Transcription
السلام عليكم ورحمة الله. اليوم استضفنا الدكتور محمد خليل الزروق، أستاذ الدراسات القرآنية واللغة العربية، وحدثنا عن أمور كثيرة مرتبطة بكتاب الله عز وجل، عن هدايات القرآن ورحلته في حفظ القرآن، وعن تدبر كتاب الله عز وجل. أنا محمد فتوح، وهذا بودكاست "باط". يا أهلاً وسهلاً.
شيخ محمد، مرحباً بك.
أهلاً وسهلاً. يا أهلاً وسهلاً، حياكم الله.
أهلاً بك، منورنا في هذا اليوم.
سلمت، بارك الله فيك. وهو يوم عيد لنا لقدومك إلينا في إسطنبول. أولاً، جزاك الله خيراً، ثم للموضوع الذي نتحدث عنه، وهو أشرف المواضيع وأجلها، هو الحديث عن كتاب الله سبحانه وتعالى. ونريد في هذه الحلقة أن ندخل ونغوص في معاني القرآن، ونرى كيف ننزل هذا القرآن على واقعنا وعلى حياتنا من خلال صحبتكم لكتاب الله ومسيرتكم في سواء في الحفظ والجمع بين القراءات، أو في رحلة التعلم، أو حتى في الاهتمام الأكاديمي لكل منصب في النهاية حول كتاب الله سبحانه وتعالى.
والقرآن، لا تنقض عجائبه، ولا يبلى عن كثرة الرد، ولا يخلق عن كثرة الرد. وسجد المسلمون، سجد الكفار عند الكعبة لما سمعوا آية الذكر الحكيم. هو كتاب الله العظيم. فكيف كان أول علاقتك بالقرآن، وكيف دخولك إلى هذا الكتاب العظيم؟
أول الأمر، كما يحدث مع صغار المسلمين، أن آباؤهم يأخذونهم إلى تعلم القرآن. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى أن ألهم المسلمين أن يعلموا الصغار القرآن. ومن آخر القرآن يأخذون في تعليمهم بقصار السور. وقصار السور هذه فيها القصر، قصر الآيات، وفيها التي تخف على الحفظ وأخذ الصغار في السن. وأيضاً فيها كل عقائد الإسلام. فيتشرب الصغير هذه السور ويغذي بها ملكته، ويستحضر بها العقائد الأساسية في الإسلام. هذا مما ألهم الله به المسلمين أن يفعلوا ذلك. فكنت ككل الصغار الذين يعلمهم آباؤهم القرآن بأخذهم إلى المعلمين أو المدارس القرآنية.
فأذكر أن والدي رحمه الله جعلني في مدرسة عادية، ثم بعد ذلك لما علم بمدرسة قرآنية أخرجني من المدرسة العادية وأخذني إليها. وقال له مدير المدرسة: "هذا كويس، خليه". فقال: "لا، أنا أنقله لأنه كويس، ما شاء الله". فتعلمت القرآن في المدرسة القرآنية. كان النظام على النظام الأزهري، وكان الابتدائي ست سنوات. القرآن قسم عليه أحزاب، نصف اليوم للقرآن والنصف الآخر للمواد العادية.
نعم. فتعلمنا الرسم والنطق الصحيح وأحكام التجويد الأولية. وصارت ألفاظ القرآن وجمله ومصطلحات العلوم في التجويد والوقف وما إلى ذلك حاضرة في الأذهان إلى أن كبرت شيئاً. فاتجهت بنفسي إلى تثبيت الحفظ في الألواح، لأننا كنا في المدرسة نكتبه في الكراسات.
كيف الألواح هذه؟
كان الشيخ في المدرسة يكتب لنا الثمن على السبورة، وأنقله في الكراسات ويصحح لنا بعد ذلك، ونحفظ ونعرض عليه. لكن الطريقة الأخرى هي طريقة الألواح. طريقة الألواح: لوح يكتب فيه القرآن بالوِش، وهو ماخوذ من صوف الغنم، نعم، المختلط بشيء من عرقه أو حتى من أبواله. عندنا في المالكية، فضلات مأكول اللحم طاهرة.
كان لنا شيخ مصري يقول: "الذي تكتبون به نحن نراه نجساً".
فقلت له: "يا شيخنا، بما تكتبون؟" قال: "نكتب بحبر مأخوذ من ورق الرمان أو من قشر الرمان". نعم. فالمهم هذه الطريقة، يملي عليك الشيخ ما تكتبه في لوحك، ثم تحفظه، ثم بعد أن تحفظه تمحوه، تعرض عليه وتمحو. وهذا المحو ييسر لك إليه مرة أخرى. يعني يكون الاعتماد فيه على الذاكرة وعلى النفس خيراً من أن يكون لك كراسة أو يكون لك مصحف فتنظر إليه بين الحين والآخر. فهذا من قديم طبعاً. ما كان لنا حتى مصحف بقالون كانت نادرة. مصاحف قالون أو كانت المصاحف بقالون على الرسم الذي نستعمله في الكتاتيب مفقودة. كان هناك رسم آخر، لكن بعد ذلك ظهر المصحف الذي هو على رسم الداني. نعم.
فكان الاعتماد على الألواح لضبط النص نفسه. نعم. أولاً تتعلم الرسم، وتسمع من الشيخ، وتعرض عليه مراراً. يعني هو يملي عليك وتعيد ما نسميه "الملة"، يعني الجملة التي يقولها. نعم، نعم. ويقرأ وتكتبها، ثم ذلك يصحح لك اللوح، فيعلمك الرسم، ويعلمك كثيراً من المتشابه، ومن جمع الألفاظ بعضها إلى بعض. هذا ثلاثة، هذا أربعة، هذا خمسة، هذا كذا. يتعلق بالرسم أو يتعلق بالمتشابه. نعم. وتعرض عليه وتكتب في لوحك. ما شاء الله لك تختم ختمة وختمتين وثلاثاً وأربعاً. لأن القرآن كما يقول شيوخنا يحتاج إلى عمر. لا يكفي فيه الجهد اليسير والوقت القليل. يحتاج إلى عمر. يعني يكون مخالطاً لعمرك من أول أمرك إلى منتهاه. لأن كثيراً من الناس تجدهم في تراجمهم يقولون لك: "قرأنا القرآن صغاراً". وماذا فعلتم به كباراً؟ أين القرآن في حياتكم؟ في دخولكم وخروجكم، وقيامكم ومنامكم، وأخذكم وعطائكم؟ القرآن يخالط حياة المسلم كلها من أولها إلى آخرها. لا يستغني عنه في يوم من أيامه. هكذا يجب أن يكون. هكذا علمنا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم.
فتعلمت القرآن عند شيخنا الشيخ معتوق العماري رحمه الله. هذا بعد هذا يعني بين الثانوية والجامعة، هكذا في مرحلة الشباب، بعد أن كنا ختمنا صغاراً. بعد ذلك أردت تثبيته في اللوح. ثم بعد ذلك الشيخ هو شيخ بنغازي في الإقراء. نعم. شيخنا الشيخ معتوق، يقال فيه شيخ ومشايخ بنغازي في إقراء القرآن وشيوخ التعليم في القرآن أكثرهم من تلاميذه أو من تلاميذ تلاميذه. ما شاء الله. وهناك شيوخ آخرون بطبيعة الحال، مثل شيخنا الشيخ إبراهيم الترهوني والشيخ بشير الساحلي. لكن الشيخ معتوق كان معتكفاً في مسجده من سنة تقريباً إلى أن خرج من بنغازي سنة 1400 هـ. يا الله! فقط للإقراء. وأيام صحته وقوته كان يبقى في المسجد تقريباً من الفجر إلى العشاء. ربح البيع، يعني لا ينقلب إلا ليقل، ثم يرجع مرة أخرى. ولم يكن المسجد قريباً من بيته. كان يمضي على قدميه مسافة. من الفجر يذهب إلى هناك. من الفجر.
ثم بعد ذلك لما ذهبت إلى مصر لعمل الدكتوراه، انتهزت الفرصة للقراءة على الشيخ، شيخنا الشيخ عبد الحكيم بن عبد اللطيف رحمه الله، الشيخ شيخ المقارئ المصرية، وقبل ذلك شيخ مقراه الأزهر. فانتفعت به وأجازني في عدد من الروايات.
كيف دللت عليه يا مولانا؟
دلني عليه الشيخ محمد بوصو السنغالي، ذكر الله بالخير ونفع به أو زاد النفع به. الشيخ محمد بوصو السنغالي من أئمة علم القراءات في هذا العصر، ومن أعلام القرآنيين المعلمين المجيدين المتقنين للقراءات وغيرها من العلوم المتعلقة بالقرآن الكريم. فقال لي: "إن أردت أن تقرأ في مصر، فاقرأ على الشيخ عبد الحكيم بن عبد اللطيف". نعم. "ليس هناك شيء في القراءات لا يعلمه الشيخ عبد الحكيم". الله. نعم. وهذه كلمة من الشيخ أبي الحسن، كلمة في محلها، لأنه لا يقول هذا إلا وهو يعني ما يقول. لأن تعرف بعض المتقنين للعلوم ظانين بالمدح في غير محله. نعم. حتى أنني مرة لما عرضت عليه شرحي للجزرية، فأثنى عليه وقال: "هذا أفضل شرح رأيته للجزرية". ما شاء الله. فكتبت أنا في مقدمتي أن هذا الثناء منه على هذا الكتاب يعد من العون على الكتابة وتنقيحه ونشره بين الناس وتدريسه. وهنيئاً. نعم. فالحمد لله رب العالمين.
هذا في مجال التلاوة. والتلاوة، كما أقول دائماً، هي مدخل إلى القرآن. لأن الأمر لا يقف عند التلاوة. لأن كما ترى وتعلم أنه كثيراً ما يتعلق الناس بالتلاوة ويظنون هي غاية الغايات، وأقصى ما يعمله المسلمون أن يتقنوا تلاوة القرآن وأن يتسابقوا فيه وأن يرصدوا الجوائز لذلك. والقرآن ما ما يجب علينا تجاه القرآن أكثر من التلاوة. التلاوة مدخل، هي الباب، هي البوابة التي ندخل منها إلى القرآن. يعني تحقيق ألفاظه وسماعه وأسمعه الناس. وهي وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم الأولى، كما قال الله تعالى: "يتلو عليهم آياته". أول ما يفعله أنه يتلو عليهم آياته. لأن القرآن فاعل بنفسه. بسماع الأصوات، الكلمات، الحروف، والجمل القرآنية، هذه تؤثر بنفسها من غير كلام آخر. من غير كلام من الداعي أو من التالي أنه يحتاج المرء ويحتاج الناس إلى التدبر وإلى التفسير وإلى غير ذلك مما يتعلق بالقرآن الكريم. لكن القرآن هو يفعل بنفسه إذا سمعه السامع تأثر به ولو لم يكن يعلم اللغة العربية. فكيف إذا كان له معرفة بها؟ فكيف إذا كان متبحراً فيها؟ فهو يتأثر تأثراً أكبر بطبيعة الحال.
طيب، شيخنا، يعني أنتم قرأتم على الشيخ عبد الحكيم في مصر؟
نعم.
يعني مشايخ الإقراء الكبار، بالذات الكبار في السن والعلم، أحياناً يكون فيهم شيء من الشدة على الطلاب وكذا. فـ يعني نطمع لو في شيء من المواقف دارت بينكما، وكذلك على مجالس الإقراء مع الشيخ نفسه كانت كيف كانت؟
الشيخ خفيف الظل، نعم، وحسن التعليم، وفيه شدة محمودة. هو كان يقول: "يقول لي: أنا أحبك لأنك تحب أهل القرآن". الله. لما جئت إليه، أتذكر، تعرفت إلى بيته بعد أن سألت عنه، لأنه ترك في المدة التي أتيت إليه فيها ترك الإقراء في الأزهر. فتعبت حتى وصلت إليه. فلما عرفت البيت، صورت أو فتحت مصباح الهاتف حتى أرى، لأنه كان الدرج مظلماً مظلماً. فلما عرفت كان ليلاً. فلما عرفت أن هذا هو المكان، كأني اطمأننت عليه ونزلت. وخفت أن أطرق بابه في هذا الوقت من غير ميعاد. فكان هناك مسجد قريب. فسألت شيخ الحلقة في المسجد القريب من بيت الشيخ. قلت له: "هل أستطيع أن أطرق بابه في هذا الوقت؟" قال: "لا بأس عليك، افعل". فلما طرقت الباب، فتح لي الشيخ الباب مستبشراً. كاننا كنا على موعد. عزيم، متهللاً. وأخذ بيدي وأدخلني. هكذا كانه يعرفني منذ زمن. وكان وقت مساء ليلاً. لا أدري كيف الذي كان في ذهنه، لكن هذا ما حدث. هذا ما حدث. فاستقبلني خير استقبال. وكانت هناك وساطة من الشيخ بوصو والشيخ محمود عكاوي، لأنه وقته كان ضيقاً، فلا يقبل الطلاب بسهولة. وتواعدنا أن آتي إليه بعد شهر أو أكثر.
ماذا تذكر من ذكريات الشيخ؟
كان يقرأ عليه قارئ وكان يتكلف كثيراً. نعم. وحتى أنه كان رذاذ لعابه يكاد يتناثر في الجو. فقال له الشيخ: "الله! أنت هتف علي؟" أي نعم. بعدين قرأت بعد. فقاله: "شوف القراءة اللي ما فيهاش تكلف". شوف. كنت تقرأ عليه في قالون؟
شيخنا، ولا أقرأ عليه بقالون، ثم بورش، ثم بحفص، ثم بالدوري عن أبي عمر. ما شاء الله. أجازني في القراءات الأربع هذه. ما شاء الله. وله مواقف كثيرة. يعني هو شديد، شديد في في المستحدثات والمستجدات التي يأتي بها البحث ولا يقبلها. يعني لا يقبل قصة الضاد. لا يقبل الأشياء التي ليس عليها ما تعارف عليه المقرئون. نعم. لا يحب الجدال فيها ويشتد في أمرها. أي نعم. وبعض الناس يعيب علي يقول: "أنت لك رأي في الضاد والشيخ لا يقول بذلك". أقول: لا بأس. العلم واسع. وشيخنا نحبه ونوقره. وقرأنا عليه بما أقرأنا به. لكن الله سبحانه وتعالى عرفنا أشياء بالبحث. نرجو أن يكون الصواب فيها.
من القصص التي أذكرها عن الشيخ، وبعد وفاته كتبها بعض تلاميذه وكانت مؤثرة الحقيقة، أنه كان يقول: "يخرج من المقرأة في الأزهر، ومن أكبر علماء الإقراء في العالم العربي، ويأخذ الأتوبيس، النقل العام، أتوبيس النقل العام في مصر مرهق جداً، الذي عاش في مصر يعرفه، إلى بيته". فمر، فاته الأتوبيس، فقعد يجري وراءه وينادي على السائق ولم يدركه. يقول: "يعني من أكابر العلماء ومن أهل القرآن ولا يابى به أحد". نعم. نعم. هو كان زاهداً في المناصب. كان زاهداً. لأنه كان يجب أن يكون شيخ الإقراء قبل الشيخ أحمد، تلميذه الشيخ أحمد المعصراوي. لكن بعد ما خرج الشيخ المعصراوي من مصر، لح الناس عليه في أن يكون هو شيخ المقرأة. نعم. هو يقول هذا: "يقول: نحن الحنابلة، كان حنبلياً، يقول: نحن الحنابلة زاهدون في المناصب". عفر التاريخ. أي نعم.
وعلى قصة الحافلة هذه، أنا كنت أقرأ عليه في المترو. عجي، ما كان عنده سيارة. ما كان عنده سيارة. لا، كان يمشي في المترو، يمشي في الحافلة. فكان يطلب أن آتي إليه مبكراً، السابعة، السادسة والنصف مثلاً. فآتي إليه في البيت وأدخل وأقرأ الصباح الباكر. ثم يدخل هو إلى حجرته ليلبس لباسه ليخرج. ويقول لي: "استمر، لا تقف". ويصحح لي من الداخل. نعم. يعني أسمع صوته في الداخل. لا، لا، مش كده. من الداخل. أي نعم. ثم نخرج معاً من المنزل. فينزل تحت منزلي. هناك من يبيع سندوتشات بالفول. فول. آه. ويأخذ في كيس صغير سندوتشات الفول ومعه في جيبه بصلة. يا الله! والله كما أقول لك هذا ما حدث أمامي عيني. ونركب المترو معاً. كان ساكن في عين شمس. لأنه غير. ونحن ممسكون هكذا في المترو. في المترو. والناس تنظر إلينا. ماذا تفعلون؟ وبعدين بالقراءات. أهل مصر ما يعرفون غير حفص. قد يذكر كذلك بورش. بورش في المترو. ثم نصل إلى المحطة المقصودة ونمشي في الطريق إلى أن نصل إلى الأوقاف. فندخل. يجلس هو في مكان أو حجرة في الأوقاف. وزارة الأوقاف. ويأتي ويخرج الفول والبصل. أيوه. يقول لي: "ما تأكل". أي نعم. فكانت ذكريات جميلة. الله.
واركب معه في التاكسي. بعد مرة نزلنا من التاكسي. فقال لي السائق: "يقول: ريته زي العسل". يعني أنا ما سمعت هذه الكلمة. هو كان يجلس في الكرسي الأمامي. نعم. وأنا في الخلف. هو حرص على أن يخبرني بذلك. كان يقول: "عن قراءتك إيه؟" يعني السائق قال له هذا. فهو أنا لم أسمعها. فنقلها إلي. نعم. ما شاء الله. نعم.
طيب، هذه الفترة، أظن أيضاً درست في دار العلوم في مصر؟
نعم.
وتعرفت على بعض شيوخ العلم هناك، منهم الشيخ محمد حماسة. هل يعني لها شيء في تكوينك، لا سيما المتصل بالقرآن، في ارتباطك أكثر بكتاب الله، أو عموماً في التكوين العلمي؟
نعم، الأستاذ الدكتور محمد حماسة، أستاذنا وشيخنا رحمه الله تعالى. كان دمث الخلق، رجلاً ديناً، حريصاً على الصلاة، كثير الصدقة، كثير الإحسان. هذا شيء معلوم عنه. يعني إذا جئت إليه في مكتبه، تجد العمال والفراشون وكذا يأتون إليه. يعرفون أنه يخرج من جيبه مرة بعد مرة. وإذا جاء وقت الصلاة، صلى بنا إماماً في مكتبه. هذا معروف عنه. نعم. كان فيه حَدَب على الطلاب ومحبة لطلاب العلم. وكان فيه شدة أيضاً. يعني إذا غضب أيضاً يشتد. نعم. فيه شدة في بعض الأحيان. جلسنا معه مرة جلسة طويلة، حدثنا فيها بأحاديث وقصص عن علاقته أيضاً بالقرآن. والقصة التي ذكرتها لك أنه، وهذه هو نفسه يقول الدكتور محمود الطناحي رحمه الله، يستعيدها منه مراراً يقول له: "بالله قص علينا قصة سورة يونس". ما قصة سورة يونس؟ قصة سورة يونس أنه كان عليه أن يعرض على والده سورة يونس أو جزءاً منها، وكان يصعبها. يقول: "هي صعبة، لم أستطع أن أتقنها". نعم. في ذلك العهد. فكانت جدته قد توفيت من قريب. فتصنع أنه يبكي على جدته. فلما دخل أبوه البيت، والموعد أن يعرض سورة يونس، فكان يبكي أو يتباكى، بالاحرى. نعم. فسأله: "ما بالك؟" قال: "أبكي على ستي". على جدتي. نعم. قال: "تبكي على ستك وتبكي على يونس؟" على يونس. أي نعم. فذ من ذكرياتنا مع الدكتور حماسة رحمه الله تعالى. كان له ذوق في اللغة العربية، وكان له ذوق في كل شيء. أنيق في لباسه، أنيق في كلامه. تشعر أنه أستاذ، أستاذ هكذا، ببابويته وحنوه، وبجسمه أيضاً طويل هكذا. أتذكر. لم مرة أبداً بعض الملاحظات على رسالتي وقال لي: "افعل كذا واكتب كذا واكتب كذا" بشدة هذه في لقاء المرة. فلما جئت له في اللقاء الآخر ونفذت ما طلب، وضع يده على كتفي، وهو أضخم مني وأطول بطبيعة الحال. فشعر بهذا الحنو والأبوة والأبوة في يعني يشتد ويرحم. نعم. ومن يكن راحماً، فليقس أحياناً. نعم. على من يرحمه، كما يقال. وكمان عندما مات الشيخ رحمه الله، انطلقت فيه المراثي من تلاميذه. فيبدو أنه كان أب للجميع. وإلى الآن ذكره بين تلاميذه بالخير لا ينقطع. لا شك، لا شك.
طيب، شيخ، هو يعني مدرسة وجامعة وبقية السلف في دار العلوم. بقية السلف الصالح في دار العلوم. أنا يعني كان كان اسمه في ذهني قبل أن آتي إلى الدار مرتبطاً بالطناحي. الطناحي كان قد توفي. نعم. لما جئت إلى الدار، كان الطناحي قد توفي. فالاسم الأقرب، اسم إلى الطناحي، كان اسم الدكتور حماسة. فطرقت إليه مباشرة هكذا. فدخلت عليه المكتب. أذكر أنه كان وكيلاً للكلية. المكتب الكبير، مكتب الوكالة. نعم. وأهديت إليه كتاباً عليه كنية كنيتي: "أبو بشر". قال: "أنت أبو بشر؟" قال: "نعم، أنا أبو بشر". قال: "والله هذا شيء مبشر". تذكر السيبويه؟ نعم. نعم. تذكر سيبويه واشتق من أبي بشر كـ الاستبشار بـ. نعم. كنية سيبويه أبو بشر. أي نعم.
طيب، يعني هناك أحياناً في قراءتنا للقرآن، هناك صور يعني تكرر على المسامع أحياناً كل يوم أو بعض الأحيان. آية الكرسي مثلاً، أو الفاتحة، سورة الملك، سورة الأعلى. في صور أسبوعية. هناك شيء من التكرار لبعض الصور. وكان في عناية بهذه الصور. ليش هذه الصور بالذات؟ وإيش الإنسان المفروض يستحضره هو كل مرة يدخل إلى هذه السورة؟ يأخذ معنى جديد؟
نعم، هذا مدخل عجيب إلى تدبر القرآن. وهو علاقة السور والآيات بالسنة النبوية. أم. لأن السنة النبوية في بيانها بيان القرآن. نعم. بعضه يتعلق بالآيات القرآنية، يعني تذكر الآية أو تذكر السورة في الحديث، فتعرف الصلة. وبعضه ليس له صلة مباشرة أو واضحة. لكن أنا أزعم أن كل السنة النبوية هي مفسرة للقرآن الكريم. كل السنة. كل السنة. لأن السنة كلها تتصل بالقرآن. هي بيان له، وإنفاذ للقرآن في الواقع، لتبين للناس ما نزل إليهم بالبلاغ وبالعمل، وبحكمته التي هي إنزال كل شيء في منزلته ووضع كل شيء في موضعه. "علمهم الكتاب والحكمة". الكتاب: القرآن. والحكمة: أن نعرف كيف نعمل بهذا القرآن. نعم. يعني النبي صلى الله عليه وسلم أرسل مبلغاً للقرآن، ومبلغاً لوحي الله الذي أوحاه إليه من غير القرآن. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أوتيت القرآن ومثله معه". فعمله إذا بالقرآن وبيانه هو تفسير للقرآن. ولو لم تذكر الآية. لأن الدارسين لعلوم القرآن وللتفسير يقولون: تفسيره صلى الله عليه وسلم للقرآن قليل. نعم. لكن السنة كلها مفسرة. نعم.
أعطيك مثلاً. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الخيل معقود بنواصيها الخير". ويقول: "الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر". وزر. نعم. فهي لرجل أجر الذي ربطها في سبيل الله، يجعلها خالصة في سبيل الله. وهي ستر لمن أخذها بحقها ولم ينس حق الله فيها. ولرجل وزر للذي اتخذها فخراً ونواً لأهل الإسلام، كما جاء في الحديث. نعم. العجيب أن هذا الحديث يفهمنا سورة الزلزلة وسورة العاديات. عجيب. وانظر كيف قرن الخير بالخيل. نعم. والخير مذكور في سورة العاديات: "وإنه لحب الخير لشديد". وفي سورة الزلزلة، لما قال: هذا الذي ذكرته لك من الحديث، سألوه عن الحمر الأهلية. فقال: "ما أنزل علي فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره". وهذه في سورة الزلزلة. نعم. فانظر كيف فسر لنا هذا الحديث برواياته السورتين وجمع بينهما. نعم. لأن الزلزلة إذا وقعت وأخرجت الأرض أثقالها، فما أثقالها؟ الشائعة في التفسير أن أثقالها الناس مع تحويل المقبور فيها. نعم. لكن إذا قرأت الحديث، وجدت أن في بعض رواياته أن الناس يعذبون بما عصوا الله به. فتأتي الأنعام تدهس هؤلاء الناس. نعم. وفي القرآن الكريم: "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم إلى آخر الآية". أي أن ما عصى الناس به الله سبحانه وتعالى يعذبون به يوم القيامة. نعم. فمن الظاهر أن هذا من الأثقال التي تخرج. نعم. يعني الذين سرقوا السيارات، وسرقوا العمارات، وسرقوا كذا، أو عصوا الله بهذه الأشياء، ستأتي ليعذب بها قياساً على الأنعام التي تطعهم بأضلاعها وأقدامها ويعذبون بها. فانظر كيف أننا فهمنا السورتين والعلاقة بينهما من السنة، ورجحت لنا أن العاديات هي نعم الخيل. والخيل هذه في جريها لم يذكر لنا القرآن في هذه السورة لما تجري هذه الخيل. فهمنا أنها معركة. "والعاديات ضبحاً، فالموريات قدحاً، فالمغيرات صبحاً، فأثرن به نقعاً، فوسطن به جمعاً". لكن جريها في حق أو في باطل؟ لم يذكر لنا ذلك. لكن هذا فيما يظهر هو مثال للنعم التي ينعم الله بها على الناس. نعم. فيجوز استخدامها في الحق، ويجوز استخدامها في الباطل. ثم هي هو تمثيل للدنيا باشتباك ونقعها وما تثيره في جلبتها وأخذها وعطائها وبيع الناس وشرائهم وما إلى ذلك. ثم هي الخيل هذه كالدنيا تظن أنك تحكمها وتسير، وهي أيضاً تجري بك وأنت لا تدري. نعم. يعني أمر الراكب والمركوب مختلطان. هي تجري وتجري بك، وأنت في الظاهر تقودها، ولكن في الحقيقة هي أيضاً لها تأثير فيك. ثم بعد ذلك المفاجأة في وقوع الغزوة أن كفت الموت تماماً، لأن فجأة المعركة حين يغار على الناس صبحاً، هنا يمتحن الناس ظهر الجبان من الشجاع، ويظهر الجريء من الضعيف، وهكذا. شاهد الكلام أن السنة النبوية تبين لنا ذلك.
نرجع إلى سؤالك الذي سألته. هذا باب واسع. هذا باب نستطيع أن نضرب أمثلة أخرى إن أردت. لكن نرجع إلى أن السنة ورد فيها قراءة سور وآيات بتكرار، مثل الكهف في يوم الجمعة، ومثل الكافرون والإخلاص في المساء، في الفجر وفي الوتر، ومثل الأعلى والغاشية في العيد وفي الجمعة، وهكذا. الجمع بين السورتين يدل على الاتصال بين هاتين السورتين. أم. يعني مثلاً الكافرون والإخلاص فيهما الولاء والبراء. الله. فيهما التبرؤ من الكفر والكافرين، وتوحيد لله والتوحيد لله. فيهما النفي والإثبات. الكافرون هذا نفي وبراءة وتخلص من من الكفر والكافرين. وهذه السورة عجيبة. سورة الكافرون. بعض الناس يستدل بقوله تعالى: "لكم دينكم ولي دين" على التسامح. الحقيقة أن مورد الآية ومولد السورة ليس مورد التسامح. على العكس، هو مورد البراءة وانفصال الدينين. دين الإسلام وكل أديان الكفر لا يختلطان ولا يجتمعان ولا يشتق منهما دين ثالث إبراهيمي. نعم. يعني لا يستطيع أن نأخذ شيئاً من الإسلام وشيئاً من دين الكفر لنخرج منهما ديناً ثالثاً. هذا لا يمكن. "لكم دينكم ولي دين". أي دينكم مقصور عليكم، وديني مقصور علي، ولا يختلطان. إما أن تدخلوا في الإسلام بكليته، وإما أن تتركوه بكليته. وأنا لا آخذ شيئاً من دينكم. فلكم دينكم، ولي دين.
طيب، الغاشية والأعلى. الأعلى فيها بيان لنوع من شأن الدنيا. ذكر المرعى. والمرعى هذا يرد كثيراً في القرآن الكريم. تمثيل الدنيا بالنبات الذي يخرج بالماء بالمطر. وهذا النبات، أي لو كان شجراً، فهذا له يعني يمر عليه سنون حتى ترى الشجرة. لكن المرعى، أنت تراها، ترى خضرته، ثم ترى بعد ذلك يبسه وتغيره في وقت قصير. فهو يتكرر مشهداً على الناس مرات. نعم. في أوقات وجيزة. فهو مثل الدنيا. أم. هذا مثل الدنيا. السورة فيها شيء يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو أنه إن الله سيعلمه وسيسره لليسرى وسيقرره، سيثبته عليه، ولن يتفلت منه. وفيها قوله: "وسنيسرك لليسرى". فظن الناس أن في دعواته وفي ما يأملون أن الأمور تيسر لهم. والحقيقة أن المطلوب هو أن تيسر أنت للأمور، للعكس. الله. يعني أن يحدث التغيير في النفس. نعم. أن يكون هناك تغيير نفسي. أنت الذي تغير الواقع والأمور بأمر الله وبقوة الله. لكن يجب أن يكون التغيير في النفس أولاً. انظر كيف يقول: "وسنيسرك لليسرى".
فالغاشية، فيها كذلك تتمة لما ذكر في سورة الأعلى. في الأعلى لم يذكر من الخلق إلا النبات. انظر كيف قال في سورة الغاشية: "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الأرض كيف سطحت، وإلى الجبال كيف نصبت". والى الأرض كيف سطحت. فذكر بقية الخلق. نعم. يعني ذكر في سورة الأعلى نموذجاً من النبات، وذكر في سورة الغاشية بقية الخلق من الحيوان والأرض والسماء والجبال. نعم. في سورة الغاشية في آخرها يقول: "لست عليهم بمسيطر". فذكر أنما أنت مذكر. "لست عليهم بمسيطر". في سورة الأعلى: "فذكر إن نفعت الذكرى". فالتذكير في سورة الأعلى مرتبط بالمذكر. فالذكرى تنفع المحل القابل للتذكير. أنت يصدر منك تذكير، لكن ليس من الضروري أن ينتفع به المتلقي. الإصدار واحد، أو الإلقاء واحد، الإرسال واحد، ولكن المتلقين مختلفون في تلقيهم. أي على قدر حال المتلقي يكون انتفاعه بالرسالة المرسلة. "فذكر إن نفع الذكرى". وأما في سورة الغاشية، فـ "إنما أنت مذكر". الأمر يتعلق بالمذكر نفسه. أنه لا سلطان له على المذكرين. "لست عليهم بمسيطر". لست عليهم بمسيطر. يعني هو ليس عليه هداهم، وليس عليه حسابهم. حسابهم على الله، وهداهم على الله. هو الذي يهدي. فهذا التكامل بين السورتين واضح في عدة نواحي، منها ما ذكرت لك الآن.
طيب، وتكرار المسلمون تكرار المسلمين لسورة الكهف كل جمعة. نعم. سورة الكهف، كما هو واضح، وهذا متعالم ومعروف، أنها تتكلم على الأقدار. فالأقدار لها ظاهر وباطن. الإنسان بغروره وبصفته، وبإعجابه بنفسه، يريد أن يفهم الأقدار كلها بدقيقها وجليلها. وهذا عسير أو متعذر القياس إليه. يعني عقله لا يبلغ أن يفهم أو أن يعرف كنه أقدار الله سبحانه وتعالى. أنا أقول مراراً: جلستنا هذه التي نجلس الآن تتعلق بأقدار الله، من لدن آدم وخلق السماوات والأرض. يعني كل موقف من المواقف، وكل لحظة من لحظات الزمن، والقدر مرتبطة بشبكة كبيرة من القدر. نعجز عن فهمها لأنها أكبر من فهمنا ومن حياتنا ومن أزماننا القصير، وعقولنا الضعيفة. لكن الإنسان يظن في نفسه أنه قادر على تفسير القدر كله. وإن لم يفهم، يقول: "هناك إشكال. ما هذا الشر؟ لماذا يعذب الأطفال؟ لماذا يموت كذا؟ لماذا يحصل كذا؟" كأنه يفترض أنه قادر على تفسير ذلك. يعني ما هذا الغرور؟ ما هذا الإعجاب بالنفس؟ عقلك هذا الذي تظن أنه قادر على تفسير كل شيء، هذا العقل نفسه في الواحد منا في حال الصحة ليس هو في حال المرض. في حال القوة ليس هو في حال الضعف. لما كان صغيراً كان له عقل، لكن أين عقله وهو صغير من عقله في حال الشباب والقوة؟ وأين عقله هذا من عقله في حال الشيخوخة والهرم؟ هذا عقل واحد. أين عقل الذين عاشوا قبل مئات السنين من عقل الناس اليوم؟ ما الذي سيكون بعد ذلك؟ إذا جعلنا جعلنا هذا معياراً أضاع هذا المعيار. أين آيات سورة الكهف التي تبين لنا هذه المعاني؟ نعم. ترى أن سورة الكهف في قصة موسى بينت أن بواطن الأقدار منها ما لا ندركه. وهذه أمثلة ونماذج له. لكن في سورة الكهف أيضاً من المعنى العميق أيضاً معنى الزمن. أن الزمن أطول من أعمالنا، وأن أقدار الله تتعلق بهذا الزمن في مدد لا تبلغها أعمارنا. هؤلاء الذين كانوا مطاردين في أول أمرهم، بعد 300 سنة صاروا قديسين ممدوحين. وقالوا: "ابنوا عليهم بنياناً، ربهم أعلم بهم". وفي زمن كانوا مطاردين، مطلوبين للقتل. فكأنه يعني يعلمك ألا تحصر نفسك في الزمن الذي تعيش فيه، وأن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون. المؤمن الله سبحانه وتعالى يخبره في القرآن بالأزمنة الطويلة من الخلق الأول إلى القصص السابقين من الأنبياء والصالحين إلى الآماد المستقبلة إلى يوم القيامة إلى ما بعد ذلك من الآماد التي لا حد لها. هذا كله في شعور المؤمن وفي فهمه وفي تلاوته. القرآن حاضر، ويجب أن يكون مستذكراً ومستحضراً أمراراً. وإلا يكون محصوراً في اللحظة التي يعيش فيها، كأنه يريد الإنجاز ويريد الثمرات في زمنه الذي هو فيه وفي وقته الذي هو فيه. أين نحن من هذا؟ داعي الأقدار لله سبحانه وتعالى هو الذي يقدر الأقدار، وهو الذي يقلب الليل والنهار. وأما نحن فمطلوب منا أن نأتي بما نستطيع وبما طلب منا فحسب. اد ما عليك واترك الأقدار لله سبحانه وتعالى. اترك الأقدار لمقدرها.
طيب، لو حدا يعني أراد أن يعرف يعني كده في وجازة بسيطة جداً يعني هذه المعاني للصور، وخلي مقاصد هذه الصور، وين ممكن يقرأ أو يطالع أو يعرف لكل صورة من كتاب الله بهذا الشكل؟
والله لا تجد يعني كتاباً يشفي الغليل في هذا. ينبغي أنك تتعنى مع السورة. نعم. يعني مثلاً على سبيل المثال، الناس كثيراً ما ينظرون إلى كتاب الأستاذ سيد قطب في "ظلال القرآن" في هذا المعنى. وهو كما تعلم أبرزت. نعم. أبرزت الأولى سنة 52 أو 59. 59. ثم الأبرزة الثانية لم تصدر إلا بعد وفاته سنة 72. والثانية طبعاً وسع فيها. في المرة الأولى كان يتكلم على السورة كلاماً موجزاً. ثم في الأبرزة الثانية وسع الكلام على السورة. وكان يقول: "السورة شخصية، وأسمات تميزها عن غيرها، ولها معالم ولها جرس خاص بها". لكن إذا تتبعت كلامه على السور القرآنية، ستجد أنه يكاد في موضوع السورة في السور المدنية يقول: هي للتشريع والأحكام. وفي السور المكية يقول: هي لتثبيت العقائد والإيمان. لم يحرص على تبين موضوع واحد أو موضوعات مترابطة في السورة الواحدة. على أنه في كل سورة يشرح معالمها العامة وموضوعاتها. ولكن لم يبنِ من كل سورة عموداً أو طائفة من المعاني المترابطة كما هو عند من اهتموا بهذا، مثل الفراهي وغيره. لكن على كل حال، يستفاد منه.
الشيخ محمد عبد الله دراز رحمه الله في كتابه "النبأ العظيم" أعطانا نموذجاً لسورة البقرة. نعم. وهو نموذج راق جداً من ناحية بذل الوسع في تعرف الارتباطات بين المعاني والتنقلات بين أجزاء السورة. هو هذه أطول سورة في القرآن الكريم، وطبق عليها فكرته في هذا الترابط. أولاً هي أجزاء، وهذه الأجزاء لها ترابط، والانتقالات بين المعاني لها مناسبات. فشرح كل ذلك بأبدع بيان. لكن أنه لم يستمر في هذا في القرآن كله. وله قطع من البيان والتفسير في هذه المجالات منثورة، جمعت في غير كتاب أو أكثر من كتاب. يعني مثلاً، لا يضاهي إحسانه في تفسير سورة البقرة إلا ما ذكره في سورة الفاتحة. له مقالة بديعة في سورة الفاتحة نشرت في بعض ما جمع من مقالاته التفسيرية في كتاب. فهو يقول يعني ذكر في الفاتحة كلاماً لم يذكر فيه كتابه. من ذلك من ذلك أنه نبه على أن سورة الفاتحة إذا قرأتها، تجدها بلسان العابدين المؤمنين. يعني هي ملقاة على ألسنة العباد، على ألسنتنا نحن نقولها. ليس فيها "قل". ليس فيها "قولوا". هذا هو. يقول: "القرآن دستور لحياتنا". الفاتحة دستور الدستور. الله. أي نعم. كأنها الديباجة. نعم. مدخل، المقدمة، خلاصة. ليس هذا في حسب. هي مدخل فيه إقرارك بما سيأتي. يعني أنت تقر أولاً بالمعاني التي ستأتي. يعني هذه الديباجة التي فيها مفتاح القرآن، لأنك أولاً تثني على الله سبحانه وتعالى بما هو أهله كما علمك، وتقر بالعبودية وتطلب العون، وتستذكر السابقين الذين هداهم الله وأنعم عليهم، وتستذكر الآخرين من المغضوب عليهم والضالين. نعم. فإذا أنت تطلب الهداية: "اهدنا الصراط المستقيم". وما يأتي من القرآن بعد ذلك هو الهداية التي طلبتها. نعم. ولذلك أنت تقرأها في الصلاة، تقرأ الفاتحة وتقول: "اهدنا الصراط المستقيم". ما تقرأه بعد ذلك هو من الهداية لك. نعم. ف أنت أولاً لتنتفع بالقرآن، لابد أن تقر بهذه المبادئ المذكورة في سورة الفاتحة، التي هي جزء يتعلق بالله سبحانه وتعالى، وجزء يتعلق بالعبد، وأنه يعبد الله وحده ويستعين به وحده سبحانه وتعالى. نعم. ويسأل الله أن يهديه وأن يجعله من أولئك لا من أولئك. نعم.
طيب، يعني هذه المعاني كلها إذا أراد الإنسان أن يستنزلها في حياته ويفعل القرآن في حياته، إن صح التعبير. يعني وعلى ذكر الظلال، فـ يعني كثير من الناس يقول إنه الظلال كان محاولة لمثل هذا، يعني قراءة القرآن لما يحياه الإنسان نفسه، أو المعاني التي يعني يستنزل وكأنه في استنزال على الوقائع، ليس فقط بيان يعني معنى الآية نفسها. وأظن الطه ابن عاشور كذلك، لأنه من المعاصرين، وإن كان تفسيره من أجل التفاسير، لكن في بعض ذلك الإشارات الحياتية للناس، كيف الإنسان يعني يستصحب هذا في حياته، أنه يكون يقرأ القرآن أو يستخرج معاني القرآن ويفعلها مباشرة في أمور اللي تحصل حواليه، من أحوال المسلمين، من أحواله الشخصية، ومن أحواله التعبدية، أحواله في أسرته، كل الأمور.
هذا هو الأصل. الأصل أن القرآن جاء ليتبع. يعمل به. الظن أنه للزمن الماضي أو للزمن المستقبل، للآخرة فحسب. هو للزمن كله. نعم. هو يعرفك ما كان في الماضي، وما سيكون في المستقبل، وما يجب عليك في الحاضر. فيجب أن تقرأه بهذا المعنى، وأن تقرأه على أنك مخاطب به في نفسك. نعم. "فقاتل في سبيل الله، لا تكلف إلا نفسك". "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم". نعم. فالخطاب لنا. لنا في خاصة أنفسنا. واليوم الآن، المطلوب منا أن نفهم القرآن وما يوجهنا إليه الآن. نعم. يعني لا يجوز أن نعزل معاني القرآن عن الواقع الذي نعيشه. هذا من أكبر الحواجز عن فهم القرآن الكريم. من أكبر الحواجز أن نظن أنه ليس لزمننا، ليس لأيامنا، ليس لقضايانا ومشكلاتها، ليس لأحوال التي نعيشها. إذا ظننا هذا الظن، ابتعدنا عن ما يريده القرآن منا. القرآن يريد منا أن نهتدي به، أن نستشفي به، وأن نحل المشكلات، وأن نداوي الأدواء بآيات القرآن ومعاني القرآن ومواعظه وتذكيره ونوره. إن لم نفعل ذلك، فنحن. القرآن لا شك له وظائف كثيرة. يعني التبرك به، هذا مشروع. والتغني به مشروع. والتلذذ به مشروع. وتلذذ العقل به أيضاً مشروع. هذا كله مطلوب. يعني لا نقلل من شأن هذه الأمور. التلاوة في نفسها وظيفة وعبادة. يعني التلاوة عبادة مستقلة. مستقلة عن كل شيء. نعم. لكن هذه هي خطوة أو مطلوب واحد أو وظيفة واحدة مما يطلب منا تجاه القرآن. يطلب أن نتلوه، وأن نتدبر، وأن نتبعه، وأن ندعو إليه، وأن نجاهد به. نعم. هذا كله مطلوب. الله تعالى يقول: "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم". "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم". يقول بعض السلف: "نزل القرآن ليعمل به، فاتخذوا قراءته عملاً". وإن كان القراءة عمل، لكن لا يجوز الاقتصار عليها. لا يجوز أن نقتصر على التلاوة. وأنت ترى أن الناس يحبون تلاوة القرآن. وكثير من الطغاة ومن الظالمين يرصدون الجوائز، يقيمون المسابقات، ويعتنون بتلاوة القرآن. لكن انظروا إلى ما يدعوكم إليه القرآن. ماذا يأمركم وماذا ينهاكم؟ يأمركم بالمعروف وينهاكم عن المنكر. فاتركوا ما أنتم عليه من المنكرات، واعملوا بما يأمركم به من الواجبات. لا يجوز أن تتلو القرآن وأنت مقيم على تلك المظالم. كيف ذلك؟ ماذا تفعل؟ "ويل لكل أفاك أثيم. يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها". أنت تسمع الآيات الزاجرة عما أنت فيه، وأنت مقيم على.
هذا الظلم الذي أنت فيه، فلذلك أقول إننا نحتاج حتماً إلى أن نفهم القرآن بحسب الواقع. كل قضايا الواقع يشتبك معها القرآن. عجيب هو، فيه علم الله سبحانه وتعالى، وهو بكل شيء عليم. هل تظن أنه أنزل للزمن الماضي، ولقضايا الماضي، ولأحوال الماضي؟ هذا لا يجوز أن نفكر فيه. يعني أنا أقول شيئاً بديهياً، ولكننا ننساه أو نتناسا. هذه البديهيات يجب أن نتذكرها وأن نذكر بها. القرآن لكل الزمن، وكما يقول الشيخ ابن باديس: "القرآن لا يفسره إلا الزمن" لأن كثيراً من الأحداث ومن الأحوال لما تأتي وستأتي في المستقبل. قال الله تعالى: "هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتِ تأويله". يوم يأتِ تأويله، بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله. سيأتي تأويله، الأحداث تأويله، يعني جزء من تفسير القرآن. الأحداث ممكن. مثال على هذا، كثير من في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بشر، بشر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالفتح ووقع. نعم، ذكر لهم غلبة الروم ووقع. آخر تأويل القرآن، القيامة وأحداث القيامة وما بعد البعث. هذا من تأويل القرآن. هذا لم نره. ولذلك يقول الله لنا: "الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون". أي أنتم ترون الآن شيئاً وتعلمون علماً، ولكنكم ستعلمون علماً آخر، علماً في البرزخ، وعلماً بعد البعث. وهذا مما يحدثنا عنه القرآن. يعني يخبركم القرآن بأمور سترونها عياناً في المستقبل بعد أن تموتوا، في حياة البرزخ، وبعد أن تبعثوا أيضاً. فإذاً، لابد أن نفهم القرآن على هذا النحو. هذا جهد مطلوب منا، كثيراً ما نقصر فيه. أن نفهم القرآن وأن نتلوه وأن نتدبر مع استحضار لمشكلات الواقع، لأنه المعيار الذي يجب أن يقاس إليه الواقع. لعكس كثير من مشكلاتنا الفكرية والفقهية والاجتماعية والسلوكية في أننا نجعل الواقع هو الأصل. الأصل ليس الواقع. الواقع هذا متغير، وفيه ضعف الناس ومعاصيهم وانحرافاتهم. الأصل الذي يقاس إليه هو القرآن الكريم. يجب أن يقوم الواقع بحسب هدايات القرآن الكريم. ولذلك في العصر الحديث، الشيخ رشيد رضا وشيخه الشيخ محمد عبده كانوا يعني يقولون: "التفسير" أو يشيرون إلى أن التفسير يعتني بهدايات القرآن. وهذا منحى صحيح وجيد. لا لأن القدماء لم يفعلوا ذلك، ولكن لحاجة العصر الحديث إلى هذا. العصر الحديث كثرت فيه المخالفات والانحرافات والتعديات، وذهبت دولة المسلمين وغزوا في عقر دارهم. لم يغزوا مادياً وعسكرياً فحسب، ولكن غزوا فكرياً وثقافياً ولغوياً. صارت لغتهم محتلة، وعقولهم محتلة، وثقافتهم محتلة، وتعليمهم محتل. الظن أن الاحتلال هو مادي عسكري فحسب، هذا ظن قاصر. كل حياته تغيرت، الأفكار. فنحتاج إلى أن نعود إلى هدايات القرآن. وهذه عملية صعبة، فيها مجاهدة. وهذا جزء من معنى قوله تعالى: "وجاهدهم به جهاداً كبيراً". كما جاء القرآن أول مرة وواجه الجاهلية بكل ما فيها. الجاهلية التي ليس فيها شيء من الإسلام. أنا أقول أحياناً: أفضل ترجمة لكلمة "الحداثة" هي "الجاهلية". نعم. يذكرني أيضاً بأفضل ترجمة لكلمة "السيادة" هي "الحاكمية". سبحان الله! ألهم الله المودودي هذه اللفظة التي هي مستقاة من القرآن: "الحكم لله سبحانه وتعالى". الحكم لله قدراً وتشريعاً وقضاءً. يعني هو حكم قدراً، هو الذي يحكم قدراً، الأقدار كلها بتقديره. وحكم تشريعاً، أي أمر ونهى. وحكم في الدنيا قضاءً، وسيُحكم في الآخرة قضاءً أيضاً. فالحكم له بكل هذه المعاني. بكل هذه المعاني. صحيح أنه ترك لنا شيئاً نجتهد فيه ونفكر فيه، لأنه ابتلى العقول. ابتلى العقول كما ابتلى النفوس، كما ابتلى الأبدان. يعني أبداننا مبتلاة بالتعب والجهاد، ونفوسنا مبتلاة بالتزكية والمجاهدة، وعقولنا مبتلاة بالفكر والتفهم. لابد أن نبذل جهداً في الفهم. فترك لنا أشياء كثيرة نجتهد فيها ونختلف فيها، ويسع بعضنا بعضاً فيها إذا اختلفنا، لأن الاختلاف فتنة أيضاً. نعم. كيف كيف تتسع عقولنا ونفوسنا إلى أن نختلف؟ الشاهد أنه حكم على كل حال، لكن حكم حكماً محكماً واضح الدلالة لا اختلاف فيه، وحكم حكماً أدلته متشابهة فيختلف الناس في الفهم. وهذا في نفسه بلاء. لكن عوداً إلى ما بدأنا به هذا الجانب، وهو أن الواقع هو الذي يجب أن يكون محط الأنظار في استنزال هدايات القرآن. كان الواقع هذا مريضاً أو حاله يراد أما علاجها أو يراد تحسين حالته. حتى لو كانت صحيحة، لأن بعض الناس يظن أن الإنسان يستغني عن الهدايات الربانية. هذا لا يكون. لا يكون على الإطلاق. لو كنت في حالة صحية وصحيحة، فأنت لا تستغني عن التزكية والترقي. "وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً". يعني في كل حالة من الإنسان هو يتطلع إلى ما هو أفضل مما هو عليه. كنت أضرب مثلاً حتى نخرج من الحديث الفكري الجامد. بشهر رمضان. شهر رمضان نصوم 30 يوماً متتابعة، ونقوم 30 ليلة متتابعة. وفي الغالب أكثرنا لا يفعل هذا في أيامه المعتادة. فكان رمضان يعلمنا أننا نستطيع أكثر مما نفعل الآن. كل منا يستطيع أن يفعل فوق ما يفعل الآن. يعني هو مقصر على كل حال. يعني هو قادر على أن يكون أرقى من هذا. فكيف إذا كانت الأحوال فيها علل وأوهام وانحرافات؟ فكيف إذا كانت الأحوال يسيطر عليها ويت حكم فيها غير المسلمين؟ هم الذين تستورد منهم الأفكار والتقويمات والتسعينات للأفعال وللأشياء. نحن في حالة أحوج ما نكون فيها إلى الاستشفاء بهدايات القرآن، وإلى رد الأمور إلى معيار القرآن الذي هو من عند الله سبحانه وتعالى، ولا نشك في ذلك.
شيخنا، في موضوع القرآن لواقعنا أو استنزال هدايات القرآن لواقعنا، هذا الاتجاه الذي أظنه بدأ مع المدرسة الإصلاحية، اعتناؤهم بالقرآن، محمد عبده ورشيد رضا، ابن باديس، وكذا. ممكن كمان محمد الطاهر ابن عاشور بصورة من الصور يكون بهذا الاتجاه. يعني كيف نحن في قراءتنا العادية نطبقه في حياتنا؟ مثلاً، هناك مشروع قرآني للشيخ فريد الأنصاري في مجالس القرآن. كان يعني يذكر بعض الأدوات المعينة. الإنسان إذا قرأ القرآن استهدى بما فيه، ويعني بصر لرسالات الله إليه. فا، إيش المعنى العملي؟ الإنسان ينبغي وهو داخل إلى هذه السورة، وهو يقرأ هذه السورة، يكون مستحضراً أنه إذا فعل كذا، أبصر يعني رسالات السماء أو هدايات السماء إليه. وأول ما يجب أن نتذكره أن القرآن فيه كل الدين. لأنك إذا قرأت شيئاً في الفقه، فأنت تقرأ الأحكام. إذا قرأت الأحاديث النبوية، فأنت تطلع على بعض الدين وعلى بعض جزئياته. إذا قرأت في السلوك أو في علم الأخلاق الإسلامية، فأنت في ناحية السلوك والتربية. لكنك إذا تلوت القرآن، فأنت في مواجهة الدين بكليته، ما يريده الله منك ديناً في كل أحوالك، في كل جوانب حياتك. وهذا ممزوج ومختلط بعضه ببعض. أنت تتلو السورة أو الآية أو القطعة من القرآن الكريم، فتجد فيها الأحكام والقصص والمواعظ والتذكير، وذكر الأنبياء، وذكر الآخرة، كله ممزوج بعضه ببعض. هذا من المعاني المهمة التي يجب أن نستحضرها في تلاوتنا، القرآن في تدبرنا للقرآن، أن القرآن هو الدين كله، وهو أصله ومنبعه الأول. فتلاوته وتدبره تملأ النفس بكل ما تحتاج إليه من معاني الدين، أحكاماً ومواعظ وتزكية وأخباراً وتعليماً وتفهيماً وتقويماً للعقل وللتفكير. هذا كله يجب أن نستحضره. فماذا نصنع؟ الله سبحانه وتعالى يأمرنا بالتدبر ويخبرنا أن القرآن نزل ليتدبر. "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب". يعني هذا هذه الحكمة: "ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب". يعني هو أيضاً فرق بين التدبر والتذكر. نعم. التذكر لما تعلم. التدبر لاستنباط ما لا تعلم. نعم. يعني أنت تستنبط ما لا تعلم، ثم بعد ذلك تتذكره باستمرار، لأن الإنسان ينسى. أخ، النسيان هو أصل الإنسان بطبعه. بطبعه ينسى. يحتاج إلى التذكير باستمرار. وبعض الناس الملاحِدة يقول لك: "هذا الكتاب، هم قرأوه مرة وكفى". ما يعرفوش اللي فيه. وأنت، كما نقول، وكما جاء في الأثر: "لا تنقضي عجائبه، وكل يوم له عطاء". فكيف تقرأه مرة؟ أنت تقرأه طول عمرك ولا يكفيك. أنت إذا فهمت منه ما علمك الله وما فهمك، فإنما غرفت غرفة. وهذا ما يجب أن نحضره أيضاً في فهمنا وتدبر القرآن. أنك إنما غرفت غرفة من بحر لا ساحل له ولا غور له. تعلمه. ولو كان لتفسيره أو تدبره انقضاء لنقضى في الأزمنة الماضية. الناس ما زالوا يتدبرونه، يفسرونه في كل العصور. وفي كل عصر يأتي من يقول: "سأكتب تفسيراً وسيكون لي فيه جديد". محقاً في هذه الدعوة أو أو ليس كذلك. ولكن على كل حال، هم يحاولون لأنهم يظنون أن تدبره ما زال فيه مجال، وما زال فيه متسع للتدبر والاستنباط، ولفهم، ولتأويل، وما إلى ذلك. فاستحضر أنه الدين كله. نعم. نستحضر أنه الدين كله. وأيضاً نستعين بالأدوات التي تعيننا على التدبر. أنا لي مقالة في في هذا، قسمت فيها التدبر على قسمين، أو أدوات التدبر على قسمين. قسماً يتعلق بالأدوات المعرفية أو العلمية، والقسم الآخر يتعلق بالأدوات النفسية. لابد من هذا وهذا. لابد أن يكون لك أدوات علمية وأدوات نفسية تستعين بها على تدبر القرآن. ولا يجوز الاستسهال في هذا. لا يجوز الاستسهال، لأن هذه، هذا أمر من الله. الله تعالى يقول بعد الآية التي ذكرناها، هناك آيتان أخريان. قوله تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن؟" هذا على سبيل الإنكار. "أفلا يتدبرون القرآن؟ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً". والآية الأخرى: "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟". انظر عقب الأولى بشيء يتعلق بالقرآن. "أفلا يتدبرون القرآن؟ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً". أي تدبر فيه يبين لكم أنه متكافئ، متساند. والحقيقة أن الأمر ليس كذلك. كما أن التلاوة ليست خاصة بالقراء المتخصصين في القراءات أو في هذه العلوم، كذلك التدبر ليس. ولكن تبذل بجهدك ما تستطيع. يعني مثلاً، لو أن قارئاً بذل ما يستطيع من جهد في تحسين تلاوته، ولكنه لم يبلغ المبلغ الذي وصل إليه المتقنون البارعون، كما سماهم الحديث: "الماهرون". نعم. "الماهرون بالقرآن". هل يقال له: "لا تتلو القرآن"؟ لا يقال له ذلك. إنما يقرأ على قدر حاله. نعم. ولكن لا يعلم هذا الذي لم يتقن. لا لا يكون معلماً واحداً، ولا يجهر بتلاوته إذا كانت ملحونة وفيها أخطاء. يعني هو هذا أقصى ما يستطيعه لنفسه، فيقرأ لنفسه على قدر حاله. "ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها". كذلك الإنسان يتدبر. نعم. إن كانت له أدوات تعينه على ذلك، فبها ونعمت. هذا هو المطلوب. وإن لم يكن له، فليتفل ويتدبر في القرآن الكريم على قدر حاله. وربما فتح الله عليه بفتح لا يفتح به على غيره. لأن هذا له، كما ذكرت لك، له جانب نفسي مهم. جانب يتعلق بالتزكية. هي، خلينا نعجل بالأمور النفسية أولاً. التطهير والتزكية التي تطهر المحل الذي تنزل فيه المعاني. نعم. لأن هذه المعاني بما أنها غير متناهية، ويكشف الزمن منها شيئاً بعد شيء، كما قال الله تعالى: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق". أي تكون الآيات تكشف حيناً بعد حين في الكون، ترينا أن القرآن حق. كذلك المعاني فيه تكشف حيناً بعد حين حتى نتعلم ونزداد فهماً، ويكون القرآن مشتبكاً بالواقع. نعم. إذاً، التطهير النفسي هذا يطهر المحل الذي تنزل فيه المعاني. لابد من ذلك. هذه واحدة. الأمر الآخر: كثرة الترداد والتأمل والادمان. التلاوة والنظر. لأنه عزيز، لا يأتي ما فيه بميسور الجهد. لا تحفظه بجهد يسير، ولا تتقنه بجهد يسير، ولا تتدبر بجهد يسير. لأنه يعني يعلو على هذا الاستسهال. إذا استسهلت الأمر وظننت أنه ميسور، فأنت إذاً لا تقدر القرآن قدره. لابد أن تبذل جهداً كبيراً. نعم. في كل ذلك. وهذا جزء من معنى "النصيحة". "دين النصيحة". لله ولكتابه. انظر نصيحة لكتابه. إذاً، التطهير النفسي والتزكية أولاً، ثم بعد ذلك كثرة الترداد والادمان. الأمر الآخر: التدبر في كل الأحوال. أي تتدبر تالياً، وتتدبر سامعاً، وتتدبر وأنت تتلو من حفظك، وتتدبر وأنت تتلو في المصحف. ولكل واحدة من هذه طعم. ولأي تدبرك وأنت تسمع؟ أنت خالٍ من الانشغال بأحكام التلاوة وبمراعاة. من التدبر والمساحة الواسعة في التأمل ليست وأنت تتلو. وليس معنى ذلك أنك وأنت تتلو لا تستطيع أن تتدبر. على العكس. هناك من مقامات وأحوال التدبر وأنت تتلو لا تتهيأ لك وأنت تسمع. نعم. لأنك وأنت تتلو أنت منفعل وداخل في جو التلاوة. نعم. مختلط بها ذهناً وعقلاً ونفساً. ولا سيما إذا كنت في الصلاة، فهذا شأن آخر. شأن آخر. الأصل في تلاوة القرآن أنه في الصلاة. يعني القرآن يتلى في الصلاة وفي غير الصلاة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتلوه قائماً وقاعداً وعلى جنب، وفي صلاته وفي غير صلاته. لكن أفضل الأحوال في تلاوة القرآن وأنت في الصلاة. وانظر كيف أن الله سبحانه وتعالى وقره حتى جعل الناس يستمعون إليه في صلاتهم وهم قيام، وفي صفوف. لأن نحن تعودنا على الأشياء ونلفها وننسى معانيها. أي والله. يعني انظر إلى هذا التعظيم والتوقير. نتلوه ونستمع إليه ونحن قيام في صلاتنا. الأمر الآخر في التدبر هو التدبر بالنظر في المصحف. لأنك إذا نظرت في المصحف، فأنت قادر على العود. نعم. وإجالة النظر فيما قبل وما بعد، وفي الصفحة السابقة، ثم إلى الصفحة التالية، ربما إلى سورة أخرى. أنت تقلب المصحف، أو حتى الصفحة الواحدة التي أنت فيها، تجيل النظر عوداً وبدءاً. ما علاقة هذه بهذه؟ ماذا تفيدنا هذه مع هذه؟ وهكذا. وأنا أحياناً أفهم من قوله تعالى: "والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً". يعني انظر. هذا ثناء على هؤلاء أنهم إذا مرت بهم الآيات لم يخروا عليها، يعني لم يلقوا بأنفسهم عليها بآذان صم وبأعين عمي. لكن انظر إلى هذا الازدواج بين الصمم والعمى. يعني هذا ربما أفهمنا أن الآيات تكون آيات كونية وتكون آيات قرآنية. مثلت الصمم للآيات المتلوة، والعمى للآيات الكونية المنظورة. أم هذا معنى؟ المعنى الآخر: صم إذا سمعوا، وعمياً إذا نظروا في المصاحف. هذا محتمل. نعم. محتمل. يعني هم ينظرون إلى الآيات مكتوبة أو في المصاحف، كأنهم يرون شيئاً عادياً. ويجب أن نتنبه إلى أو على الآيات التي نراها مكتوبة. نعم. إذا فهمناها بهذا المعنى. نعم. الشيخ ابن عاشور عنده يعني تنبيه مهم في أوائل تفسيره، مقدماته. أن الكلمات أو الجمل القرآنية تحتمل عدة من المعاني وتكون كلها صحيحة. ليس من الضروري أن يكون ما تفيده الآية معنى واحداً. بل هو أجاز أن يكون في الكلمة الواحدة حقيقة ومجاز في الوقت نفسه. نعم. هذه الجوانب النفسية. نعم. في جانب آخر لابد من استكماله، هو الدعاء. أن تسأل الله أن يفهمك، لأن التفهيم من عنده. يعني إذا ظننت في نفسك أنك قادر على أن تفهم كل شيء، واغتررت بقدرتك وبملكك ومهاراتك الفكرية أو البيانية، فستوكل إلى ذلك. وهذا في كل الشؤون، ولا سيما في هذا الشأن. يعني لابد أن تشعر بالعجز والحاجة إلى تفهيم الله سبحانه وتعالى وتعليمه. يعني هو الذي يعلمك ويفهمك. نعم. فاسأله ذلك. يعني اسأله أن يفهمك ما أشكل عليك، ما عجزت عن فهمه أو عجزت عن فهمه. اسأله ذلك، لأن المدد من عنده سبحانه وتعالى. هو الذي يمدك بهذا. اه. فهذه الأدوات النفسية، أو بعض منها، التي نستعين بها على تدبر القرآن الكريم. وإن شيء تعرجنا على الجانب الآخر، الجانب العلمي. أنا أريد تجربة شخصية. الحقيقة، أنت كم أممت في التراويح شيخنا؟ أكيد. كم عاماً صليت بالناس التراويح في بنغازي في مسجدي؟ 20 عاماً تقريباً. أحياناً يفتح الإنسان في معانٍ معينة في الصلاة، و يعني يصعب عليه أن تفتح عليه في القراءة العادية. نعم. هل في شيء يعني انقدح في نفسك وأنت تصلي؟ يعني كنت مهموماً بآية، ثم قلت: يا رب، أصلي، فاتت هذه الآية، فانكشف لك شيئاً في الصلاة؟ نعم. أنا كتبت هذا فيما يتعلق بسورة المائدة. في سورة المائدة، لما هي قصة طويلة، قصة التدبر. أني كنت تخطر علي المعاني وأنا في صلاة التراويح، خصوصاً، أنت عارف روحانية رمضان والتراويح واجتماع الناس في المسجد، وبركة تلك الليالي. فهذه لها مذاق خاص يعرفه الذين جربوه. نعم. فكانت هذه مع تخطر علي، وهي باقية في ذهني. لم أكتبها. يعني لم أكتبها ولم أقلها. يعني ما كان هناك مجال. لم يكن عندي في ذلك الوقت لا دروس ولا كتبت شيئاً في ذلك. فلما تركت، خرجت من بنغازي وتركت صلاة التراويح، أو صلاة التراويح الجماعية أقصد. يعني نعم. لأني بعد ذلك كنت أنا كنت أظن أن صلاة التراويح لا تكون إلا جماعية. نعم. فلما صليت وحدي، وجدت لها مذاقاً آخر. يعني هذه لها مذاق، وهذه لها مذاق أيضاً. يعني تصل تصلي وحدك صلاة التراويح في رمضان. نعم. كذلك لها خصوصية، أو خصوصية بالفتح. قالوا: هو الإفصاح. نعم. ف لما تغير الحال و يعني صار هناك حنين إلى ذلك العهد. نعم. فقلت: أعوض ما فاتني من الصلاة الجماعية التراويح بكتابة بعض الخواطر التي كانت تخطر علي وأنت في الصلاة. وأنا في الصلاة. فكتبت شيئاً من ذلك ونشر في كراسة بعنوان: "بعد التراويح". الله. نعم. يعني كنت بعد أن أصلي التراويح، أكتب على الفيسبوك مقالة صغيرة، يعني ليست بطويلة، فيها بعض الخواطر القديمة. أيوه. أحد المعاني هذه. كثير، كثير جداً. "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين". فهذه كانت من أوائل الآيات التي تكلمت عليها في هذه الكراسة. بعد ذلك صرت أطور هذا، هذه المكتوبات عن التدبر في الآيات القرآنية شيئاً بعد شيء، إلى أن طلبها مني شيخنا الشيخ مجد مكي، ونشر بعض منها في موقع رابطة علماء العلماء السوريين السورية. ثم وجدت همة إلى التوسع فيها بعد ذلك، وإلى أن صار مشروعاً. ما شاء الله. مشروع يرى النور قريباً إن شاء الله. نرجو ذلك. أنا كتبت جلّه وبقي شيء منه، وكتبت له مقدمات. مقدمة تتعلق بتاريخ تفسير النظام في القرآن الكريم، ومقدمة أخرى تتعلق بإعجاز القرآن الكريم. لعلنا في مناسبة أخرى نتكلم عليها إن شاء الله. يكون إن شاء الله. كل هذه الخواطر أتت إليك في الصلاة؟ كان أصدق في الصلاة. نرجع إلى حادث تتعلق بسورة المائدة. فلم أفهم عمودها في ذلك الوقت. كنت أظن أن السورة يجب أن يكون لها معنى واحد. نعم. لكن بعد ذلك لما درست وتأملت، يعني صار عندي فهم أن المعاني ربما اجتمعت وصار منها تركيب لعدد من المعاني المترابطة المتناسقة التي فيها تخادع للصورة. عناصر كلها يعني ينشئ معنا واحداً. ربما استنبط منها واحد. لكن التعدد هذا وارد أيضاً. وارد على سبيل الواقع، ووارد على سبيل تعدد أنظار الناظرين والمتدبرين. يعني كل واحد يرى من هذه التركيب أو هذا البناء أو النظام القرآني في السورة يرى منه ما لا يرى غيره، ويكون نظر هذا صحيحاً، ويكون نظر هذا صحيحاً. بعض الناس يظن إذا كشف شيئاً من أسرار القرآن أن هذا هو الصواب الذي لا صواب غيره. هذا غير صحيح. الأنظار تتعدد وتصح كلها. نعم. ولا سيما إذا تحقق فيها شرط الصحة فيما سنذكر. نعم. إن شاء الله. ذاكرني بهذا، لأنه مهم. نعم. فلم أفهم ما المعنى الذي تدور عليه السورة. يعني فيها الحدود، وفيها ذكر أهل الكتاب. سورة المائدة. سورة المائدة. نعم. وأولها: "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود". نعم. فقلت: أدخل في الصلاة حتى لعل الله يفتح بذلك. نعم. لعل الله يفتح بذلك. وهذا ما حدث فعلاً. يعني انقدح في ذهني ما لم يحضر إلا في وقت الصلاة. حتى شعر جلدي من هذا، وهو أن السورة فيها معنى تدور عليه يتعلق ببدن الإنسان الذي ينشئه والطعام. لأن السورة فيها ذكر المطعومات وما حرم من المطعومات وما أحل، وفيها ذكر الوضوء لغسل الأعضاء والغسل كذلك، وفيها الحدود التي هي لها أثر في الأعضاء. وفيها ذكر المسيح عيسى الذي صلب بدنه أو ظن الذين يعتقدون ذلك. نعم. أنه صلب بدنه وهو لم يكن. نعم. قال الله تعالى: "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم". هذا لم يقع. وقال في في بدن المسيح: "ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام". يعني هم بشر من البشر. نعم. وأجسادهم مبنية من هذا الطعام، ولهم حاجات الناس. نعم. مثلهم مثل الناس. فلا يكونان إلهين. نعم. ولا شبه إلهين. لا كذلك. عجيب. هذا المعنى كله انقدح في الصلاة. أي نعم. وانظر مثلاً إلى قوله تعالى: "ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين". هذه من الآيات التي حيرت كثيراً من المفسرين. ما السر في هذا التكرار؟ وما معنى هذه الدرجات أو المراتب أو هذا العطف؟ ويبدو والله أعلم أن الأكل من نعمة الله، إن لم تصحبه تزكية، فهذا قصور. لأن الإنسان يأكل من نعم الله ومن رزقه، أما أنه على حالة واحدة ليس فيها ترقٍ وليس فيها تدرج إلى أعلى، وأما أنه ينزل. وأما أنه ينزل. وأحياناً يقسي القلب هذا التنعم بالنعم. يقسي القلب مع طول الأمد والغفلة عن الذكر وعن الشكر لنعمة الله سبحانه وتعالى. فالحالة المثلى إذا هو أن تتنعم بنعم الله وتترقى. نعم. من الإسلام إلى الإيمان إلى الإحسان. لأن هذه الآيات تذكر المراتب الثلاث: أسلموا وآمنوا. اه. "ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات". هذا الإسلام. "ثم اتقوا وآمنوا". هذا الإيمان. "ثم اتقوا وأحسنوا". هذا الإحسان. نعم. فهم يترقون من درجة إلى درجة بما يأكلون من رزق الله ويتنعم بنعم الله. ولكن هذه النعم لا تحجبهم عن تزكية أنفسهم وعلى مزيد التقرب من ربهم. آياته عجيبة. أول مرة. وسر بعد ذلك. لأنك إذا، كما يقول الفراهي رحمه الله، إذا عرفت العمود أضاء لك كل السورة. نعم. سير بعد ذلك وتلمس المعنى، وفي اتصاله بهذا الأصل. نعم. في كل الآيات ستجد أنه، وهذا من علامات صحة المعنى الذي تذهب إليه، أنه تساعده الشواهد. وتتسق معه. ونذكر بهذه المناسبة أن المعنى الصحيح لابد أن يكون له شاهدان، أو يقوم على ركيزتين. المعنى الصحيح في التفسير عموماً لازم شاهدان. لابد له من من أمرين أو من شرطين. الشرط الأول: أن تساعده اللغة. ليس هناك معنى صحيح تصادمه اللغة. لابد أن تعطيه اللغة، يعني مفرداتها ومركباتها ومعانيها تعطيه. تعطيه بحسب لغة العرب. نعم. تعطي هذا المعنى. إن لم تكن اللغة تعطيه، فهو معنى غير صحيح. نعم. هذا الشرط الأول. الشرط الثاني: أن تساعده بقية أدلة الشريعة. أمم. ما يكونش هكذا منفصل. لا لا. يجوز أن يكون مصادماً لأدلة أخرى من القرآن أو من السنة أو من أصول الدين المتفق عليها. نعم. يعني لابد أن يكون له مساعدة من بقية أدلة الشرع. نعم. فإذا تحقق الشرطان، وقع ذلك المعنى الذي ربما لم يسبق إليه المفسر في موقعه الصحيح، وكانما سد ثغرة كانت فارغة، واتسق مع البناء العام لمجمل أدلة الشرع. نعم. ولمجمع معاني القرآن. أنت بنفسك ترى هذا. ترى أنه موافق لكل المعاني التي تعرفها من قبل، ووقع في موقعه الصحيح. هذا دليل على أنه معنى صحيح. نعم. لا شك أننا نستفيد مما فسر به السابقون، بدءاً من الصحابة والتابعين ومن بعدهم بعد ذلك. لكن هذا مجال واسع للاجتهاد. نعم. ويقع فيه الاختلاف، ويقع فيه التفاوت. نعم. فلا بأس بالاختلاف. هذا هو اختلاف محمود. طيب شيخنا، هل من أسماء السور قد نستنبط شيئاً متصلاً بالصورة نفسها؟ مجرد الأسماء؟ النحل، العنكبوت، الإخلاص، البينة. وقد تتعدد طبعاً الأسماء. والأسماء السور كما تعلم، بعضها جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضها لم يأت عنه. ولذلك كثير من السور له عدد من الأسماء. أمم. وهذا مما ينتقد على البقاعي في تفسيره، أنه جعل جعل اسم السورة حاكماً على معناها. واسم السورة في بعض الأحيان يكون منقولاً. أمم. توقيفياً عن النبي صلى الله عليه وسلم. بعض الآخر اجتهاد. وبعض الآخر. وبعض الآخر، مثلاً، يجيء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن بعض الصحابة تسمية السورة باسم أولها. نعم. "بني إسرائيل" مثل. في في "البينة" نسميه "البينة". وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله لأبي بن كعب: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا". يعني سماها باسم أولها. نعم. وهذا يحدث كثيراً. لكن على كل حال، اسم السورة فيما نقل، وفيما تعارف عليه المسلمون، إشارة إلى معناها أو بعض معانيها. سورة سورة الإسراء تسمى بهذا الاسم، وتسمى سورة بني إسرائيل. نعم. البقرة وآل عمران. هذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم. كذلك. إيش الإشارة إلى بني إسرائيل في الإسراء؟ نعم. ذكر بني إسرائيل في أولها. "وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً". نعم. فهناك. وفيها ذكر الإسراء. نعم. يعني مثلاً، في حديث معروف عن ابن عباس رضي الله عنه، لما سأله سعيد بن جبير عن سورة "التوبة". قال له: "الفاضحة". نعم. هو لم يرد أن يغير اسمها، ولكن أراد أن يدلك على عمودها ومعناها. يعني كأنه يقول: هي سورة عنقين بفضح أخلاق المنافقين وأعمالهم وأقوالهم. ثم قال له: "الحشر". قال: "سورة بدر". يا الله. على الوقائع. سبحان الله. سبحان الله. يعني هذا سبق في تلمس موضوع السورة الذي تتكلم عليه بالاسم أو من غير الاسم. يعني هو ترك الاسم المشهور، وذكر شيئاً من معناها. شيئاً من معناها. اه. حتى أن بعض الناس يتلمس المتشابه في في اسم السورة. يعني بعض الناس ألف كتاباً في أن المتشابه تستطيع أن تربطه باسم السورة. يعني مثلاً، في سورة النساء: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله". في سورة المائدة: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء". في سورة النساء التي فيها السين، قدم القسط. اه. يعني هذه ربما تكون علامة لك لكي تتفطن. لكن هذا عجيب، لأنك تجد نظائر كثيرة لهذا. يعني مثلاً، في سورة البقرة، في كل القرآن: "وما أهل لغير الله به". بتاء التأنيث. إلا في سورة البقرة التي فيها الباء، أو في أولها الباء: "وما أهل به بغير الله". تقدم به. وفيها من الاسم شيء من الم. شيء من الاسم. فيها شيء من الاسم. فإذا الاسم، يعني ستهتدى به، يستهد به في تعرف معنى السورة. السه. ولكن ليس دائماً هو حكم على تعرف معناها. نعم. يكون شاهداً لذلك، لأنه يشير إلى بعض معناها. وفي حديث ابن عباس هذا الذي ذكرت لك، دليل على أنه يكون الاسم دالاً على جزء معناها في بعض الأحيان، وليس دالاً على كل معناها. طيب، ترتيب القرآن ومسألة هل هو توقيفي أو غير ذلك، وهل له دلالة كمان في فهم القرآن؟ أن هذه السورة بعد هذه، وهذه بعد هذه؟ مثلاً، الإسراء ثم الكهف، وهكذا. هذا مبحث عجيب في تعرف أسرار نظم القرآن. أمم. إحنا لازم نفرض يوم كامل لموضوع نظم القرآن. لأن عبد القاهر رحمه الله الجرجاني صاحب "دلائل الإعجاز" عرفنا النظم بمعنى نظم النحو. نعم. في الجمل. فلتتجاوز نظم الجمل إلى نظام السور. نعم. إلى نظام القرآن كله في المصحف. فلا شك أن، كما أن الجملة منظومة على وجه الإعجاز، فالسورة منظومة كذلك على وجه الإعجاز. والقرآن كله في ترتيبه منظوم على وجه الإعجاز. وما ما تعرفنا عليه من هذه الأسرار في العلاقات بين السور يدلنا على أن وراء ذلك خفايا وغايات تستحق البحث والنظر. بل ترديد النظر حتى نعرف هذا النظم العجيب للسور القرآنية وعلاقات السور بعضها ببعض. مثال شيخنا. أمثلة كثيرة. على سبيل المثال، لو تأملنا في سورة "المؤمنون"، وسورة "النور"، وسورة "الفرقان". نعم. ف أنت مثلاً في سورة "المؤمنون" تجد الكلام على بشرية الأنبياء وبشرية الناس. يعني طينية الناس، الخلق المادي لهم. حتى أن أول السورة فيه ذكر خلق الإنسان، وأولها صفات المؤمنين التي ترتفع بهم من الطينية إلى أفق المفلحين أهل الإيمان. أي الإنسان لا يستغني عن أن يضم إلى بشريته المعهودة روحانية ترتقي به عن أن يكون مثل الأنعام. نعم. لأن هذا الخلق للجسم يشبه خلق الأنعام. نعم. حتى من حكم الضحايا والهدي، أنك ترى خلق الخلق الذي يشبه خلقك. نعم. يعني لها سبحان الله. نعم. من الأجهزة ما ما في جسمك، لكن الله سبحانه وتعالى كرمك وجعلك إنساناً له هذه الخصائص والصفات، ولم يجعل هذا للأنعام، مع أن تركيبه الجسم متشابهة. نعم. هذا يشبه هذا. وقال عن الكافرين: "إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً". نعم. فإذا أنت تلمح في هذا أن البشرية لابد لها من الإيمان. بشرية الإنسان أو طينته لابد أن ينضم إليها الإيمان ليرتفع الإنسان إلى الأفق الذي يريده الله سبحانه وتعالى. نعم. والكفار لما أنكروا على الرسل أنهم بشر، وقالوا يعني: "أبشر يهدوننا؟" إن هذا إلا بشر مثلكم. هؤلاء بشر. يعني هم يريدون أن يكون الرسل ملائكة. نعم. يطلبون هذا. والله سبحانه وتعالى جعل الرسل بشراً مثلنا حتى نقتدي بهم. يعني هم لهم مطالب البشر. نعم. المادية والطينية والأرضية. يعني هم ينامون ويستيقظون ويتزوجون ويأكلون الطعام ويمشون في الأسواق. فإذا جئنا إلى سورة "النور"، سنجدها تتحدث عن نوع واحد من بشرية الإنسان، وهو العلاقة بين الذكر والأنثى. أم. يعني كأنها فصلت في ناحية من نواحي بشرية الإنسان، ونظمتها وحكمتها، وفصلت حدودها، وبينت ما يتعلق بالوقاية، وما يتعلق بالعلاج، وما يتعلق بالتحوطات المطلوبة لتسير هذه الأمور في السيرة التي يرضاها الله سبحانه وتعالى. نعم. انظر كيف أن سورة "النور" تكلمت على بعض من ما أشارت إليه سورة "المؤمنون". فإذا جئت إلى سورة "الفرقان"، ستجد أن سورة "الفرقان" كانها عطف على سورة "المؤمنون". سبحان الله. نعم. لأنك في في "النور" تفصيل لشيء في "المؤمنون". نعم. والآن رجعنا إلى نفس السياق. وهذا كثير مهم جداً، لأن بعض الناس تشكلوا النظام بين السور. منهم الشيخ رشيد رضا رحمه الله عليه. ولما عرض له أشياء من هذا النحو، لم يفهم كيف رتبت هذه السورة. سبحان الله. هذا فتح أيضاً أن تنظر إلى أن بعض السور تشبه التفصيل أو الخروج عن المسار الأول، ثم يعود المسار إلى طريقه الذي كان فيه. فسه "الفرقان". إذا هي في أفق آخر من آفاق الإيمان، هو أفق الإمامة. أم. لأن آخرها: "والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين وجعلنا للمتقين إماماً". نعم. ولذلك تجد صفات المؤمنين في سورة "المؤمنون" هذه لعامة المؤمنين. أما الأئمة، في الصفات المؤمنين في سورة "الفرقان" للأئمة. الله. نعم. هؤلاء الذين يقومون الليل، والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً. يعني ومطلوب من كل مؤمن أن يكون إماماً على قدر حاله. لأن هذه الإمامة نسبية. أنت تكون إماماً لأهلك، إماماً لأهل مسجدك، إماماً لحيك، إماماً لقطر، إماماً لعصر. نعم. إماماً للدنيا. هو هناك أئمة يعني عاشت أسماؤهم وميراثهم ودعواتهم أزمنة طويلة. أليس كذلك؟ يعني هذا الدوائر تضيق وتتسع. يعني بعض الناس إذا سمع الإمامة، ظن الإمامة مثل إمامة الإمام مالك أو الإمام أبي حنيفة. ليس من الضروري أن تكون الإمامة كلها على هذا النحو. يعني الإمامة لها درجات. لها درجات. أقله أن تكون إماماً لأهلك. أن يكون ولدك، كما طلب هؤلاء ودعوا، أن يكونوا قرة عين لك، أن يستهدى بهديك، وأن يكونوا سائرين على طريقك. وهذه إمامة. وترتفع إلى أن تكون كما في أولها: "تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً". العالمين نذيراً. انظر هذه العالمية. هذه العالمية. هذا أفق عالٍ جداً من من الإمامة. والمؤمن مدعو إلى هذا. إلى أن يكون له من الهمة ومن الاجتهاد ما ينفع به الناس، وأن يكون في هذا الدرب درب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى قائداً ومؤثراً، وله عطاء ينفع به الناس، ويكون له من العلم ما ينفع الناس. يعني هذا هذا رفع للهمة. هذا مثال للنظر في العلاقات بين السور. يعني بإيجاز. طيب، أنا أفهم من كلام حضرتك أنه أنت تميل أن هذا الترتيب توقيفي. نعم. أنا أظن والله أعلم أنه توقيفي. لأن الله سبحانه وتعالى لا يترك كتابه في هذه النواحي إلى اجتهاد الناس. كل ما في القرآن نظن أنه توقيف. حتى الرسم. أظن والله أعلم أن الله سبحانه وتعالى يعني أمر بتوصية رسوله أو بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. يعني هدى أصحابه إلى أن يكتبوا هذه الطريقة. نعم. وما وليس هذا بمستبعد. لأنه كان يقول لهم: "ضعوا هذه الآية في هذا". نعم. فالحذف والإثبات، وك صحيح أن له نظائر في كتابة الناس في ذلك الزمن. نعم. ولكن لماذا خصت هذه الكلمات بهذا الشأن؟ كتبت هذه هكذا؟ أظن أنه بإشارة من النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن إذا نظرت في الآيات القرآنية، ستجد ما يشير إلى ذلك أيضاً ويدل عليه. من مثل قوله تعالى: "إن علينا جمعه وقرآنه". يعني جعل الأمر لله سبحانه وتعالى. جمع القرآن لله سبحانه وتعالى. والجمع في قول المفسرين: "جمعه في صدره". لكن كيف جمع في صدره؟ جمع في صدره على ترتيبه. أيوه. لما تتابعت نزوله. لأنه بقي زمناً وهو ينزل. ثم بعد أن اقتربت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وعارضه جبريل العارضة الأخيرة، استقر الترتيب على ما نعلم الآن. فإذا جاءك من بعض الآثار، أو وجد في بعض المصاحف، أو ذكر عن بعض مصاحف الصحابة أنها مخالفة للترتيب الذي نعرفه الآن، فهذا يحمل على أنه يجري على ما قبل العرضة الأخيرة، وما قبل الاستقرار الأخير للترتيب الذي نعلمه. ثم بعد ذلك أنت لا تعارض المتواتر. من من منقول ترتيب القرآن الكريم بأحاديث الآحاد أو بمصاحف الآحاد. مصاحف الآحاد تأتي هذا الترتيب متواتراً. ثم بعد ذلك هذا الاختلاف لا يترتب عليه ثمرة، لأنه لا يجوز تغيير هذا الترتيب، لا واقعاً ولا شرعاً. لا يجوز تغييره. هو باقٍ على هذا الحال. "إن علينا جمعه وقرآنه". فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. "ثم إن علينا بيانه". يعني أن نعينك على أن تبلغه للناس، أن تبينه لهم. واسمع إلى الآية الأخرى في سورة الفرقان: "وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة". هم يريدونه مرة واحدة ينزل مرة واحدة. فقال الله تعالى في الرد عليهم: "كذلك لنثبت به فؤادك". يعني الحكمة من تنزيله منجماً تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: "ورتلناه ترتيلاً". أمم. فظني والله أعلم أن الترتيل المقصود هنا هو ترتيبه كما أراد الله سبحانه وتعالى في آخر أمره، لما استقر الحال على الترتيب الذي نعلمه. لأن لهذه الآية نظيراً آخر يشير إلى شيء مكمل، وهي قوله تعالى: "وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً". هنا في سورة الإسراء قال: "ونزلناه تنزيلاً". ت. فهو فهذا التنزيل يتعلق بالتنجيم. نعم. إلى السماء الدنيا بحسب الحوادث. نعم. وأما في آية سورة الفرقان: "ورتلناه ترتيلاً". هذا في الترتيب الذي نعلمه الآن. جميل. لأن الترتيل أو الرتل هو النسق. أم. أو حسن النسق. الله. وما أخذ من رتل الإبل، لأن الإبل إذا تتابعت فهي رتل. نعم. متتابعة. بعض الناس يفهم قوله تعالى: "ورتل القرآن ترتيلاً" على أنه الترتيل في القراءة. فيحسب. لكن انظر أنه ترتيل لحروفه وجمله. ف أنت تحسن لفظها حتى تكون متمايزة، لا دمج فيها ولا خلط. نعم. قال ابن عباس: "فالسر أبينه بياناً". بعض المفسرين يقول: "قراءة مفسرة". "ورتلناه ترتيلاً". "بينه بياناً". لكن أيضاً هذه الآية، حتى نعلم وظيفة السياق في فهم الآيات. هذه الآية وردت في قيام الليل في سورة المزمل: "يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً، نصفه أو انقص".
منه قليلاً أو زد عليه، ورتل القرآن ترتيلاً.
وعندنا شهد هنا في تفسير القرآن أو تفسير السنة للقرآن من غير إشارة مباشرة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من نام عن ورده، فليقضه نهاراً". لماذا يفعل ذلك؟ هذا السؤال، تفكر فيه. لماذا يفعل ذلك؟ لماذا يطلب منه ألا يفوت ذلك الحزب الذي فاته بالليل؟ لماذا؟ حتى لا يختل النسق. نعم، حتى لا يختل التحزيب الذي تسير عليه. نعم.
فأنت إذا ترتله ترتيلاً بترتيل حروفه، وترتل ترتيلاً بترتيل جمله بحسن الوقف ومراعاة الفواصل. إن أردت الفواصل، لأن الفواصل متشابهة. نعم، ومراعاتها حسن، ليبقى هذا التشابه يعني مفيداً في وقع القرآن على الأسماع. نعم، ومراعاة الوقف. فأنت تنبذ أو تلقي الآيات النبذ، هنا بمعنى الحسني، بمعنى الإلقاء. نعم، جملة جملة في نسق حسن مستقر، ظم. لأن التفاوت هذا، تعرف بعض الناس إذا قرأ يشرق ويغرب ويرفع وينزل ويخلط في المقامات. يعني مثلاً، أنا لي مقالة عن الشيخ الحصري، فمما لاحظته، مقالة بعنوان "فن تغنى بالقرآن عند الشيخ الحصري" رحمه الله عليه. مما لاحظته في تلاوته أنه مفرد قراءة ومقاماً وطبقة. إذا قرأ، خلاص، مرا. في في الجلسة الواحدة يقرأ بقراءة واحدة. نعم، وفي الغالب يقرأ بمقام واحد. نعم، وفي الغالب يقرأ بطبقة واحدة. أي إذا صعد من من القرار إلى الطبقة الذي التي يستقر فيها، يستمر عليها إلى أن يختم. إلى أن يختم. يعني لا ينزل في الطبقة إلا إذا ختم. هذا الانتظام مهم جداً. يعني يعمل في في أثره في النفس. يعني كأنه نوع من الإلحاح على نمط واحد بالطرق المستمر في نمط واحد. يعني أنت إذا سمعت إلى القراء الكبار، لا يتركون المقام حتى يشبعوا منه. أم أنه مش رايح جاي رايح جا، لا يخلطوا كثيراً؟ خليك شويه، خليك. نعم، لأن النفس في تنقلاتها يعني لها مزاج. النقل السريع والكثير هذا مزعج ومشتت للانتباه. لكن الاستمرار على النمط الواحد في السرعة وفي طبقة الصوت وفي المقام، هذا يريح النفس. يعني هذا شيء من الذوق. وأنا أظن والله أعلم من الترتيل، لأن الترتيل إذا كان حسن النسق، فهذا من حسن النسق. مراعاة هذا الانتظام.
وعلماءنا يقولون: "واللفظ في نظيره كمثله". أي لابد أن تكون الأشياء المتناظرة في التلاوة متساوية في الأحكام. فأنت تعطي كل شيء ما أعطيت نظيره فيما تلوت. نعم. إذاً، الترتيل في نطق الحروف، والترتيل في إلقاء الجمل بمراعاة الوقف وفواصل الآية، والترتيل في التحزيب، أي أن يكون لك ورد مستقر ومستمر لا تقطعه ولا تخلّه، لأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. فإذا فهمنا الترتيل على هذا، كان شاملاً. نعم، لكل هذه النواحي. ثم نرجع إلى آية سورة الفرقان: "ورتلناه ترتيلاً". والله أعلم بناه على هذا النظام الذي استقر عليه في العرضة الأخيرة، كما نعلمه الآن من الفاتحة إلى الناس.
طيب شيخنا، يعني أغلب الناس ظ قصار الور بترتيبها أو كما هي، أحيااناً مفصل إلى نهاية المصحف. وأغلب هذه الور مكية، وفيها ذكر معاني الإيمان الكبرى والبعث والنشور وملاقاة الله عز وجل. ف وأحياناً بعض الناس زهد في قصار الصور أيضاً لكثرة تكرارها عليه أو كذا. فكيف هذا المفصل؟ يعني ممكن بحكم أنه المألوف بين المسلمين يفعل مفعوله في النفس الإنسانية. وبهذا الترتيب وهذا الترتيل وهذا الإجلال وما فيه في المعاني، يعني شيء عن المفصل هكذا يستحضره الإنسان. لأنه أغلب صلواتنا وقراءاتها بالمفصل. يعني نعم.
سبحان الله. والأطفال يبدون في تعلم القرآن بالمفصل، كما ذكرت في أول الكلام. المفصل على سهولته على الأطفال الصغار بسبب قصر الآيات، لأن الطفل الصغير نفسه قصير. نعم، والآيات قصيرة هنا. فهو قل أعوذ برب الناس يستطيعها. أذكر أنه عندنا في الكتاتيب من عادات الناس أنه إذا وصل الطالب إلى لم يكن الذين كفروا، صنعوا له حفلة. خلاص، ختم. لا، لأن سورة البينة قريبة في نمطها من السور الطويلة. صحيح. مع أن سورة البينة ليست رأس حزب ولا رأس جزء ولا شيء. يعني ليست يعني في العادة مثلاً يحتفلون بجزء النبأ، بجزء تبارك، بجزء قد سمع. طيب، لماذا الاحتفال بالبينة؟ الاحتفال بالبينة لأن نمط البينة أولاً فيها تشابه وفيها صعوبة. ومن ناحية أخرى، نمطها يشبه السور الطويلة. فإذا إذا حفظت البينة على تشابهها وطول آياتها وأنت صغير، فأنت مؤهل لأن تحفظ القرآن. ما شاء الله. يعني كأنها التجربة الأولى أو الاختبار الأول الصعب. أول اختبار صعب في حفظك القرآن الكريم. فقصار السور الله سبحانه وتعالى تحدى الناس بالسور. لم يتحدى الناس بالكلمات ولا بالجمل. الله تحداهم بالسور. وهذه السور منها الطويل ومنها القصير. والطويل أنواع: الطوال والمئون والمثاني. نعم. وعندنا المفصل. فكل سورة متحدا بها، حتى كوثر. ولو كانت "إنّا أعطيناك الكوثر" في قصرها. يعني هذا ليس تقديراً من شأنها. هي سورة من سور القرآن. نعم، لأن الله سبحانه وتعالى أراد لكتابه أن يسور بالسور. يعني لابد لهذا التسوير من حكمة. فهو من ناحية متحدا به. يعني الله سبحانه وتعالى تحدى الناس بالسور كلها. نعم، بطويل وقصيره. ولو بسورة "إنّا أعطيناك الكوثر" أو "والعصر إن الإنسان لفي خسر" أو "إذا جاء نصر الله والفتح". هذا كله متحدا به. كله متحدا به. نعم.
يعني مثلاً على سبيل المثال، نذكر هنا أن السورة التي ذكر فيها الكثرة هي أقصر سورة في القرآن الكريم. أقصر سورة في القرآن الكريم. عدد كلمات الكوثر. الكوثر. نعم. عدد كلمات وعدد حروف وعدد آيات. لأن ثلاث آيات يشاركها في هذا العدد العصر والنصر. نعم. إذا جاء نصر الله. لكنها تقل عنهما في عدد الكلمات. أمم. وفي عدد الحروف. فهي عشر كلمات. عشر كلمات لغوية. واثنتان وعشرون كلمة نحوية، إن أردت تفصلت، لأن الكلمات النحوية غير الكلمات اللغوية. فأقصر سورة في القرآن الكريم هي التي ذكر فيها الكثرة والوعد بالكثرة. إن الله سبحانه وتعالى يعد نبيه صلى الله عليه وسلم، يعد المسلمين بكثرة الأجر وكثرة الفضل وكثرة العلم وكثرة الدرجات وكثرة الأتباع. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة". نعم. وهو موعود بهذه الكثرة. حتى أن السورة التي بعدها هي سورة الكافرون. نعم. أي أنت في غنى عن هؤلاء الكافرين. نعم. يعني وعدك الله بكثرة الأتباع المهتدين، ولو كره الكافرون. نعم. فالله غني عنهم، والإسلام غني عنهم. فليبقوا على كفرهم. نعم. "لكم دينكم ولي دين". يعني هذا لن ينقص من ديننا ولا من أمتنا شيئاً. لن ينقص ذلك. نحن موعودون بالكثرة وسيستبدل الله بهم غيركم. وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم. يعني هذا كله في الإسراء. هذا جزء من العلاقة بين الكوثر والكافرون. أي نعم. نعم. نعم. سبحان الله.
القصار هذه مجال واسع. سبحان الله. للتدبر. لأن قلة الكلمات والجمل والحروف فيها تجعل المعاني أغزر والحاجة إلى الغوص وإلى البحث وإلى النظر أكثر. نعم. لأن الآيات في يدك قليلة. كلمات معدودات. فماذا وراء هذه الكلمات من بحار؟ نعم. من المعاني، من الإشارات، من التعليم، من الموعظة، من التذكير. كثير كثير جداً. ف يعني كيف أنه تحدى الناس بهذه السورة القصيرة؟ أين أين الإعجاز فيها؟ أين التحدي فيها؟ كيف عجز الناس عن أن يأتوا بمثلها؟ هذا مجال للنظر ومجال للبحث. نعم. نعم.
طيب شيخنا، نختم بسؤال ونريدك أن تستفيض فيه. يعني عن آية من آيات الله تجد فيها وقعاً في نفسك، من أرجى الآيات عندك، أو تدمن النظر فيها، قد يكون أكثر من آية. وما فتح عليك فيها من المعاني. لا أقول إن هناك آية هي يعني وحدها يعني يعتني بها الإنسان. يعني لأن القرآن كله سواء، وكله شفاء ورحمة ونور وموعظة. نعم. يستوقف المرء من الآيات بعد الآيات المواقف المختلفة. لكن هو من من مزايا القرآن أنه ومن إعجازه أنه لا يتفاوت. وهذا معنى من معاني تشابهه. لأنه لأن كلام البشر يتفاوت. البليغ والشاعر والخطيب [موسيقى] المسقعة البليغ من البلغاء يتفاوت. القصيدة يعلو ويهبط في القصيدة الواحدة وبين القصيدة والقصيدة. وفي الخطبة أو المقالة أو ما شئت من أنواع القول. ف البلغاء يتفاوتون في في أحوالهم فيما يقولون أو يكتبون. ولا تتفاوت آية وآية نصوص أدبية. لكن القرآن لا يتفاوت آية وآية ولا عموم السورة. كله نمط واحد في البلاغة والإعجاز. وهذا لا يوجد في كلام البشر. هذا جزء من إعجازه. لأن لأن كلام البشر يتفاوت. الكاتب الواحد والقائل الواحد يتفاوت كلامه. فيكون بعضه في مرتبة عالية وبعضه في مرتبة وسطى وبعضهم في مرتبة دنيا. لكن كلام الله كله في مرتبة واحدة. كله يعني لا يتفاوت على الإطلاق. الطويل في السور الطويلة وفي السور القصير. ما كان في الأحكام وما كان في القصص وما كان في شؤون الآخرة وما كان في الموعظة وما كان في مشاهد الكون وما إلى ذلك. لكن لا شك أن الإنسان أحياناً تستوقفه آية. هذا يتعلق به هو، ليس بالقرآن الكريم. أن هذه الآية ليست كبقية الآيات. كله فيه عجائب. ولكن أنت استوقفتك في هذا الموقف آية. يحدث هذا. أنا أذكر مثلاً كنت أتلو في التراويح، فكانما ارتج علي من شدة وقع الآية وهي قوله تعالى: "سيجعل الله بعد عسر يسراً". هذه الآية تمر علينا كثيراً ويمر غيرها من القرآن علينا. لكن في في موقف من المواقف تجد أثرها في نفسك. نعم. ووقعها على قلبك وكيف ينفعل بها ذهنك ونفسك. هذه الآماد. هذا الوعد الكبير. انظر إلى السين. "سيجعل الله". أولاً هو يعدك بشيء في المستقبل. ثم الخلق خلقه والجعل جعله. ليس لأحد شيء في هذا. "سيجعل الله بعد عسر". يعني العسر الذي أنت فيه مهما كان. سيجعل الله بعده يسراً. على التنكير فيهما. نكر هذا ونكر هذا. هذا بعد عسر يسراً. وهذه الألف للإطلاق هكذا. كأنها تشير إلى الآمال الواسعة واليسر الكبير الذي وعدت به. فإذا تأملت مثل هذه الآية واستشعرت الوعد. الوعد الذي يعده الله سبحانه وتعالى عباده بالتيسير. نعم. وتحويل الحال من حال إلى حال. فنفس تنفعل بهذا. تفعل بهذا كثيراً. ويجب على كل منا أن يتذوق القرآن على هذا النحو. هو لا يحدث في كل الأحوال. يعني الإنسان نفسه تمر به أحوال من التفاوت يعني في استقبال القرآن وتلقيه. لكن على قدر ما نستجمع الذهن ونقبل على القرآن ونتطلب برغبتنا وتشوفنا لما فيه يكون أثره في نفوسنا ويكون تلقينا له.
طيب بس يعني في موضوع المفاضلة الآثار والأحاديث أن في بعض الآيات أعظم من بعض. أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال آية الكرسي. قال لك العلم أب المنذر. نعم. لأن بعض الآيات لها تعلقات بمعانٍ عالية. يعني الآيات التي تتعلق بصفات الله سبحانه وتعالى هي تفاضل غيرها من الآيات بهذا البأسماء. نعم. بأسماء الله سبحانه وتعالى لتعلقها بهذا المعنى. فهي أعظم آية مثلاً. آية الكرسي أعظم آية في القرآن الكريم. لأن هذا الأصل. يعني القرآن في نفسه في هداياته وفي أنه كلام الله سبحانه وتعالى هو واحد ونمط واحد في بلاغته وإعجازه وهدايته. ونمط واحد. لكن التعلقات للمعاني تختلف. نعم. تختلف. ف هذه آية مثلاً سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن. عشان المعنى. المعنى مش عشان النظم. لا لا. النظم والإعجاز واحد. من الفاتحة للناس. الواحد لا فرق. نعم. لكن الآيات التي تتعلق بالتوحيد، بتعريفنا بأسماء الله سبحانه وتعالى، بتعليمنا كيف نثني عليه. أمم. كيف نذكره. كيف نقول إذا أثنينا عليه. لأن الثناء على الله سبحانه وتعالى ليس سهلاً. يعني الله سبحانه وتعالى يعلمك كيف تثني بكلامه سبحانه وتعالى وبكلام نبيه صلى الله عليه وسلم. وكله وحي. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نحصي ثناءً عليك". لا نحصي ثناءً عليك. الوقف هنا يعني هذه جملة مستقلة. اه. "لا نحصي ثناءً عليك". أنت كما أثنيت على نفسك. أنت هذا مبتدأ. "لا نحصي ثناءً عليك" هذا إظهار العجز. ثم بعد ذلك أنت مبتدأ. هذا خبره. أنت كما أثنيت على نفسك. يعني لا نستطيع أن نقول إلا ما قلت. يا الله. لا نثني عليك إلا كما تقول. ليس لنا قدرة. نحن عاجزون. من أين لنا أن أن يكون لنا تعبير عن هذه المعاني بغير تعليم من الله سبحانه وتعالى. نعم.
الله يجزيكم الخير شيخ محمد. أحسنتم إلينا. أكرمتنا بهذا اللقاء. ونسأل الله أن يكون لقاءً نافعاً وأن يكون في موازين حسناتك وحسنات. الله يجزيكم الخير. شكراً جزيلاً. حياك الله. بارك الله فيك. ختام الحلقة نحب اللي احنا نسمع في الاستديو شيء من آية الذكر الحكيم نختم به هذا المجلس الطيب. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. سبح اسم ربك الأعلى. الذي خلق فسوى. والذي قدر فهدى. والذي أخرج المرعى. فجعله غثاء أحوى. سنقرئك فلا تنسى. إلا ما شاء الله. إنه يعلم الجهر وما يخفى. ونيسرك لليسرى. فذكر إن نفعت الذكرى. سيذكر من يخشى. ويتجنبها الأشقى. الذي يصلى النار الكبرى. ثم لا يموت فيها ولا يحيا. قد أفلح من زكى. وذكر اسم ربه فصلى. بل تؤثرون الحياة الدنيا. والآخرة خير وأبقى. إن هذا لفي الصحف الأولى. صحف إبراهيم وموسى.