Transcription
ليه بعض الناس الطيبين جدا في حياتنا بيكونوا اكث ناس متعبه نفسيا؟ الشخص اللي دايما بيقول حاضر، اللي بيحاول انه ما يزعلش حد ابدا حواليه، اللي مستعد انه يساعد الكل حتى لو على حساب نفسه، غالبا الناس بتوصفه بكلمه واحده بس: "ده إنسان طيب".
لكن خلينا نكون صريحين، مش كل لطف بيساوي طيبة. أحيانا اللطف المبالغ فيه ده بيكون خوف، خوف من إنه حد يرفضك، خوف من إنك تزعل حد، خوف من إنه الناس تشوفك بشكل إنك تكون أناني مثلاً. المفارقة الغريبة إن الشخص اللي بيحاول إنه يرضي الجميع، غالباً هو أكتر شخص حاسس إنه مش متقدر. بيبذل مجهود كبير جداً علشان يسعد الناس اللي حواليه، ولكن في الآخر بيحس إنه ما حدش شايفه أصلاً. يمكن تكون انت نفسك مريت بالإحساس ده كتير قبل كده. تحاول تكون الشخص المثالي في العلاقة مثلاً، تحاول إنك تكون الشريك المتفهم، الصديق المتاح دايماً، الابن المطيع بين إخواتك، الموظف اللي ما بيعترضش أبداً على حاجة. ولكن بعد فترة بتبدأ تحس إنك تعبت، تعبت من محاولة إرضاء الكل.
والسؤال الحقيقي هنا اللي بيظهر: هل المشكلة إن الناس ما بتقدرش اللي انت بتعمله؟ ولا يمكن المشكلة إننا عايشين جوه نمط نفسي كامل من غير ما ناخد بالنا؟ في كتاب مهم جداً، من أهم الكتب اللي وقعت تحت إيدي في علم النفس، اسمه "نو مور مستر نايس جاي" (No More Mr. Nice Guy) للمعالج النفسي الأمريكي روبرت جلوفر. الكتاب بيقول إن الإنسان اللطيف زيادة عن اللزوم مش بالضرورة إنه يكون شخص طيب، بل أحياناً بيكون شخص عايش في فخ نفسي بكامل إرادته. فخ بيخليك تعتقد إنك لو بقيت كويس كفاية، الناس هتحبك وهتقدرك وهتديلك اللي انت فعلاً محتاجه. ولكن في الواقع، النمط ده غالباً بيؤدي لنتيجة عكسية تماماً.
في الحلقة دي من "أفيدونا" هنحاول نفهم مع بعض إزاي النمط ده بيتكون أصلاً، وليه اللطف الزائد ممكن يتحول لغضب مكبوت، وليه الشخص اللي بيحاول يرضي الكل غالباً بيحس في النهاية إنه لوحده. والأهم من كل ده، إزاي تخرج من فخ إرضاء الجميع من غير ما تتحول لشخص بارد أو شخص عدواني.
وخلينا نبدأ من البداية، من الفكرة اللي الناس كتير مؤمنة بيها، لكن مع الأسف هي أصل المشكلة: أسطورة صورة الرجل اللطيف. الفكرة ببساطة بتقول: لو كنت شخص كويس، لو ساعدت الناس اللي حواليك، لو ما عملتش مشاكل، لو حاولت إنك ترضي كل اللي حواليك، بالتالي الناس هتحبك وحياتك هتبقى أسهل بكتير. الفكرة دي شكلها من بره منطقي جداً، بل إحنا كلنا اتربينا عليها واحنا صغيرين: "خليك مؤدب، خليك هادي، ما تزعلش حد، ساعد الناس".
ولكن المشكلة إنه الحياة غالباً ما بتمشيش أبداً بالمعادلة دي. لأنه الشخص ببساطة اللي بيحاول طول الوقت إنه يكون لطيف ومقبول من الجميع، غالباً بيدفع ثمن نفسي كبير جداً. تدريجياً بيبدأ يعمل حاجات هو أصلاً مش عاوز يعملها ومش على هواه، يوافق على حاجات وهو مش مقتنع بيها، يسكت في الوقت اللي هو متضايق فيه، بيتحمل حاجات مش عاجباه. كل ده علشان بس ما يزعلش حد.
ومع وقت بيحصل تغيير مهم جداً جواه. بدل ما بيسأل نفسه: "أنا عايز إيه؟" بيسأل نفسه: "هم عايزين مني إيه؟" يعني بدل ما بيعيش حياته هو، بيبدأ يعيش حياته من عيون الناس، من نظر الناس. المفارقة هنا إنه الشخص اللي بيحاول يرضي الجميع ده، غالباً هو أكتر شخص بيحس إنه مش متقدر. بيبذل مجهود كبير جداً علشان يسعد الناس اللي حواليه، ولكن في الآخر بيحس إن ما حدش شايف ده. وهنا بيبدأ إحساس أساس المرارة. صوت بيقول: "أنا بعمل كل ده علشان الناس، ولكن ليه ما حدش مقدر كل ده؟"
وهنا بيجي الكتاب ويصدمنا بيقول إن المشكلة مش في الطيبة نفسها، ولكن في نمط نفسي كامل بيخلي الإنسان. النمط ده بيخلي الإنسان يعيش حياته كلها وهو بيحاول إنه يكسب القبول من اللي حواليه. نمط بيخليك تعتقد إنك لو بقيت مثالي كفاية، الناس هتحبك وهتقدرك وهتديلك اللي انت محتاجه. ولكن غالباً اللي بيحصل العكس. وده يخلينا نسأل السؤال: النمط ده بيتكون إزاي أصلاً؟ إزاي إنسان طبيعي كده بيتحول لشخص حاسس إنه لازم يكون مثالي طول الوقت؟ وده اللي هنبدأ نفهمه في المحور اللي جاي.
النمط ده غالباً ما بيظهرش فجأة وانت كبير، ولا بيبدأ مثلاً لما بتدخل علاقة أو شغل جديد. ولكن الحكاية بتبتدي في الغالب بدري جداً في الطفولة. كتير من الناس اللي بيقعوا في فخ الشخص اللطيف زيادة عن اللزوم، كانوا في وقت ما أطفال طبيعيين جداً ولكن حساسين بزيادة. كل اللي كانوا عايزينه ببساطة إنهم يكونوا محبوبين من اللي حواليهم. ولكن البيئة اللي نشأوا فيها أحياناً بتبعت لهم كده رسائل غير مباشرة بتقول: "علشان تكون محبوب لازم تكون كويس طول الوقت، ما تزعلش حد، ما تعترضش أبداً، ما تعملش مشاكل".
برضه أحياناً الطفل بيكبر في بيت الحب فيه بيكون مشروط بالسلوك الإيجابي. لو كنت هادي يبقى ده كويس، لو سمعت الكلام هتبقى محبوب، لو ما عملتش مشاكل هتبقى مقبول. وأحياناً بيكون في نقد مستمر أو توتر في البيت أو غياب لدور الأب بشكل واضح. في الظروف دي الطفل بيبدأ هنا يتعلم حاجة مهمة جداً: إن الأمان بيجي من إرضاء الآخرين. فبيبدأ يراقب الناس اللي حواليه، يشوف هم عايزين إيه، ويحاول يبقى الشخص اللي هم عايزينه. لو محتاجينه هادي هيبقى هادي، لو محتاجينه مطيع هيبقى مطيع. يعني باختصار، بيتعلم يبقى زي الحرباية كده، بيتلون ويغير نفسه حسب المكان اللي هو فيه.
والمشكلة إن الطفل فعلاً بينجح في ده، بيكسب رضا الناس. ولكن في المقابل بيحصل جواه شيء أخطر بكتير. بيتكون جواه إحساس عميق جداً بيقول: "ذاتي الحقيقية ممكن ما تكونش كفاية، أو شخصي الحقيقي أو شخصيتي الحقيقية مش هتكون محبوبة". ومن هنا تبدأ رحلة محاولة إثبات العكس، إنك تكون الشخص المثالي، الشخص اللي ما حدش يقدر ينتقده، الشخص اللي الكل لازم يكون بيحبه. ولكن المشكلة إن الطريق ده ما بيخلصش. لأنه الإنسان اللي مش شايف قيمته من جواه، مش بتنبع من جواه، هيفضل طول عمره يدور عليها في عيون الناس.
وهنا نبدأ نقرب من فكرة نفسية مهمة جداً، فكرة ممكن تكون هي قلب الموضوع كله بالكامل. الفكرة اللي بتخلي الإنسان يشعر في داخله إن المشكلة مش في أفعاله، ولكن في هو نفسه. في علم النفس في مفهوم مهم جداً أشار إليه الكاتب، اسمه "الخجل السام". والفكره هنا بسيطة جداً: إنه في فرق بين شعور شعورين. الشعور الأول إنك تقول لنفسك: "أنا عملت حاجة غلط". وده شعور طبيعي جداً وكلنا بنمر بيه. ولكن الشعور الثاني بيبقى أخطر بكتير: إنك تحس إنه "أنا نفسي غلط، مش إن سلوكي كان غلط، ولكن أنا كشخص في حاجة غلط".
وده بالظبط اللي بيحصل مع كتير من الناس اللي وقعوا في نمط الشخص اللطيف زيادة عن اللزوم. الشخص ده جواه إحساس بيقول له: "لو الناس شافتني على حقيقتي، يمكن ما حدش هيحبني". وبالتالي إيه الحل؟ الحل في نظره اللي بيختاره بدون ما يحس هو: إنه يلبس قناع. قناع الشخص المثالي، الشخص اللطيف طول الوقت، الشخص اللي عمره ما بيزعل حد، الشخص اللي دايماً متفهم للي حواليه ومتعاون وبيجي على نفسه.
ولكن المشكلة إن القناع ده بيخليه يعيش طول الوقت في حالة مراقبة ذاتية لنفسه. بيراقب كلامه، بيراقب تصرفاته، بيراقب ردود فعل الناس. "هل بالتصرف ده أكون زعلتهم؟ هل الكلام اللي قلته كان لازم يبقى ألطف؟ هل ضايق اللي حواليا؟" بدل ما بيعيش بشكل طبيعي، يبقى هو طول الوقت بيحاول يكون النسخة اللي الناس هتقبلها. ومع الوقت بيحصل إنه الإنسان ده بيبدأ يربط قيمته الشخصية برأي الناس. وبالتالي لو الناس مبسوطة منه، بيحس إن هو كويس. ولكن لو في حد زعلان منه أو زعل منه في موقف معين، أو حصل موقف ما في حياته، بيحس إن في حاجة غلط فيه هو.
وتبدأ رحلة مرهقة جداً هنا، رحلة البحث المستمر مر عن القبول. بيحاول يثبت إنه شخص كويس، شخص يستحق الحب. ولكن المشكلة إن الطريقة دي بتخلق مشكلة أكبر. لأنه بدل ما بيكون صريح مع الناس، بيبدأ يتعامل معاهم بطريقة غير مباشرة، بطريقة فيها نوع من الاتفاقات غير المعلنة. اتفاقات موجودة في دماغه هو، ولكن الطرف الثاني ما بيعرفش عنها حاجة. وده اللي هنتكلم عنه في المحور اللي جاي.
فكرة من أهم الأفكار الكتاب تناولها، فكرة اسمها "العقود السرية". العقود السرية ببساطة هي اتفاقات، ولكن موجودة في دماغك انت بس. الطرف الثاني ما بيعرفش عنها حاجة. الشخص اللي عايش بنمط الشخص اللطيف زيادة عن اللزوم، غالباً بيفكر بطريقة: "إني أكون لطيف معاك، وهساعدك، وهقف جنبك، وهحاول أرضي ضيك، وبالتالي اللي المفروض يحصل في المقابل إنك تحبني، إنك تقدرني، إنك تهتم بيا، يمكن حتى تحبني بنفس الطريقة اللي بحبك بيها".
ولكن المشكلة إن الاتفاق ده أصلاً ما اتعملش. الطرف الثاني ما يعرفش عنه حاجة، وبالتالي ما وافقش عليه. بل غالباً ما يعرفش إن الاتفاق ده أصلاً موجود. ومع ذلك، الشخص اللي جواه العقد السري ده قاعد مستني المقابل. ولما المقابل ده ما بيحصلش، بيبدأ إحساس المرارة اللي قلنا عليه. الشخص هنا بيبدأ يقول لنفسه: "أنا بعمل كل ده علشانهم، ليه ما حدش مقدر مني ده؟" الحقيقة إن العلاقة كانت مبنية من الأول على صفقة ما حدش غيرك عارفها.
الأخطر من كده كمان إن الشخص ده غالباً ما بيطلبش اللي هو عايزه كمان بشكل مباشر. هو بيتمنى إن الناس تفهم الكلام ده لوحدها، بيتمنى إنهم يحسوا بتضحياته، يتمنى إنهم يقروا اللي جواه. ولكن الواقع زي ما إحنا كلنا عارفين مختلف. الناس ما بتعرفش تقرا الأفكار. وهنا تبدأ الحلقة المفرغة. الشخص بيدي أكتر، يستنى أكتر، يتضايق أكتر. ومع الوقت اللطف الظاهري ده بيبدأ يتحول لحاجة تانية خالص. بيتحول لسخرية، لتاجيل، لتصرفات فيها نوع من العقاب الصامت، وأحياناً كمان انفجار مفاجئ بعد فترة طويلة من السكوت والصبر. لأنه الاحتياجات اللي ما اتقالتش هي ببساطة ما بتختفيش، ولكن بتتخزن جواك.
وهنا نبدأ نفهم حاجة مهمة جداً، إن الشخص اللي بيبان هادي ولطيف طول الوقت، غالباً بيكون جواه غضب كبير جداً. ولكن الغضب ده مش بيبقى ظاهر، لأنه أصلاً خايف إنه يظهر. وده يخلينا نوصل للسؤال الجاي: ليه الشخص ده أصلاً خايف يعبر عن اللي جواه؟ وليه فكرة الصراع أو الاختلاف مع الناس بتخوف بالشكل ده؟
الشخص اللي طول الوقت بيبان هادي ولطيف ومتفهم، في الغالب ما بنعرفش إن جواه بيبقى غضب كبير جداً. غضب متخزن بقى له سنين. لأنه النمط ده في الأساس قائم على الكبت. الشخص اللي عايش بنمط الشخصية اللطيفة زيادة عن اللزوم، غالباً ما بيعملش حاجات أساسية جداً في أي علاقة صحية. ما بيعبرش عن احتياجاته بوضوح، ما بيطلبش اللي هو عايزه، وغالباً بيتجنب الصراع بأي ثمن. يعني بدل ما بتقول مثلاً: "أنا مش مرتاح في الموضوع ده أو في الموقف ده"، بتلاقيه يسكت. بدل ما بيقول: "أنا محتاج كذا"، بيستنى الناس تفهم لوحدها.
ولكن المشكلة زي ما إحنا عارفين، إن الاحتياجات البشرية ما بتختفيش، ولكن هي بتتخزن. كل مرة الشخص بيسكت فيها وهو متضايق، كل مرة بيوافق على حاجة هو مش عايزها، كل مرة بيكتم مشاعره علشان ما يزعلش حد من اللي حواليه، المشاعر دي بتتراكم جواه. ومع الوقت اللطف الظاهري ده بيبدأ يتحول لحاجة تانية خالص: سخرية، تلميحات، تأجيل متعمد، أو تصرفات فيها نوع من العقاب غير المباشر، زي الصمت العقابي مثلاً. وده اللي علم النفس بيسميه "العدوانية السلبية". يعني الشخص مش بيواجه المشكلة بشكل مباشر، ولكن بيعبر عن غضبه بطريقة مش مباشرة، طريقة ملتوية شوية.
وأحياناً بعد فترة طويلة من الكبت، بيحصل العكس. بيحصل انفجار مفاجئ. الشخص اللي كان ساكت طول الوقت، فجأة بتلاقيه بيغضب بشكل كبير جداً من أتفه الأسباب. والناس اللي حواليه يبتدوا يستغربوا، يقولوا: "هو إيه اللي حصل؟ هو الشخص ده مش كان هادي كده وربنا هاديه؟" الحقيقة إن الغضب ده ما ظهرش فجأة، هو كان موجود من زمان، بس كان مستخبي تحت طبقات كبيرة من محاولات إرضاء الناس اللي حواليه.
وهنا نبدأ نفهم حاجة برضه مهمة جداً، إن المشكلة مش إن الشخص ده عنده مشاعر غضب. الغضب شعور طبيعي، كلنا بنشعر بيه. ولكن المشكلة إنه ما بيعرفش يعبر عنه بطريقة صحية. وده ياخدنا للمحور اللي جاي، اللي هنجاوب فيه على سؤال: هل كل مساعدة للناس بتعتبر لطف زيادة عن اللازم أو طيبة مفرطة؟ ولا ممكن تكون أحياناً مجرد محاولة لكسب القبول الاجتماعي؟ ده اللي هنفهمه في المحور اللي جاي.
خلينا هنا نوضح نقطة مهمة جداً، ممكن تلتبس في أذهان كتير من الناس. لأنه كتير من الناس لما يسمع الكلام ده ممكن يفهمه بطريقة مغلوطة. ممكن يقول مثلاً: "يعني المفروض أنا أبقى أناني مثلاً؟ يعني ما أهتمش بالناس اللي حواليا؟" لا خالص. الفكرة مش إنك تبطل إنك تهتم بالناس اللي حواليك، ولكن إنه في فرق كبير جداً بين حاجتين.
الفرق بين الرعاية والتكفل المرضي. الرعاية الطبيعية معناها إنك تساعد الناس لأنك فعلاً عايز تساعدهم، تقف جنب صديقك لأنه صديقك، تساعد شريك حياتك لأنك بتحبه، تعمل الخير ده لأنه اختيارك. يعني ببساطة، انت بتساعد علشان انت اخترت ده، انت عايز ده. ولكن التكفل المرضي بيكون مختلف شوية. انت بتساعد ولكن جواك سبب تاني مختلف تماماً. انت بتحاول تتحكم كم في مشاعر الناس، بتساعد علشان يكونوا مبسوطين منك، وبالتالي لو هم مبسوطين منك بتحس إنك كويس، ولو هم زعلانين بتحس إنك فشلت. علشان كده بتبدأ تحاول تصلح كل حاجة حواليك. لو حد متضايق بتحاول تصالحه، لو حد زعلان مثلاً بتحس إنه مسؤوليتك إنك ترجعه كويس، لأن ده دورك الأساسي زي ما انت شايفه.
وده لأنك خايف من شعور عدم القبول منه. المشكلة هنا إن الدور ده ممكن يتحول لحاجة مرهقة جداً، لأنك بتحط نفسك دايماً مكان المنقذ، الشخص اللي دايماً عاوز يصلح حياة الآخرين اللي حواليه. ولكن المفارقة هنا إنه الشخص اللي بيحاول يصلح الكل، غالباً بيهمل نفسه. مش بيلاقي وقت لنفسه، بيركز في مشاكل الناس بشكل أكبر بكتير وبينسى مشاعره هو، بيركز في احتياجات الناس اللي حواليه وينسى احتياجاته. ومع الوقت بيبدأ يحس بإحساس صعب جداً. بيبدأ يحس حس إنه بيدي كتير ولكن ما حدش بيدي له نفس الاهتمام ده في المقابل.
وهنا زي ما قلنا، المشكلة مش في الناس. المشكلة إن الشخص ده ما قالش أصلاً احتياجاته بشكل واضح. ما قالش: "أنا محتاج كذا". ما قالش: "الحاجة دي مش مريحة بالنسبة لي". وده يوصلنا لسؤال: ليه الشخص اللي طول الوقت بيحاول يرضي الناس، غالباً بيفقد احترامهم؟
طول عمرنا بنسمع إنه الناس بتحب بحب الشخص الطيب وبتحترمه. وده فعلاً صحيح، ولكن لغاية حد معين. لأنه في الواقع في حاجة تانية بتحصل مختلفة تماماً. الشخص اللي طول عمره أو طول الوقت بيوافق، اللي عمره ما بيعترض على حاجة، اللي دايماً بيقول حاضر ونعم، غالباً الناس دي ما بتاخدوش بجدية. وده ببساطة لأنه الشخص أو الإنسان بطبيعته بيحترم الشخص اللي عنده حدود، الشخص اللي عنده رأي، الشخص اللي ممكن وبيعرف يقول "لأ". "الوضع ده مش مناسب بالنسبة لي".
لكن لما الشخص بيوافق على كل حاجة، أي حاجة تتعرض عليه يوافق عليها، الرسالة اللي بتوصل للناس هنا من غير ما هو يقصد، إنه احتياجاتي مش مهمة، ما تحطونيش في الحسبان، ما تعتبرونيش أولوية في حياتكم. ومع الوقت الناس بتبدأ تتعامل معاه على هذا الأساس. لأن السلوك اللي انت عملته هو اللي بيخلق المعادلة دي. الإنسان اللي ما عندوش حدود واضحة، الناس دايماً طبيعي جداً بتعدي الحدود دي، لأن الحدود مش واضحة.
ومع الوقت الشخص ده بيبدأ يحس إحساس إنه بقى زي السجادة، اعزكم الله. الناس بتمشي عليه وبتدوس عليه وهو صامت. الغريب بقى إن الشخص ده ممكن يكون مقتنع إنه بيتصرف كده لأنه إنسان طيب. ولكن الحقيقة إن السبب أصلاً بيكون مختلف. السبب الحقيقي بيبقى الخوف. الخوف من إنه الناس تشوفه أناني، الخوف من إنهم يرفضوه، الخوف من إنه يبان شخصية صعبة أو شخصية أنانية. ولكن المفارقة هنا إنه الإنسان اللي ما بيحطش حدود لنفسه، غالباً ما بياخدش أو ما بيكسبش احترام حقيقي من الناس. لأنه الناس بطبيعتها زي ما قلنا بتحترم الشخص اللي واضح، الشخص اللي عنده حدود، الشخص اللي بيقدر إنه يقول "لأ" من غير ما يحس أصلاً بالذنب.
وده ياخدنا لـ فكرة برضه مهمة جداً، تشبيه بسيط ومصطلح ذكره الكتاب. مصطلح "الرجل التفلون". التشبيه ده تشبيه ذكي جداً. الكتاب وصف الشخص اللي عايش بنمط الشخصية اللطيفة زيادة عن اللزوم باسم أو مصطلح "الرجل التفلون" أو "الطاسة التيفال" اللي إحنا بنقول عليها. ما فيش حاجة بتلزق فيها، ما فيش احتكاك، ما فيش مقاومة. كل حاجة بتبقى عليها بتستوي عليها، بتبقى ناعمة وسلسة كده.
الشخص اللي بيحاول إنه يكون مثالي طول الوقت بيبقى شبه كده بالظبط. ما بيعترضش، ما بيزعلش حد، ما بيعملش مشاكل. كل حاجة بتمشي معاه بسلاسة. ولكن المشكلة هنا إنه الثلاثة دي بتبقى ليها ثمن. لأن الشخص ده مع الوقت بيبدأ يفقد حاجة مهمة جداً، بيفقد شخصيته. لأنه الإنسان اللي طول الوقت بيحاول يناسب ويوافق توقعات الناس اللي حواليه، بيبدأ يخبي ذاته الحقيقية، يخبي رأيه، يخبي رغباته، يخبي اختلافه واحتياجاته. ويبقى دايماً النسخة اللي الناس عايزة تشوفها.
والنتيجة إن الشخص ده بيبقى شخص باهت. ما حدش عارف هو عايز إيه، ما حدش عارف رأيه الحقيقي في أي موضوع، ما حدش عارف شخصيته الحقيقية. ببساطة، ما فيش احتكاك، ما فيش أثر. العلاقات الحقيقية محتاجة إنه الإنسان يظهر بنفسه كما هو، بشخصيته الحقيقية، برأيه، باختلافه، بالحدود اللي هو حاططها. لأنه الاحتكاك الصحي ده هو اللي بيخلق الجاذبية والاحترام. لكن الشخص اللي دايماً بيخاف إنه يظهر حقيقته ويفضل طول الوقت بيحاول يبقى كويس، غالباً بيفقد أهم حاجة في أي علاقة وهو التواصل الحقيقي.
وده بيخلينا نلاحظ حاجة غريبة جداً بتحصل في كتير من العلاقات حوالينا. إن الشخص اللي عايش بالنمط ده، غالباً بيقع في نوع معين من العلاقات. علاقات بيبقى هو فيها في دور المنقذ. حاجة غريبة جداً بتحصل في النوع ده من العلاقات. الشخص اللي عايش دايماً بنمط "النايس جاي" أو الشخص المثالي أو الشخص الطيب، غالباً ما بيختارش أي شريك بشكل عشوائي. كتير منهم بيقعوا في نفس النمط من العلاقات، علاقات مع أشخاص عندهم مشاكل كبيرة محتاجين دعم طول الوقت، أو حياتهم محتاجة حد يتدخل فيها ويصلحها. يعني ببساطة، بيختاروا شخص محتاج لإنقاذ.
وللوهلة الأولى، الموضوع يبان إنه حاجة يعني كويسة وشهامة، إنسان بيساعد إنسان تاني. ولكن لو بصينا بشكل أعمق شوية، هنكتشف إن في سبب نفسي بيخلي النمط ده يتكرر. الشخص اللي عايش بنمط المنقذ، غالباً بيحس بقيمته لما بيكون مطلوب، لما يحس إن في حد محتاج تج له، لما يكون هو الشخص اللي بيحل المشاكل. فدور المنقذ ده بيديله إحساس مؤقت بالأهمية. يعني يحس إنه مهم، يحس إن وجوده ليه قيمة. ولكن المشكلة إن العلاقات اللي بتبدأ دايماً بالطريقة دي، غالباً ما بتكونش متوازنة. تبقى علاقة طرف فيها دايماً بيدي والطرف الثاني هو دايماً بياخد. طرف بيصلح وطرف دايماً محتاج إنه يتصلح.
ومع الوقت العلاقة دي بتتحول أول من شراكة صحية لعلاقة إنقاذ. الشخص اللي بيحاول يصلح حياة الطرف الثاني، بيبدأ ينسى حياته هو، يركز في مشاكل الآخر وبينسى احتياجاته هو. وفي النهاية بيكتشف إنه مرهق جداً، مضغوط جداً، تعبان جداً، لأنه شايل حمل شخصين مع بعض، بدل ما كل واحد بيبقى شايل هم وحمل نفسه. وده بيخلينا نلاحظ حاجة تانية بتحصل كتير في العلاقات دي، إنه الشخص اللي عايش بالنمط ده ممكن يعاني حتى في الجانب العاطفي والحميمي من العلاقة. وده اللي هنسلط عليه الضوء في المحور اللي جاي.
واحدة من أكبر المشاكل اللي بيواجهها الشخص اللطيف أو الشخص الطيب زيادة عن اللزوم، بتظهر بوضوح في العلاقات العاطفية. الشخص ده غالباً بيدخل أي علاقة وهو مقتنع بـ فكرة معينة. فكرة إنه لو كنت الشريك المثالي، لو كنت متفهم للطرف الثاني طول الوقت، لو حاولت إني أرضي الطرف الثاني في كل حاجة وما أزعلوش، هنا العلاقة هتنجح. ولكن اللي بيحصل في الواقع في كتير من الأحيان هو العكس تماماً.
لأنه الشخص ده بيبدأ يخبي احتياجاته الحقيقية، ما بيقولش هو عايز إيه، ما بيعبرش عن رغباته بوضوح، وبيركز كل طاقته إنه يرضي الطرف الثاني. يبقى شغله الشاغل ببساطة: هل هي مبسوطة ولا لأ؟ هي زعلانة ولا لأ؟ هل هي محتاجة حاجة دلوقتي ولا لأ؟ لكن نادراً ما بيسأل نفسه: "أنا محتاج إيه؟ أنا عايز إيه؟"
ومع الوقت بيحصل تغيير غريب جداً في العلاقة. الشخص بيبقى موجود بذاته، ولكن شخصيته بتبدأ تختفي، تنمحي زي ما بنقول. بيبقى شخص دايماً متاح، دايماً موافق على أي حاجة تتقال، دايماً مستعد إنه يضحي. وفي البداية ممكن يكون ده شيء لطيف وجذاب، ولكن مع الوقت الجاذبية دي بتبتدي تقل. لأنه الجاذبية في العلاقات محتاجة شخصية واضحة، شخصية ليها حدود، محتاجة إنه الإنسان يبقى عنده رغبات.
ولكن الشخص اللي طول الوقت بيحاول يكون الشريك المثالي ده، ممكن يتحول تدريجياً لمجرد صديق لطيف. زي ما بنقول كده ساعات "الفريند زون" (Friend Zone). اللي الناس بتحبه، ولكن مش بالضرورة إنها تنجذب ليه. شخصية "الفريند زون"، المكان اللي الشخص بيبقى فيه محبوب، ولكن مش مرغوب. لأنه الجاذبية غالباً بتحتاج احتكاك بسيط، بتحتاج اختلاف، بتحتاج شخصية واضحة، بتحتاج رغبات صريحة، بتحتاج كده زي ما بنقول ساعات شوية ملح.
لكن الشخص اللي بيخاف إنه يظهر ويفضل طول الوقت يحاول يكون مثالي، غالباً بيخسر الجاذبية دي من غير ما يفهم هو إيه اللي حصل. طيب لو النمط ده بيعمل كل المشاكل دي، إيه البديل عن النمط ده؟ هل الحل إن الإنسان يتحول لشخص قاسي أو شخص أناني؟ ولا في نموذج تاني مختلف نقدر نوصل له؟
بعد ما قلنا كل الكلام ده، السؤال المنطقي هنا: طب الحل إيه؟ هل المفروض الشخص اللي كان لطيف طول الوقت إنه يتحول لشخص بعكس طبيعته؟ يبقى شخص قاسي زيادة عن اللزوم؟ هل يتحول من شخص بيحاول يرضي الجميع، فجأة لشخص شخص أناني أو عدواني؟
الحقيقة هنا إنه ده مش الهدف. الفكرة اللي بيطرحها الكتاب إنه الموضوع مش إنك تتحول من "نايس جاي" (Nice Guy) لـ "باد جاي" (Bad Guy) أو شخص سيء، ولكن إنك تتحول لما يسميه الكاتب "الرجل المتكامل" أو "المرأة المتكاملة". مش شخص مثالي، ولكن شخص متصالح مع نفسه، متصالح مع نقاط قوته، ومتصالح برضه مع نقاط ضعفه. فاهم كويس قوي رغباته، قابل للأخطاء اللي بيقع فيها. الشخص ده فاهم إن هو الشخص الوحيد المسؤول عن احتياجاته وسعادته، مش الناس، مش شريك حياته، ومش العالم من حواليه. هو بس.
علشان كده الرجل المتكامل ده بيعيش بطريقة مختلفة. بيعرف يقول: "أنا عايز كذا". بيعرف يقول: "إن ده لأ مش مناسب بالنسبة لي". ما بيخافش من الاختلاف الصحي بينه وبين أي حد. ما بيحاولش إنه يكون مثالي طول الوقت. وفي نفس الوقت مش بقسوة. ممكن يكون لطيف جداً، ولكن لطفه ده مختلف. اللطف ده مش بيكون نابع من خوف، ومش بيكون نابع إنه بيحاول يكسب القبول، ولكن لطفه وطيبته دي بتنبع من اختيار.
والفرق هنا كبير جداً. الشخص اللي بيساعد الناس لأنه خايف إنهم يرفضوه، غير الشخص اللي بيساعدهم لأنه اختار إنه يعمل كده. الشخص اللي بيوافق دايماً لأنه خايف من الرفض، غير الشخص اللي بيوافق لأنه فعلاً عايز كده. وده بيخلينا نفهم المعنى الحقيقي لقوة الشخصية. قوة الشخصية مش إنك تكون الشخص المثالي، ولكن إنك تكون الشخص الحقيقي. الشخص اللي الناس شايفاه زي ما هو، بكل عيوبه وبكل مميزاته.
ولما الإنسان يوصل للنقطة دي، بدل ما بيحاول إنه طول الوقت يكسب القبول من الناس، بيبتدي الناس هم اللي يحترموه. لأنه أخيراً بقى واضح، وبقى بشخصيته الحقيقية. وده بيخلينا نوصل للسؤال الأخير في حلقتنا: لو حد اكتشف إنه فعلاً عايش النمط ده، إيه أول خطوة محتاج يعملها علشان يخرج منه؟ هل الموضوع فعلاً نقدر نغيره بين يوم وليلة؟
للأسف لا. النمط ده غالباً بيتكون على مدار سنين طويلة، وبالتالي التغيير برضه بيحتاج وقت. لكن برضه في خطوات واضحة نقدر نبتدي بيها أول الرحلة.
أول خطوة: إنك تعترف بالنمط ده. إنك تلاحظ نفسك، إنك تسأل نفسك: هل انت من جواك بتبقى رافض الموقف ده أو الفكرة دي وظاهرياً بتوافق عليه؟ هل بتحاول دايماً إنك ترضي الناس حتى لو على حساب نفسك؟ هل بتشعر بالذنب لما بتحط حدود؟ الوعي هنا مهم جداً، لأنك مش هتقدر تغير حاجة وانت أصلاً مش شايفها.
الخطوة الثانية: إنك تتوقف عن البحث المستمر عن القبول. وده يمكن أصعب جزء، لأنه الشخص اللي عاش سنين طويلة بيحاول إنه يكسب رضا الناس، غالباً اتعود إنه يقيس قيمته برأي الناس فيه. ولكن الحقيقة إنك مش هتقدر تخلي الكل راضي عنك، ومجرد محاولتك إنك تعمل ده هي طريق مؤكد إنك تكون تعبان في حياتك.
الخطوة الثالثة: إنك تتعلم تحط الحدود، وتتعلم إنك تقول "لأ" بشكل واضح وبرضه في نفس الوقت بشكل محترم، مش بعصبية، مش بعدوانية، ولكن ببساطة إنك تقول: "أنا مش مرتاح مثلاً في الموضوع ده، أنا مش قادر أعمل كذا في الوقت الحالي، ده مش مناسب ليا". في البداية الموضوع هيبدو صعب بالنسبة لك، لأنك هتحس إنك بتعمل حاجة غريبة عليك. ولكن مع الوقت هتكتشف إنه العالم مش هينهار لما تحط حدود لنفسك. والناس اللي بتحترمك فعلاً هتحترم الحدود بتاعتك. أما الناس اللي مش بتقبل أو ما قبلتش الحدود دي، فغالباً كانت مستفيدة من غياب الحدود.
والأهم من كل ده، إن الرحلة دي مش هدفها إنك تبقى شخص قاسي على اللي حواليك، ولا إنك تبطل إنك تكون إنسان طيب. ولكن الهدف إنك تبقى شخص صادق وصريح مع نفسه. لأنه في النهاية زي ما قلنا، المشكلة مش في الطيبة أو في اللطف في حد ذاته. الطيبة قيمة جميلة جداً في حياتنا، وكلنا محتاجين أشخاص طيبين في حياتنا. ولكن لما بيتحول اللطف ده والطيبة لوسيلة إنك تحصل بيها على القبول، بتصبح في حد ذاتها قيد على حياتك. والقوة الحقيقية هي التحرر. التحرر من قيود نظرة الناس ليك، وإنك تعاير قيمتك في نظرهم، إنك تكون الشخص الحقيقي بكل ما فيك من عيوب ورغبات وحدود.
زي ما قلنا، كنت معاكم أحمد عبد الدايم من "أفيدونا". أشوفكم على خير إن شاء الله الحلقة الجاية. ويا ريت ترشحوا لنا كتب جديدة نقدر إن إحنا نتناولها في الحلقات اللي جاية. أشوفكم على خير دايماً بإذن الله. شكراً لكم. سلام لكم.