عادية، بل كانت قائمة إعدام: 15 اسمًا من الجنرالات والمقربين الذين كان من المقرر أن يتم التخلص منهم بعد انتهاء موسم الحج. هذه الورقة تفسر كل شيء. عندما رأى الجنرالات هذه القائمة...
فهموا الرسالة. أما هو أو نحن. هل كانت خيانتهم عملاً بطولياً أم مجرد صراع يائس من أجل البقاء؟
القائمة التي تم تسريبها لاحقاً من قبل أحد الضباط الذين شاهدوها، كانت تحتوي على أسماء بعض أقوى الرجال في المملكة. رجال كانوا يعرفون كل شيء عن صفقة اليمامة والحسابات السرية والعمولات الضخمة. كان الأمير سلطان يخطط للتخلص منهم جميعاً في عملية واحدة منسقة. عملية كان من المفترض أن تتم بعد عودته من رحلة علاجية إلى الولايات المتحدة. لكن الخطة تسربت، والجنرالات علموا بها قبل أن يفوت الأوان.
ما الذي فعلوه بعد ذلك؟ هل واجهوا الأمير مباشرة؟ هل هددوه بكشف أسراره إذا لم يتراجع عن خطته؟ أم أنهم اتخذوا إجراءات أكثر جذرية لحماية أنفسهم؟
أحد الجنرالات الذين كانت أسماؤهم على القائمة، والذي يعيش الآن في المنفى، يقول: "عندما رأيت اسمي على تلك الورقة، أدركت أن حياتي انتهت. كان علي أن أختار، إما أن أنتظر الموت، أو أن أتحرك بسرعة. اخترت الخيار الثاني."
ماذا فعل هذا الجنرال؟ هل كان له دور في الأحداث التي أدت إلى وفاة الأمير سلطان؟ هل كان جزءاً من مؤامرة أكبر لإسقاط الأمير والسيطرة على ثروته؟
الوثائق المسربة من الديوان الملكي تكشف أن هناك اجتماعاً سرياً عقد في الرياض قبل أسبوعين من وفاة الأمير سلطان. اجتماع حضره خمسة من الجنرالات الذين كانت أسماؤهم على القائمة السوداء. في هذا الاجتماع، تم الاتفاق على خطة لحماية أنفسهم من الأمير. الخطة كانت بسيطة لكنها فعالة: سيقومون بجمع كل الأدلة التي لديهم عن الحسابات السرية والعمولات المالية، وسيهددون الأمير بنشرها علناً إذا لم يتراجع عن خطته للتخلص منهم.
لكن الأمير سلطان لم يكن رجلاً يستسلم بسهولة. بدلاً من التراجع، قرر تصعيد الموقف. أمر بنقل ثلاثة من الجنرالات إلى مناصب استشارية بعيدة عن دوائر صنع القرار، وهو ما كان يعني عملياً عزلهم وتجريدهم من سلطتهم. لكن هذا القرار كان خطأ فادحاً.
الجنرالات المعزولون لم يستسلموا، بل قرروا الانتقام. في غضون أيام، بدأت تسريبات إعلامية عن فساد في وزارة الدفاع. تسريبات كانت تشير بوضوح إلى الأمير سلطان دون أن تذكر اسمه صراحة. كانت هذه التسريبات بمثابة تحذير: إذا لم يتراجع الأمير، فإن الأسوأ قادم.
لكن الأمير لم يتراجع، وكانت النتيجة كارثية. في غضون أسابيع، كانت حالته الصحية قد تدهورت بشكل مفاجئ ومريب، وكان قد فارق الحياة في ظروف غامضة لم يتم التحقيق فيها بشكل جدي. هل كان موته طبيعياً، أم أن الجنرالات نفذوا خطة للتخلص منه قبل أن يتخلص هو منهم؟
الأمر الأكثر إثارة للجدل هو ما حدث بعد وفاة الأمير سلطان مباشرة. الجنرالات الذين كانت أسماؤهم على القائمة السوداء لم يتم المساس بهم، بل على العكس، تمت ترقية بعضهم إلى مناصب أعلى وأكثر نفوذاً. هذا التحول المفاجئ في مصيرهم يثير تساؤلات كثيرة. هل كانوا جزءاً من صفقة سرية مع أفراد آخرين من العائلة المالكة؟ هل تم الاتفاق على أن يتم التخلص من الأمير سلطان مقابل ضمان سلامتهم وترقيتهم؟ أم أن هناك تفسيراً آخر لهذا التحول الغريب؟
أحد المحللين السياسيين الذين تابعوا هذه الأحداث عن كثب يقول: "ما حدث بعد وفاة الأمير سلطان لم يكن صدفة، بل كان نتيجة لصراع خفي على السلطة والثروة داخل العائلة المالكة. الجنرالات كانوا مجرد أدوات في هذا الصراع، استخدمهم البعض للتخلص من الأمير، ثم كافأهم بالترقيات والمناصب لضمان صمتهم."
من كان يقف وراء هذا الصراع؟ من كان يحرك الخيوط من وراء الستار؟ هل كان أحد أبناء الأمير سلطان؟ هل كان أحد إخوته أو أبناء إخوته؟ أم أن هناك شخصية أخرى أكثر قوة ونفوذاً كانت تخطط لكل شيء منذ البداية؟
بعد أن انتهت حياة الأمير سلطان في ظروف غامضة في تشرين الأول من عام 2012، تغيرت خريطة القوى داخل العائلة المالكة السعودية بشكل جذري. الأموال الضخمة التي كان يسيطر عليها الأمير، والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، أصبحت محل صراع شرس بين ورثته وبين أطراف أخرى من العائلة المالكة.
بعض الحسابات البنكية السرية تم تجميدها من قبل السلطات السويسرية والبريطانية بناءً على طلبات من جهات سعودية رسمية. لكن حسابات أخرى بقيت مفتوحة ويتم السحب منها بشكل منتظم حتى اليوم. من يملك حق الوصول إلى هذه الحسابات؟ ومن يستفيد من الأموال التي تحتويها؟
الوثائق المسربة من بنوك سويسرا تشير إلى أن هناك عمليات سحب ضخمة تمت من بعض هذه الحسابات في السنوات التي تلت وفاة الأمير. عمليات بلغت قيمتها مئات الملايين من الدولارات. لكن من قام بهذه العمليات؟ هل كان أحد أبناء الأمير؟ هل كان عبد الله الفهد، المستشار المالي الغامض الذي اختفى بعد الوفاة؟ أم أن هناك شخصاً آخر تماماً كان يملك المفاتيح الإلكترونية لهذه الحسابات؟
أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية نفسها، فقد تغيرت الكثير من الأشياء بعد رحيل الأمير سلطان. وزارة الدفاع، التي كانت تحت سيطرته المطلقة لأكثر من أربعة عقود، شهدت إعادة هيكلة شاملة. تم تعيين وزير دفاع جديد، وتم نقل العشرات من كبار الضباط إلى مناصب أخرى، وتم إنشاء لجان رقابية جديدة لمراقبة الإنفاق العسكري. لكن هل تغير شيء حقيقي على أرض الواقع؟ هل توقف الفساد والنهب المنظم للمال العام؟ أم أن الأمور استمرت كما كانت، لكن بوجوه جديدة وأساليب أكثر تطوراً؟
المحللون الاقتصاديون يقولون إن صفقة اليمامة لم تكن حالة استثنائية، بل كانت نموذجاً لطريقة عمل النظام بأكمله. الفساد لم يكن مجرد أفعال فردية لأشخاص جشعين، بل كان جزءاً من بنية النظام نفسه. بنية قائمة على توزيع ثروة النفط على نخبة صغيرة مقابل ولائها السياسي. طالما بقيت هذه البنية قائمة، فإن الفساد سيستمر، حتى لو تغيرت الوجوه والأسماء.
أما بالنسبة للشعب السعودي، فقد بقي يعاني من نفس المشاكل التي كان يعاني منها في الثمانينيات والتسعينيات: البطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، ونقص الخدمات الصحية والتعليمية، وصعوبة الحصول على السكن. الأموال التي كان من الممكن أن تستخدم لبناء مستشفيات ومدارس وجامعات ومساكن للمواطنين، ذهبت إلى جيوب قلة قليلة من الأثرياء والنافذين.
الجيل الذي ولد في الثمانينيات والتسعينيات، الجيل الذي كان من المفترض أن يستفيد من عائدات النفط، وجد نفسه يكافح من أجل لقمة العيش، بينما أبناء وأحفاد الأمير سلطان وأمثاله يعيشون في قصور فاخرة ويسافرون في طائرات خاصة ويمتلكون يخوتاً بملايين الدولارات. هذا الظلم الصارخ، هذه الفجوة الهائلة بين الأغنياء والفقراء، لم تكن نتيجة لعوامل اقتصادية طبيعية، بل كانت نتيجة لسياسات مقصودة ومخططة. سياسات هدفها الأساسي كان نهب الثروة الوطنية وتوزيعها على النخبة الحاكمة.
هل سيأتي يوم يحاسب فيه المسؤولون عن هذا النهب؟ هل ستسترد الأموال المنهوبة وتستخدم لخدمة الشعب؟ أم أن هذه الأسئلة ستبقى بلا إجابة، والأموال ستبقى في حسابات سرية في بنوك أجنبية بعيدة عن متناول من يستحقونها؟
لكن القصة لا تنتهي هنا. أسئلة كثيرة ما زالت بلا إجابة. أسئلة قد لا نعرف إجاباتها أبداً. أين ذهبت الـ 86 مليار دولار التي اختفت من صفقة اليمامة؟ من يملك اليوم المفاتيح الإلكترونية للحسابات السرية التي كان يسيطر عليها الأمير سلطان؟ هل كانت وفاته طبيعية، أم أن هناك من تخلص منه لأنه كان يعرف أسراراً خطيرة؟ من كان الطبيب الغامض الذي دخل غرفته في اليوم الذي توفي فيه، ولماذا تم منع الأطباء والممرضين من الحديث عن ظروف وفاته؟
هذه الأسئلة وغيرها الكثير تبقى معلقة في الهواء، تنتظر من يجيب عنها. ربما في يوم من الأيام، عندما تفتح الأرشيفات السرية، وعندما يتحدث الشهود الذين ما زالوا أحياء، سنعرف الحقيقة الكاملة. لكن حتى ذلك اليوم، تبقى قصة الأمير سلطان وصفقة اليمامة واحدة من أكبر الألغاز في التاريخ السعودي الحديث. لغز محاط بالأسرار والأكاذيب والمؤامرات.
ما نعرفه على وجه اليقين هو أن هذه القصة ليست مجرد قصة عن رجل واحد أو صفقة واحدة، بل هي قصة عن نظام بأكمله. نظام قائم على الفساد والنهب والظلم. قصة عن كيف يمكن لقلة قليلة من الأشخاص أن يسرقوا ثروة شعب بأكمله، وأن يفلتوا من العقاب، وأن يعيشوا حياة الترف والبذخ، بينما الملايين يعانون من الفقر والحرمان.
هذه القصة تذكرنا بأن السلطة المطلقة تفسد بشكل مطلق، وأن غياب الشفافية والمساءلة يفتح الباب على مصراعيه للفساد والنهب. تذكرنا بأن الشعوب التي لا تحاسب حكامها ستدفع الثمن غالياً من دمائها وأموالها وكرامتها. وتذكرنا بأن الصمت على الظلم هو شراكة فيه، وأن الحقيقة مهما حاولوا دفنها، ستخرج في النهاية إلى النور.
أعزائي المشاهدين، إذا تابعتم هذه القصة المأساوية حتى النهاية، اكتبوا لنا في التعليقات من أي مدينة أنتم. من المهم بالنسبة لنا أن نعرف أين لا يزال الأمير سلطان محفوراً في الذاكرة. واشتركوا في القناة حتى لا تفوتكم الحقيقة عن أيقونات التاريخ.