Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الإخوة الكرام، طابت أوقاتكم بكل خير، وأهلًا بكم وسهلًا في الحلقة الثانية من استعراض بعض الروايات التي قد تكون فيها مشكلة كبيرة مع مفهوم القضاء والقدر. وذكرنا في الحلقة السابقة رواية ابن مسعود، وكيف أنه قد ذكر فيها أن أمر الإنسان قد حسم وكتب. وقلنا إن الإشكالية الكبيرة هي تكمن في كلمة "فيكتب". طبعًا، لما تمشي لشروحات الحديث، بتجد محاولة مفضوحة جدًّا لتطويع هذا الحديث لكي يقبله العقل. يقولوا لك: "فيما يبدو للناس". لا، طبعًا. لما تقول لهم: "يا جماعة، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينها وبينها ذراع"، يعني تخيّل إنسانًا مثلاً هيموت في 80 سنة، قام 79 سنة يعمل عملًا صالحًا، ولما باقي له شهر عمل سيء. تخيّل كل 79 سنة من العمل الصالح يشطب هكذا. تقول الرواية: "وين العدل؟ إن الرجل منكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب". ما هو الكتاب الذي كتبه الملك في بطن أمه؟ شقيّ. ما هو كاتبين لك شقيّ وأنت بتعمل بعمل أهل الجنة؟ تنفق، وتبرّ والديك. تخيّلوا يا جماعة، مشكلة هذا الحديث. هذه الرواية. بيتبرّ والدينا، وبتنفق، وبتجاهد في سبيل الله، وتكريم ضيفك، وتحسن إلى جارك، وتحترم زوجتك، وتربي أولادك، تبني المستشفيات، وتساعد الضعفاء، كل عمرك، باقي لك خلاص في آخر أيامك طلعت لك على أي حتة كده، واللي قلت لك واحد مالها من الملاهي كده، وقعدت تشرب خمراً، وعملت أي شيء، خشيت في ليالي حمراء. معقول يا جماعة ده كله لأنه خلاص سبق الكتاب بتاع شقيّه؟
طيب، عندما يريد أرباب الروايات، اللي هو ناس ناس تأويل علمها مختلف، الحديث عشان يخرجوا من الورطة المفاهيمية اللي بتكرس لها الجمل دي، بيقولوا لك: "كان يعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس في الظاهر". يعني أنه كله كان منافقًا. يعني الآية ما قالت: "إذا كان منافقًا أمره منتهي". لو أن عمله لأهل الجنة كان نفاقًا، هذا أمره منتهي. ما ممكن تقول: "كان يعمل بعملي أهل الجنة"، معناها عمله كان صالحًا. أين فلسفة الموازين بعد ذلك؟ أين قوله تعالى: "من يعمل مثقال ذرة شرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره"؟ بل عدلي أهو: عمل صالح كتب عليك في الجانب الأيمن، وعمل عمل سيء كتب عليك في الجانب الأيسر، ثم تقوم الموازين القسط يوم القيامة. إذًا مسألة "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها"، وده السبب الكرس لكثير جدًّا من الروايات في مفهوم حسن الخاتمة وسوء الخاتمة. يا جماعة، مفهوم حسن الخاتمة وسوء الخاتمة بالطريقة دي يتنافى مع العدل الإلهي. يعني أنا غلبت عليّ شهوتي في آخر لحظة من حياته، آخر لحظة من حياته غلبت عليه شهوتي وارتكبت معصية، كل أعمالك الصالحة يا جماعة تنتفي بجرّة قلم. أنا أعرف إن هنالك عمل يحبط الأعمال، ما هو؟ والشرك، ليه؟ لأن الشرك هو إساءة أدب في مقام الله سبحانه وتعالى. نفس التلميذ، إذا كانت مثلاً في تلميذ هو شاطر ومؤدّب ويؤدي واجباته، لو أساء الأدب مع الأستاذ، بجلده وجلد، بتشفي كل شغلته الفاتت. احترام الفات يتلغي إذا أساء الأدب مع الأستاذ. فما بالك بالعبد يسيء الأدب في مقام الله؟ الشرك يمكن أن يحبط عملك، الكفر والشرك، لكن بس يسبق عليه الكتاب ويعمل عملًا من عمل أهل النار. يا أخي، مثلاً عمل تجارة نبوية، أقل لا أوريبا في آخر حياته خلاص، كل الفات يا جماعة ينتفي. لا يمكن. إذًا كل الروايات التي تتحدث عن حسن الخاتمة وسوء الخاتمة بهذا الفهم الذي كُرّس في ثقافتنا الإسلامية يحتاج إلى مراجعة. وأعطيكم نموذجًا، وهذه الرواية لا تدخل منبرًا أو لا تدخل مسجدًا إلا وتسمع الخطيب يصلح بها، ونحن بنفتكرها فيها بشرى خير، لكن هي العكس، بتكرس لمسألة خطيرة. الرواية المشهورة التي قيلت لكم ملايين المرات: "إن رجلًا قتل 99 نفسًا، ثم أراد أن يتوب، فجاء لرجل فقال له: أنا قتلت 99 نفسًا، هل لي من توبة؟ قال له: لا، فقتله فأكمل به المئة". يقول الإمام الشعراوي: "أكمل به إيه المئة؟" ليش؟ عشان قال له: "ما عندك توبة". ثم ذهب إلى مفتي آخر أو فقيه آخر، فقال: "قتلت 100 نفس، هل لي من توبة؟" فقال: "من يحول بينك وبين الله؟ اذهب إلى أرض كذا فإن فيها قومًا صالحين". يعني امشي، إذًا اِخت البلد بتاعتك ليه؟ أهاجر؟ لا، هنا كويس، أنا ليه هنا ما عندي مشكلة، صح؟ "من يحول بينك وبين الله؟" رغم أنه هذه كارثة، تسعة وتسعون نفسًا! امشي إلى بلد كذا. والرجل في الطريق، يلا يا جماعة، الرجل في الطريق أدركه الموت في النص، فاقتتل فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. ملائكة الرحمة تقول: "جاء مقبلًا إلى الله سبحانه وتعالى". كلام هنا عاطفي يا جماعة، عاطفتك ومشاعرك دي خليها بعيد، نحن نتكلم منها. وملائكة العذاب بتقول لها: "الرجل ده دمّر الدنيا، ما حخليه". فأمر الله ملكًا أن يحكم بينهم، فقال: "جيش شنو؟ جيش المسافة". شوفوا المسافة هنا أقرب للحِتّة الماشي إليها ولا الحِتّة الطالع منها؟ فمنهم من يقول لك إن وجدوا الحِتّة الأقرب للحِتّة هو ماشيها أقرب، واقف في النص لما انسقت، سقط على الحِتّة الماشي عليها دي قربت المسافة. وفينا وحدين ثانيين عشان يعملوا لك مكيّاج وبوهية لهذه الرواية يقول لك: "فأمر الله الأرض التي هو ذاهب إليها أن تقاربي"، يعني قال لي الحِتّة ماشي لها زحيّ جاية، وللأرض التي خرج منها أن تباعدي". المشكلة في الرواية دي وين؟ أنا ما عندي مانع عن التوبة، أمر عظيم. التوبة أمر عظيم. أولًا، إذا كان هذا الرجل كان كافرًا مشركًا، حد بينه وبين الله، ثم تاب، يمكن لله سبحانه وتعالى أن يتجاوز عنه، ويعدل الذين قتلهم، ويغنيهم من فضله. لكن أنت زول مسلم أو ذا مؤمن بالله، أيًّا كنت، مشيت تفسد زي رؤساء العصابات، أصبحت هتلر، ابنت الملايين، وخلاص لما خلاص فاتت منك السلطة، دار تجي تقول: "يا أخي أنا أصلي وأصوم وأتحلّى بالله عشان ربنا يحفيك من الملايين اللي أنت قتلتهم". يا جماعة، لا يمكن. وين الموازين راحت؟ وين العدل؟ هذه الرواية بتكرس للاستخفاف بسفك الدم. ها يا سيدي، اكتب ليه مئة نفس بس بعدين هاجر وامشي أشوف لك حتة أو نسيت أو خلّ ما ينقطع فيه واحفظ القرآن، ربنا. في حين أنه أجد في رواية أخرى عن ابن عمر نقلًا عن النبي عليه الصلاة والسلام، يقول: "إن من ورثات الأمور التي لا مخرج منها لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير علة". أهو ده الكلام، صفق النفس من الطوام، لا يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا. هذه الروايات الصحيحة، ليش؟ لأنه قضية قتل النفس يا جماعة ظلماً، القرآن ذكر فيها وعيدًا خطيرًا جدًّا جدًّا، ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعد له عذابًا عظيمًا. واحد بس، ولمجرد أنك ماشي للمزيد الفلاني تتقطع فيه للعبادة، يجي يومك اللي أنت قتلتهم. وهذه كلها حقوق عباد، هذه حقوق عباد لا يمكن أن تُغفر. يا جماعة، السيئات لا تُغفر، السيئات تُكفّر فقط. فمثل هذه الرواية فيها استهانة بالقتل وسفك الدم. وورد أيضًا في خبر أن ابن عباس، ابن عباس رضي الله عنه، جاءه رجل فقال له: "هل للقاتل من توبة؟" شخص قتل، هل عنده توبة؟ فقال له ابن عباس: "لا، ما عنده توبة". رجع بعد شوية، دخل رجل ثاني قال: "يا ابن عم رسول الله، هل للقاتل من توبة؟" قال: "نعم". ما الذي يحول بينك وبين الله؟ فاستغرب الجالسون. هل يا ابن عباس جاك شخص قبل شوية قال لك يا أخي هل للقاتل توبة؟ قلت له لا، جاك واحد ثاني قلت له خلي القاسم. أنت ما قلت له نعم؟ شو المسألة دي مزاجي؟ قال لهم: "الأول سأل لأنه يريد أن يقتل، الأول القاتل عنده توبة عشان تضغط حتى لو بطريقة عشان ما يقع في المشكلة دي. داري شوف إذا في توبة مخرج يمشي يقتله بعد، داخل الحاله يجي يستغفر، ويجي ثاني قد وقع منه رأيت أنه قد وقع منه الفعل. الشخص الثاني قتل بالفعل، خلاص الموضوع انتهى، فلا أريد أن أحول بينه وبين ربه، ما في سبب يخليني أخليه يقنط من رحمة الله. يعني يجتهد فقهًا عاليًا ده ثقي، لا شك، كله عن مسألة قتل النفس. فكيف نحن يا جماعة يتكرّس في عقولنا أنك ممكن تقتل مئة نفس، والمجرد أنك تهاجر من الحتة دي وماشي المسجد الفلاني أو الأرض الفلانية عشان تتوب وتنقطع للعبادة، إن كل المئة نفس خلاص؟ لا بد أن مثل هذه الرواية لا يجب أن تُقال على العوام وعلى الناس هكذا، يجب أن تخضع لفقه وبيان بناءً على فلسفة المشيئة والإرادة والقضاء والقدر، وكيف تسير الأمور. أحبتي، إلى أن ألقاكم في حلقة ختامية من هذا المحور، أترككم في حفظ الله ورعايته. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. [موسيقى]