Transcription
هذا أشهر كثير رملي في التاريخ خلفه وقعت غزوة بدر الكبرى، يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان. نعبر الكثير وننزل في أرض المعركة في العام الثاني من الهجرة. مرّ 314 رجل مع هذا الوادي يطلبون عيد غنيمة، ولا يعلمون أنهم سيغيرون التاريخ. جيش بدر بقيادة المصطفى عليه الصلاة والسلام. ما قصة هذه الغزوة الخالدة في التاريخ التي سماها الله عز وجل بيوم الفرقان، يوم التقى الجمعان؟
المصطفى عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام حينما هاجروا من مكة للمدينة، فروعوا بدينهم، فصادرت قريش أموالهم ودورهم وأملاكهم، بل بعضهم أخذوا منهم زوجاتهم وأبنائهم. فمَثَلَ في المدينة المصطفى عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار، وأخذ يتطلع لعير قريش، تجارة قريش، كي يسترد بعض ما سلب من المسلمين. فبلغه أن أبا سفيان خرج بقافلة من مكة ناحية الشام، فيها ألف بعير، جميع بيوت مكة لهم مال في هذه القافلة، ثروة طائلة. فأرسل عليه الصلاة والسلام عيوني الخبر، فعلم بخروج هذه القافلة، فخرج يطلبها حتى وصل إلى ينبع النخل في غزوة العشيرة. أفلتت عيد أبو سفيان من المصطفى عليه الصلاة والسلام. أقام عليه الصلاة والسلام في ينبع النخل شهرًا، ثم عاد إلى المدينة، ولا يزال أبو سفيان. ذهبت أبو سفيان إلى الشام، وصلت بعد غزوة العشيرة. عاد عليه الصلاة والسلام للمدينة، وأرسل اثنين من المبشرين بالجنة ليتحسسوا أبو سفيان: سعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله. أرسلهم إلى أملج ووادي النخبار، لكِشت بن مالك الجهني. فوصلوا لهذا الصحابي، وقالوا: المصطفى عليه الصلاة والسلام راسلنا لك، ترى أكرمهم وضيافتهم. قال: تبقون عندي حتى تمر قافلة أبو سفيان.
أبو سفيان أيضًا، وهو في الشام، كان خائفًا، متوجسًا، وله عيون. فعلم أن المصطفى يستعد للخروج من المدينة يطلب العير في عودتها. أبو سفيان أكمل طريقه حتى وصل وادي النخبار. في وادي الأخبار حدثت قصة الصحابيان، جلسوا خلف أكمة، خلف تبة، وقال كِشت بن مالك: لا يراكم أبو سفيان إذا مرت العير، شوفوها. فمرت العير، فشاهد أبو سفيان كِشت بن مالك، وقال: يا كِشت، هل رأيت عيون محمد؟ هل رأيت ما تستريبه؟ قل: أرى ما أستريبه. فشاهد الصحابيان أبو سفيان تمر في وادي النخبار ناحية أملج. في وادي النخبار تأكد أبو سفيان من خروج المصطفى عليه الصلاة والسلام من المدينة المنورة. من وادي النخبار أرسل أبو سفيان شخصًا يحرض قريش على الخروج، اسمه ضمضم. احفظوا هذا الاسم جيدًا، ضمضم هذا خطير جدًا. قبل أن يدخل مكة، جرح الجمل ولطخ ملابسه بالدماء، ودخل مكة يحمل ترابًا على رأسه ويقول: اللطيمة اللطيمة. استفزّ قريش، قالوا: ما بك يا بن ضمضم؟ قال: محمد خرجوا يريدون عيركم. فتعبّأت قريش عن بكرة أبيها تريد الخروج، حماية تجارتها، حماية قافلتها. ولكن من أمر جلد كان بين قريش وقبيلة بني بكر ثار، فقالت قريش: لو خرجنا ستخذلونا بني بكر. فجاءهم إبليس على هيئة رجل، صراخه بن مالك، وقال: أنا أضمن لكم قبيلة بني بكر. والقصّة مذكورة في القرآن، وزين لهم الشيطان أعمالهم، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم. فلما تراءت الفئتان، نَقَصَ على عقبيه، وقال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون، شاف الملائكة، إني أخاف الله، والله شديد العقاب. فخرجت قريش مطمئنة، يقودها فرعون هذه الأمة، أبو جهل، ويؤزّها الشيطان. عَزَّ بـ 1300 مقاتل. فمرت بعسفان وجديد، وتوقفت في الجحفة. تركنا جيش قريش في الجحفة، والآن سنقوم برفقة جيش المصطفى عليه الصلاة والسلام من خروجه من المدينة حتى وصل إلى بدر.
وفي هذا المكان في المدينة، حرة السقيا، قسم عليه الصلاة والسلام جيشًا: 314 صحابي، معهم 70 بعير، كل ثلاثة يتعاقبون على بعير واحد، ومعهم فرسان فقط. راية المهاجرين مع علي بن أبي طالب، وراية الأنصار مع سعد بن معاذ، أما الراية الكبرى مع مصعب بن عمير، والقائد العام المصطفى عليه الصلاة والسلام. وانطلق الجيش من المدينة إلى بدر. انتشر خبر نية المصطفى بالخروج طلبًا لعير أبو سفيان. فجاء الصحابي خيثمة إلى بيته، وجد ابنه سعد، كان أعزب، ولد شابًا، قال: يا سعد، اخلفني في العيال، إني أريد الخروج مع المصطفى عليه الصلاة والسلام. قال: هيهات يا أبت، لو كان غير الجنة لا أثرتك به يا ولدي، قريب هذا الجنة، ما أقدر أثرك على نفسي. فاتفقوا يسوون قرعة، فخرج سهم سعد، فرافق المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى بدر، وقتل شهيدًا فيها. وصل الجيش الإسلامي إلى فجر الروحاء. كان عليه الصلاة والسلام يستطيب النزول في فجر، أرضًا طينة، وفي ماء بئر، لوحات تاريخية وردت في عدة حديث، يقول المصطفى عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح في صحيح مسلم: والذي نفسي بيده، ليوَهِلنّ ابن مريم بفجر الروحاء حاجًا أو معتمراً في آخر الزمان، عيسى بن مريم يأتي حاجًا معتمراً بفجر الروحاء، ويرفع صوته بالتلبيّة: لبيك اللهم لبيك. وفي رواية عن ابن عباس: إنه سبعون نبي مرّ وحجّ مرة حاجًا بفجر روحات، لذلك يسمى درب الأنبياء. بات الجيش الإسلامي ليلته بِفَجر الروحاء، ما يعلمون وجهتهم، يعرفون الناحية التي فيها القافلة، لكن ما يدرون أي وادي، بأي مدينة. أيضًا قريش خرجت من مكة تحمي عيرها، ولكن لا تعرف مكان العير. ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد، ولكن ليقض الله أمرًا كان مفعولًا. الجيش الإسلامي عددهم 314 صحابي، معهم 70 بعير فقط، فيضطرون كل ثلاثة يركبون على بعير، اثنان على البعير، واحد يمشي، ثم ينزل واحد من الراكبين ويطلع اللي كان يمشي، كان يتعقب البعير. مع المصطفى عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد. فاتفق علي ومرثد بن أبي مرثد أن المصطفى عليه الصلاة والسلام ما ينزل، هو ومرثد يتعاقبون على البعير. فعرضوا هذا الأمر على المصطفى، قالوا له: يا رسول الله، أنت اجلس على البعير لا تنزل، أنا ومرثد نتعاقب عليه. فقال عليه الصلاة والسلام: لست بأحرص مني على الأجر، ولا بأقوى مني على المشي، القيادة بالقدوة.
ولما وصل عليه الصلاة والسلام هذا المكان، وادي الصفراء، أرسل اثنين من الصحابة من الأنصار، من جهينة، عجيبة بن الزغباء الجهني وبسبس بن عمرو الجهني، يتحسسان قريش، عيون له عليه الصلاة والسلام. فسبق الجيش حتى وصلوا بدر. بدر كانت مورد ماء تردها القوافل. يوم جاؤوا عند البئر، وجدوا في رجل قريب منها، وجدوا امرأتين بينهما ملزمة، بينهما مشكلة، واحدة مدينة، واحدة فلوس، فقالت المرأة التي لها الدين: فشدت على المدين وقالت: ردي علي فلوسي، طولتي علي. فقالت المدينونة: لا تكثري هرج، يومين وتمر القافلة وأخدمها وأسدّ دينك. فقال هذا الرجل اللي قريب منهم: صدقت، وفضّ النزاع بينهم. فجاء الصحابيان إلى مورد الماء، وأخذوا ما عشان ما أحد يشك فيهم، وغادروا بعد وقت قصير. دخل أبو سفيان بدر بعد أن جنّب القافلة، لأنه كان خائفًا من الصحابة والمصطفى عليه الصلاة والسلام. فيوم دخلوا، وصل عند البئر وجد هذا الرجل، وكان مجدي بن عمرو الجهني، وكان حينئذٍ حليفًا لقريش. قال له: يا مجدي، هل رأيت ما تستريبه؟ قال: لم أر ما أستريبه، غير أن هذه البئر وردها اثنان معهما جملان. فجاء أبو سفيان مسرعًا إلى مكان الجملين، وأخذ البعير وفتحه، فوجد فيه النوى أعلى فيثرب. فقال: هؤلاء عيون لمحمد. شوفوا الذكاء الفطري للعرب، لأنه في ذاك الوقت من يطعم الجمال التمر غير أهل يثرب، لأنه النخيل والتمر كان كثير عندهم. فرجع عاد أبو سفيان، وساحل بالقافلة، ما مرّ فيها بالطريقة المعتادة، راح في طريق بعيد ناحية البحر، وأرسل لقريش في الجحفة يخبرهم أن القافلة نجت ويقول لهم: عودوا إلى مكة. ولكن كان لأبي جهل رأي آخر. الآن علم الصحابة وجهتهم بدر، لأنه قافلة أبو سفيان حتمر فيها بعد يومين. كان عدد جيش الصحابة 314 صحابي، ويقال 317. أبو سفيان بعد أن ساحل بالقافلة ونجا بها، أرسل رسوله إلى الجحفة يخبر جيش قريش أن القافلة نجت، عودوا إلى مكة. كان عدد جيش قريش 1300 بحدها وحديدها وفرسانها. هنا اختلفت آراء أسياد قريش، الأخنس بن شريقه الثقفي كان رجلًا حكيمًا، مطاعًا في بني زهرة، وبني زهرة هم أخوال المصطفى عليه الصلاة والسلام، منهم أمه آمنة بنت وهب، منهم عبد الرحمن بن عوف الزهري وسعد بن أبي وقاص الزهري. فأقنعهم، وعاد بثلاثمائة شخص من الجحفة إلى مكة، لم يشهدوا بدرًا. وبعد أن علموا بالنتيجة، وأن جيش قريش هزم وقتل في بدر، عظم الأخنس بن شريقه الثقفي في قومه، وعظم في قريش أبو جهل كان له رأيًا آخر، قال: والله لا نرجع حتى نردّ بارًا، فننحر الجزور، ونسق الخمور، وتعزف علينا القينات، وتهابنا العرب أبد الدهر كلها معاصي، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وجاءت قريش إلى بدر يؤزّها الشيطان.
عَزَّ الجيش الإسلامي المسير حتى وصل إلى ظفران قبل بدر. في ظفران علم عليه الصلاة والسلام أن قافلة أبو سفيان نجت، وأن قريش متجهة ناحية مكة، فتوقع الصدام عليه الصلاة والسلام، فجمع صحابته الكرام، وأخبرهم بخبر العير، لأنه أخرجهم من المدينة طلبًا للعير وليس طلبًا للقتال. فقال: اشيروا عليّ أيها القوم. فقام أبو بكر وقال: واجاد. وقام عمر وقال: واجاد. وقام المقداد بن مسعود، والرواية في البخاري. لقد وقف المقداد يوم بدر موقفًا، والله ما أود أني لي به الدنيا، يعني لو خيروني بين الدنيا وموقف المقداد، آخذ موقف المقداد. قام المقداد وقال: يا رسول الله، امضِ لما ترى الله، والله لا نقول لك كما قالت بني إسرائيل لنبي الله موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون. ولكن نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكم مقاتلون. والله يا رسول الله، لو أخذت بنا إلى برك الغماد، برك الغماد وين؟ ناحية اليمن، بينها وبين بدر عشرين قبيلة مقاتلة. والله يا رسول الله، لو أخذت بنا إلى برك الغمات، لجلدنا معك من دونها حتى تبلغها. فسرّ النبيّ سرورًا كبيرًا بموقف المقداد. الرسول أيضًا اشير عليّ أيها القوم. هنا وقف سعد بن معاذ، شيخ الأوس، حامل راية الأنصار، قال: لعلك تعنينا يا رسول الله؟ قال: نعم. لأن جميع من تحدّث في السابق من المهاجرين، المصطفى يبغي يسمع رأي الأنصار، لأنه أخذ منهم بيعة العقبة الثانية على أن يحموه داخل المدينة، وهذا أمر خارجها، والمصطفى أصلًا في بدر ما حركهم لقتال، حركهم لغنيمة قافلة أبو سفيان. فقال سعد بن معاذ: آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئتنا به هو الحق، وأعطيناك على ذلك مواثيقنا. والله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك، وما تخلف منا أحد. امضِ لما ترى الله، إنا لصبر عند القتال، صدق عند اللقاء، ولعل الله أن يريك منا ما تقرّ به عينك. فسرّ النبيّ، وتجهّز الجيش، وتوجه ناحية بدر.
قبل بدر، أوقف المصطفى عليه الصلاة والسلام جيشه في منطقة الدبة أو الدُبّة، وخرج هو وأبو بكر الصديق يتحسسان الخبر، فوجدا رجلًا مسنًا، فسألاه، قالوا له: ما خبر محمد؟ وما خبر قريش؟ قال: أخبرني من أنتما؟ قالوا: لا. قالوا: لا نخبرك حتى تخبرنا. قال: سمعنا أن محمدًا خرج من المدينة يوم كذا وكذا، فإن صدق الخبر فهو في الدبة، وسمعنا أن قريش خرجت من مكة يوم كذا وكذا، فإن صدق الخبر فهم على اعتاب بدر. كان هذا الرجل هو سفيان الضمري. فقال: من أنتما؟ فقال المصطفى عليه الصلاة والسلام: نحن من ماء. قال الرجل: مما العراق؟ والمصطفى عليه الصلاة والسلام يقصد من ماء مهين، لأنها حرب، ولا بد من التكتم والتعمية في الأخبار. عاد عليه الصلاة والسلام مع أبي بكر الصديق لمعسكر الجيش في هذه الناحية. في المساء أرسل علي بن أبي طالب وسُبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص يتحسسون أخبار قريش. فوجدوا راعيين يسقيان الماء، فأخذاهم لمعسكر المسلمين. يوم وصلوا، كان المصطفى عليه الصلاة والسلام يصلي، فأخذا يستجيبانهما: من أنتما؟ قالوا: حنا رعاه لقريش، جيش قريش. ضربوهم الصحابة، الصحابة يبون أي شيء يربطهم بعير أبو سفيان، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم. فمع الضرب قالوا لهم: حنا سقاه لأبي سفيان. فيوم خلص عليه الصلاة والسلام والصلاة، قال: إن صدقكما ضربتُهما، وإن كذباكما تركتُهما. هم سقاء لقريش. فأخذ المصطفى عليه الصلاة والسلام يستجيبهم، قال لهم: كم القوم؟ قالوا: لا نعلم. قال لهم: كم العدة؟ قالوا: لا نعلم. فغيّر عليه الصلاة والسلام طريقة الاستجواب، قال: كم تنحرون للجيش ذا كم يذبح في اليوم عشان يأكل؟ قالوا: ننحر من تسعة إلى عشرة جزور. فقال عليه الصلاة والسلام: القوم من 900 إلى ألف. وكان كلامه صحيحًا. بعدين سألهم، قال: من خرج من قريش؟ فقالوا: هؤلاء الغلمان خرجوا: الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، ونُبيّة ومنبيه، وعتبة وشيبه والوليد. فقال عليه الصلاة والسلام: رمتكم مكة بفلذات أكبادها.
دخل المصطفى عليه الصلاة والسلام من عند هذا الكثير، جعل كتيبة الحنان عن يمينه، واتجه ناحية بدر. أنتم بالعدوة الدنيا، هذه العدوّة الدنيا، وهم بالعدوة القصوى، هناك العدو القصوى، والركب أسفل منكم، قافلة أبو سفيان نجت، ساحلة ناحية البحر. ولو تواعدتم لاختلفتم بالميعاد. المصطفى قادم لا يعلم أنه سيصل بدر، وقريش جاية لا تعلم أنها ستصل بدر، ولكن ليقض الله أمرًا كان مفعولًا. وصل عليه الصلاة والسلام بصحابته الكرام إلى هذه الناحية من بدر، العدوّة الدنيا، كانت هنا منطقة عيون مياه، آبار. فأقام عليه الصلاة والسلام. فجاء الصحابي الحباب بن المنذر، قال: يا رسول الله، أهو منزل أنزلك الله إياه، أم هي الحرب والمكيدة والخدعة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: بل الحرب والمكيدة والخدعة. قال: ما هذا بمنزل، ننزل عند آخر بئر من القوم، ونغور، نهدم بقية الآبار، ونجعل لنا حوضًا فنَشْرَب ولا يشربون. رواية الحباب بن المنذر ضعيفة من حيث الإسناد، لكنها اشتهرت في كتب التاريخ، وفي أحداث المعركة ما يؤيدها. عهد العرب. أمر الصحابة أن يجثوا على الركب، قريش جاية بحدها وحديدها، معها الخيول، فما يقدرون يجيبون الخيول، فأمرهم المصطفى أن يجثوا على الركب ويحملوا سيوفهم ورماحهم، وقال لهم: لا تباشروا قتالًا حتى آمركم، وإن كاتبوكم قريش فانضحوهم بالنبل. أثناء قريش ما هي في معسكرها، جاءهم رجل شيخ في قومه، خفاف بن الرحلة الغفاري، وجاء معها الجزور، الطعام. وقال لأبي جهل: إن شئت، وأمددناكم بالسلاح والرجال. قال أبو جهل: لا حاجة لنا بالسلاح والرجال، وأما أنت فقد وصلت الرحم. إن نكن نقاتل الله كما يزعم محمد، فلا طاقة لنا به لا نحن ولا أنتم، وإن نكن نقاتل محمدًا فنقدر عليه برجالنا. المسلمون يرقبون جيش قريش، وجيش قريش يرقب جيش المسلمين. أرسلت قريش أحد فرسانها، عمير بن وهب الجمحي، قالت: اكشف لنا القوم. فأخذ فرسه، وجاء من بعيد يلتف حول أرض المعركة، وعاد لقريش، وقال: ليس للقوم مدد، ولكني رأيت البلايا تحمل المنايا نواضح، يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس لهم منعة إلا سيوفهم.
في صباح يوم المعركة، شاهد المصطفى عليه الصلاة والسلام ناحية معسكر قريش رجلًا على جمل أحمر، فقال: يا حمزة، انظر لي من صاحب الجمل الأحمر، إذ يكون فيهم خير، ففي صاحب الجمل الأحمر. كان صاحب الجمل الأحمر عتبة بن ربيعة، يحكي لنا القصة من معسكر قريش حكيم بن حزام، وكان في معسكر الكفر آنذاك، أسلم فيما بعد، رضي الله عنه. قام عتبة، ولم يكن ميالًا للقتال، وقال لقريش: لقد نجّى الله العير، لا لكم بقتال محمد، إن أظهره الله فهو رجل منكم، وإن قتل قتلته العرب، فقد كفيتموه. لا تقاتلوا. يوم شاف جيش المسلمين، جيش الصحابة، جالسين على الركب، قال: ألا ترون جيش محمد جالسين على الركب، يتلمّضون تلمّذ الحيات، والله لا يقتل منهم أحد إلا قتل منكم أحد، فإن قتل أعدادهم منكم فما خير الحياة بعد يوم. سمع الكلام ذا أبو جهل، قال: هذا بيُثبِط روح الجيش. فجاء قال: انتفخت والله سحرك، يعني رئتك انتفخت من الخوف، إنما ترى ابنك مع القوم، ابن الصحابي أبي حذيفة، إنما ترى ابنك مع القوم، لا تريد أن تقاتله. فغضب عتبة غضبًا شديدًا، وقال: ابن الحنظلية معسفر، استه كلمة غاية في الفحش والبداءة، ستعلم والله من انتفخ سحره. وهذا اللي حمس عتبة أن يخرج للمبارزة هو وشيبه وابنه الوليد. هذا أبو جهل على خطة نهائية. عامر بن الحضرمي، من هذا عامر؟ هذا أخوه عمرو بن الحضرمي قتل في سرية النخلة، قتلوه المسلمون، فلهم ثار عند المسلمين. فنادي على عامر، وأمره أن يتكشف ويقطع ملابسه في ساحة الجيش أمام قريش، ويصيح ويقول: عَمْرَةً عَمْرَةً. فتعبّأت قريش عن بكرة أبيها، وأخذت تصوب ناحية أرض المعركة. ولما شاهد المصطفى عليه الصلاة والسلام قريش تصوب ناحية أرض المعركة، رفع يديه، وقال: اللهم إن هذه قريش جاءت بخيلها وخويلها وحدها وحديدها، تحادك وتكذب رسولك، اللهم أنجزني ما وعدتني، اللهم أهِنْهم الغداه، اقضِ عليهم هذا اليوم. وأخذ حفنة من التراب، وقال: شاهد الوجوه، ورماها ناحية جيش قريش. يقول حكيم بن حزام، وكان في معسكر قريش: والله كانما قضى هذا علينا، تبقى شخص إلا أصابته شيء من التراب اللي رماه المصطفى عليه الصلاة والسلام. وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى. فالتفت عليه الصلاة والسلام إلى صحابته الكرام، وقال: والذي نفسي بيده لا يقتل اليوم عبدًا مقبلًا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة. يقول ابن مسعود: صغّر المصطفى يوم بدر حتى صغّر الله قريش في أعيننا، فقلت للذي عن يميني: القوم سبعين. قال له: لا يكون مئة. يا سبعين يا مئة. ولما تراءت الفئتان، جيش المسلمين وجيش المشركين، خرج فارس من قريش اسمه الأسود بن عبد الأسد، هو أخو أبي سلمة زوج أم سلمة زوجة المصطفى عليه الصلاة والسلام فيما بعد. فحلف أن يشرب من حوض المسلمين أو يهدمه أو يقتل دونه. فجاء يريد أن يشرب، فعقره حمزة بن عبد المطلب، فقطع ساقه. فأخذ الخبيث يحبو يريد أن يبرّ بقسمه، فجاء حمزة وأجهز عليه. وهذا يؤكد رواية الحباب بن المنذر اللي قلناها في بداية التجهيز للمعركة. أول من قتلوا من المسلمين مهجع اليماني مولى لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، جاء يشرب، فضربه سام فاستشهد. ثم جاء بعده سحارث بن سراقة، فأخذ يشرب من الحوض، فأصابه سهم غرب، سهم لا يعرف من راميه، فأصابه فقتل واستشهد. جاءت أم حارثة إلى المصطفى، قالت: يا رسول الله، إن ابني حارثة قتله سهم غرب، أهو في الجنة؟ فاتعزّي أمّ في غيرها، فابكي. قال لها: يا أم حارثة، أيّ الجنان إن ابنك أصاب الفردوس الأعلى من الجنة. اعتادت العرب أن تبدا القتال بمبارزة. فخرج ثلاثة من قريش: عتبة، شيبة، بعد كلام أبي جهل يريد أن يثبت لأبي جهل أنه شجاع، فأخذ معه أخوه شيبة وابنه الوليد، وطلبوا المبارزة من معسكر المسلمين. فخرج لهم ثلاثة من الأنصار من بني عبد الأشهل، وهم عبد الله بن رواحة وعوف بن الحارث ومعوذ بن الحارث، إخوان ابني عفراء. فقالوا لهم: من القوم؟ فسمى كل اسمه. فقال عتبة: نريد أكفاء، ولكن نريد أبناء عمومتنا. فقال عليه الصلاة والسلام: اخرج يا حمزة، اخرج يا علي، اخرج يا عبيدة. هذا عبيدة، عبيدة بن الحارث بن المطلب، ابن عم المصطفى عليه الصلاة والسلام. فقتل حمزة شيبة، وقتل علي الوليد. فاختلفت سيوف عتبة وعبيدة، كانوا كبارًا في السن، فضرب كل منهما الآخر، فسقطا. فجاء حمزة وعلي فأجهزا على عتبة في هذه الأرض، وسحبوا عبيدة إلى معسكر المسلمين.
عمير بن الحمام لما سمع كلام المصطفى عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده لا يقتل اليوم عبدًا مقبلًا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة، كم بيده تمرة أكل نصفها، وبيجي النصف الآخر، فطالعه قال: إنها لحياه طويلة، حتى أكمل نصف التمرة، فرمى وغاص في العدو، يقول: ركضا إلى الله بغير زادي، فقتل واستشهد. وقال المصطفى: بخ بخ، يكمل نصف التمرة في الجنة. الآن الملائكة أخذوه، وأخذوا نصف التمرة حقه معه، وقالوا: تكملها في الجنة. ولما حميت وطيس المعركة، دخل عليه الصلاة والسلام إلى عريشة، وأخذ يدعو ربه ويتضرع، ويقول: اللهم انتهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، اللهم أنجزني ما وعدتني. حتى سقط رداؤه، أبو بكر الصديق يخفف عنه، فقال عليه الصلاة والسلام: ابشر يا أبا بكر، هذا جبريل قادم على عنان فرسه، على ثناياه النقع الغبار، على ثنايا، على أسنان جبريل. نزلت الملائكة في بدر، وقاتلت في هذه الأرض، حتى إن الصحابة كانوا يعرفون قتيل الملائكة من قتيل الصحابة. قتيل الملائكة قطع مع حرق، مشهد بطولي من أرض المعركة. علي بن أبي طالب، شاهِ طعيمة بن عدي يقتل الصحابي سعد بن غيثمة، فجاء يقاتل طعيمة بن عدي، وكان على ربوة مرتفعة، والفارس على ربوة له الأفضلية والأولوية، فيقول علي: كلما كرّ علي ابتعدت، وكلما ابتعدت كرّيت عليه، حتى سمعت صوتًا من خلفي يقول: اخفض عليّ، فخفضت رأسي وإذا بالسيف من فوقي يقسم الفارس إلى نصفين، فنظرت وإذا هو عمي حمزة. عبد الرحمن بن عوف يقول: في يوم بدر إذا عن يميني وعن شمالي غلامين، أسنان، 15، 16 سنة. معاذ بن الجموح، هو معوذ بن الحارث بن عفراء، قالوا: يا عم، أين عدو الله أبو جهل؟ يقول: طلعت فيهم، وش يبغون في أبي جهل؟ قالوا: إيش تبغون فيه؟ قالوا: لقد أوفى الله ورسوله، والله لننتقم منه هذا اليوم. يقول: فأشارت من بعيد، قلتم: شفت الفارس على فرس، اللي حوله ومفرزة من الفرسان، ذاك أبو جهل. يقول: فانطلقاه من عندي كسهمين. أبو جهل كان يحتمي بعوسجة، شجرة مثل هذه كبيرة، وحولها فرسان قريش، ويقولون: أبو جهل لا يخلص إليه. فانطلق سهمين، واحد عقر فرس أبي جهل، فسقط أبو جهل. ضربه معاذ بن الجموح، أبو جهل على قدمه، فقطعها. وجاء معوذ بن عفراء فطعنه فقتله. يقول معاذ بن الجموح: وإذا بضربة سيف على عاتقه تقطعه، عكرمة بن أبي جهل ضرب معاذ بن الجموح. يقول: فتدلت يدي، فأخذته أقاتل حتى أذيتني، فطمطمتها وقطعتها، وأخذت أقاتل. عادل المصطفى فيما بعد، يبشرون بمقتل أبي جهل. فأرسل عليه الصلاة والسلام عبد الله بن مسعود يتأكد من الخبر، فنزل إلى أرض المعركة، ووجد أبو جهل وفي قليل من رمق، فقال: يا ابن مسعود، لمن الغلبة اليوم؟ قال: لله ورسوله. يا عدو الله. فصعد فوق صدر أبي جهل، فقال: لقد ارتقيت مرتقًا صعبًا يا روعية الغنم، حتى هو يحتضر فيه كبر. فاحتز رأسه وجاء به إلى رسول الله.
انجلَت المعركة عن نصر حاسم للمسلمين. قتل من جيش قريش سبعين، وأسر سبعين، واستشهد المسلمين 14 صحابي، 13 دفنوا في هذا المكان، في هذه الربوة، وواحد مدفون في الحمراء. بعد نهاية المعركة أمر عليه الصلاة والسلام أن تجلب رؤوس الكفر: جثة أبي جهل وعتبة وشيبه وأمية، وأن ترمى في القليب، في هذه الناحية من بدر، القليب اللي هو البئر المهجورة، لمكتمل بناؤها، بعد ما ردموا وجيئوا، جاءهم عليه الصلاة والسلام وأخذ يناديهم، وقال: يا أبا جهل، يا عتبة، يا شيبة، يا الوليد، يا أبا المختر ابن هشام، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا؟ أما أنا فقد وجدتم وعدي ربي حقه. فقالوا الصحابة: أتكلمهم وقد جفّوا، ماتوا، نتنوا يا رسول الله؟ قال: ما أنتم بأسمع منهم. لا يستطيعون الردّ. السبعين وأسر سبعين، بقية الجيش فارّ هاربا في الأودية والشعاب يريدون مكة. الجيش الإسلامي أيضًا ثلاثة أقسام: قسم بقي مع المصطفى عليه الصلاة والسلام يحميه، وقسم نزل إلى أرض المعركة يأخذ الغنائم، وقسم يتبع الفارين من قريش. المجذر بن زياد البلوي رضي الله عنه يتبع الفارين من قريش حتى وجد فارسين منهم، وجد أبا البختري ابن هشام وجنادًا الليثي. المصطفى عليه الصلاة والسلام أعطى الصحابة أوامر، قال لهم: لا تقتلوا العباس ولا تقتلوا أبا البختري بن هشام. هذا أبو البختري لم يعرف له عدالة المصطفى، مشرك، لكن ما كان يتقصد المصطفى. في العدة أيضًا من الذين ساهموا في نقض الصحيفة اللي كتبتها قريش لمقاطعة بني هاشم، فوفاه من المصطفى عليه الصلاة والسلام أوصى الصحابة أنهم ما يقتلون إن وجدوه. المجذر بن زياد وجد في الوادي أبا البختري بن هشام ومعه صاحبه جناد الليثي، فجاءهم من واحد المجذار، فقال: يا أبا المخترين، نهانا رسول الله عن قتلك، جنّب. قال أبو البختري: وزميلي؟ قال: زميلك ما جانا في الأوامر، وإني قاتل اليوم على طول. أبو البختري يتجس بيت من شعر، قال: لن يسلم ابن حرّ زميله حتى يموت أو يرى سبيله. يقول: بالموت نموت سوا أو نحيا سوا. مشرك لكن، وفيّ، فحاول فيه المجذر ما فيه فائدة، فقام قاتلهم، برزهم الاثنين، وقتلهم الاثنين، وأخذ سلبهم. عادل المصطفى، وحكى له القصة، قال: يا رسول الله، والله العظيم إني حاولت أني ما أقتله، لكنه أبى إلا أن يقتل. العجيب في القصة اثنان من قريش يبرزون للمجذر، فقتلهم الاثنين، والمجذر بن زياد من أشهر فرسان الصحابة، لكنه مات في غزوة أحد. وقصة جميلة، نزل بخبره جبريل من السماء، نحكيها في وقت لاحق بإذن الله.
من القصص العجيبة في غزوة بدر ما رواه أحد الصحابة، والرواية موجودة في صحيح مسلم، يقول: بينما أُجْتهِد في طلب امرئ من قريش، فإذا بي أسمع صوتًا من خلفي يقول: اقبل حيزوم. فإذا بالرجل تتطاير رأسه من بين كتفيه، طار رأس الرجل. اقبل حيزوم هذا ملك من الملائكة، الملائكة نزلت وقاتلت في بدر. من المواقف العجيبة في غزوة بدر ما حدث مع الزبير بن العوام رضي الله عنه، والرواية في البخاري، يقول: ونحن في ساحة المعركة وإذا بفارس من قريش يلبس الحديد من رأسه حتى قدمه، يهد الناس هدا بالسيف. يقول: فجيته، فما وجدت في مضربه إلا فتحة عينيه. يقول: فأخذت العنزة، رمح له. يقول: فضربته في عينيه، فدخلت العنزة في رأسه وسقط ومات. يقول: جيت أَبْغى آخذ الرمح، يقول: سحبت وما طلع من رأس الرجل. يقول: فوضعت قدمي على رأسه ونزعت العنزة حتى انثنى طرفاها. هذا الرمح بقي عند الخلفاء الراشدين كلهم. ثم قال لابنه عبد الله بن الزبير، عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يقول: بعد ما فرّط قريش من أرض المعركة، تبعناهم، فأخذت أُلُوم في الأذرع، الغنائم، والأذرع ذي غالية الثمن. يقول: وأنا ألوم وإذا برجل يقول: يا أبا عامر، يا أبا عمر. فالتفت، فإذا هو أمية بن خلف ومعه ولد وعلي، قال: هل لك بخير من أذرعك هذه؟ قال له: إيش اللي خير؟ قال: اعصرني وابني، لأنه كان خائفًا من القتل، شاف المجذر وهو يقتل أبا المختار ابن هشام وخويه، فرمى الأجر. عبد الرحمن بن عوف أسر أمية بن خلف ومعه ولده علي، فأخذاهم يوديهم المعسكر. والمسلمون هم في الطريق، شافهم بلال بن رباح، يوم بلال شافهم، قالوا: ميّ رأس الكفر، لا نجوت النجاح. بلال بن رباح في مكة كان هذا أمية بن خلف يعذبه، يقول له: اترك دين محمد. كان يأخذ في رمضان في الحرّارة، يفسخ له ملابسه ويحطّه على الحجر، ويح
يصلي حتى جاء أبو بكر ودفع عقبة بن أبي معيط وقال: "أتقتلون رجلاً إن يقول ربي الله؟" ونزلت فيه آية. ويوم يعض الظالم على يديه يقول: "يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً" يقصد أبيّ خلف. لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني، وكان الشيطان للإنسان خذولاً. فجلب في هذا المكان وضرب عنقه. صاحبه من الفارين من قريش هو الحسومان بن عمرو الخزاعي. فَأخذ يصيح ويقول: "يا أيها الناس قتل أبو الحكم، قتل شيباً، قتل عتبة، قتل الوليد، قتل أبو البحتري بن هشام". صفوان بن أمية كان جالساً على حجر عند الكعبة. قال: "لعله جنّ هذا الرجل اسألوه عني، أكيد بيقول إني قتلت معهم". فقالوا له: "ما بال صفوان بن أمية؟" قال: "صفوان جالس على الحجر عند الكعبة". والله لقد رأيت أباه حينما قتل في بدر.
نزل الخبر كالصاعقة على قريش، وأصبحت بعد بدر في وضع وخطر اقتصادي وسياسي. يوم وصل أبو سفيان معها العير، القافلة التي فيها جميع أموال قريش، ما أخذوا منها ولا دينار ولا درهم. قالوا: "هذه العير نمول فيها الجيش للانتقام من محمد وأصحابه في المدينة". وكانت هي السبب في غزوة أحد.