Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الأخوة الكرام، لكم التحايا الطيبة. أهلاً وسهلاً بكم في هذه الحلقات التي أعتبرها من أهم حلقات البرنامج من حيث المنهجية ومن حيث المقبولية. وهي الساحة التي تُؤتى منها دائماً، بمعنى آخر، هي الساحة التي يتم فيها اتهامنا، وتُلقى فيها التهم الجاهزة لكل من يجعل كتاب الله سبحانه وتعالى هو ميراثه الأوحد، السلطة التشريعية لروايات السنة النبوية.
وكما ذكرت لكم، لأن هذه الدراسة، هذه القضية، متعلقة عند العوام بالعاطفة والمشاعر، كونها تتحدث عن تفاعل النبي عليه الصلاة والسلام مع أفراد جيله، باعتبار أن أقواله، باعتبار أن أقواله وأفعاله وتقريراته تم بها إفراغ القرآن الكريم من محتواه، وبالتالي هي مبين للقرآن الكريم، ومفسر للقرآن الكريم، وشارح للقرآن الكريم. أهل الروايات وعلماء الحديث والجرح والتعديل، حتى وردنا ذلك المنتج في كتب ضخمة، وبحملها العواتي سُميت بالصحاح وكتب الأحاديث، وهي تعتبر الوحي الثاني مع القرآن الكريم، بلى الوحي المبين للقرآن الكريم، ولولاه لم يستطع المسلم أن يفهم شيئاً في كتاب الله، على الأقل، جاء إلى أذهان العوام، وشكل العقليّة العامة.
نحن هنا سنقوم بدراسة هذا المحور بدراسة متأنية، مجرّدة من العواطف نهائياً، وإنما نخضع أنفسنا فيها للمنهجية. نريد أن نتدارس هذا الأمر وفق منهجية منضبطة، تم استقاؤها من منظومة النص القرآني. وبداية، بعد هذا المدخل، نريد أن نحدد من أين بدأت الأزمة، أو من أين بدأت الإشكالية، حتى تصل إلى هذه المراحل من التناحر ومن المساجلات، والكلامية أو غيرها، بين التنويريين أو ما يُسمونهم بالقرآنيين وأهل الحديث. هل هي معركة من غير معترك، أم أنها تستحق؟ لماذا يتم فيها اتهامنا بنكران السنة؟ هل نحن فعلاً ننكر سنة النبي عليه الصلاة والسلام؟ هل بالامكان فهم سنة الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام عبر المنهجية والدراسة؟ وتحديداً يجب مراعاة فك المصطلحات التي أُفْطِرت عليها هذه القضايا. وكما أقول وأُردِّد كثيراً، إن أزمتنا هي أزمة مصطلح. وفيما قيل عن الفيلسوف أرسطو، رأس الحكمة تعريف المصطلح بدايةً.
ومن حيث دراسة المصطلح، هل كلمة "سنة" في القرآن الكريم نسبت إلى النبي عليه الصلاة والسلام بأي حال من الأحوال؟ هل كلمة "حديث" ورد في الحديث الصحيح، ورد في الحديث الضعيف، ورد في الحديث المرفوع، ورد في الحديث المنقطع، ورد في الحديث...؟ هل القرآن كلمة "حديث" تردّدت كثيراً في كتاب الله سبحانه وتعالى؟ هل جاءت مرّة واحدة منسوبة إلى النبي عليه الصلاة والسلام؟ كلمة "سنة"، هل جاءت منسوبة إلى النبي عليه الصلاة والسلام؟ وماذا تعني كلمة "سنة"؟ كلمة "سنة"، إذا سألنا سؤالاً، يُقال لك: تعني "الطريقه" أبداً. لأن لفظ "طريقه" جاء في القرآن الكريم بشحمته ولحمه: "يَذْهَبُ أَبِي طَرِيقَتَكُمْ". لماذا لم يقل: "بسنتكم"؟ وإذا فسّرنا كلمة "سنة" بمفهوم أنها "الطريقه"، سنقع في أزمة التطابق التي خَرَبْنا منها من بداية هذا البرنامج، حيث نحن ننفي مطلقاً وجود التطابق أي كلمتين في القرآن الكريم يختلفا في اللفظ، ومن ثم يتماثلان ويتطابقان في المعنى تطابقاً. ولكي نشرح مفهوم أي كلمة قرآنية، يجب أن يكون المفهوم عن طريق مصطلحات لم تولد في النص. حتى أنا أُخِرُّ في التطابق ومثلكم. نحن نعرف "التواضع". "التواضع" كلمة تحمل قيمة كبيرة، وليس هنالك شخص لا يدري ما هو معنى "التواضع". في القرآن الكريم، كلمة "الكرم" في القرآن الكريم، كلمة "الشجاعة" لم ترد في القرآن الكريم، كلمة "الشرف" لم ترد في الكلام في القرآن الكريم، كلمة "المروءة" لم ترد في القرآن الكريم. معقول يا جماعة، كتاب الله سبحانه وتعالى الذي جعله الله تبياناً لكل شيء، ليست فيه دعوة للتواضع ولا للكرم ولا للشهامة ولا للمروءة؟ أم أنها ذكرت في النص ولكن بمصطلحات أخرى لا يدركها الكثير؟ فكلمة "تواضع" في القرآن، حيثما وجدت كلمة "ركوع" في القرآن الكريم، فعلاً تماماً إن لها لا علاقة بالانحناء الذي نفعله في الصلاة، إنما هي تعني الركوع، إنما تعني الطائعين الذين يأتون الزكاة وهم راكعون، في أحد يأتي يخرج زكاة أمواله وهو ما أُعرفُه، أقول "مدنجر مكي"، كيف ينسجم هذا المعنى؟ يأتون الزكاة وهم راكعون، يدفع، لأنه يعلم أن هذا الحق هو من الله سبحانه وتعالى للسائل والمحروم، وبالتالي يأتي وهو متواضع: "اسْجُدْ لِرَبِّكَ وَارْكَعْ مَعَ الرَّاكِعِينَ"، "تواضعوا مع المتواضعين". لا نريد أن ننفق وقت الحلقة في مفهوم التواضع والركوع، فليَشْهَد المشاهد أن يرجع.
إذاً، كلمة "سنة" في القرآن الكريم تأتي بمفهوم "القانون"، لأن كلمة "القانون" النص القانون الإلهي الثابت الذي لا يتبدل ولا يتغير ولا يتحول، ويقع أو يفعل متى متى ما توافرت أسبابه وحيثياته. هذا هو مفهوم كلمة "سنة"، ولذلك يقول: "سُنَّةُ اللَّهِ سُنَّةَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ"، "سنن الله". ونحن الآن نعبر نقول لك: هذه السنة من سنن الله، إذن قانون من قوانين الله التي ضبط بها الوجود. مفهوم "السنة" يأتي بمعنى "القانون"، وطالما أن هذا القانون ثابت لا يتحول، لا يتبدل، لا يتغير، لا يتبدل ولا يتغير، إذاً لا يمكن للقرآن أن ينسبها للنبي عليه الصلاة والسلام، لأن القول البشري يخضع لتغير الزمان والمكان. فالله سبحانه وتعالى عندما نسب "سنة" لذاته لأنه هو المطلق، متعالٍ على قوانين الزمان والمكان، لا يحده ماضٍ ولا مستقبل ولا حاضر، كل الزمن بالنسبة لله سبحانه وتعالى فهو مخلوق من مخلوقاته. ولذلك كلمة "سنة" لا يصح إلا أن تُنْسَبَ لله. فلماذا نُسِبَت كلمة "سنة" إلى النبي عليه الصلاة والسلام في أقواله وأفعاله، بدلاً من أن تُنْسَبَ لله؟ ولماذا لم تُنْسَب كلمة "الحكمة" إلى النبي عليه الصلاة والسلام، مع أن الآيات في القرآن واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، أن الحكمة هي الوظيفة الثانية للرسول صلى الله عليه وسلم بعد تلاوة الآيات: "رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ"؟ لماذا تم استبدال كلمة "سنة" التي نسبت لله ثم استبدالها فنسبت إلى النبي؟
أتقي بكم في الحلقة القادمة، وصلتُ هذا الموضوع الحساس والخطير، فابقوا معنا إلى أن ألتقي بكم. أترككم في حفظ الله ورعايته. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. [موسيقى]