Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الإخوة الكرام، طابت أوقاتكم بكل خير. وبعد، أن فرغنا من بيان مفهوم المشيئة ومفهوم الإرادة، والتداخل بين الإرادة والمشيئة عند الله سبحانه وتعالى وعند الإنسان، وكيف هي أن المشيئة مخصوصة بالاشياء، وبالتالي مرتبطة بقوانين، أنظمة، السنن الكونية، نأتي الآن إلى التطبيقات على أرض الواقع. نأتي إلى التطبيقات، يعني المفاهيم التي تتكىء على المشيئة والإرادة بمعنى مختصر في مجموعة من القضايا، سأتناولها معكم من خلال هذه الحلقات الخمس المتبقية. إذا لم تكن مفهوم إطار عام عن المشيئة والإرادة، يعني لو ما استمعت للحلقات السابقة، لا يمكن أن تفهم هذه القضايا بالفهم الصحيح، أو على الأقل ما أريد أنا أقوله، اللي هو التطبيقات على مفهوم المشيئة والإرادة. شنو من القضايا المفاهيمية؟ إن احنا بنتعاطى بها سواء كان في مسيرنا في التدين أو في حياتنا، هي متكئة على مفهوم المشيئة والإرادة.
من أهم التطبيقات، مفهوم القضاء والقدر، وهو من المفاهيم الشائكة عند الناس. بل اتخذه الكثير شماعة لتعليق الفشل. يفشل الواحد في دراسته، سائق الحافلة يتهاون ويتكلم بالتلفون ويعمل حادث، يموت ٥٠ نفر، وكل أهل الضحايا: "إنا لله وإنا إليه راجعون، قضاء وقدر". يفشل الإنسان في مخططاته وفي شركة، يقول لك: "والله ربنا قدر لي كذا". شخص ممكن يظلم الناس ويكذب ويستغل الأزمات. يا سيدي، شوف لك رزق حلال. والله ربنا ما يقدر لي. يا أخي، إذا ربنا قدر لي، أنا بخلي الشغلانة دي. مفهوم القضاء والقدر الذي كرس إلينا في موروثنا الفقهي، مدعاة لتبرير الفشل. بلا، المشكلة أدهى وأمر، وهي صاق فشلك بالله سبحانه، تجعل ربنا شماعة تعلق فيها كل فشلك. تحتج لك بقضاء وقدر. طيب يا سيدي، ما هو القضاء؟ هل القضاء مدعاة لتبرير الفشل أو للتسلط على الناس؟ كما كان يُقال عنه عن ملوك بني أمية، قالوا: "هذا قضاء وقدر، ربنا قدر أن بني أمية يحكمون ٨٤ سنة، ويجي من العباس بن العباس، برضه أكثر من ١٠٠ سنة، غضاضة وغضب، ويجي يتسلط عليك ديكتاتور ٣٠ سنة. مع ربنا مغضوب كذا؟" لأنه بيعتبروا مسألة دراسة القضاء والقدر هي دراسة لن يكون الإنسان فيها، لن يكون الإنسان بها في منعه عن القضايا الشائكة، أو باختصار من الآخر، يعتقدوا أنها قد تمس العقائد. يقول: "الله قدر، الله"، أنت ما تتكلم فيه، سلم بس. وكثير من الدعاء والعلماء كرسوا لمفهوم أن القضاء والقدر يقتضي التسليم. يا سيدي، نحن ما ممتنعين على التسليم، لكن أنا لابد أن أفهم عشان أسلم. الله ليس متسلط علينا تسلطاً فوضوياً، وإنما بانتظام، بقوانين، بنظم موضوعية.
إذا، ما هو مفهوم القضاء؟ ولنبدأ بالقدر. ما معنى القدر؟ وما معنى قدر؟ وما معنى إهدار مقدرات الشعب؟ وما معنى المقادير؟ يا جماعة، اللفظة دي، المقادير، كلمة المقادير نفسها. أولاً، أول نقطة يجب أن تفهمها: ما فيش قدر خارج إطار المشيئة إطلاقاً. عشان كده أنا نوهت على أن فهم حلقات المشيئة ضرورية جداً لفهم القدر. ما فيش قدر بقى عليه خارج مشيئة الله. إذا، المشيئة هي العرضية السابقة التي تعمل عليها الأقدار، والأقدار مُشتقة من من المقادير. مقادير قوانين الأشياء. شنو يعني؟ أقول لك: ده مقداره كم جرام؟ المقدار ده كم؟ يعني مثلاً، إذا أنا عندي مقادير أو مقدار مفعول الجاذبية الأرضية، أي حجم له كتلة يسقط. طيب، وفي قانون ثاني مثلاً، عندي قانون الطيران القائم على ردة الفعل مثلاً بتاعة محركات الطائرة. أنا عشان أستطيع أتعامل مع قانون الجاذبية وأحمل هذه الطائرة بهذه الكتلة في الهواء لا تسقط بفعل الجاذبية، لابد أنك تتعامل بقانون آخر، قانون ردة الفعل، لكن بمقادير معينة. المقادير لو نقصت، الطائرة هتسقط، ولو زادت، الطائرة هتمشي، ما حتجيك أنت داير. مقادير معينة، تقديرات قوة المحرك، الشكل الانسيابي للطائرة، كيف تعمل الأجنحة في حالة الصعود، في حالة الهبوط، دي كلها اسمها المقادير. إذا يا جماعة، المقادير هي خلينا نقول الكميات، أو خلينا نقول ما قدره الله وجعله ضابطاً لحركة كل الأشياء في الوجود. يعني أنت عشان تخترق قانون بقانون آخر، لا بد أن يتم هذا الكلام بمقدار، بقدر. يعني مثلاً لو داير تصنع مثلاً ملح الطعام، أنا أعرف أنه أكل، الصوديوم، هل بس مطلق بس تمشي؟ كيف تجيب كلور الصوديوم وتخلطهم سوا؟ ولا لابد أن الموضوع يخضع لمقادير؟ صناعة الأدوية كلها قائمة على الدقة في المقادير، لأنه ممكن إذا زودتها مادة على مادة، ممكن تؤدي إلى الهلاك. تفاعل الأشياء كلها قائم على المقادير. يعني مثلاً لو عندك إناء من النحاس، كلامنا إن احنا درسناه زمان في الكيمياء، لو عندك إناء من النحاس، أو طبق من النحاس، أو قرب من النحاس، وذلك تشرب فيه خل، عملت الخل في إناء النحاس، شربت، موت مباشرة. ليش؟ لأنه في تفاعل بين النحاس وبين الخل، بيكون يخلق خلات النحاس السامة. حتى قلت لك بمقادير. ومقادير الله هي الموجودة، القوانين الحاكمة على وجوده. لكل قانون قدر معين. هي على الكل، وهي من الله فقط، ليس للإنسان دخل في التقدير. أنت بتقدر أي شيء، مستحيل تقدر تجيب له قانون من عندك تخترعه عشان يعمل في هذا الوجود، أنت تكتشفه فقط. وهذه المقدرات هي من الله فقط. إذن، القدر كله لله، ليس للإنسان دخل فيه، كيف يعمل. وهذا القدر، الناس فيه متساويون، ليس مخصوص لا بصلاحك ولا بفسادك ولا بتقواك ولا بكفرك. هذه مقدرات تعمل على السواء، يعني باختصار، أنت لا تعرف السباحة، قلت بنفسك في نهر النيل، حتغرق بقدر. استلفت سيارة من أحد أو من صديقك لتذهب مشوار في وسط مدينة القاهرة حيث الطرق والكباري والزحام، وقال لك: "هذه السيارة مكابحها تعبانة، ما فيها مكابح". أنت قلت له: "أنا سائق حريف"، قلت له: "أنا سائق حريف، ما في مشكلة، مكابح ما كويسة، ما ضروري"، وسقطت، وطلعت هنا. أنت تعاملت مع تقديرين: تقدير أن ما عندك مكابح، تعمل تصدم، حتعمل حادث. فالقانون الثاني الذي يمنع الحادث هو مهارتك. إذا كانت مهارتك أكبر بكثير من القانون الآخر، ستنجو. أما إذا كانت مهارتك أقل مما تقترحه لك عدم المكابح، في إمكانية التصادم، حتصدم. الكلام ده ما عنده علاقة بأنك صليت الصبح ولا لا، ما عنده علاقة بأنك مسلم ولا لأ، ما لحيت. هذه قوانين لا ترحم.
إذا يا أحباب، هذه هي المقدرات الوجودية، كما يقول الدكتور شحرور، الوجود الموضوعي لهذا الكون المتشكل، الوجود كله بقوانينه ومقدراته، وكما ذكرنا هو من الله سبحانه وتعالى، لقوله تعالى: "وَأَنَا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْتُهُ بِقَدَرٍ". أصلاً، هذه الآية التي تربط مفهوم القدر وتضعه على قاعدة المشيئة. ألم أقل لكم أن كلمة المشيئة أساساً مُشتقة من كلمة شيء؟ إذا انظر إلى هذه الآية: "وَأَنَا كُلَّ شَيْءٍ، كُلَّ شَيْءٍ، والله خالق كل شيء، وَأَنَا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْتُهُ بِقَدَرٍ". وفي آية أخرى: "وَقَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ تَقْدِيرًا". فقد ذُكرت دائماً يا جماعة، مسألة التقدير والمقادير والمقدرات والقدر هي لله سبحانه وتعالى. أنت لا تستطيع أن تقدر، لكن وهذه المقدرات تعمل بانتظام. إذا، ما هو دور الإنسان في القضاء في القدر؟ دور الإنسان في القدر هو أن يتعامل معه بالقضاء. يا سيدي، القضاء منك والقدر من الله، أنت ما عندك يد في القدر، لكن أنت عندك يد في القضاء. هذا ما سنعرض له في الحلقة التالية، إن مد الله في أيامنا. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. [موسيقى]