Transcription
السلام عليكم ورحمه الله. كثير من السياسيين عندما يجلسون مع المثقفين أو عندما يتحدثون [تنحنُح] إليهم، يعتقدون بأن المثقف أو الأكاديمي هو رجل سطحي أو رجل بسيط أو مثالي. وبالتالي، أنا سمعت كثيراً من السياسيين آراءهم في الأكاديميين وفي المثقفين باعتبار أنهم يعني شخصيات طيبة، ولكن تعوزها الـ، يعوزها العمر، وتعوزها التجربة والخبرة.
لماذا هذا التفكير؟ لأن السياسي عادة يتعامل مع الضرورات. السياسي يريد أن يتخذ قرارات في أمور واقعية يراها أمامه، ويريد أن يخرج من هذه الضرورات وهذه الإشكالات وهذه المخاطر بمصالح معينة. ولذلك يركز كثيراً على الخروج من المأزق أو تجاوز الواقع أو حل المشكلة أو الحصول على مغنم أو مكسب بشكل واقعي. وهذه الكلمة ضرورية هنا في هذه الحلقة، لأننا سنناقش مفهوم الواقعية ومفهوم المصلحة، باعتبار أن الواقعية والمصلحة من المصطلحات التي يتم تداولها عادة في عالم السياسة ولدى السياسيين كمعيارية أساسية لحصافة و الذكاء والفطنة والذهاء.
في الحقيقة، أود أن أعود، أعود بكم إلى القرن الـ 16. لماذا؟ لأنه القرن الـ 16، أي في بدايات القرن الـ 16، كان هناك شخص مهم جداً في، سوف يعني يتم تناول اسمه كثيراً في هذه الحلقات، اللي هو ميكافيلي. ميكافيلي هو يعني رجل كان دبلوماسياً، ثم عانى من إشكالات كثيرة جداً. إيطالي طبعاً، كان يعيش في مدينة فلورنسا. ففي فلورنسا هذه كان هناك أمير، اللي هو ينتمي إلى عائلة مهمة جداً، اللي هم دي ميديتشي. ميديتشي هذه عائلة من العوائل المهمة التي حكمت فلورنسا في عصر النهضة. ولورينزو، لورينزو ميديتشي، اللي هو كان أحد أمراء أو هذه العائلة، وكتب ميكافيلي كتاباً للورينزو ديمديتشي يتكلم فيه عن أخلاق الأمير التي ينبغي على لور، ورينزو أن يتحلى بها من أجل أن يوحد إيطاليا، ومن أجل أن يحصل على الأسبقية بين كافة أمراء الإمارات المختلفة في إيطاليا في ذلك الوقت. وإيطاليا كانت طبعاً مقسمة، وبقيت مقسمة إلى عهد متأخر.
طبعاً كتاب ميكافيلي هذا، اللي هو ميكافيلي توفي 1527 للميلاد، يعني في بدايات، كتب الكتاب في بدايات القرن الـ 16. القرن الـ 16 كتب كما قلت لظرف محدد و لأمير بعينه في زمن كان يعج بالخلافات في إيطاليا. لكن تحول بعد ذلك كتاب ميكافيلي إلى مدرسة فكرية في عالم السياسة، الميكافيلية، التي تتكلم عن الواقعية السياسية. وشعارها طبعاً المعروف لدينا جميعاً أن الغاية تبرر الوسيلة.
الواقعية السياسية التي بدأت مع ميكافيلي هذه تطورت عبر الزمن وأخذت عمقاً، وتجه أنها أصبحت هي في الحقيقة الفلسفة الأساسية أو الرئيسية التي ينتمي إليها معظم القادة ومعظم الزعماء والمسؤولين في المنظومة الغربية وصولاً إلى عهدنا المعاصر. يعني فالواقعية السياسية هي المدرسة الأساسية. طبعاً بالمقابل هناك المثالية التي يمثلها أيضاً مجموعة من الأشخاص ومن الزعماء ومن الفلاسفة، وتنتمي إلى عالم أكثر أخلاقية، ولكنها من صميم التجربة الأوروبية الغربية، وليست بالضرورة كما هي الأخلاقية في المنظور الذي سنتحدث عنه عما قريب.
ميكافيلي هذا عاش في بداية القرن الـ 16. في نفس الفترة تقريباً، نحن بنتكلم 1550 تقريباً، كان لدينا عالم آخر ومثقف كبير وفيلسوف مهم جداً. هذا الرجل كان يسمى علاء الدين ابن الحناني. وعلاء الدين هذا ليس معروفاً لدينا تقريباً، معظمنا، لأنه كان فقيهاً وعالماً حنفياً في تركيا في الدولة العثمانية في ذلك الوقت، في زمن السلطان سليمان القانوني. أي في اللحظة الذهبية، لحظة تألق الدولة العثمانية. كما تعلمون السلطان سليمان القانوني كان من أعظم سلاطين الدولة العثمانية في ذلك الوقت.
أيضاً هذا الرجل الذي يسمى هنا تعريفاً بقنالي زاده، أي كتب كتاباً أيضاً لأمير. يعني هو ميكافيلي كتب للورينزو ديمديتشي كتاباً ينصحه. وصاحبنا هذا اللي هو علاء الدين قنالي زاده كتب كتاباً إلى الصدر الأعظم في ذلك الوقت، الذي كان يسمى سعيد باشا في زمن السلطان سليمان القانوني. وهذا الكتاب اسمه أخلاق علائي أو الأخلاق العلائية. لماذا سمي كذلك؟ لأنه على عادة الكتاب العظام في ذلك الوقت الذين كتبوا في السياسة، كان ينسبون الكتاب إلى الـ، مثلاً نصير الدين الطوسي، أخلاقي نصيري. فهذا كتاب أخلاقي علائي. علائي هو علاء علاء الدين نفسه، يعني. أي أن هذه منظومة الأخلاق كما يراها علاء الدين.
فالأخلاق العلائية، هذا الكتاب طبعاً للأسف حسب ما أعلم لم يترجم أي إلى اللغة العربية بعد، وإنما ترجمت منه مفاهيم ورؤى وتصورات. في الحقيقة هو امتداد للفلسفة الإسلامية في السلطة والحكم التي بدأت منذ عهد مبكر. طبعاً جذورها تعود إلى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده، ولكن تعمقت كفلسفة وكرؤية مكتوبة بعد ذلك عبر مجموعة من الفلاسفة الكبار في التاريخ الإسلامي مثل الفرابي في الأخلاق الفاضلة، وابن سينا، وابن مسكويه، ثم بعد ذلك عندنا الماوردي، وعندنا الجويني، وعندنا ابن خلدون، والطوسي، وغيره، غير هؤلاء من الذين كتبوا في أما ما يسمى بالأحكام السلطانية أو ما يسمى بفلسفة السياسة والحكم.
وجميعهم اتفقوا على مجموعة من القيم الأصلية المركزية الرئيسية التي عبر عنها قنزاده في كتابه الأخلاق العلائية في نفس الفترة تقريباً التي كان ميكافيلي قد كتب كتابه الأمير في فلورنسا.
إذاً، ماذا يقول قنزاده باختصار؟ المدرسة الإسلامية تتمحور حول أن السلطة هي فرع، أو السياسة هي فرع الأخلاق. هذه مسألة جوهرية موجودة عند كل علمائنا الكبار. أي أنه لا ينبغي لرجل أو امرأة أن يمارس، يمارس السياسة إلا باعتبارها نموذجاً أخلاقياً رسالياً منتداً. ليس علماً منفصلاً ولا حالة خاصة يتعامل فيها الإنسان مع السلطة فحسب.
وهذه فرق مهمة جداً. يعني الميكافيلية تقول بأن الغرض الرئيسي للأمير هو أن يحصل على، أن ينتصر، أن يحقق السيادة، أن يحقق وحدة المنظومة التي يعني يحكمها، أن يتسيد على غيره من الآخرين. فبالتالي أصلها متمركز حول القوة. القوة، الباور. أنت قوي وينبغي أن تبقى قوياً حتى تستطيع أن تتغلب. الأخلاق بالنظرية الميكافيلية هي في الحقيقة أداة وليست مقصد. بمعنى أنه لا بأس أنه الأمير يكون عنده شوية أخلاق من حتى يرى الناس أن فيه خلقاً فيحترموه، لكن ليست الأخلاق مرجعاً في الحكم على الأشياء. إنما في النظرية التي مثلها قنالي زاده، والتي هي امتداد للفلسفة الإسلامية العريقة في هذا المجال، الأخلاق هي السياسة والسياسة هي أخلاق. ولا يجوز الفصل بينهما. بمعنى لا ينبغي للسياسي أن يمارس عملاً يتعارض فيه مع الأخلاق.
وقنالي زاد تحديداً تكلم عن أربعة معايير للقائد. المعيار الأول قال أنه لا، قال ينبغي أن يتحلى بالحكمة، ثم الشجاعة، ثم لابد له من أن يكون متحللاً كذلك بالعدالة، العدل، ثم بالعفة. هذه الأربع قال عندما تجتمع في القائد يكون قد حقق المثالية المطلوبة في أن يكون قائداً سياسياً.
عند ميكافيلي القائد ينبغي أن يكون قادراً على التعامل مع اللحظة، على اغتنام الفرصة، على اكتساب الانتصار بغض النظر عن التكلفة الأخلاقية. وإن كان من المفيد أن يتحلى بقدر من المظهر أو التمظهر الأخلاقي، حتى التمظهر الديني، لكي يكون الدين والخلق هنا خادماً للأمير في سعيه لكي يكون مبرزاً بين الناس، وإنما ليس غرضاً يلتجئ أو مقصداً يلتجئ إليه في حياته السياسية. فلذلك ذلك أصبح لدينا حالة من الانفصال أو الفصام حتى في بعض الأحيان ما بين المنظومة الأخلاقية والدينية من جانب، وبين المنظومة السياسية المصلحية البراجماتية من جانب آخر.
بينما في الثقافة الإسلامية وعبر 1000 سنة من حكم المسلمين عموماً، المرجعية العليا الفلسفية والفكرية كانت تقتضي أن يكون أن تكون السياسة فرعاً من الأخلاق، وأن تكون امتداداً لرؤية رسالية وغائية الإنسان فيها فيه مآلات دنيوية وأخروية. وبالتالي لا ينبغي لها أن تنفصل بحال من الأحوال عن ذلك. هذه المدرسة أيضاً من قادتها ومن عظماءها طبعاً كما قلت لكم الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان دائماً يحرص على أن يكون منطلق كل فعل في عمله السياسي أو في رؤيته الاستراتيجية هو رسالي، بمعنى أن يحرر الإنسان وأن يخرجه من الظلمات إلى النور، وأن يعينه على أن يلتجئ إلى إلى نظام أسمى وأعلى من الدنيوية المادية.
وهذه النظرية في الحقيقة طبقها أصحابه رضي الله عنهم. يعني أنا قرأت مثلاً مرة لعمر رضي الله عنه قال إنه جاءه رجل فقال إن الناس لا يصلحهم إلا السيف. قال كذب، بل يصلحهم العدل. هذا الرجل بقول له لا، طبعاً هذا كان ممكن أن يكون ميكافيلي بامتياز. الرجل الذي يقول الناس لا يصلحهم إلا السيف، ميكافيلي بامتياز في الواقعية السياسية. هذا شيء يعني كثير مقبول. لكن بنظرية عمر في ذلك الوقت قال له بل يصلحهم العدل.
علي رضي الله عنه أيضاً له مقولة جميلة قال: "وإن في العدل لسعة". ا.هـ. من لا يرى في العدل سعة فلينظر إلى الجور، بأن الجور أضيق. يعني لا يمكن لنا أن نجد أفضل من العدل للسياسي سعة في إدارة أمور الدولة. ولذلك قال: "ألا إن في العدل لسعة، وإن الجور لا أضيق". يعني اللي ما بده عدل وبده يروح على الجور، قطعاً سيضيق على نفسه، لأنه الجور بالطبع سوف، الظلم يعني، سوف يؤدي إلى تأكل المنظومة، إلى تأكل المنظومة، ثم إلى تفككها، ثم إلى فساد النخب، ثم بعد ذلك إلى انهيار المجتمع. وبالتالي الظلم في الحقيقة مؤذن بخراب العمران. هذه العبارة التي قالها مين؟ ابن خلدون. الظلم مؤذن بخراب العمران.
واتفق أيضاً كل هؤلاء الذين ذكرت أسماءهم على على مجموعة أخرى من القيم. من بينها مثلاً أن الدولة وإن كانت كافرة وهي عادلة خير من الدولة المسلمة الظالمة. وهذه قالها علماء وقالها أناس كثر بطرق مختلفة. أي أنهم وضعوا العدل، العدل فوق كل اعتبار في مسائل السلطة والحكم.
هذه النظرية مختلفة تماماً عن النظرية الواقعية السياسية. لأن الواقعية السياسية تقول إن النظام وحفظ النظام مقدم على كل شيء. وأن العدل في الحقيقة يخدم مجيد. مش غلط لازم يكون في عدل، ولكن العدل يأتي من أجل المحافظة على النظام. بمعنى أن المقصد الأعلى هو مقصد تنظيمي، مقصد إداري، وهو النظام والحصول على حالة من من. لماذا؟ لأنه في النظرية الغربية، وبالمناسبة ميكافيلي رجل ما اخترع شيء جديد من رأسه، كما أن قنالي زاد لم يخترع شيئاً أيضاً جديداً. ميكافيلي كان وريث الفلسفة الأوروبية. الفلسفة الغربية القديمة التي بدأت في العهد الروماني، والتي كانت تمجد القوة، تمجد السلطة، تمجد السيف، وتعتبر أنه أن القوي الغالب لديه الحق في أن يمسك بأي سلطة أرادها بفضل قوته وبأسه.
ولذلك النظرية الرومانية في الحكم، وكما تعلمون الرومان أخذوا بعض الفلسفة من الإغريق، ولكن ليس كلها. فبعض فلسفتهم جاءت من الإغريق، لكن في موضوع السياسة هم مارسوها بواقعية مختلفة تماماً حتى عن الفلسفة الإغريقية اليونانية التي كان فيها قدر ما من المثالية أو قدر ما من الأخلاقية. ولكن في العهد الروماني تطورت إلى نظريات أو إلى ممارسات سياسية مجدت القوة ووضعتها في مركز الوعي ومركز الفعل السياسي. ثم تطورت مع المنظومات الأوروبية اللاحقة وصولاً إلى ميكافيلي التي صاغها في كتابه الأمير. وبعد ذلك بدأت الواقعية السياسية تغزو قصور الملوك والحكام والأمراء في أوروبا وصولاً إلى العهد الحديث في زمننا الذي نحن فيه.
أما في الزمن الإسلامي، فكان المنطلق منها من النبي صلى الله عليه وسلم منطلق أخلاقي رسالي غائي. ثم من بعد ذلك تطور عبر صحابته الخلفاء الراشدين، وبقي هو المرجع الفلسفي الأخلاقي الرئيسي في الحكم.
في واحد يجي يقول لي والله كان في فترات فيها ظلم وجانا الحجاج بن يوسف الثقفي والناس عندنا قتلوا وفتن كثير. هذا صحيح، ولكن لم يكن هناك خلاف على أن هذه حيدة عن الحق. هذه نقطة مهمة. بمعنى لم يأتِ من يقول إن الجور وإن التغلب الجائر هو في الحقيقة عدل، أو أنه حق، أو أنه يرضي الله والرسول، أو أنه يتفق مع روح الأمة. أبداً. يعني كل ما حدث من تجاوزات في العهود الإسلامية كان يرى على أنه حيدة أو ابتعاد عن ما ينبغي أن يكون عليه الحال.
إنما في الحضارة الغربية المعاصرة التي استندت كما قلت إلى الحضارة الرومانية في في موضوع القوة والسلطة، فالحق أن المتغلب القوي هو الذي يصنع الواقع والتاريخ. تاريخ. وبالتالي له السلطة لماذا؟ لأنه الفلسفة الغربية، وهنا نعود إلى هوبز. طبعاً أنا ما أريد أنه ندخل كثير في هذا الموضوع، لكن هي مقدمة مهمة لهذا لهذه المسألة. هوبز كان يرى أن الناس يعيشون في غابة باختصار، وأنه لابد من شخص يجي ويأتي ويتغلب من أجل أن يضبط الناس، لأن الإنسان عدو لأخيه الإنسان باختصار. وبالتالي بما أن الإنسان عدو للإنسان، الإنسان أصل أمره فيه شر، فلا بد من أن يضبط هذا الشر بمتغلب قاهر. ولذلك كتب كتابه المشهور ليفياثان، الذي يتكلم. ليفياثان هذا كائن أسطوري متغلب قوي قاهر، يتغلب على كل شيء ويتسيد. وبالتالي السياسة بالنسبة له هي تسيد متغلب قاهر يحتكر العنف ويحتكر كل شيء من أجل الوصول إلى السلطة.
إنما عندنا في الإسلام هذا الكلام غير مقبول باعتبار أن العدل، وأن الـ، وليش هذا الكلام مهم بالنسبة لنا؟ مهم لأنه كثير من السياسيين في زمننا المعاصر هم يتعايشون ضمن المدرسة الواقعية السياسية الغربية. بمعنى، يعني أنت لما تجلس مع وزير ولا رئيس ولا مسؤول، هو في الحقيقة يتعامل مع ترامب، أو يتعامل مع الإدارة الأمريكية، ويتعامل مع الاتحاد الأوروبي، ويتعامل مع وزراء وسفراء، ويتعامل مع موازين قوة وضعها الغرب، هو المتغلب فيها. ولذلك لما تأتي تتكلم له عن مجموعة من القيم ذات الـ الأصول التراثية الإسلامية، يرى في ذلك سذاجة. يرى أنك إنسان طيب مسكين، يعني جيد، واعظ حلو، لكن هذا لا قيمة له، لأنه أنا سوف أخرج من هذه الجلسة لكي أذهب بعد ذلك وأمارس السياسة وفقاً للمعايير الغربية الموجودة حالياً، وهي معايير ميكافيلي باختصار، معايير الواقعية السياسية.
من هنا سنحاول في هذه الساعة أن نتحدث عن إمكانية الخروج من هذا المأزق، مأزق الأخلاقية حسب مفهومنا الإسلامي، والواقعية البراجماتية الميكافيلية حسب المفهوم الغربي، وكيف يمكن للسياسي في زمننا المعاصر أن يتعايش مع الواقع البراجماتي السياسي بأخلاقية يستمدها من تراثه الإسلامي.
[موسيقى]
في زمننا المعاصر هناك شخصية مهمة استندت إلى التراث الميكافيلي وإلى تراثات أخرى في الثقافة الغربية، اللي هو هنري كيسنجر. أنتم تعرفون هنري كيسنجر، رجل اشتغل وزير خارجية في عهد نيكسون ومستشار للأمن القومي، وكان له تاريخ. الحقيقة أن مدرسة كيسنجر في الفعل السياسي في الحقيقة عميقة الجذور. هو أيضاً تعبير عن الثقافة الغربية. صاغها وكتب كتب كثيرة وعاش زمناً مديداً، يعني توفي من زمن قريب، يعني وعاش أكثر من 100 سنة تقريباً. وفي كتبه كان ينظر للفلسفة الواقعية السياسية بطريقة أصبحت كأنها هي المهيمنة والمسيطرة في الحقيقة على الفعل السياسي.
ولا شك أن كيسنجر من دهات الغرب، ولا شك أن لديه تاريخ في الممارسة السياسية كما تعلمون، ودهاء وذكاء أي فائق. وطبعاً هو ينتمي إلى مدرسة جاءت بعد الحرب العالمية الثانية بسبب خلفيته، لأنه أيضاً كان من اليهود الذين هاجروا من أوروبا الشرقية وعاشوا فترة من الـ أي من تحت العهد النازي، يعني بسبب الـ ما ما فعله هتلر في ذلك الوقت. وكان له دور كبير لاحقاً في بناء المنظومة الأمريكية التي تتعامل مع السياسة الخارجية، لا سيما في عهد الحرب الباردة وما تلاها. وكانت له آراء كثيرة، ومكتوبة. آخر كتبه ومن أهم كتبه في الحقيقة كتاب اسمه "ذا ليدرشيب"، القيادة. وأعتقد أنه كتاب مفيد، خاصة المقدمة. مقدمة هذا الكتاب مفيدة، وإن كنت ربما أختلف على التطبيقات حول الشخصيات التي اختارها. اختار ست شخصيات عالمية ليطبق عليها مجموعة من القيم. هذه مسألة مختلفة، لكن لا شك أنه من المفيد أن تقرأ مقدمة كتاب كيسنجر في القيادة. كتاب مترجم أيضاً للغة العربية.
أنا أقتبس عبارة لكيسنجر وأريد أن أحللها. يقول كيسنجر: "السياسة بلا ضمير أقرب إلى الجريمة، والسياسة عمل براجماتي من أجل غايات أخلاقية". قال: "السياسة بلا ضمير أقرب إلى الجريمة، والسياسة عمل براجماتي من أجل غايات أخلاقية". هذا، هذه العبارة برايي كيسنجر شخصياً لم يعشها. أنا شخصياً أرى ذلك، يعني من قراءة لمسار حياة كيسنجر، خاصة فيما يتعلق بنا معشر العرب والمسلمين، بما يتعلق بالقضية الفلسطينية، بما يتعلق بحرب أكتوبر، وأشياء كثيرة كان هو فاعل استراتيجي أساسي فيها. كان الرجل مراوغاً، كان رجل أي بلا ضمير. أي لا شك في ذلك. فهو، هو عندما يقول: "السياسة بلا ضمير أقرب إلى الجريمة"، برايي أنه يعرف ما يقول. وأول ما تنطبق هذه العبارة على السيد هنري كيسنجر شخصياً، الذي فعلاً مارس كثيراً من الجرائم المتعلقة بنا معشر العرب والمسلمين خدمة للمنظومة الأمريكية والدولة الصهيونية.
على كل حال، عندما يقول إن السياسة عمل براجماتي من أجل غايات أخلاقية، ماذا يقصد؟ هو بالنسبة له الأخلاق ليست الأخلاق التي أنا وأنت متفقين عليها، اللي هي الأخلاق التي ذكرها قنزاده فيما يتعلق بالحكمة والعفة والعدالة والشجاعة. هو يتكلم عن أخلاق أخرى، أخلاق المؤسسة، أخلاق مؤسسية، أخلاق تخدم النظام. يعتبر أنه كل عمل يؤدي إلى ترسيخ النظام، النظام الدولي أو النظام المحلي أو النظام النظام الدولي طبعاً الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، مش النظام الدولي اللي في ذلك الوقت يعني الاتحاد السوفيتي ولا الصين. هو بالنسبة له أن الليبرالية الغربية أو المنظومة الغربية، لنقل الفلسفة الغربية هي أفضل وأروع ما يمكن أن يحدث. وبالتالي النظام المبني على تلك الفلسفة هو في الحقيقة ما أخلاقية. أن أنت خدمته، فأنت قمت بفعل أخلاقي. ولا يقصد بالأخلاق هنا العدل على سبيل المثال بشكله المطلق. لا يقصد بذلك الغايات الأخرى أو المآلات التي يستبطنها الفاعل السياسي المنتمي إلى وعي إسلامي على سبيل المثال، لأنه يرى أن ذلك مثالية غير قابلة للتحقق.
فبالتالي السياسة عمل براجماتي من أجل غايات أخلاقية. طيب، هذا كلام يقوله كيسنجر وأنا أرى أنه أي جميل. "السياسة عمل براجماتي من أجل غايات أخلاقية". إن أعدنا تعريف الغايات الأخلاقية وفقاً لمفاهيم الأخلاق المطلقة، وليست أخلاق نسبية تتعلق بخدمة المنظومة. لأن الأخلاق كما قلت لكم بالنسبة له حفظ النظام، حفظ النظام الدولي وحفظ الواقعية السياسية والحيدة عنها يعتبر لا أخلاقية. بمعنى لو الإنسان كان محترماً زيادة عن اللزوم، بالنسبة له لا أخلاقي. يعني الأخلاقية إذا هي أخلاقية براجماتية أي منتمية إلى عالم أي تفصيلي يؤمن بالنجاح ولا يؤمن بالفلاح. والفرق بينهما كبير. النجاح أنك أنت تنجح في هذه القضية تحديداً، أنك أنت في هذه المعركة تكسبها، وبغض النظر عن الثمن، بغض النظر عن الوسيلة. فالغاية هنا أن تكسب.
لكن بالنسبة لنا الفلاح، وهو مصطلح قرآني يعني بالنهاية "قد أفلح المؤمنون". الفلاح هو أن تحصل في الدنيا على ما يمكنك في الأمد البعيد، في المآلات البعيدة، سواء الدنيوية أو الأخروية، أن أن تفلح. فالفلاح هنا ليس نجاحاً قصير المدى، بل هو فلاح ممتد في الزمن. فلاح ممتد بالزمن. لماذا؟ لأن في النظرية الإسلامية بالأساس الفاعل السياسي هو جزء من منظومة فعل ممتدة منذ التاريخ إلى الواقع إلى المستقبل. وليست مسألة نجاح مؤقت.
في المنظومة الواقعية الغربية، أن تعلم مع واقع. وبالتالي الواقع هو الأصل، والتاريخ يخدم الواقع، والمستقبل ينبغي أن يتكيف لخدمة هذا الواقع. بالتالي أنت تتعامل مع الآن، فالأنانية أو الراهنية في الوعي الفلسفي الغربي مهمة جداً. بينما عندنا في الإسلام الزمن الممتد. لماذا؟ لأنك جئت ضمن سلسلة طويلة من أناس فاعلين فعلوا من قبلك أشياء معينة، وأنت جئت لكي تقوم عليها، ثم نأتي إلى المستقبل. وهذا ما يسمى بالائتمانية. بمعنى أننا نعيش، أن السياسة أمانة. أمانة أنت تحمل هذه الأمانة. مارسها من قبلك أناس، تمارسها الآن، وتمارسها من بعدك آخرون. والخد، والأمانة هذه لخدمة الأمة، لخدمة الإنسانية، لخدمة الخلق، لخدمة القيم. وبالتالي الائتمانية هنا كما ذكرها أستاذنا طه عبد الرحمن هي أصل صلب الأمور كلها فيما يتعلق بالسياسة.
بينما في البراغماتية الأخلاقية السياسية الغربية، كما قلت لكم، الواقعية هي الراهنية هي الأساس. من هنا ننتقل إلى شيء في غاية الأهمية. علماؤنا المسلمون عندما تكلموا عن، خاصة الإمام الشاطبي، وهو من أعظم العلماء الذين تكلموا عن المقاصد، تكلم عن أنه لابد من تحقيق العدل وحفظ مقاصد الشرع. حفظ مقاصد الشرع المقصود بها حفظ [أصوات شخير] الدين والنفس والعقل والمال وكذلك النسل. هذه المقاصد الضرورات الكبرى التي رآها الإمام الشاطبي كضرورات من أجل أن يقوم المنهج. المنهج يقوم من أجل هذه الضرورات. بالتالي هذه المقاصد العليا ينبغي أن تستحضر دائماً في أي منظومة تتعاطى مع الشأن العام، سياسة أو اقتصاداً أو اجتماعاً أو أخلاقاً عامة أو ثقافة.
ومن هنا مركزية. وهذه المركزية تنشب أو تـ، تـ، تـ، تـ، تـ، تـ، تـ، تـ، تنسح أو تندرج في كل المجالات العامة. فبالتالي هناك منظومة وحدوية، منظومة أحادية واحدة تتداخل في كل شيء. ولذلك في انسجام. انسجام أولاً زمني، بمعنى أن الماضي والواقع والمستقبل ضمن من خيط مستمر من التمحور حول تلك الأخلاقية. وهناك انسجام أيضاً فيما يتعلق في التفاعلات الإنسانية، باعتبار أن الفرد يستطيع أن يكون متفرداً بأمره دون الجماعة. ولذلك الفردانية عندنا لم تولد في في الثقافة العربية والإسلامية. الفردانية غربية. [تنحنُح] إنديفيجواليزم. فالفردانية هنا أيضاً هي وليد لنفس النظرية الواقعية السياسية. نفس النظرية التي ولدت الواقعية. إنما عندنا أن الفرد مقدر في ذاته، ولكنه في ذات الوقت هو جزء من مجموعة. ولذلك "أصلحكم هو أصلحكم للناس". وهذه مسألة في غاية الأهمية. فـ الاجتماع عندنا يتضمن الفرد، ولكنه أيضاً لا يجعل الفرد حاكماً على كل معايير الوعي الاجتماعي، بل بالعكس المجتمع أيضاً له دور مهم جداً.
وهكذا. فأنا عندما أنظر إلى المنظومة الإسلامية، منظومة ثرية جداً وغنية. وعندنا علماء كبار. لكن للأسف الشديد بسبب ضمور الواقع السياسي الإسلامي، بسبب أن الأمة في وقتنا الحاضر متفككة، بسبب أن الدولة الحديثة هي صناعة غربية، بسبب أن النظام الدولي الحالي هو نظام سنة برؤية فلسفية غربية إلى حد كبير جداً، ضمر عندنا الوعي السياسي الفلسفي الإسلامي وتضخمت لدينا الواقعية السياسية فقط بسبب أنها الآلة التي نتعامل بها في الواقع في الحاضر. ومن هنا تجاهلنا نحن تراثنا.
وأنا بتقديري أنه الآن نعيش نهاية هذه الدورة. لماذا نعيش نهاية هذه الدورة؟ لأني برايي اللي نحن شفناه في إبستين على سبيل المثال، والنخبة الفاسدة في الغرب، والـ الفردانية التي أوصلت الغرب إلى أن تفككت الأسرة وتفكك المجتمع، نهاية القيمية، وانتحار الأخلاقية في في غزة وما تبعها، والطريقة التي تعاملت بها النخبة الفاسدة عالمياً يعني مع الإبادة الجماعية في غزة، برايي كل ذلك يدل على أن الدورة الحضارية التي شكلت الواقعية السياسية بمفهومها الغربي وصلت إلى نهاياتها. هذا رأيي. وبرايي أنه نحن مقبلون على دورة حضارية جديدة تحتاج إلى وعي جديد. موجود عندنا أصول هذا الوعي. موجود عندنا قنالي زاده الذي كتب في زمن السلطان سليمان القانوني، والماوردي الذي كتب في زمن الدولة العباسية، أو الجويني، أو بعد ذلك وقبل ذلك الفرابي وابن سينا، كل هؤلاء وابن خلدون، كل هؤلاء لديهم شيء عظيم برايي يعني وكبير. لكن لم يتم استخدامه بالشكل المناسب لخدمة الواقع، لأنه بقي حبيس تجارب تاريخية سابقة. وجماعتنا الجدد السياسيين نظروا إلى التاريخ على أنه مثل انتهت. بينما كل العالم يعرف بما في ذلك الغرب أنه التاريخ هو الذي في السياسة وفي الاستراتيجية. التاريخ هو الذي يشكل الواقع. والذي لا يفهم التاريخ لا يفهم الواقع. والذي لا يفهم التاريخ لا يستطيع أن يستعد للمستقبل. وأمة بدون وعي تاريخي هي أمة لا مستقبل لها. هذه مسألة متفق عليها.
ولذلك كل كتب الاستراتيجيا والسياسة، حتى كيسنجر نفسه يعود إلى التاريخ. يعود إلى حقبة مترنيخ على سبيل مثاله. بس مارك ويقدس مترنيخ الشخصية المهمة جداً يعني في التراث الأوروبي اللي جاء بعد الحروب النابليونية وأعاد ترتيب أوروبا. لماذا يعودون إلى تاريخهم؟ لأنه يعرفون حقيقة أن أي منظومة سياسية بدون عمق تاريخي هي منظومة سطحية لا تستطيع الثبات. أما جماعتنا في كثير من الأحيان، فسياسيون غارقون في تفاصيل الواقع السياسي، ومثقفون غارقون في الفلسفة، ومن دون اتصال بين الواقع وما بين المستقبل. ولذلك أريد أن أقترح شيئاً.
طيب، هل بإمكاننا نحن أن نؤسس شيئاً نسميه "الواقعية المقاصدية"؟ لماذا أقول هذا؟ أنا أعترف أن الواقع اليوم في مشكلة. أن الواقع تحكمه معايير لم توضع من قبل أي علماء ينتمون إلى هذا الجيل الذي ذكر ذكرته. مش من جماعة قنالي زاده، ولا من جماعة الفرابي، ولا من جماعة الجويني، ولا ابن خلدون، ولا ما يحزنون. ناس يعني وضعوه في الغرب، وكويس جداً، ونحن مضطرون نتعامل معه. وبالتالي أنا لا أستطيع أن أفرض على السياسي المعاصر مجموعة من القيميات أو من القيم أو أخلاقيات التي ربما لا يستطيع أن يتعاطى معها. سيستمع إليّ، سيهز رأسه، يقول جزاك الله خيراً، ثم بعد ذلك ينطلق إلى مكتبه ويتفاعل مع الواقع السياسي كما شاء.
طيب، هل نحتاج أو هل يمكن أن نطور نظرية تحاول أن تأخذ هذا الواقع الذي لا نراه مثالياً، لا نراه خادماً لتراثاتنا، وبنفس الوقت أيضاً تؤسس لتحول تدريجي نحو ما هو أفضل؟ ومن هنا جئت بهذا المصطلح: "الواقعية المقاصدية". بمعنى أن تكون واقعياً في فهم الأمور، ولكن أن تكون أيضاً أن أن تعمل على تحريك هذا الواقع تدريجياً ضمن السقوف الممكنة نحو أن تصبح أفضل، أو أن تصبح أقرب إلى روح الأخلاقية الموجودة في تراثاتنا. هذه مسألة في غاية الأهمية. لأنه السياسي اليوم إذا ما كان عنده نظرية يشتغل بناء عليها، سيكون فقط سياسي ترانزكشنال، يعني سياسي وظيفي يقوم بالح ويموت وينتهي الأمور، ويجي من بعد واحد، لكن تستمر مأساة الأمة، تستمر الفرقة والضعف والتفكك والوهن، وتستمر إسرائيل في السيطرة على المنطقة.
إذاً، معنى ذلك أنت تحتاج كسياسي أنك تشتغل حسب الواقع. أنا مع ذلك، لأنه بدون ذلك ستفشل. لكن أيضاً هذه الواقعية تتحرك ضمن ما هو ممكن ومتاح نحو مقاصدية أعلى. وبالتالي لابد من بناء هذه المقاصدية وإعادتها مرة ثانية إلى العقل السياسي المعاصر وإسقاطها يأتي بالتدريج وصولاً إلى ما هو أمثل. نتحرك مما هو يعني واقعي إلى ما هو أمثل. وأعتقد أن هذا يحتاج إلى مجموعة من الرؤى، يحتاج إلى مجموعة من المفكرين المثقفين يتبنونه. لابد من تراتبية المصالح مثلاً على سبيل المثال. وأعتقد أنه في مصالح أهم من مصالح. لابد لنا من تقييد الوسيلة، لأنه الغدر والإبادة والإجرام والتعامل مع العدو ما إلى ذلك، هذه لا تخدم هذه المقاصدية. لابد لنا أيضاً من أن نستحضر المآلات. لأنه دائماً أنت كسياسي، أنت حتموت في يوم من الأيام وتنتهي، أو ربما تعزل. ولكن من بعد ذلك سيأتي آخرون ينظرون إلى الماضي ويقولون رحم الله فلاناً أو غضب الله على فلان. يعني هكذا الأمور يعني.
فنحتاج أيضاً أنه نعتصم بشيء مهم جداً، اللي هو الأمة. الناس. روح الأمة. ضمير الأمة. ضمير الأمة أفضل من ضمير السياسية قطعاً. ضمير المجتمع دائماً متقدم أخلاقياً على السياسي الواقعي الذي يؤمن بالراهنية السياسية. ضمير وروح الأمة دائماً صح، أصح في بوصلتها من النخبة السياسية. هذا عبر العصور بالمناسبة. ولكني مؤمن أنه الآن في هذه اللحظة بالذات، الأمة أيضاً تختزل تاريخاً وثقافة وديناً وحضارة وإنجازات عالمية حصلت في الماضي. وهذه جميعاً تحتاج إلى أن تصقل في آليات وميكانزمات تصلح لأن تطبق في واقع السياسة المعاصرة.
فإذا فعلنا ذلك، أعتقد أننا نخرج من أزمة الفصام ما بين السياسي الواقعي الذي يؤمن بالواقعية، وما بين المجتمع والأمة والمثقفين والنخب والعلماء الذين يقولون بالمقاصدية أو يقولون بالأخلاقية أو يقولون ببوصلة أكثر التزاماً وانتماءً إلى روح هذه الأمة.
[موسيقى]
نحتاج الآن أنه نسقط هذه المعاني على الواقع. يعني وفقاً لأمثلة معينة. أنا الحقيقة معجب بشخصية صلاح الدين، كما قلت لكم. وأعتقد أن لديه هذه الشخصية الفذة ينبغي أن تدرس. كان واقعياً في تقدير الأمور، في موازين القوة، وفي تعلمها عبر الزمن. طبعاً هذا رجل مر بمراحل. اللي بيعتقد أنه صلاح الدين الأيوبي مر بتجربة بسيطة وكانت سهلة، أبداً. هو رجل مر بتجارب مريرة في بعض الأحيان، أخفق في بعض الأحيان، انكسر في بعض الأحيان، هزم. يعني مثلاً معركة حطين جاءت بعد سنوات من هزيمة كبرى عانى منها صلاح الدين في في المعركة الأولى. أول ممارسة له ضد الصليبيين في معركة أظن اسمها تل الجزّر، هزم فيها هزيمة نكراء الحقيقة وقتل جزء كبير من جيشه، لأنه لم يكن قد قدر للأمور قدرها فيما يتعلق بالصليبيين. لكن بعد سنوات، ربما أقرب من سبع ثمان سنوات بعد ذلك، استطاع أن يبني نظرية جديدة في التعامل مع الصليبيين وتحول إلى حطين. وهذه يعني من الدروس المهمة سندرسها في لحظة ما.
لكن الـ الواقعية السياسية كانت حاضرة في ذهن القادة الكبار. كانوا واقعيين في تقديرهم للأمور. بمعنى الواقعية المرتبطة بمقاصدية. كيف صلاح الدين الأيوبي كان في ذهنه هناك مقاصد صدية واضحة. والمقاصدية الواضحة هذه كانت تقول في رسالة لصلاح الدين كتبها إلى المستضيء بالله، كان الخليفة [تنحنُح] هذا المستضيء بالله هو الخليفة العباسي. قال له: "وإن أمور السياسة يعني ق لا تصلحها إلا الشراكة". هذا في السياسة بالأيام الزمن العادي في شراكة، في ناس تعدد. ولكن في زمن الحرب لابد لنا من الوحدة. فقال إنه لابد لنا من وحدة، لابد من التدبير من خلال الوحدة من أجل الوصول إلى الـ التحرير، إلى تحرير فلسطين، القدس في ذلك الوقت يعني، إلى هزيمة الصليبيين.
فـ هو بشكل واضح يقول للخليفة المستضيء، المستضيء طبعاً في ذلك الوقت كتب له رسالة قال له: "يا أخي، أنت قاعد بتحارب في أو يعني تضغط على مجموعة من الأمراء اللي هم كانوا موجودين في الشام وبتحاول توحدهم، وهذا الكلام شوية يعني مزعج". وكتبوا لي الجماعة زعلانين. فكتب له صلاح الدين قال له: "أمور الحرب لا يصلحها إلا الوحدة". لو نحن كنا عايشين في وقت السلم، أنا بقول لك ماشي، ممكن يكون في عندنا مثل هذا التعدد. لكن لما يكون عندي تعدد وكل أمير من هؤلاء الأمراء يتواصل مع الصليبيين لكي يستعدي، أي يستعديهم على أخيه أمير أي المدينة المجاورة له، فهذه مسألة لا يمكن لنا من خلالها أن نحرر هذه الأرض. فلا بد من مبدأ قرة صلاح الدين، اللي هو تدبير وحدة التدبير.
أنا برايي هذا المصطلح مهم جداً: "وحدة التدبير في الحرب". كان ضرورة، هي استراتيجية في الحقيقة. لأنه كلمة استراتيجي عندنا ما دخلت في القاموس تبع صلاح الدين الأيوبي ولا، وأعتقد أنه كلمة التدبير قريبة جداً من هذا المصطلح. فهو هو قال إن استراتيجيتي في هذا الوقت هو الوحدة من أجل التحرير. هذا باختصار الذي قاله في هذه الرسالة للمستضيء بالله، الخليفة العباسي في بغداد. وبرايي أنه صلاح الدين الأيوبي كان لديه نظرية. وهذه النظرية المقاصدية جاءت أيضاً ليس من صلاح الدين شخصياً، إنما جاءت من من سبقوه. جاءت من نور الدين زنكي، من عماد الدين زنكي، من قبل ذلك من مولود حدود الحاكم الموصل، الذي أيضاً أول من قاتل الصليبيين أو من أوائل من قاتل الصليبيين. جاءت من إجماع الأمة في ذلك الوقت، من المقاومة الشعبية. وصلاح الدين الأيوبي ما جاء في فراغ، ولا نور الدين الزنكي جاء في فراغ. كان علماء الأمة وكان شباب الأمة يقومون بعمليات عسكرية ضد الصليبيين في ذلك الوقت خارج حدود ما تفعله الدولة. يعني كان في مقاومة شعبية في ذلك الوقت، لأن المنظومة السياسية كانت متفككة وفاسدة. بل المنظومة السياسية ساعدت على أن يتغول الصليبيون على أرضنا في الشام. ولكن صلاح الدين الأيوبي جاء لكي يتصالح مع المقاصدية الموجودة، يتصالح مع روح الأمة التي كانت حاضرة. هو ما جاء بشيء جديد، وإنما ولذلك التف الناس من حوله والتفوا من حول من سبقوه أيضاً مثل الزنكيين. يعني فهنا مسألة مهمة جداً.
واقعية صلاح الدين تختلف عن الواقعية البراجماتية الميكافيلية في أنه فهم أن التعامل مع الواقع يجب أن يتم بمنظور ينتمي إلى روح الأمة، وينتمي أيضاً إلى ما تتطلبه المصلحة العليا للأمة، وليس بالضرورة مصلحة النظام في حد ذاته، أو مصلحة الحاكم في حد ذاته. لأنه في كثير من الأحيان يفسرون الواقعية السياسية أنه أنا أنجو، أنا شخصياً، أنا كأمير، كرئيس، أنتخب في الدورة القادمة، بسرعة أعمل ما يمكن من أجل أن أحصل على الأصوات، بغض النظر إيش بيحصل في الدنيا من بعد ذلك. أو أنا أنجو بعائلتي، أو أنجو بالعائلة الحاكمة. وهذه مشكلة كبيرة جداً.
في النظر التي أراها عن صلاح الدين الأيوبي أنه كان لا يفكر بالنجاة الشخصية، أو بأن يكون هو في حد ذاته قد حقق إنجازات كبيرة. كان يفكر بزمن ممتد. وهذه اللي حكيت لكم عنها قبل شوي، الزمن الممتد. لأنه في الوعي الإسلامي عموماً، أنت جئت مؤتمناً على شيء فعله من قبلك أناس. فتلمته، ستقوم عليه لفترة زمنية معينة، ثم ستسلمهم بعد ذلك إلى قوم آخرين يأتون من بعدك. فأنت مؤتمن على شيء من مصالح الأمة، ولست حاكماً متسيداً قاهراً مستعلياً تؤول إليك الأمور وأنت متأله فيما تريد أن تفعل. هذا الكلام هو في الحقيقة لا يجوز لنا في الوعي السياسي.
وبرايي هذه الـ الواقعية بالمفهوم الأخلاقي الذي مارسه صلاح الدين أدت إلى الانتصار. لأنه في ناس بقول لك يا أخي الواقعيين هذول عمرهم أعفوا المثاليين. يا أخي القضية ليست مثالية. القضية أنك عندما تتصالح مع روح الأمة، تتصالح مع الأخلاق والوعي الجمعي للأمة، أنت في الحقيقة تقوى ولا تضعف. بل بالعكس. الدليل على أن الواقعية السياسية عندما طبقت في العالم الإسلامي أدت إلى أنها فاشلة، هو ما نعيشه اليوم. طب ما جماعتنا كلهم بيعتبروا أنفسهم واقعيين سياسيين. قادة العالم الإسلامي. طيب ليش واقعنا في العالم الإسلامي سيء؟ ليش نحن مفككين؟ ليش دولة صغيرة استطاعت بل تتحدث عن إسرائيل الكبرى؟ أي والسيطرة على الإقليم وإعادة هيكلة الشرق الأوسط؟
إذاً، هناك مشكلة. طيب، إذا كنا واقعيين، وإذا كنا جماعة براجماتيين، وإذا كنا كنا ما شاء الله متعلمين في أفضل المدارس والجامعات وقرأنا كتب كيسنجر وتعلمنا أشياء كه ورائعة. طيب، ليش وضعنا الآن سيء بهذا الشكل؟ برايي وضعنا سيء لأننا لسنا متصالحين مع الروح الموجودة في هذه الأمة ومع أخلاقياتها التي تعزز من القوة، والتي تصنع من الكيان الدولة تصنع منها نموذجاً حقيقياً قادراً على النجاح والفلاح. وأنا برايي أنه في مشكلة كبيرة جداً في العقل المعاصر السياسي، العقل السياسي العربي والإسلامي المعاصر، في أنه عندما نظر إلى الماضي نظر له نظرة تمجيد يعني ومثالية. ومع العلم أنه التاريخ كما تعلمون فيه ما هو مثالي وفيه ما هو غير مثالي. وهنا تأتي دور المثقف المعاصر. المثقف المعاصر والعالم يجب أن لا يمجد التاريخ، لكن يجب أن يدرسه، يلته، يستلهم منه العبر، يقتدي بما هو خير ويبتعد عما ما قد كان سبباً في الضعف وسبباً في الفرقة.
هنا نستطيع أن نبني نموذجاً جديداً أسميه بالواقعية المقاصدية. فبالتالي التاريخ مخزن، وهذا المخزن فيه ما هو خير وفيه ما هو غير ذلك. فننتمي إلى مدرسة تقول بأننا نعتمر من التاريخ، لا نقدسه. نتعاطى معه ونتفاعل معه في أشياء كثيرة مهمة حصلت مفيدة، وفي أشياء كثيرة سيئة يجب أن نبتعد بعيداً عنها. ومن هنا نبني رؤية جديدة نزود بها مثقفينا، نخبنا السياسية، حكامنا وقادتنا، سواء المعاصرين أو المستقبلين. لأنه لابد أن يكون لنا تحرك في هذه اللحظة التاريخية من حركة العالم نحو نموذج جديد. أما في النظام الدولي، أو حتى في الدورة الحضارية الجديدة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.