Transcription
السلام عليكم.
في مثل شعبي مصري غريب شويه في ألفاظه بيقول: "الشاطرة تغزل برجله حمار". يعني المقصود إنها لو واحدة شاطرة في الغزل، فهي ممكن تغزل حتى لو لم يتوفر لها إمكانيات وأدوات الغزل نفسها. طبعًا فيه مبالغة شديدة يعني. ومش عارف ليه اختار فكرة "رجله حمار" كأداة يعني للغزل. كان ممكن مثلًا يقول: "الشاطرة تغزل بملعقة". مثلًا، الملعقة برضه ما هيش أداة غزل برضه وهتدي نفس الغرض. لكن يمكن، يمكن كان هدفه يصدم المستمع.
أيا كان، المهم إن المثل الشعبي ده بيلخص فكرة مهمة وهي إن المفروض يكون اهتمامك بالفني أهم من الأدوات. يعني خلينا نضرب بعض الأمثلة كده توضح أكتر. لو جبت مثلًا نجار خبير شاطر بقى له خبرة كبيرة في النجارة، وأديته أدوات بسيطة جدًا، أدوات النجارة البسيطة جدًا، المنشار والشاكوش وشوية مسامير مثلًا وكده. وجبت واحد تاني مبتدئ في النجارة، وأديته الأدوات الحديثة كلها، الحاجات بتاعة الباور تولز والسي إن سي والحاجات دي كلها. وطلبت منهم إنهم يعملوا ترابيزة.
اللي هيحصل إن غالبًا النجار الخبير بالادوات البسيطة هيعرف يعمل ترابيزة أفضل من النجار المبتدئ، رغم إن النجار المبتدئ معاه الأدوات الحديثة كلها. ليه؟ لأن عمل الترابيزة هو في حد ذاته بيتطلب قدر من الفنيات والمعرفة مالوش علاقة بالأدوات. الأبعاد المناسبة للترابيزة، نوعية الخشب اللي المفروض تستخدمها، الزوايا هيكون شكلها إيه، إزاي الزوايا تبقى قوية بحيث الترابيزة تبقى يعني متينة وتستحمل مثلًا. كل دي فنيات مالهاش علاقة بالأدوات. والنجار الخبير اللي عنده خبرة كبيرة غالبًا عنده هذه الفنيات اللي مش موجودة عند النجار المبتدئ.
ممكن برضه كتير منا يعرف مثلًا إن ممكن شخص بموبايل يعرف ياخد صور، يصور صور أجمل من شخص عنده كاميرا احترافية غالية جدًا. ليه؟ لأن فنيات التصوير من تكوين الصورة مثلًا، الإضاءة ممكن يكون شكلها إزاي، الخلفية شكلها إزاي. كل دي فنيات مالهاش علاقة بالأداة المستخدمة في التصوير. فلو الشخص عنده الفنيات دي هيعرف ياخد صور أفضل من شخص تاني معاه كاميرا احترافية لكن معاهوش هذه الفنيات. وهكذا.
أظن الفكرة واضحة. لكن السؤال هنا: هل معنى ده إن الأدوات غير مهمة؟ الحقيقة لا. الأدوات مهمة، لكن الفنيات أهم. يعني لو رجعنا لمثال النجار مرة تانية، لو أنا اديت الأدوات الحديثة دي للنجار الخبير، فاللي هيحصل إنه هيطلع المنتج بشكل أفضل غالبًا، وفي وقت أقل وبمجهود أقل. يعني بمعنى صح، إنه هيزود إنتاجيته بشكل كبير باستخدام الأدوات الحديثة. وده المطلوب. هو ده هدفنا عامة من إننا نشرح الأدوات ونرشح أدوات معينة شايفينها أفضل من أدوات أخرى وهكذا.
لكن المشكلة إن كتير من المبتدئين بيركز على الأدوات وبيظن إن الأدوات وحدها ممكن تغنيه عن اكتساب الفنيات المهمة. سبب عمل الفيديو ده أصلًا هو بعض التعليقات اللي شفتها على آخر فيديو عملته عن الانتقال من نوشن إلى أوبسيديان. لأني شفت تعليقات يعني إلى حد كبير هتقع في نفس المشكلة دي، إن هو بيظن إن هو لو استخدم أداة مختلفة أو إن هو مثلًا ما نجحش في استخدام نوشن، لكن بيظن إن الأداة الجديدة اللي هي أوبسيديان هي اللي هتحل له كل مشاكله. مع إن المشكلة ممكن ما تكونش في الأداة أصلًا.
الحقيقة، التخطيط والتنظيم زيه زي النجارة، زي التصوير، زي الطبخ، زي أي مجال علمي أو عمل. برضه فيه فنيات وفيه أدوات. فلو مثلًا أنت شخص أصلًا يعني مش متعود على إنك بتاخد ملاحظات أصلًا أو تسجل أفكارك، أو إنك مش حاسس بأهمية هذا الأمر أصلًا، أو إنك شخص ما عندكش مهارة التفكير بالكتابة اللي كنا شرحناها في فيديو سابق. فمش متوقع إن أوبسيديان هيفيدك بشكل ما. أنت لو أنت متخيل إنك هتكتسب هذه الأشياء، السلوكيات والمهارات، بمجرد استخدامك أوبسيديان، فده غير صحيح. لأن تسجيل الملاحظات والأفكار أو التفكير بالكتابة دي كلها فنيات منفصلة عن الأدوات.
وفي ناس أصلًا يعني متطورة جدًا في التخطيط والتنظيم ما بتستخدم أي أدوات رقمية أصلًا، بتستخدم الورقة والقلم فقط. ليه؟ لأن هو عنده النظرية، عنده المفاهيم، عنده المبادئ، عنده الفنيات اللي يعرف يطبقها باستخدام الورقة والقلم. والاشخاص دول لو استخدموا أدوات رقمية برضه هيعرفوا يستخدموها بشكل جيد وهيعرفوا يستفيدوا منها. لأن المبادئ والفنيات نفسها موجودة عندهم. ويمكن ده اللي أنا ركزت عليه في كورس التخطيط، كورس التخطيط الفعال اللي عامله، إن أنا بشرح الفنيات، بشرح المفاهيم، وبعد كده بشرح لك إزاي تستخدمها بالأدوات المختلفة. عشان حتى لو الأدوات دي اتغيرت في المستقبل، وده بيحصل بشكل متكرر يعني، ده دايما بتظهر من وقت للتاني أدوات أفضل. فبالتالي أنت ما تكونش بتبدأ من الصفر.
وده يقودني للحديث عن بعض الفروقات المهمة بين الفنيات والأدوات. يمكن أول فرق مهم محتاج تعرفه هو إن الفنيات عمرها أطول من الأدوات. يعني أصلًا كتير من المبادئ مثلًا مستخدمة في التصميم والفنون هي أساسًا موجودة من من آلاف السنين. يعني إحنا بنشوف الأعمال القديمة التاريخية يعني والآثار وما إلى ذلك، سواء أيا كان يعني أصلها. بنشوف فيها أعمال فيها يعني تفاصيل عظيمة ودقيقة جدًا، وتبين مهارة متقنة جدًا. يعني في النهاية بيطلع منتج كتير من الناس ما تعرفش تعمله بالأدوات الحديثة، رغم الفرق الشاسع بين الأدوات قديمًا وحديثًا. فهي نفس الفنيات هي هي موجودة. اللي هيقدر يكتسب الفنيات دي باستخدام الأدوات الحديثة هيقدر يعمل نفس المنتجات دي بنفس المستوى وفي وقت أقل غالبًا. لكن اللي ما عندوش الفنيات أصلًا مش هتفرق معاه الأدوات المتوفرة إيه بالظبط.
يمكن عشان كده كنت شفت شكوى يعني سمعتها من أكتر من شخص، خاصة بيبقوا الشباب الصغير يعني. شخص مثلًا يقول لك إيه: "أنا أخدت كورس فوتوشوب و يعني أو أكتر من كورس حتى في الفوتوشوب، وبقيت أعرف كل أداة وكل خاصية موجودة في برنامج الفوتوشوب بتعمل إيه بالظبط. بس في النهاية أنا ما بعرفش أعمل تصميم". يعني لما حد يطلب مني تصميم معين ما بعرفش أبدأ إزاي، ما بعرفش أعمل تصميم شكله حلو. فاللي حصل هنا إن الشخص ده اتعلم الأداة، اتعلم استخدام الأداة، لكن فنيات عمل تصميم مش موجودة عنده. بينما لو نظرت أصلًا لشخص خبير في التصميم، ممكن أصلًا تلاقيه يبدأ أما يجي يعمل تصميم جديد، يبدأ بالورقة والقلم أساسًا ويعمل سكتش بسيط كأنه بيحدد فنيات التصميم الأول، بعد كده ينفذ هذه الفنيات باستخدام الأداة اللي موجودة عنده، أيا كانت الأداة اللي بيستخدمها، فوتوشوب أو غيره يعني مش هتفرق.
وده ياخدني لنقطة تانية مهمة عن الفنيات والأدوات، هي إن الفنيات بتنتقل معاك مع تغير الأدوات. يعني أنت لو أنت شخص خبير في مجال معين، والمجال ده حاليًا بيستخدموا فيه أدوات معينة، مستقبلًا لما الأدوات دي تتغير وتطلع أدوات جديدة، فانت لما تيجي تتعلم الأدوات الجديدة دي، أنت مش بتبدأ من الصفر. لا، أنت واخد معاك كتير من العلم والفنيات اللي هي المهمة، اللي هي الأهم زي ما قلنا. بتنتقل معاك. وبعد ما تتعلم الأدوات الجديدة دي، أنت هتبقى أفضل من الشخص اللي يتعلم أدوات جديدة فقط، لكنه ما عندوش الفنيات والمبادئ والنظريات اللي بيستخدمها في العمل. وده نقطة مهم محتاج يعرفها بعض الناس اللي هم مثلًا عندهم خبرة في مجال علم معين وبيخافوا يستخدموا أدوات جديدة، أو بيتمسكوا شوية بالأدوات القديمة اللي هم اتعودوا عليها، خوفًا من إنهم في الأدوات الجديدة دي ما يقدروا يبدعوا أو يخرجوا نفس النتيجة. لأن دايما في البدايات، بداية تعلم أي أداة جديدة بيبقى فيه دايما إيه مقاومة كده وفيه صعوبة. فده بيصد كتير من الناس عنهم، أو بيظن إن هو كده بيساوي نفسه بأي حد لسه مبتدئ بدأ بالأدوات الجديدة مباشرة مثلًا. وده غير صحيح. أنت تقدر تتميز عنه لو أنت عندك الفنيات والخبرات اللي اكتسبتها على مدار السنين. فما تقلقش، الفنيات والحاجات دي بتنتقل مع الأدوات.
وده ياخدنا لنقطة أخرى برضه، وهي إن الفنيات هي اللي بتوضح مدى فهمك لمجال علم أو عمل معين. يعني كمثال بسيطة، لو واحدة خبيرة في الطبخ مثلًا، وبتتابع وصفات معينة مثلًا، فهي لو شافت وصفة مثلًا على الإنترنت بتستخدم بعض المكونات اللي مش موجودة عندها، بعض الأدوات اللي مش موجودة عندها، فهي بسبب خبرتها وفهمها العميق لمهارة الطبخ، هي تقدر تستبدل الحاجات دي وفي النهاية تطلع برضه بنتيجة جيدة، رغم إن هي ما عندهاش كل الإمكانيات والأدوات. ده لأن هي هي فاهمة يعني إيه طبخ، فاهمة إيه المكونات اللي بتمشي مع بعضها، وإيه المكونات اللي ما ينفعش تمشي مع بعضها. على العكس، واحدة جديدة مثلًا عندها أحدث الأدوات، أحدث مطبخ في الدنيا، بس هي فعلًا هي مش فاهمة فنيات الطبخ. فمجرد ما يعني بتبقى ماشية على الوصفة مثلًا بالكلمة، لأنها مش فاهمة ليه كل خطوة أو ليه كل مكون موجود من الأساس. فاقل اختلاف بسيط عن اللي موجود عندها، الدنيا بتبوظ. يعني لو أساسًا يعني ماركة العجانة ولا الخلاط عندها مختلف، ممكن تبوظ لها الوصفة أصلًا، لأنها مش مدركة إيه اللي بيخلي الوصفة دي تطلع جيدة، أو يخلي الأكل لذيذ أو مش لذيذ، وما إلى ذلك. اللي هي الفنيات من الآخر يعني.
يمكن آخر نقطة بأكد عليها، وأتمنى الشباب الصغير بالذات يفهمها، هو إن الفنيات لا تأتي تلقائيًا مع الأدوات. فأنت لازم تهتم بتعلم الفنيات. للأسف كتير من الناس لما بنيجي مثلًا نشرح إحنا الفنيات أو النظرية وراء شيء معين، بيمل من هذا الجزء. دايما في الشرح، في الفيديوهات، في الكورسات، دايما عاوز يتخطى هذا الجزء ودايما عاوز الخطوات العملية اللي يمشي عليها عشان ينفذ، حتى بدون فهم لهذه الخطوات. الجزء النظري هو اللي بيفهمك ليه الخطوات دي، أو ليه كل خطوة بنعملها ومكانها فين في المنتج النهائي. فالجزء النظري ده هو جزء مهم من الفنيات، إنك تبقى فاهم دافع وراء كل خطوة وراء كل حاجة بتعملها. وهو ده اللي هيخليك قادر على إنك لو لم تتوفر لك إمكانيات أو أدوات معينة، إنك توصل لنفس النتيجة بطريقة أخرى، لأنك عارف السبب وراء هذه الخطوة أصلًا إحنا بنعملها ليه.
فأنت دايما حاول تهتم بالجزء النظري. ومعلش، ممكن الموضوع يكون يعني ممل أكتر شوية من التنفيذ العملي ويعني وتنفيذ مشروع معين. بس أنت ممكن تعمل أكتر من مشروع وأنت ما زلت مش فاهم الأساسيات. وبشوف ده في البرمجة، ناس كتير بتحب دايما تمشي ورا الكورسات والدروس اللي بتديها مشاريع كاملة مثلًا، وتمشي ورا الكورس خطوة بخطوة وتنفيذ المشروع. في النهاية، بس فعلًا بعد كده تيجي تقول له تعال اعمل مشروع تاني فيه بعض الاختلافات عن المشروع اللي عمله، تلاقيه غير قادر. زي نفس الشخص اللي تعلم أدوات الفوتوشوب بس ما تعلمش مبادئ ومفاهيم التصميم. في نفس الفكرة، أنت لازم تركز على الفنيات. الفنيات تتعلمها بأنك تركز شوية على الجزء النظري، معلش، وتفهم الأسباب وراء كل خطوة بتعملها في شغلك.
وإن ماشي، ما فيش مشكلة إنك تقلد. يعني دايما التقليد هو أول خطوة من خطوات التعلم. ما فيش مشكلة، بس وأنت بتقلّد، لو عندك فرصة تسأل: "ليه بنعمل ده؟" "ليه بعملها بالطريقة دي؟" حاول دايما تفهم، مش تقلد تقليد أعمى زي ما بنقول. لا، يبقى تقليد عن فهم. لأن التقليد وأنت فاهم أنت بتعمل كل خطوة ليه، هو في النهاية اللي بيوفر لك الفن اللي بتتراكم عندك مع مرور الزمن في أي مجال علم أو عمل. يعني فدايما ما تظن إن الأدوات هي اللي هتنقذك، هي اللي هتحل كل مشاكلك. فيه سلوكيات، فيه مهارات، فيه فنيات. الحاجات دي اكتسابها أهم من تعلم الأدوات الجديدة الحديثة. واكتساب الحاجات دي هو اللي هيخليك أقل تشتتًا، ومش كل ما تطلع حاجة جديدة تروح تجري عليها تتعلمها، لأنك هتكون فاهم هل الأداة الجديدة دي فعلًا هتقدر تساعدك ولا لأ.
يعني أنا في الفيديو بتاع أوبسيديان ونوشن، أنا عرضت الأسباب اللي خلتني مثلًا انتقل من نوشن لأوبسيديان. فانت لو نفس الأسباب دي كانت هي اللي عاملة لك مشاكل، فخلاص تمام، جرب. لكن لو هي أسباب أخرى، فغالبًا الانتقال لأوبسيديان مش هيحل لك المشكلة دي.
أتمنى يكون الفيديو السريع ده مفيد. نراكم على خير قريبًا بإذن الله. السلام عليكم.