📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

الرحيق المختوم صفي الرحمن المباركفوري: السيرة النبوية The Sealed Nectar Biography of the Prophet

د. يحيى صالح دحامي10:37:51

Transcription

الرحيق المختوم بحث في السيره النبويه على صاحبها افضل الصلاه والسلام.

تاليف فضيله الشيخ صفي الرحمن المبارك فوري الجامعه السلفيه الهند.

كلمه المؤلف.

الحمد لله الذي ارسل رسوله بالهدى ودين دين الحق ليظهره على الدين كله فجعله شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا الى الله باذنه وسراجا منيرا. وجعل فيه اسوه حسنه لمن كان يرجو الله واليوم الاخر وذكر الله كثيرا. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى اله وصحبه ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين وفجر لهم ينابيع الرحمه والرضوان تفجيرا.

وبعد، فان من دواعي الغبطه والسرور ان رابطه العالم الاسلامي اعلنت عقب مؤتمر السيره النبويه الذي انعقد في باكستان في شهر ربيع الاول من سنه 1396 للهجره باقامه مسابقه على مستوى العالم الاسلامي للبحث حول موضوع السيره النبويه على صاحبها الف صلاه وسلام تنشيطا للكاتبين وتنسيقا لجهودهم الفكريه. واني ارى ان هذا العمل له قيمه كبيره ربما لا يحيط بوصفها البيان. فان السيره النبويه والاسوه المحمديه على صاحبها ما يستحق من الصلاه والسلام اذا لاحظناها بعين الدقه والاعتبار هي المنبع الوحيد الذي تتفجر منه ينابيع حياه العالم الاسلامي وسعاده المجتمع البشري.

وان من سعاده وحسن ظني اني اساهم في تلك المسابقه المباركه. ولكن اين انا حتى القي ضوءا على حياه سيد الاولين والاخرين صلى الله عليه وسلم. وانما انا رجل يرى لنفسه كل السعاده والفلاح ان يقتبس من نوره حتى لا يتهالك في دياجير الظلمات بل يحي وهو من امته ويموت وهو من امته ويغفر الله له ذنوبه بشفاعته.

وكلمه بسيطه ارى ان اقدمها عن منهجي في مقالتي هذه. اني قبل ان اخذ في كتابه المقاله رايت ان اضعها في حجم متوسط متجنبا التطويل الممل والايجاز المخل. ولكني كثيرا ما رايت في المصادر اختلافا كبيرا في ترتيب الوقائع او في تفصيل جزئياتها. وفي مثل هذه المواقع قمت بالتحقيق البالغ وادرت النظر في جميع جوانب البحث ثم اثبتت في صلب المقاله ما ترجح لدي بعد التحقيق. ولكن احترزت عن ايراد الدلائل والبراهين لان ذلك يفضي الى طول غير مطلوب. نعم ربما اشرت الى الدلائل حين خفت الاستغراب ممن يقرا المقاله او حين رايت عامه الكاتبين ذهبوا الى خلاف الصحيح.

اللهم قدر لي الخير في الدنيا والاخره انك انت الغفور الودود ذو العرش المجيد.

موقع العرب واقوامها.

ان السيره النبويه على صاحبها الصلاه والسلام عباره في الحقيقه عن الرساله التي حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المجتمع البشري واخرج بها الناس من الظلمات الى النور ومن عباده العباد الى عباده الله. واذا فلا يمكن احضار صورتها الرائعه بتمامها الا بعد المقارنه بين خلفيات هذه الرساله واثارها. ونظرا الى ذلك نقدم فصلا عن اقوام العرب وتطوراتها قبل الاسلام وعن الظروف التي بعث فيها محمد صلى الله عليه وسلم.

موقع العرب.

لغه الصحار والقفار والارض المجدبه التي لا ماء فيها ولا نبات. وقد اطلق هذا اللفظ منذ اقدم العصور على جزيره العرب كما اطلق على قوم قطنوا تلك الارض واتخذوها موطنا لهم. وجزيره العرب يحدها غربا البحر الاحمر وشبه جزيره سيناء وشرقا الخليج العربي وجزء كبير من بلاد العراق الجنوبيه وجنوبا بحر العرب الذي هو امتداد لبحر الهند وشمالا بلاد الشام وجزء من بلاد العراق على اختلاف في بعض هذه الحدود. وتقدر مساحتها ما بين مليون ميل مربع الى مليون و300 الف ميل مربع.

والجزيره لها اهميه بالغه من حيث موقعها الطبيعي والجغرافي. فاما باعتبار وضعها الداخلي فهي محاطه بالصحاره والرمال من كل جانب ومن اجل هذا الوضع صارت الجزيره حصنا منيعا لا يسمح للاجانب ان يحتلوها ويبسطوا عليها سيطرته ونفوذهم. ولذلك نرى سكان الجزيره احرارا في جميع الشؤون منذ اقدم العصور مع انهم كانوا مجاورين لامبراطوريتين عظيمتين لم يكونوا يستطيعون دفع هجماتهما لولا هذا السد المنيع.

واما بالنسبه الى الخارج فانها تقع بين القارات المعروفه في العالم القديم وتلتقي بها برا وبحرا. فان ناحيتها الشماليه الغربيه باب للدخول في قاره افريقيا وناحيتها الشماليه الشرقيه مفتاح لقاره اوروبا والناحيه الشرقيه تفتح ابواب العجم والشرق الاوسط والادنى وتفضي الى الهند والصين. وكذلك تلتقي كل قاره بالجزيره بحرا وترسي سفنها وبواخرها على ميناء الجزيره راسا. ولاجل هذا الوضع الجغرافي كان شمال الجزيره وجنوبها مهبطا للامم ومركزا لتبادل التجاره والثقافه والديانه والفنون.

اقوام العرب.

واما اقوام العرب فقد قسمها المؤرخون الى ثلاثه اقسام بحسب السلالات التي ينحدرون منها. اولا العرب البائده وهم العرب القدامى الذين لم يمكن الحصول على تفاصيل كافيه عن تاريخهم مثل عاد وثمود وطسم وجديس وعملاق وسواها. ثانيا العرب العاربه وهم العرب المنحدره من صلب يعرب ابن يشجب ابن قحطان وتسمى بالعرب القحطانيه. ثالثا العرب المستعربه وهي العرب المنحدره من صلب اسماعيل وتسمى بالعرب العدنانيه.

اما العرب العاربه وهي شعب قحطان فمهدها بلاد اليمن وقد تشعبت قبائلها وبطونها فاشتهرت منها قبيلتان. اولا حمير واشهر بطونها زيد الجمهور وقضاعه والسكاسك. ثانيا كهلان واشهر بطونها همدان وانمار وطيء ومذحج وكنده ولخم وجذام والازد والاوس والخزرج واولاد جفنه ملوك الشام. وهاجرت بطون كهلان عن اليمن وانتشرت في انحاء الجزيره. وكانت هجره معظمهم قبيل سيل العرم حين فشلت تجارتهم لضغط الرومان وسيطرتهم على طريق التجاره البحريه وافسادهم طريق البر احتلالهم بلاد مصر والشام. ولا غروه فقد كانت منافسه بين بطون كهلان وبطون حمير ادت الى جلاء كهلان ويشير الى ذلك بقاء حمير مع جلاء كهلان.

ويمكن تقسيم المهاجرين من بطون كهلان الى اربعه اقسام. اولا الازد وكانت هجرتهم على راي سيدهم وكبيرهم عمران بن عمر مزيقبا فساروا يتنقلون في بلاد اليمن ويرسلون الرواد ثم ساروا بعد ذلك الى الشمال. وهاك تفصيل الاماكن التي سكنوا فيها بعد الرحله نهائيا. عطف ثعلبه بن عمر من الازد نحو الحجاز فاقام بين الثعلبيه وذيقار. ولما كبر ولده وقوي ركنه سار نحو المدينه فاقام بها واستوطنها. ومن ابناء ثعلبه هذا الاوس والخزرج. ابن حارثه ابن ثعلبه وانتقل منهم حارثه بن عمر وهو خزاعه وبنوه في ربوع الحجاز حتى نزلوا بمر الظهران ثم افتتحوا الحرم فقطوا مكه واجلوا سكانها الجرامه. ونزل عمران بن عمر في عمان واستوطنها هو وبنوه وهم ازد عمان. واقامت قبائل نصر ابن الازد بتهامه وهم ازد شنوءه. وسار جفنه بن عمر الى الشام فاقام بها هو وبنوه وهو ابو الملوك الغساسنه نسبه الى ماء في الحجاز يعرف بغسان كانوا قد نزلوا بها اولا قبل تنقلهم الى الشام.

ثانيا لخم وجذام وكان في اللخميين نصر بن ربيعه ابو الملوك المناذره بالحيره.

ثالثا بنو طيء ساروا بعد مسير الازد نحو الشمال حتى نزلوا بالجبلين اجاى وسلمى واقاموا هناك حتى عرف الجبلان كانوا بجبلي طيء.

رابعا كنده نزلوا بالبحرين ثم اضطروا الى مغادرتها فنزلوا بحضرموت ولاقوا هناك ما لاقوا بالبحرين ثم نزلوا نجد وكانوا هناك حكومه كبيره الشان ولكن سرعان ما فنيت وذهبت اثارها. وهناك قبيله من حمير مع اختلاف في نسبتها اليه وهي قضاعه هجرت اليمن واستوطنت باديه السماوات من مشارف العراق.

واما العرب المستعربه فاصل جدهم الاعلى وهو سيدنا ابراهيم عليه السلام من بلاد العراق من بلده يقال لها ار على الشاطئ الغربي من نهر الفرات بالقرب من الكوفه. وقد جاءت الحفريات والتنقيبات بتفاصيل واسعه عن هذه البلده وعن اسره ابراهيم عليه السلام وعن الاحوال الدينيه والاجتماعيه في تلك البلاد. ومعلوم ان ابراهيم عليه السلام هاجر منها الى حاران او حران ومنها الى فلسطين فاتخذها قاعده لدعوته. وكانت له جولات في ارجاء هذه البلاد وغيرها وقدم مره الى مصر وقد حاول فرعون مصر كيدا وسوءا بزوجته ساره ولكن الله رد كيده في نحره وعرف فرعون مال ساره من الصله القويه بالله حتى اخدمها ابنته هاجر اعترافا بفضلها وزوجتها ساره ابراهيم ورجع ابراهيم الى فلسطين ورزقه الله من هاجر اسماعيل.

وغارت ساره حتى الجات ابراهيم الى نفي هاجر مع ولدها الصغير اسماعيل فقدم بهما الى الحجاز واسكنهما بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم الذي لم يكن اذ ذاك الا مرتفعا من الارض كالرابيه تاتيه السيول فتاخذ عن يمينه وشماله. فوضعهما عند دوحه فوق زمزم في اعلى المسجد وليس بمكه يومئذ احد وليس بها ماء. فوضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ورجع الى فلسطين. ولم تمضي ايام حتى نفد الزاد والماء وهناك تفجرت بئر زمزم بفضل الله فصارت قوتهما وبلاغا الى حين والقصه معروفه بطولها.

وجاءت قبيله يمانيه وهي جرهم الثانيه فقطنت مكه باذن من ام اسماعيل. يقال انهم كانوا قبل ذلك في الاوديه التي باطراف مكه. وقد صرحت روايه البخاري انهم نزلوا مكه بعد اسماعيل وقبل ان يشب وانهم كانوا يمرون بهذا الوادي قبل ذلك. وقد كان ابراهيم يرحل الى مكه بين اونه واخرى ليطالع تركته ولا يعلم كم كانت هذه الرحلات الا ان المصادر التاريخيه الموثوقه حفظت اربعا منها.

فقد ذكر الله تعالى في القران انه ارى ابراهيم في المنام انه يذبح اسماعيل فقام بامتثال هذا الامر فلما اسلم وتله للجبين وناديناه ايا ابراهيم قد صدقت الرؤيا انا كذلك نجزي المحسنين ان هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم. وقد ذكر في سفر التكوين ان اسماعيل كان اكبر من اسحاق بثلاث عشره سنه وسياق القصه يدل على انها وقعت قبل ميلاد اسحاق لان البشاره باسحاق ذكرت بعد سرد القصه بتمامها. وهذه القصه تتضمن رحله واحده على الاقل قبل ان يشب اسماعيل. اما الرحلات الثلاث الاخرى فقد رواها البخاري بطولها عن ابن عباس مرفوعا وملخصها ان اسماعيل لما شب وتعلم العربيه من جرهم وانفسهم واعجبهم زوجوهم امراه منهم وماتت امه وبدا لابراهيم ان يطالع تركته فجاء بعد هذا التزوج فلم يجد اسماعيل فسال امراته عنه وعن احوالهما فشكت اليه ضيق العيش فاوصاها ان تقول لاسماعيل ان يغير عتبه بابه. وفهم اسماعيل ما اراد ابوه فطلق امراته تلك وتزوج امراه اخرى وهي ابنه مضاض بن عمر كبير جرهم وسيدهم.

وجاء ابراهيم مره اخرى بعد هذا التزوج الثاني فلم يجد اسماعيل فرجع الى فلسطين بعد ان سال زوجته عنه وعن احوالهما فاثنت على الله فاوصى الى اسماعيل ان يثبت عتبه بابه. وجاء مره ثالثه فلقي اسماعيل وهو يبري نبلا له تحت دوحه قريبا من زمزم فلما راه قام اليه فصنع كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد وكان لقاؤهما بعد فتره طويله من الزمن قلما يصبر فيها الاب الكبير الاواه العطوف عن ولده والولد البار الصالح الرشيد عن ابيه. وفي هذه المره بني الكعبه ورفع قواعدها واذن ابراهيم في الناس بالحج كما امره الله.

وقد رزق الله اسماعيل من ابنه مضاض اثني عشر ولدا ذكرا وهم نابت او نبايوط قيدار وادبائيل ومبشام ومشماع ودوما وميشا وحدد ويتمى ويطور ونفيس وقيدمان. وتشعبت من هؤلاء اثنتا عشره قبيله سكنت كلها في مكه مده وكانت جل معيشتهم التجاره من بلاد اليمن الى بلاد الشام ومصر. ثم انتشرت هذه القبائل في ارجاء الجزيره بل والى خارجها ثم ادرجت احوالهم في غياهب الزمان الا اولاد نابت وقيدار. وقد ازدهرت حضاره انباط ابناء نابت في شمال الحجاز وكانوا حكومه قويه دان لها من باطرافها واتخذوا البطراء البتراء عاصمه لهم ولم يكن يستطيع مناواتهم احد حتى جاء الرومان فقضوا عليهم.

وقد رجح السيد سليمان الندوي بعد البحث الانيق والتحقيق الدقيق ان ملوك ال غسان وكذا الانصار من الاوس والخزرج لم يكونوا من ال قحطان وانما كانوا من ال نابت بن اسماعيل وبقاياهم في تلك الديار. واما قيدار بن اسماعيل فلم يزل ابناؤه بمكه يتناسلون هناك حتى كان منه عدنان وولده معد ومنه حفظت عرب العدنانيه انسابها. وعدنان هو الجد الحادي والعشرون في سلسله النسب النبوي. وقد ورد انه صلى الله عليه وسلم كان اذا انتسب فبلغ عدنان يمسك ويقول كذب النسابون فلا يتجاوزه. وذهب جمع من العلماء الى جواز رفع النسب فوق عدنان مضعفين للحديث المشار اليه وقالوا ان بين عدنان وبين ابراهيم عليه السلام اربعه اباء بالتحقيق والتدقيق.

وقد تفرقت بطون معد بن ولده نزار قيل لم يكن لمعد ولد غيره فكان لنزار اولاد تشعبت منهم اربع قبائل عظيمه اياد وانمار وربيعة ومضر. وهذان الاخيران هما اللذان كثرت بطونهما واتسعت افخاذهما فكان من ربيعه اسد بن ربيعه وعنزه وعبد القيس وابن وائل بكر وتغلب وحنيفه وغيرها. وتشعبت قبائل مضر الى شعبتين عظيمتين قيس عيلان بن مضر وبطون الياس بن مضر. فمن قيس عيلان بنو سليم وبنو هواز وبنو غطفان ومن غطفان عبس وذبيان واشجع وغني بن اعصر. ومن الياس بن مضر تميم بن مرة وهذيل بن مدركه وبنو اسد بن خزيمة وبطون كنانه ابن خزيمة. ومن كنانه قريش وهم اولاد فهر بن مالك ابن النضر بن كنانه. وانقسمت قريش الى قبائل شتى من اشهرها جمح وسهم وعدي ومخزوم وتيم وزهرة وبطون قصي بن كلاب وهي عبد الدار ابن قصي واسد بن عبد العز بن قصي وعبد مناف قصي. وكان من عبد مناف اربع فصائل عبد شمس ونوفل والمطلب وهاشم. وبيت هاشم هو الذي اصطفى الله منه سيدنا محمدا ابن عبد الله ابن عبد المطلب بن هاشم صلى الله عليه وسلم.

قال صلى الله عليه وسلم: "ان الله اصطفى من ولد ابراهيم اسماعيل واصطفى من ولد اسماعيل كنانه واصطفى من بني كنانه قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم".

وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ان الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم وخير الفريقين ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيله ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم فانا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا".

ولما تكاثر اولاد عدنان تفرقوا في انحاء شتى حتى من بلاد العرب متتبعين مواقع القطر ومنابت العشب. فهاجرت عبد القيس وبطون من بكر بن وائل وبطون من تميم الى البحرين فاقاموا بها. وخرجت بنو حنيفه بن صعب بن علي بن بكر الى اليمامه فنزلوا بحجر قصبه اليمامه. واقامت سائر بكر بن وائل في طول الارض من اليمامه الى البحرين الى سيف كاظمه الى البحر فاطراف سواد العراق فالابله فهي. واقام التغلب بالجزيره الفراتيه ومنها بطون كانت تساكن بكرا. وسكنت بنو تميم بباديه البصره. واقامت بنو سليم بالقرب من المدينه من وادي القرى الى خيبر الى شرقي المدينه الى حد الجبلين الى ما ينتهي الى الحره. وسكنت ثقيف بالطائف وهوازم في شرقي مكه بنواحي اوطاس وهي على الجاده بين مكه والبصره. وسكنت بنو اسد شرقي ماء وغربي الكوفه بينهم وبين تيماء ديار بحتر من طيء وبينهم وبين الكوفه خمس ليال. وسكنت ذبيان بالقرب من تيماء الى حوران. وبقي بتهامه بطون كنانه واقام بمكه وضواحيها بطون قريش. وكانوا متفرقين لا تجمعهم جامعه حتى نبغ فيهم قصي بن كلاب فجمعهم وكون لهم وحده شرفتهم ورفعت من اقدارهم.

الحكم والاماره في العرب.

حينما اردنا ان نتكلم عن احوال العرب قبل الاسلام راينا ان نضع صوره مصغره من تاريخ الحكومه والاماره والملل والاديان في العرب حتى يسهل علينا فهم الاوضاع الطارئه عند ظهور الاسلام. كان حكام الجزيره حين بزغت شمس الاسلام قسمين. قسم منهم ملوك متوجون لكنهم كانوا في الحقيقه غير مستقلين. وقسم هم رؤساء القبائل والعشائر لهم ما للملوك من الحكم والامتياز ومعظم هؤلاء كانوا على تمام الاستقلال وربما كانت لبعض بعضهم تبعيه لملك متوج. والملوك المتوجون هم ملوك اليمن وملوك ال غسان وملوك الحيره. وما عدا هؤلاء من حكام الجزيره فلم تكن لهم تيجان الملك.

باليمن.

من اقدم الشعوب التي عرفت باليمن من العرب العاربه قوم سبا. وقد عثر على ذكرهم في حفريات قبل 25 قرنا قبل الميلاد. ويبدا ازدهار حضارتهم ونفوذ سلطانهم وبسط سيطرتهم بادش قرن قبل الميلاد. ويمكن تقسيم ادوارهم حسب التقدير الاتي.

اولا القرون التي خلت قبل سنه 650 قبل الميلاد وكان ملوكهم يلقبون في هذا الزمن بمكرب سبا. وكانت عاصمتهم بلده صرواح التي توجد انقاضها على مسافه يوم الى الجانب الغربي من بلده مارب وتعرف باسم خريبه. وفي زمنهم بدا بناء السد الذي عرف بسد مارب والذي له شان كبير في تاريخ اليمن. ويقال ان سبا بلغوا من بسط سلطتهم الى ان اتخذوا المستعمرات في داخل بلاد العرب وخارجها.

ثانيا منذ سنه 650 قبل الميلاد الى سنه 115 قبل الميلاد. وفي هذا الزمن تركوا لقب مكرب وعرفوا بملوك سبا واتخذوا مارب عاصمه لهم بدل صرواح وتوجد انقاضها على بعد 60 ميلا من صنعاء الى جانبها الشرقي.

ثالثا منذ سنه 115 قبل الميلاد الى سنه 300 ميلاديه. وفي هذا العهد غلبت قبيله حمير على مملكه سبا واتخذت بلده ريدان عاصمه لها بدل مارب ثم سميت بلده ريدان باسم ظفار وتوجد انقاضها على جبل مدور بالقرب من يريم. وفي هذا العهد بدا فيهم السقوط والانحطاط فقد فشلت تجارتهم الى حد كبير لبست سيطره الانباط في شمال الحجاز اولا ثم لغلبه الرومان على طرق التجاره البحريه بعد نفوذ سلطانهم على مصر وسوريا وشمالي الحجاز ثانيا ولتنافس القبائل فيما بينها ثالثا. وهذه العناصر هي التي سببت في تفرق ال قحطان وهجرتهم الى البلاد الشاسعه.

رابعا منذ سنه 300 ميلاديه الى ان دخل الاسلام في اليمن. وفي هذا العهد توالت عليهم الاضطرابات والحوادث وتتابعت الانقلابات والحروب الاهليه التي جعلتهم عرضه للاجانب حتى قضت على استقلالهم. ففي هذا العهد دخل الرومان في عدن وبمعونتهم احتلت الاحباش اليمن لاول مره سنه 340 ميلاديه مستغلين التنافس بين قبيلتي همدان وحمير. واستمر احتلالهم الى سنه 378 ميلاديه ثم نالت اليمن استقلالها ولكن بدات تقع الثلمات في سد مارب حتى وقع السيل العظيم الذي ذكره القران الكريم بسيل العرم في سنه 450 ميلاديه او 451 ميلاديه. وكانت حادثه كبرى ادت الى خراب العمران وتشتت الشعوب.

وفي سنه 523 ميلاديه قاد ذو نواس اليهودي حمله منكره على المسيحيين من اهل نجران وحاول صرفهم عن المسيحيه قسرا ولما ابوا خد لهم الاخدود والقاهم في النيران. وهذا الذي اشار اليه القران الكريم في سوره البروج بقوله "قتل اصحاب الاخدود". وكان من جراء ذلك نقمه النصرانيه الناشطه الى الفتح والتوسع تحت قياده اباطره الرومان على بلاد العرب فقد حرضوا الاحباش وهيا لهم الاسطول البحري فنزل 70 الف جندي من الحبشه تلوا اليمن مره ثانيه بقياده اريا سنه 525 ميلاديه وظل اريا حاكما من قبل ملك الحبشه حتى اغتاله ابرها احد جيشه وحكم بدله بعد ان استرضى ملك الحبشه. وابرهه هذا هو الذي جند الجنود لهدم الكعبه وعرف هو وجنوده باصحاب الفيل. وبعد وقعه الفيل استنجد اليمانيون بالفرس وقاموا بمقاومه الحبشه حتى اجلوهم عن البلاد ونالوا الاستقلال في سنه 575 ميلاديه بقياده معد يكرب ابن سيف ذي يزن الحميري واتخذوه ملكا لهم. وكان معد يكرب ابقى معه جمعا من الحبشه يخدمونه ويمشون في ركابه فاغتالوه ذات يوم وبموته انقطع الملك عن بيت ذي يزن. وولى كسرى عاملا فارسيا على صنعاء وجعل اليمن ولايه فارسيه فلم تزل الولاه من الفرس تتعاقب على اليمن حتى كان اخرهم باذان الذي اعتنق الاسلام سنه 638 ميلاديه وباسلامه انتهى نفوذ فارس على بلاد اليمن.

الملك بالحيره.

كانت الفرس تحكم على العراق وما جاورها منذ ان جمع شملهم قورش الكبير ما بين 557 الى 529 قبل الميلاد. ولم يكن احد يناوئهم حتى قام الاسكندر المقدوني سنه 326 قبل الميلاد فهزم ملكهم دارا الاول وكسر شوكتهم حتى تجزات بلادهم وتولاها ملوك يعرفون بملوك الطوائف واستمروا يحكمون البلاد مجزاه الى سنه 230 ميلاديه. وفي عهد هؤلاء الملوك هاجر القحطانيون واحتلوا جزءا من ريف العراق ثم لحقهم من هاجر من العدنانيين فزاحموهم حتى سكنوا جزءا من الجزيره الفراتيه. وعادت القوة مره ثانيه الى الفرس في عهد اردشير مؤسس الدوله الساسانيه منذ سنه 226 ميلاديه فانه جمع شمل الفرس واستولى على العرب المقيمين على تخوم ملكه. وكان هذا سببا في رحيل قضاعه الى الشام ودان له اهل الحيره والانبار.

وفي عهد اردشير كانت ولايه جذيمه الوضاح على الحيره وسائر من بباديه العراق والجزيره من ربيعه ومضر. وكان اردشير راى انه يستحيل عليه ان يحكم العرب مباشره ويمنعهم من الاغاره على تخوم ملكه الا ان يملك عليهم رجلا منهم له عصبيه تؤيده وتمنعه ومن جهه اخرى يمكنه الاستعانه بهم على ملوك الرومان الذين كان يتخوفهم وليكون عرب العراق امام عرب الشام الذين اصطنعهم ملوك الرومان. وكان يبقي عند ملك الحيره كتيبه من جند الفرس ليستعين بها على الخارجين على سلطانه من عرب الباديه. وكان موت جذيمه حوالي سنه 268 ميلاديه.

وبعد موت جذيمه ولي الحيره عمرو بن عدي بن نصر اللخمي اول ملوك اللخميين في عهد كسرى سابور بن اردشير. ثم لم تزل الملوك من اللخميين تتوالى على الحيره حتى ولي الفرس قباذ بن فيروز. وفي عهده ظهر مزدك وقام بالدعوه الى الاباحيه فتبعه قباذ كما تبعه كثير من رعيته. ثم ارسل قباذ الى ملك الحيره وهو المنذر ابن ماء السماء يدعوه الى ان يختار هذا المذهب ويدين به فابى عليه حميه وانفه فعزله قباذ وولى بدله الحارث بن عمرو ابن حجر الكندي بعد ان اجاب دعوته الى المذهب المزدكي. وخلف قباذ كسرى انو شروان وكان يكره هذا المذهب جدا فقتل المزدك وكثيرا ممن دان بمذهبه واعاد المنذر الى ولايه الحيره. وطلب الحارث بن عمر لكنه افلت الى دار كلب فلم يزل فيهم حتى مات. واستمر الملك بعد المنذر بن ماء السماء في عقبه حتى كان النعمان بن المنذر وهو الذي غضب عليه كسرى بسبب وشايه دبرها زيد بن عدي العبادي وارسل كسرى الى النعمان يطلبه فخرج النعمان حتى نزل سرا على هان ابن مسعود سيد ال شيبان فاودعه اهله وماله ثم توجه الى كسرى فحبسه كسرى حتى مات وولى على الحيره بدله اياس بن قبيصه الطائي وامره ان يرسل الى هاني بن مسعود يطلب منه تسليم ما عنده فابى ذلك هانئ حميه واذن الملك بالحرب. ولم تلبث ان جاءت مرازبه كسرى وكتائبه في موكب اياس وكانت بين الفريقين موقعه هائله عند ذيقار وانتصر فيها بنو شيبان وانهزمت الفرس هزيمه منكره. وهذا اول يوم انتصرت فيه العرب على العجم وهو بعد ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم بقليل فانه عليه السلام ولد لثمانيه اشهر من ولايه اياس بن قبيصه على الحيره. وولى كسرى على الحيره بعد ايام حاكما فارسيا في سنه 632 ميلاديه. عاد الملك الى ال لخم فتولى منهم المنذر الملقب بالمعرور ولم تزد ولايته على ثمانيه اشهر حتى قدم عليه خالد بن الوليد رضي الله عنه بعساكر المسلمين.

الملك بالشام.

في العهد الذي ماجت فيه العرب بهجرات القبائل صارت بطون من قضاعه الى مشارف الشام وسكنت بها وكانوا من بني سليح بن حلوان الذين منهم بنو ضجعم بن سليح المعروفون باسم الضجاعمه. فاصطنعهم الرومان ليمنعوا عرب البريه من العبث وليكونوا عده ضد الفرس وولوا منهم ملكا ثم تعاقب الملك فيهم سنين ومن اشهر ملوكهم زياد بن الهبوله. ويقدر زمنهم من اوائل القرن الثاني الميلادي الى نهايته تقريبا وانتهت ولايتهم بعد قدوم ال غسان الذين غلبوا الضجاعمه على ما بيدهم وانتصروا عليهم فولتهم الروم ملوكا على عرب الشام. وكانت قاعدتهم دومه الجندل. ولم تزل تتوالى الغساسنه على الشام بصفتهم عمالا لملوك الرومان حتى كانت وقعه اليرموك سنه 13 للهجره وانقاد للاسلام اخر ملوكهم جبله ابن الايهم في عهد امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

الاماره بالحجاز.

ولي اسماعيل عليه السلام زعامه مكه وولايه البيت طول حياته وتوفي وله 137 عاما. ثم ولي اثنان من ابنائه نابت ثم قيدار ويقال العكس. ثم ولي امر مكه بعدهما جدهما مضاض بن عمر الجرهمي فانتقلت زعامه مكه الى جرهم وظلت في ايديهم. وكان لاولاد اسماعيل مركز محترم لما لابيهم من بناء البيت ولم يكن لهم من الحكم شيء. ومضت الدهور والايام ولم يزل امر اولاد اسماعيل عليه السلام ضئيلا يذكر حتى ضعف امر جرهم قبيل الى ظهور بخت نصر. واخذ نجم عدنان السياسي يتالق في افق سماء مكه منذ ذلك العصر بدليل ما جاء بمناسبه غزو بخت نصر للعرب في ذات عرق فان قائد العرب في الموقعه لم يكن جرهميا. وتفرقت بنو عدنان الى اليمن عند غزوه بخت نصر الثانيه سنه 587 قبل الميلاد وذهب برمياه النبي بمعد الى الشام. فلما انكشف ضغط بخت نصر رجع معد الى مكه فلم يجد من جرهم الا جرشم ابن جلهمه فتزوج بابنته معانه فولدت له نزارا. وساء امر جرهم بمكه بعد ذلك وضاقت احوالهم فظلموا الوافدين اليها واستحلوا مال الكعبه الامر الذي كان يغيظ العدنانيين ويثير حفيظتهم. ولما نزلت خزاعه بمر الظهران ورات نفور العدنانيين من الجراهمه استغلت ذلك فقامت بمعونه من بطون عدنان وهم بنو بكر بن عبد مناف كنانه بمحاربه جرهم حتى اجلتهم عن مكه واستولت على حكمها في اواسط القرن الثاني للميلاد. ولما لجات جرهم الى الجلاء سدوا بئر زمزم ودرسوا موضعها ودفنوا فيها عده اشياء. قال ابن اسحاق فخرج عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي بغزالي الكعبه وبحجر الركن الاسود فدفنهما في بئر زمزم وانطلق هو ومن معه من جرهم الى اليمن فحزنوا على ما فارقوا من امر مكه وملكها حزنا شديدا. وفي ذلك قال عمر:

كان لم يكن بين الحجون الى الصفا انيس ولم يسمر بمكه سامروا.

بلى نحن كنا اهلها فابادنا الليالي والجدود العواثر.

ويقدر زمن اسماعيل عليه السلام ب 20 قرنا قبل الميلاد فتكون اقامه جرهم في مكه 21 قرنا تقريبا وحكمهم على مكه زهاء 20 قرنا. واستبدت خزاعه بامر مكه دون بني بكر. الا انه كان الى قبائل مضر ثلاث خلال. الاولى الدفع بالناس من عرفه الى المزدلفه والاجازه بهم يوم النفر من منى وكان يلي ذلك بنو الغوث بن مره من بطون الياس بن مضر وكانوا يسمون صوفه. ومعنى هذه الاجازه ان الناس كانوا لا يرمون يوم النفر حتى يرمي رجل من صوفه ثم اذا فرغ الناس من الرمي وارادوا النفر من منى اخذت صوفه بجانبي العقبه فلم يجز احد حتى يمروا ثم يخلون سبيل الناس. فلما انقرضت صوفه ورثهم بنو سعد بن زيد مناة من تميم. الثانيه الافاضه من جمع غداه النحر الى منى كان ذلك في بني عدوان. الثالثه انس ساء الاشهر الحرم وكان ذلك الى بني تميم ابن عدي من بني كنانه. واستمرت ولايه خزاعه على مكه 300 سنه. وفي وقت حكمهم انتشر العدنانيون في نجد واطراف العراق والبحرين وبقي باطراف مكه بطون من قريش وهم حلول وحرم وبيوتات متفرقون في قومهم من بني كنانه وليس لهم من امر مكه ولا البيت الحرام شيء حتى جاء قصي ابن كلاب.

ويذكر من امر قصي ان اباه مات وهو في حضن امه ونكحت امه رجلا من بني عذره وهو ربيعه بن حرام فاحتملها الى بلاده باطراف الشام. فلما شب قصي رجع الى مكه وكان واليها اذ ذاك حليل بن حبشه من خزاعه فخطب قصي الى حليل ابنته حبا فرغب فيه حليل وزوجه اياها. فلما مات حليل قامت حرب بين خزاعه وقريش ادت اخيرا الى تغلب قصي على امر مكه والبيت. وهناك ثلاث روايات في بيان سبب هذه الحرب. الاولى ان قصيا لما انتشر ولده وكثر ماله وعظم شرفه وهلك حليل راى انه اولى بالكعبه وبامر مكه من خزاعه وبني بكر وان قريشا رؤوس ال اسماعيل وصريحهم فكلم رجالا من قريش وبني كنانه في اخراج خزاعه وبني بكر عن مكه فاجابوه. الثانيه ان حليلا فيما تزعم خزاعه اوصى قصيا بالقيام على الكعبه وبامر مكه. الثالثه ان حليلا اعطى ابنته حبا ولايه البيت واتخذ ابا غبشان الخزاعي وكيلا لها فقام ابو غبشان بسدانه الكعبه نيابه عن حبا فلما مات حليل اشترى قصي ولايه البيت من ابي غبشان بزق من الخمر ولم ترضى خزاعه بهذا البيع وحاولوا منع قصي عن البيت فجمع قصي رجالا من قريش وبني كنانه لاخراج خزاعه من مكه فاجابوه.

وايا ما كان فلما مات حليل وفعلت صوفه ما كانت تفعل اتاهم قصي بمن معه من قريش وكنا نانه عند العقبه فقال نحن اولى بهذا منكم فقاتلوه فغلبهم قصي على ما كان بايديهم وانحازت عند ذلك خزاعه وبنو بكر عن قصي فبداهم قصي واجمع لحربهم فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فصار جمع من الفريقين فريسه له ثم تداعوا الى الصلح فحكموا يعمر بن عوف احد بني بكر فقضى بان قصيا اولى بالكعبه وبامر مكه من خزاعه وكل دم اصابه قصي منهم موضوع بشدخه تحت قدميه وما اصابت خزاعه وبنو بكر ففيه الديه وان يخلى بين قصي وبين الكعبه فسمي يعمر يومئذ الشده داخ. وكان استيلاء قصي على مكه والبيت في اواسط القرن الخامس للميلاد سنه 440 ميلاديه. وبذلك صارت لقصي ثم لقريش السياده التامه والامر النافذ في مكه وصار الرئيس الديني لذلك البيت الذي كانت تفد اليه العرب من جميع انحاء الجزيره.

ومما فعله قصي بمكه انه جمع قومه من منازلهم الى مكه وقطعها رباعا بين قومه وانزل كل قوم من قريش منازلهم التي اصبحوا عليها واقر النساه وال صفوان وعدوان ومره ابن عوف على ما كانوا عليه من المناصب لانه كان يراه دينا في نفسه لا ينبغي تغييره. ومن ماثر قصي انه اسس دار الندوه بالجانب الشمالي من مسجد الكعبه وجعل بابها الى المسجد وكانت مجمع قريش وفيها تفصل مهام امورها ولهذه الدار فضل على قريش لانها ضمنت اجتماع الكلمه وفض المشاكل بالحسنى.

وكان لقصي من مظاهر الرئاسه والتشريف. اولا رئاسه دار الندوه ففيها كانوا يتشاورون فيما نزل بهم من جسام الامور ويزوجون فيها بناتهم. ثانيا اللواء فكانت لا تعقد رايه الحرب الا بيده. ثالثا الحجابه وهي حجابه الكعبه لا يفتح بابها الا هو وهو الذي يلي امر خدمتها وسدانتها. رابعا سقايه الحاج وهي انهم كانوا يملؤون للحجاج حياضا من الماء يحلونها بشيء من التمر والزبيب فيشرب الناس منها اذا وردوا مكه. خامسا رفاده الحاج وهي طعام كان يصنع للحاج على طريقه الضيافه كان قصي فرض على قريش خرجا تخرجه في الموسم من اموالها الى قصي فيصنع به طعاما للحاج ياكله من لم يكن له سعه ولا زاد. وكان كل ذلك لقصي. وكان ابنه عبد مناف قد شرف وساد في حياته وكان عبد الدار بكره فقال له قصي لالحقنك بالقوم وان شرفوا علي فاوصى له بما كان يليه من مصالح قريش فاعطاه دار الندوه والحجابه واللواء والسقايه والرفاده. وكان قصي لا يخالف ولا يرد رد عليه شيء صنعه وكان امره في حياته وبعد موته كالدين المتبع. فلما هلك اقام بنوه امره لا نزاع بينهم ولكن لما هلك عبد مناف نافس ابناؤه بني عمهم عبد الدار في هذه المناصب وافترقت قريش فرقتين وكاد يكون بينهم قتال الا انهم تداعوا الى الصلح واقتسموا هذه المناصب فصارت السقايه والرفاده الى بني عبد مناف وبقيت دار الندوه واللواء والحجابه بيد بني عبد الدار. ثم حكم بنو عبد مناف القرعه فيما اصابهم فخرجت لهاشم بن عبد مناف فكان هو الذي يلي السقايه والرفاده طول حياته. فلما مات خلفه اخوه المطلب بن عبد مناف وولي بعده عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف جد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده ابناؤه حتى جاء الاسلام والولايه الى العباس بن عبد المطلب.

وكانت لقريش مناصب سوى ذلك وزعوها فيما بينهم وكونوا بها دويله بل بتعبير اصح شبه دويله ديمقراطيه وكانت لها من الدوائر والتشكيلات الحكوميه ما يشبه في عصرنا هذا دوائر البرلمان ومجالسها. وهاك لوحه من تلك المناصب. اولا الايثار اي توليه قداح الاصنام للاستقسام كان ذلك في بني جمح. ثانيا تحجير الاموال اي نظم القربات والنذور التي تهدى الى الاصنام وكذلك فصل الخصومات والمرافقات كان ذلك في بني سهم. ثالثا الشورى كانت في بني اسد. رابعا الاشناق اي نظم الديات والغرامات كان ذلك في بني تيم. خامسا العقاب اي حمل اللواء القومي كان ذلك في بني اميه. سادسا القبه اي نظم المعسكر وكذلك قياده الخيل كان في بني مخزوم. سابعا السفاره كانت في بني عدي.

الحكم في سائر العرب.

قد سبق لنا ان ذكرنا هجرات القبائل القحطانيه والعدنانيه وان البلاد العربيه اقتسمت فيما بينها فما كان من هذه القبائل بالقرب من الحيره كان تبعا لملك العرب بالحيره وما كان منها في باديه الشام كانت تبعا للغساسنه الا ان هذه التبعيه كانت اسميه لا فعليه. واما كان منها في البوادي في داخل الجزيره فكان كانت حره مطلقه. وفي الحقيقه كان لهذه القبائل رؤساء تسودهم القبيله وكانت القبيله حكومه مصغره اساس كيانها السياسي الوحده العصبيه والمنافع المتبادله في حمايه الارض ودفع العدوان عنها. وكانت درجه رؤساء القبائل في قومهم كدرجه الملوك فكانت القبيله تبعا لراي سيدها في السلم والحرب لا تتاخر عنه بحال. وكان له من الحكم والاستبداد بالراي ما يكون لدكتاتور قوي حتى كان بعضهم اذا غضب غضب له الوف من السيوف لا تساله فيما غضب. الا ان المنافسه في السياده بين ابناء العم كانت تدعوهم الى المصانعه بالناس من بذل الندى واكرام الضيف والكرم والحلم واظهار الشجاعه والدفاع عن الغير حتى يكسبوا المحامد في اعين الناس ولا سما الشعراء الذين كانوا لسان القبيله في ذلك الزمان وحتى تسمو درجتهم عن مستوى المنافسين. وكان للساده والرؤساء حقوق خاصه فكانوا ياخذون من الغنيمه المرباعه والصفيه والنشيطه والفضول. يقول الشاعر:

لك المرباع فينا والصفايا وحكمك والنشيطه والفضول.

والمرباع ربع الغنيمه والصفي ما يصفيه الرئيس لنفسه قبل القسمه والنشيطه ما اصاب الرئيس في الطريق قبل ان يصل الى بيضه القوم والفضول ما فضل من القسمه مما لا تصح قسمته على عدد الغزاه كالبعير والفرس ونحوهما.

الحاله السياسيه.

قد ذكرنا حكام العرب والان ان لنا ان نذكر جمله من احوالهم السياسيه. فالاقطار الثلاثه التي كانت مجاوره للاجانب كانت حالتها السياسيه في تضعضع وانحطاط لا مزيد عليه. فكان الناس بين ساده وعبيد او حكام ومحكومين. فالساده ولا سما الاجانب لهم كل الغن والعبيد عليهم كل الغرم. وبعباره اوضح ان الرعايا كانت بمثابه مزرعه عه تورد المحصولات الى الحكومات فتستخدمها في ملذاتها وشهواتها ورغائبها وجورها وعدوانها. اما الناس فهم في عمايتهم يتخبطون والظلم ينحط عليهم من كل جانب وما في استطاعتهم التذمر والشكوى بل هم يسامون الخسف والجور والعذاب الوانا ساكتين. فقد كان الحكم استبداديا والحقوق ضائعه مهدوره. والقبائل المجاوره لهذه الاقطار مذبذبه تتقاذفهم الاهواء والاغراض مره يدخلون في اهل العراق ومره يدخلون في اهل الشام. وكانت احوال القبائل داخل الجزيره العربيه مفككه الاوصال تغلب عليها المنازعات القبليه والاختلافات العنصريه والدينيه حتى قال ناطقهم:

وما انا الا من غزيه ان غوت غويت وان ترشد غزيه ارشدي.

ولم يكن لهم ملك يدعم استقلالهم او مرجع يرجعون اليه ويعتمدون عليه وقت الشدائد. واما حكومه الحجاز فقد كانت تنظر ينظر اليها العرب نظره تقدير واحترام ويرونها قاده وسدنه المركز الديني. وكانت تلك الحكومه في الحقيقه خليطا من الصداره الدنيويه والحكوميه والزعامه الدينيه حكمت بين العرب باسم الزعامه الدينيه وحكمت في الحرم وما والاه بصفتها حكومه تشرف على مصالح الوافدين الى البيت وتنفذ حكم شريعه ابراهيم. وكانت لها من الدوائر والتشكيلات ما يشابه دوائر البرلمان كما اسلفنا ولكن هذه الحكومه كانت ضعيفه لا تقدر على حمل العبء كما وضح يوم غزو الاحباش.

ديانات العرب.

كان معظم العرب اتبعوا دعوه اسماعيل عليه السلام حين دعاهم الى دين ابيه ابراهيم عليه السلام فكانت تعبد الله وتوحده وتدين بدينه حتى طال عليهم الامد ونسوا حظا مما ذكروا به الا انهم بقي فيهم التوحيد وعده شعائر من دين ابراهيم. حتى جاء عمرو بن لحي رئيس خزاعه وكان قد نشا على امر عظيم من المعروف والصدقه والحرص على امور الدين فاحبه الناس ودانوا له ظنا منهم انه من اكابر العلماء وافاضل الاولياء. ثم انه سافر الى الشام فراهم يعبدون الاوثان فاستحسن ذلك وظنه حقا لان الشام محل الرسل والكتب فقدم معه بهبل وجعله في جوف الكعبه ودعا اهل مكه الى الشرك بالله فاجابوه. ثم لم يلبث اهل الحجاز ان تبعوا اهل مكه لانهم ولاه البيت واهل الحرم.

ومن اقدم اصنامهم مناة كانت بالمشلل على ساحل البحر الاحمر بالقرب من قديد. ثم اتخذوا اللات في الطائف ثم اتخذوا العزه بوادي نخله. هذه الثلاث اكبر اوثانهم. ثم كثر الشرك وكثرت الاوثان في كل بقعه من الحجاز. ويذكر ان عمرو بن لحي كان له رئي من الجن فاخبره بان اصنام قوم نوح ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا مدفونه بجده فاتاها فاستثارها ثم اوردها الى تهامه فلما جاء الحج دفعها الى القبائل فذهبت بها الى اوطانها حتى صار لكل قبيله ثم في كل بيت صنم. وقد ملاوا المسجد الحرام بالاصنام. ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكه وجد حول البيت 360 صنما فجعل يطعنها حتى تساقطت ثم امر بها فاخرجت من المسجد وحرقت. وهكذا صار الشرك وعباده الاصنام اكبر مظهر من مظاهر دين اهل الجاهليه الذين كانوا يزعمون انهم على دين ابراهيم. وكانت لهم تقاليد ومراسم في عباده الاصنام ابتدع اكثرها عمرو بن لحي. وكانوا يظنون ان ما احدث فهرو بن لحي بدعه حسنه وليس بتغيير لدين ابراهيم.

فكان من مراسم عبادتهم للاصنام انهم اولا كانوا يعكفون عليها ويلتجئون اليها ويهتفون بها ويستغيثونها في الشدائد ويدعونها لحاجاتهم معتقدين انها تشفع عند الله وتحقق لهم ما يريدون. ثانيا وكانوا يحجون اليها ويطوفون حولها ويتذللون عندها ويسجدون لها. ثالثا وكانوا يتقربون اليها بانواع من القرابين فكانوا يذبحون وينحرون لها وباسمائها. وهذان النوعان من الذبح ذكرهما الله تعالى في قوله "وما ذبح على النصب" وفي قوله "ولا تاكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه". رابعا وكان من انواع التقرب انهم كانوا يخصون للاصنام شيئا من ماكلهم ومشاربهم حسب ما يبدو لهم. وكذلك يخصون لها نصيبا من حرفهم وانعامهم. ومن الطرائف انهم كانوا يخصون من ذلك جزءا لله ايضا وكانت عندهم اسباب كثيرا ما كانوا ينقلون لاجلها الى الاصنام ما كان لله ولكن لم يكونوا ينقلون الى الله ما كان لاصنامهم بحال. قال تعالى: "وجعلوا لله مما ذرا من الحرث والانعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائنا فلا يصل الى الله وما كان لله فهو يصل الى شركائهم ساء ما يحكمون". خامسا وكان من انواع التقرب الى الاصنام النذر في الحرث والانعام. قال تعالى: "وقالوا هذه انعام وحرث حجر لا يطعمها الا من نشاء بزعمهم وانعام حرمت ظهورها وانعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه". سادسا وكانت منها البحيره والثائبه والوصيله والحامي. قال ابن اسحاق البحيره بنت السائبه هي الناقه اذا تابعت بين عشر اناث ليس بينهن ذكر ر سيبت فلم يركب ظهرها ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها الا ضيف فما نتجت بعد ذلك من انثى شقت اذنها ثم خلي سبيلها مع امها فلم يركب على ظهرها ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها الا ضيف كما فعل بامها فهي البحيره بنت السائبه. والوصيله الشاه اذا اتامت عشر اناث متتابعات في خمسه ابطن ليس بينهن ذكر جعلت وصيله قالوا قد وصلت فكان ما ولد بعد ذلك للذكور منهم دون اناثهم الا ان يموت شيء فيشترك في اكله ذكورهم واناثهم. والحامي الفحل اذا نتج له عشر اناث متتابعات ليس بينهن ذكر حمي ظهره فلم يركب ولم يجز وبره وخلي في ابله يضرب فيها لا ينتفع منه بغير ذلك. وفي ذلك انزل الله تعالى "ما جعل الله من بحيره ولا سائبه ولا وصيله ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب واكثرهم لا يعقلون". وانزل "وقالوا ما في بطون هذه الانعام خالصه لذكورنا ومحرم على ازواجنا وان يكن ميته فهم فيه شركاء". وقيل في تفسير هذه الانعام غير ذلك وقد صرح سعيد بن المسيب ان هذه الانعام كانت لطواغيتهم. وفي الصحيح مرفوعا ان عمرو بن لحي اول من سيب السوائب. كانت العرب تفعل كل ذلك باصنامهم معتقدين انها تقربهم الى الله وتوصلهم اليه تشفع لديه كما في القران "ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفا". ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤ هؤلاء شفعاؤنا عند الله.

وكانت العرب تستقسم بالازلام. والزلم القدح الذي لا ريش عليه. وكانت الازلام ثلاثه انواع. نوع فيه نعم ولا كانوا يستقسمون بها فيما يريدون من العمل من نحو السفر والنكاح وامثالها فان خرج نعم عملوا به وان خرج لا اخروه ذلك حتى ياتوه مره اخرى. ونوع فيه المياه والديه. ونوع فيه منكم او من غيركم او ملصق. فكانوا اذا شكوا.

في نسب احدهم ذهبوا به إلى هبل، وبمئة جزور، فاعطوها صاحب القداح، فإن خرج منكم كان منهم وسيطاً، وإن خرج عليه من غيركم كان حليماً، وإن خرج عليه ملصق كان على منزلته فيهم، لا نسب ولا حل.

ويقرب من هذا الميسر والقداح، وهو ضرب من ضروب القمار، وكانوا يقتسمون به لحم الجزور التي يذبحونها بحسب القداح. وكانوا يؤمنون بأخبار الكهنة والعرافين والمنجمين. والكاهن هو من يتعاطى الأخبار عن الكوائم في المستقبل ويدعي معرفة الأسرار. ومن الكهنة من يزعم أن له تابعاً من الجن يلقي عليه الأخبار، ومنهم من يدعي إدراك الغيب بفهم أعطيه، ومنهم من يدعي معرفة الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله. وهذا القسم يسمى عرافاً، كمن يدعي معرفة المسروق ومكان السرقة والضالة ونحوهما. والمنجم من ينظر في النجوم أي الكواكب ويحسب سيرها ومواقيتها ليعلم بها أحوال العالم وحوادثه التي تقع في المستقبل. والتصديق بأخبار المنجمين هو في الحقيقة إيمان بالنجوم. وكان من إيمانهم بالنجوم الإيمان بالأنواء، فكانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا.

وكانت فيهم الطيرة، وهي التشاؤم بالشيء. وأصله أنهم كانوا ياتون الطير أو الظبي فينفرونه، فإن أخذ ذات اليمين مضوا إلى ما قصدوا وعدوه حسناً، وإن أخذ ذات الشمال انتهوا عن ذلك وتشائموا. وكانوا يتشائمون كذلك إن عرض الطير أو الحيوان في طريقهم. ويقرب من هذا تعليقهم كعب الأرنب والتشاؤم ببعض الأيام والشهور والحيوانات والدور والنساء، والاعتقاد بالعدوى والهامة. فكانوا يعتقدون أن المقتول لا يسكن جاشه ما لم يؤخذ بثأره، وتصير روحه هامة أي بومة تطير في الفلوات وتقول: صدى صدى، أو اسقوني اسقوني، فإذا أخذ بثأره سكن واستراح.

كان أهل الجاهلية على ذلك، وفيهم بقايا من دين إبراهيم عليه السلام، ولم يتركوه كله، مثل تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف بعرفة والمزدلفة وإهداء البدن. نعم، ابتدعوا في ذلك بدعاً. منها أن قريشاً كانوا يقولون: نحن بنو إبراهيم وأهل الحرم وولاة البيت وقاطن مكة، وليس لأحد من العرب مثل حقنا ومنزلتنا. وكانوا يسمون أنفسهم "الحمس"، فلا لا ينبغي لنا أن نخرج من الحرم إلى الحل، فكانوا لا يقفون بعرفة ولا يفيضون منها، وإنما كانوا يفيضون من المزدلفة. وفيهم أنزل الله: "ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس".

ومنها أنهم قالوا: لا ينبغي للحمس أن يأتقطوا ولا يسلئوا السمن وهم حرم، ولا يدخلوا بيتاً من شعر، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما داموا حرماً. ومنها أنهم قالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاؤوا به من الحل إلى الحرم إذا جاؤوا حجاجاً أو عماراً. ومنها أنهم أمروا أهل الحل ألا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس، فإن لم يجدوا شيئاً، فكان الرجال يطوفون عراة، وكانت المرأة تضع ثيابها كلها إلا درعاً مفرجا، ثم تطوف فيه وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله، وما بدا منه فلا أحله. وأنزل الله في ذلك: "يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد". فإن تكرم أحد من الرجل والمرأة فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل، ألقاها بعد الطواف ولا ينتفع بها هؤلاء ولا أحد غيره.

ومنها أنهم كانوا لا يأتون بيوتهم من أبوابها في حال الإحرام، بل كانوا ينقبون في ظهور البيوت نقباً يدخلون ويخرجون منه، وكانوا يحسبون ذلك الجفاء. وقد منعه القرآن. كانت هذه الديانة ديانة الشرك وعبادة الأوثان والاعتقاد بالوهميات والخرافات ديانة معظم العرب. وقد وجدت اليهودية والمسيحية والمجوسية والصابئية سبيلاً للدخول في ربوع العرب.

ولليهود دوران على الأقل، مثلوهما في جزيرة العرب. الأول: هجرتهم في عهد الفتوح البابلية والأشورية في فلسطين، فقد نشأ عن الضغط على اليهود وعن تخريب بلادهم وتدمير هيكلهم على يد الملك بخت نصر سنة 587 قبل الميلاد وسبي أكثرهم إلى بابل، وأن قسماً منهم هاجر البلاد الفلسطينية إلى الحجاز وتوطن في ربوعها الشمالية. الدور الثاني: يبدأ من احتلال الرومان لفلسطين بقيادة بتوتس الروماني سنة 70 ميلادية، فقد نشأ عن ضغط الرومان على اليهود وعن تخريب الهيكل وتدميره أن قبائل عديدة من اليهود رحلت إلى الحجاز واستقرت في يثرب وخيبر وتيمان، وأنشأت فيها القرى والأطام والقلاع. وانتشرت الديانة اليهودية بين قسم من العرب عن طريق هؤلاء المهاجرين، وأصبح لها شأن يذكر في الحوادث السياسية التي سبقت ظهور الإسلام التي حدثت في صدره. وحينما جاء الإسلام كانت القبائل اليهودية المشهورة هي خيبر والنظير والمسطلق وقريظة وقينقاع. وذكر السمهودي في وفاء الوفا أن عدد القبائل اليهودية يزيد على 20.

ودخلت اليهودية في اليمن من قبل تبع أسعد أبي كرب، فإنه ذهب مقاتلاً إلى يثرب واعتنق هناك اليهودية، وجاء بحبرين من بني قريظة إلى اليمن، فأخذت اليهودية إلى التوسع والانتشار فيها. ولما ولي اليمن بعده ابنه يوسف ذو نواس، هجم على المسيحيين من أهل نجران ودعاهم إلى اعتناق اليهودية، فلما أبوا خد لهم الأخدود وأحرقهم بالنار، ولم يفرق بين الرجل والمرأة والأطفال الصغار والشيوخ الكبار. ويقال إن عدد المقتولين ما بين 20,000 إلى 40,000. وقع ذلك في أكتوبر سنة 523 ميلادية. وقد أورد القرآن جزءاً من هذه القصة في سورة البروج.

أما الديانة النصرانية، فقد جاءت إلى بلاد العرب عن طريق احتلال الحبشة والرومان. وكان أول احتلال الحبشة لليمن 340 ميلادية واستمر إلى سنة 378 ميلادية. في ذلك الزمان دخل التبشير المسيحي في ربوع اليمن. وبالقرب من هذا الزمان دخل رجل زاهد مستجاب الدعوات وصاحب كرامات، وكان يسمى فيميون إلى نجران ودعاهم إلى الدين المسيحي، ورأى أهل نجران من إمارات صدقه وصدق دينه ما لبوا لأجله المسيحية واعتنقوها. ولما احتلت الأحباش اليمن كرد فعل لما آتاه ذو نواس وتمكن أبرهة من حكومتها، أخذ ينشر الديانة المسيحية بأوفر نشاط وأوسع نطاق، حتى بلغ من نشاطه أنه بنى كنيسة باليمن كانت تسمى الكعبة اليمانية، وأراد أن يصرف حج العرب إليها ويهدم بيت الله الذي بمكة، فاخذه الله نكال الآخرة والأولى. وقد اعتنق النصرانية العرب الغساسنة وقبائل تغلب وطيء وغيرهما لمجاورة الرومان، بل قد اعتنقها بعض ملوك الحيرة.

أما المجوسية، فكان معظمها في العرب الذين كانوا بجوار الفرس، فكانت في عراق العرب وفي البحرين والأحساء وهجر وما جاورها من منطقة سواحل الخليج العربي، ودان لها رجال من اليمن في زمن الاحتلال الفارسي. أما الصابئية، فقد دلت الحفريات والتنقيبات في بلاد العراق وغيرها أنها كانت ديانة قوم إبراهيم الكلدانيين، وقد كان بها كثير من أهل الشام وأهل اليمن في غابر الزمان. وبعد تتابع الديانات الجديدة من اليهودية والنصرانية تضعضع بنيان الصابئية وخمد نشاطها، ولكن لم يزل في الناس بقايا من أهل هذه الديانة مختلطين مع المجوس أو مجاورين لهم في عراق العرب وعلى شواطئ الخليج العربي.

الحالة الدينية كانت هذه الديانات هي ديانات العرب حين جاء الإسلام، وقد أصاب هذه الديانات الانحلال والبوار. فالمشركون الذين كانوا يدعون أنهم على دين إبراهيم كانوا بعيدين عن أوامر ونواهي شريعة إبراهيم مهملين ما أتت به من مكارم الأخلاق، فكثرت معاصيهم ونشأ فيهم على توالي الزمان ما ينشأ في الوثنيين من عادات وتقاليد تجري مجرى الخرافات الدينية، وأثرت في الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية تأثيراً بالغاً جداً.

أما اليهود، فقد انقلبت رياء وتحكماً، وصار رؤساؤها أرباباً من دون الله يتحكمون في الناس ويحاسبونهم حتى على خطرات النفس وهمسات الشفاه، وجعلوا همهم الحظوة بالمال والرئاسة، وإن ضاع الدين وانتشر الإلحاد والكفر والتهاون بالتعاليم التي حض الله عليها وأمر كل فرد بتقديسها.

وأما النصرانية، فقد عادت وثنية عسرة الفهم، وأوجدت خلطاً عجيباً بين الله والإنسان، ولم يكن لها في نفوس العرب المتدينين بهذا الدين تأثير حقيقي لبعد تعاليمها عن طراز المعيشة التي ألفوها، ولم يكونوا يستطيعون الابتعاد عنها.

وأما سائر أديان العرب، فكانت أحوال أهلها كأحوال المشركين، فقد تشابهت قلوبهم وتواردت عقائدهم وتوافقت تقاليدهم وعوائدهم.

صور من المجتمع العربي الجاهلي بعد البحث عن سياسة الجزيرة وأديانها، بقي لنا أن نتكلم حول الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والخلقية، وفيما يلي بيانها بإيجاز.

الحالة الاجتماعية كانت في العرب أوساط متنوعة تختلف أحوال بعضها عن بعض. فكانت علاقة الرجل مع أهله في الأشراف على درجة كبيرة من الرقي والتقدم، وكان لها من حرية الإرادة ونفاذ القول القسط الأوفر، كانت محترمة مصونة تسل دونها السيوف وتراق الدماء. وكان الرجل إذا أراد أن يمتدح بما له في نظر العرب المقام السامي من الكرم والشجاعة، لم يكن يخاطب في أكثر أوقاته إلا المرأة. وربما كانت المرأة إذا شاءت جمعت القبائل للسلام، وإن شاءت أشعلت بينهم نار الحرب والقتال. ومع هذا كله، فقد كان الرجل يعتبر بلا نزاع رئيس الأسرة وصاحب الكلمة فيها. وكان ارتباط الرجل بالمرأة بعقد الزواج تحت إشراف أوليائها، ولم يكن من حقها أن تثأر عليهم.

بينما كانت هذه حال الأشراف، كان هناك في الأوساط الأخرى أنواع من الاختلاط بين الرجل والمرأة لا نستطيع أن نعبر عنه إلا بالدعارة والمجون والسفاح والفاحشة. روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء، فكان منها نكاح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليته فيصدقها ثم ينكحها. ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبداً حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إن أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح يسمى نكاح الاستبضاع. ونكاح آخر: يجتمع الرهط دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومرت ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت وهو ابنك يا فلان، فتسمي من أحب حبت منهم باسمه فيلحق به ولدها. ونكاح رابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكن علماً لمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت فوضعت حملها جمعوا لها ودعوا لها القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتأد ابنه لا يمتنع من ذلك. فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم هدم نكاح أهل الجاهلية كله إلا نكاح الإسلام اليوم.

وكانت عندهم اجتماعات بين الرجل والمرأة تعقدها شفار السيوف وأسنة الرماح، فكان المتغلب في حروب القبائل يسبي نساء المقهور فيستحلها، ولكن الأولاد الذين تكون هذه أمهم يلحقهم العار مدة حياته. وكان من المعروف في أهل الجاهلية أنهم كانوا يعدون بين الزوجات من غير حد معروف ينتهي إليه، وكانوا يجمعون بين الأختين، وكانوا يتزوجون بزوجة آبائهم إذا طلقوها أو ماتوا عنها. وكان الطلاق بيد الرجال لا إلى حد معين، وكانت فاحشة الزنا سائدة في جميع الأوساط، لا نستطيع أن نخص منها وسطاً دون وسط أو صنفا دون صنف، إلا أفراداً من الرجال والنساء ممن كان تعاظم نفوسهم يأبى الوقوع في هذه الرذيلة. وكانت الحرائر أحسن حالاً من الإماء، والطامة الكبرى هي الإماء. ويبدو أن الأغلبية الساحقة من أهل الجاهلية لم تكن تحس بعار في الانتساب إلى هذه الفاحشة. روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قام رجل فقال: يا رسول الله، إن فلاناً ابني عاهرة بأمه في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا دعوه في الإسلام، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش وللعاهر الحجر". وقصة اختصام سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعه في ابن أم زمعه وهو عبد الرحمن بن زمعه معروفة.

وكانت علاقة الرجل مع أولاده على أنواع شتى، فمنهم من كان يقول: إنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض. ومنهم من كان يئد البنات خشية العار والإنفاق، ويقتل الأولاد خشية الفقر والإملاق. ولكن لا يمكننا أن نعد هذا من الأخلاق المنتشرة السائدة، فقد كانوا أشد الناس احتياجاً إلى البنين ليتقوا بهم العدو.

أما معاملة الرجل مع أخيه وأبناء عمه وعشيرته، فقد كانت موطدة قوية، فقد كانوا يحيون للعصبية القبلية ويموتون لها، وكانت روح الاجتماع سائدة بين القبيلة الواحدة تزيدها العصبية. وكان أساس النظام الاجتماعي هو العصبية الجنسية والرحم، وكانوا يسيرون على المثل السائر: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، على المعنى الحقيقي من غير التعديل الذي جاء به الإسلام، أن نصر الظالم كفه عن ظلمه. إلا أن التنافس في الشرف والسؤدد كثيراً ما كان يفضي إلى الحروب بين القبائل التي كان يجمعها أب واحد، كما نرى ذلك بين الأوس والخزرج وعبس وذبيان وبكر وتغلب وغيرها.

أما العلاقة بين القبائل المختلفة، فقد كانت مفككة الأوصال تماماً. كانت قواهم متفانية في الحروب، إلا أن الرهبة والوجل من بعض التقاليد والعادات المشتركة بين الدين والخرافة ربما كان يخفف من حدتها وصرامتها. وفي بعض الحالات كانت الموالاة والحلف والتبعية تفضي إلى اجتماع القبائل المتغايرة. وكانت الأشهر الحرم رحمة وعوناً لهم على حياتهم وحصول معايشهم.

وقصار الكلام، أن الحالة الاجتماعية كانت في الحضيض من الضعف والعمى، فالجهل ضارب أطنابه والخرافات لها جولة وصوله، والناس يعيشون كالأنعام، والمرأة تباع وتشترى وتعامل كالجمادات أحياناً، والعلاقة بين الأمة واهية مبتوتة. وما كان من الحكومات، فجل همها امتلاء الخزائن من رعيتها أو جر الحروب على مناوئيها.

الحالة الاقتصادية أما الحالة الاقتصادية، فتبعت الحالة الاجتماعية، ويتضح ذلك إذا نظرنا في طرق معايش العرب. فالتجارة كانت أكبر وسيلة للحصول على حوائج الحياة، والجولة التجارية لا تتيسر إلا إذا ساد الأمن والسلام، وكان ذلك مفقوداً في جزيرة العرب إلا في الأشهر الحرم. وهذه هي الشهور التي كانت تعقد فيها أسواق العرب الشهيرة من عكاظ وذي المجاز ومجنة وغيرها.

وأما الصناعات، فكانوا أبعد الأمم عنها، ومعظم الصناعات التي كانت توجد في العرب من الحياكة والدباغة وغيرها كانت في أهل اليمن والحيرة ومشارف الشام. نعم، كانت في داخل الجزيرة الزراعة والحرث واقتناء الأنعام، وكانت نساء العرب كافة يشتغلن بالغزل، لكن كانت الأمتعة عرضة للحروب. كان الفقر والجوع والعري عاماً في المجتمع.

الأخلاق لا ننكر أن أهل الجاهلية كانت فيهم دنايا ورذائل وأمور ينكرها العقل السليم ويأباها الوجدان، ولكن كانت فيهم من الأخلاق الفاضلة المحمودة ما يروع الإنسان ويفضي به إلى الدهشة والعجب. فمن تلك الأخلاق الكرم، وكانوا يتبارون في ذلك ويفتخرون به، وقد استنفدوا فيه نصف أشعارهم بين ممتدح به ومثن على غيره. كان الرجل يأتيه الضيف في شدة البرد والجوع وليس عنده من المال إلا ناقته التي هي حياته وحياة أسرته، فيأخذه هزة الكرم فيقوم إليها ويذبحها لضيفه. ومن آثار كرمهم أنهم كانوا يتحملون الديات الهائلة والحمالات المدهشة، يكفون بذلك سفك الدماء وضياع الإنسان، ويمتدحون بها مفتخرين على غيرهم من الرؤساء والسادات. وكان من نتائج كرمهم أنهم كانوا يتمدحون بشرب الخمر، لا لأنها مفخرة في ذاتها، بل لأنها سبيل من سبل الكرم ومما يسهل الثرف على النفس، ولأجل ذلك كانوا يسمون شجر العنب بالكرم وخمره ببنت الكرم. وإذا نظرت إلى دواوين أشعار الجاهلية تجد ذلك باباً من أبواب المديح والفخر. يقول عنترة بن شداد العبسي في معلقته:

ولقد شربت من المدامة بعدما

ركد الهواجر بالمشوف المعلم

بزجاجة صفراء ذات أسرة

قرنت بأزر بالشمال مفدمي

فإذا شربت فإني مستهلك

مالي وعرضي وافر لم يكلني

وإذا صحوت فما أقصر عن ندى

وكما علمت شمائلي وتكرمي

ومن نتائج كرمهم اشتغالهم بالميسر، فإنهم كانوا يرون أنه سبيل من سبل الكرم، أنهم كانوا يطعمون المساكين ما ربحوه أو ما كان يفضل عن سهام الرابحين. لذلك ترى القرآن لا ينكر نفع الخمر والميسر، وإنما يقول: "وأثمهما أكبر من نفعهما".

ومن تلك الأخلاق الوفاء بالعهد، فقد كان العهد عندهم ديناً يتمسكون به ويستهينون في سبيله قتل أولادهم وتخريب ديارهم، وتكفي في معرفة ذلك قصة هاني بن مسعود الشيباني والسموء لابن عادية وحاجب بن زرارة التميمي.

ومنها عزة النفس وإباء عن قبول الخسف والضيم، كان من نتائج هذا فرط الشجاعة وشدة الغيرة وسرعة الانفعال، فكانوا لا يسمعون كلمة يشمون منها رائحة الذل والهوان إلا قاموا إلى السيف والسنان وأثاروا الحرب العوان. وكانوا لا يبالون بتضحية أنفسهم في هذا السبيل.

ومنها المضي في العزائم، فإذا عزموا على شيء يرون فيه المجد والافتخار لا يصرفهم عنه صارف، بل كانوا يخاطرون بأنفسهم في سبيله.

ومنها الحلم والأناة والتوأدة، كانوا يتمدحون بها، إلا أنها كانت فيهم عزيزة الوجود لفرط شجاعتهم وسرعة إقدامهم على القتال.

ومنها السذاجة البدوية وعدم التلوث بلوثات الحضارة ومكائدها، وكان من نتائجه الصدق والأمانة والنفور عن الخداع والغدر. نرى أن هذه الأخلاق الثمينة مع ما كان لجزيرة العرب من الموقع الجغرافي بالنسبة إلى العالم، كانت سبباً في اختيارهم لحمل عبء الرسالة العامة وقيادة الأمة الإنسانية والمجتمع البشري، لأن هذه الأخلاق وإن كان بعضها يفضي إلى الشر ويجلب الحوادث المؤلمة، إلا أنها كانت في نفسها أخلاقاً ثمينة تدر المنافع العامة للمجتمع البشري بعد شيء من الإصلاح، وهذا الذي فعله الإسلام. ولعل أغلى ما عندهم من هذه الأخلاق وأعظمها نفعاً بعد الوفاء بالعهد هو عزة النفس والمضي في العزائم، إذ لا يمكن قمع الشر والفساد وإقامة نظام العدل والخير إلا بهذه القوة القاهرة وبهذا العزم الصميم. ولهم أخلاق فاضلة أخرى دون هذه التي ذكرناها، وليس قصدنا استقصاءها.

السرايا والبعوث بين أحد والأحزاب كان لماساة أحد أثر سيء على سمعة المؤمنين، فقد ذهبت ريحهم وزالت هيبتهم عن النفوس، وزادت المتاعب الداخلية والخارجية على المؤمنين وأحاطت الأخطار بالمدينة من كل جانب. وكاشف اليهود والمنافقون والأعراب بالعداء سافر، وهمت كل طائفة منهم أن تنال من المؤمنين، بل طمعت في أن تقضي عليهم وتستأصل شافهم. فلم يمض على هذه المعركة شهران حتى تهيأت بنو أسد للإغارة على المدينة. ثم قامت قبائل عضل وقارة في شهر سفر من السنة الرابعة للهجرة بمكيدة سببت في قتل عشرة من الصحابة. وفي نفس الشهر قامت بنو عامر بمكيدة مثلها سببت في قتل 70 من الصحابة، وتعرف هذه الوقعة بوقعة بئر معونة. ولم تزل بنو النظير خلال هذه المدة تجاهر بالعداوة حتى قامت في ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة بمكيدة تهدف إلى قتل النبي صلى الله عليه وسلم. وتجرت بنو غطفان حتى همت بالغزو على المدينة في جمادى الأولى من السنة الرابعة للهجرة. فريح المسلمين التي كانت قد ذهبت في معركة أحد تركت المسلمين إلى حين يهددون بالأخطار، ولكن تلك هي حكمة محمد صلى الله عليه وسلم التي صرفت وجوه التيارات وأعادت للمسلمين هيبتهم المفقودة وأكسبت لهم العلو والمجد من جديد. وأول ما أقدم عليه بهذا الصدد هي حركة المطارده التي قام بها إلى حمراء الأسد، فقد حفظ بها مقداراً كبيراً من سمعة جيشه واستعاد بها من هيبتهم ومكانتهم ما ألقى اليهود والمنافقين في الدهش والذهول. ثم قام بمناورات أعادت للمسلمين هيبتهم بل زادت فيها. وفي الصفحة الآتية شيء من تفاصيلها.

سرية سلمة أول من قام ضد المسلمين بعد نكسة أحد هم بنو أسد بن خزيمة، فقد نقلت استخبارات المدينة أن طلحة وسلمة بن خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعون بني أسد بن خزيمة إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسارع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعث سرية قوامها 150 مقاتلاً من المهاجرين والأنصار وأمر عليهم أبا سلمة وعقد له لواء، وباغت أبو سلمة بني أسد بن خزيمة في ديارهم قبل أن يقوموا بغارتهم، فتشتتوا في الأمر وأصاب المسلمون إبلاً وشاء لهم فاستاقوها وعادوا إلى المدينة سالمين غانمين لم يلقوا حرباً. كان مبعث هذه السرية حين استهل هلال المحرم من السنة الرابعة للهجرة، وعاد أبو سلمة وقد نغر عليه جرح كان قد أصابه في أحد، فلم يلبث حتى مات.

بعث عبد الله بن أنيس وفي اليوم الخامس من نفس الشهر المحرم من السنة الرابعة للهجرة نقلت الاستخبارات أن خالد بن سفيان الهذلي يحشد الجموع لحرب المسلمين، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أنيس ليقضي عليه. وظل عبد الله بن أنيس غائباً عن المدينة 18 ليلة ثم قدم يوم السبت لسبع بقين من المحرم وقد قتل خالداً وجاء برأسه فوضعه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فأعطاه عصا وقال: هذه آية بيني وبينك يوم القيامة. فلما حضرته الوفاة أوصى أن تجعل معه في أكفانه.

بعث الرجيع وفي شهر سفر من نفس السنة أي الرابعة من الهجرة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عضل وقارة وذكروا أن فيهم إسلاماً وسألوا أن يبعث معهم من يعلمهم الدين ويقرئهم القرآن، فبعث معهم ستة نفر في قول ابن إسحاق، وفي رواية البخاري أنهم كانوا عشرة، وأمر عليهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي في قول ابن إسحاق، وعند البخاري أنه عاصم بن ثابت جد عاصم بن عمر بن الخطاب. فذهبوا معهم، فلما كانوا بالرجيع وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز بين رابغ وجدة استصرخوا عليهم حياً من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فتبعوهم بقرب من 100 رام واقتصوا آثارهم حتى لحقوهم فأحاطوا بهم، وكانوا قد لجؤوا إلى فدفد وقالوا: لكم العهد والميثاق أن نزلتم إلينا إلا نقتل منكم رجلاً. فأما عاصم فأبى من النزول وقاتلهم في أصحابه فقتل منهم سبعة بالنبل، وبقي خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق مرة أخرى، فنزلوا إليهم ولكنهم غدروا بهم وربطوهم بأوتار قسيهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر وأبى أن يصحبهم فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه. وانطلقوا بخبيب وزيد فباعوهما بمكة، وكانا قتلا من رؤوسهم يوم بدر. فأما خبيب فمكث عندهم مسجوناً ثم أجمعوا على قتله، فخرجوا به من الحرم إلى التنعيم، فلما أجمعوا على صلبه قال: دعوني حتى أركع ركعتين، فتركوه فصلّاهما، فلما سلم قال: والله لولا أن تقولوا إنما بي جزع لزدت. ثم قال: اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تبق منهم أحداً. ثم قال: لقد أجمع الأحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمع، وقد قربوا أبناءهم ونساءهم، وقربت من جذع طويل ممنعي، إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي، وما جمع الأحزاب لي عند مضجعي، فذا العرش صبرني على ما يراد بي، فقد بضعوا لحمي وقد باس مطمعي، وقد خيروني الكفر والموت دونه، فقد ذرفت عيناي من غير مدمعي، ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي شق كان في الله مضجعي، وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزعي. فقال له أبو سفيان: أيسرك أن محمداً عندنا نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال: لا والله ما يسرني أني في أهلي وأن محمداً في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه. ثم صلبوه ووكلوا به من يحرس جثته، فجاء عمرو بن أمية الضمري فاحتمله بخدعة ليلاً فذهب به فدفنه. وكان الذي تولى قتل خبيب هو عقبة بن الحارث، وكان خبيب قد قتل أباه حارثاً يوم بدر. وفي الصحيح أن خبيباً أول من سن الركعتين عند القتل، وأنه رؤي وهو أسير يأكل قطفاً من العنب وما بمكة تمرة. أما زيد بن الدثنة فاتبعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه. وبعثت قريش إلى عاصم ليؤلوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيماً عظيماً من عظماءهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر أو الزنابير فحمته من رسلهم فلم يقدروا منه على شيء. وكان عاصم أعطى الله عهداً ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركاً، وكان عمر لما بلغه خبره يقول: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما يحفظه في حياته.

مأساة بئر معونة وفي نفس الشهر الذي وقعت فيه مأساة الرجيع وقعت مأساة أخرى أشد وأفضع من الأولى وهي التي تعرف بوقعة بئر معونة، وملخصها أن أبا براء عامر بن مالك المدعو بملاعب الأسنة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدعاه إلى الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، فقال: يا رسول الله، لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك لرجوت أن يجيبوهم، فقال: "إني أخاف عليهم أهل نجد"، فقال أبو براء: أنا جار لهم. فبعث معه 40 رجلاً في قول ابن إسحاق، وفي الصحيح أنهم كانوا 70، والذي في الصحيح هو الصحيح، وأمر عليهم المنذر بن عمرو أحد بني ساعدة الملقب بالمعنق ليموت، وكانوا من خيار المسلمين وفضلائهم وساداتهم وقرائهم، فساروا يحتطبون بالنهار يشترون به الطعام لأهل الصفة ويتدارسون القرآن ويصلون بالليل، حتى نزلوا بئر معونة وهي أرض بين بني عامر وحرة بني سليم، فنزلوا هناك ثم بعثوا حرام بن ملحان أخا أم سليم بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلم ينظر فيه وأمر رجلاً فطعنه بالحربة من خلفه، فلما أنفذها فيه ورأى الدم قال حرام: الله أكبر، فزت ورب الكعبة. ثم استنفر عدو الله فوراً بني عامر لقتال الباقين، فلم يجيبوه لأجل جوار أبي براء، فاستنفر بني سليم فأجابته عصية ورعل وذكوان، فجاؤوا حتى أحاطوا بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد بن النجار، فإنه ارتث بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق. وكان عمرو بن أمية الضمري والمنذر بن عقبة بن عامر في سرح المسلمين، فراى الطير تحوم على موضع الوقعة، فنزل المنذر فقاتل المشركين حتى قتل مع أصحابه، وأسر عمرو بن أمية الضمري، فلما أخبر أنه من مضر جز عامر ناصيته وأعتقه عن رقبة كانت على أمه، ورجع عمرو بن أمية الضمري إلى النبي صلى الله عليه وسلم حاملاً معه أنباء المصاب الفادح مصرع 70 من أفاضل المسلمين، تذكر نكبتهم الكبيرة بنكبة أحد، إلا أن هؤلاء ذهبوا في قتال واضح وأولئك ذهبوا في غدرة شائنه.

ولما كان عمرو بن أمية في الطريق بالقرقرة من صدر قناة نزل في ظل شجرة وجاء رجلان من بني كلاب فنزلا معه، فلما ناما فتك بهما عمر وهو يرى أنه قد أصاب ثأر أصحابه، وإذا معهما عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشعر به، فلما قدم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فعل، فقال: "لقد قتلت قتيلين لا أينهما". وانشغل بجمع دياتهم من المسلمين وحلفائهم اليهود، وهذا الذي صار سبباً لغزوة بني النظير كما سيذكر. وقد تألم النبي صلى الله عليه وسلم لأجل هذه المأساة ولأجل مأساة الرجيع اللتين وقعتا خلال أيام معدودة تألماً شديداً وتغلب عليه الحزن والقلق حتى دعا على هؤلاء القوم والقبائل التي قامت بالغدر والفتك بأصحابه، ففي الصحيح عن أنس قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم على الذين قتلوا أصحابه ببئر معونة 30 صباحاً يدعو في صلاة الفجر على رعل وذكوان ولحيان وعصية، ويقول: "عصية عصت الله ورسوله"، فأنزل الله تعالى على نبيه قرآناً قرأناه حتى نسخ بعد: "بلغوا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه"، فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم قنوته.

غزوة بني النظير قد أسلفنا أن اليهود كانوا يتحرقون على الإسلام والمسلمين، إلا أنهم لم يكونوا أصحاب حرب وضرب، بل كانوا أصحاب دس ومؤامرة، فكانوا يجاهرون بالحقد والعداوة ويختارون أنواعاً من الحيل لإيقاع الأذى بالمسلمين دون أن يقوموا للقتال مع ما كان بينهم وبين المسلمين من عهود ومواثيق. وأنهم بعد وقعة بني قينقاع وقتل كعب بن الأشرف خافوا على أنفسهم فاستكانوا والتزموا الهدوء والسكوت، ولكنهم بعد وقعة أحد تجرؤوا فكاشفوا بالعداوة والغدر وأخذوا يتصلون بالمنافقين وبالمشركين من أهل مكة سراً ويعملون لصالحهم ضد المسلمين. وصبر النبي صلى الله عليه وسلم حتى ازدادوا جراءة وجسارة بعد وقعة الرجيع وبئر معونة، حتى قاموا بمؤامرة تهدف إلى القضاء على النبي صلى الله عليه وسلم. وبيان ذلك أنه صلى الله عليه وسلم خرج إليهم في نفر من أصحابه به وكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين الذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، وكان ذلك يجب عليهم حسب بنود المعاهدة، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم، اجلس ها هنا حتى نقضي حاجتك، فجلس إلى جنب جدار من بيوتهم ينتظر وفاءهم بما وعدوا، وجلس معه أبو بكر وعمر وعلي وطائفة من أصحابه، وخلى اليهود بعضهم إلى بعض وسول لهم الشيطان الشقاء الذي كتب عليهم، فتآمروا بقتله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أيكم يأخذ هذه الرحا ويصعد فيلقيها على رأسه يشدخ بها؟ فقال أشقاهم عمرو بن جحاش: أنا. فقال لهم سلام بن مشكم: لا تفعلوا، فوالله ليخبرن بما هممتم به وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه. لكنهم عزموا على تنفيذ خطتهم ونزل جبريل من عند رب العالمين على رسوله صلى الله عليه وسلم يعلمه بما هموا به، فنهض مسرعاً وتوجه إلى المدينة ولحقه أصحابه فقالوا: نهضت ولم نشعر بك، فأخبرهم بما همت به يهود.

وما لبث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بعث محمد بن مسلمة إلى بني النظير يقول لهم: "اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها، وقد أجلتكم عشراً، فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه". ولم يجد يهود مناصاً من الخروج، فأقاموا أياماً يتجهزون للرحيل، بيد أن رئيس المنافقين عبد الله بن أبي بعث إليهم: إن اثبتوا وتمنعوا ولا تخرجوا من دياركم، فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم فيموتون دونكم، لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً، وإن قوتلتم لننصرنكم وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان. وهناك عادت لليهود ثقتهم واستقر رأيهم على المناواة، وطمع رئيسهم حيي بن أخطب فيما قاله رأس المنافقين، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك. ولا شك أن الموقف كان حرجاً بالنسبة إلى المسلمين، فإن اشتباكهم بخصومهم في هذه الفترة المحرجة من تاريخهم لم يكن مأمون العواقب، وقد رأيت كلب العرب عليهم وفتكهم الشنيع ببعوثهم، ثم إن يهود بني نظير كانوا على درجة من القوة تجعل استسلامهم بعيد الاحتمال وتجعل فرض القتال معهم محفوفاً بالمكاره، إلا أن الحالة التي جدت بعد مأساة بئر معونة وما قبلها زادت حساسية المسلمين بجرائم الاغتيال والغدر الذي أخذوا يتعرضون لها جماعات وأفراداً، وضاعفت نقمتهم على مقترفيها، ومن ثم قرروا أن يقاتلوا بني النظير بعد همهم باغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم مهما تكن النتائج.

فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم جواب حيي بن أخطب كبر وكبر أصحابه، ثم نهض لمناجزة القوم، فاستعمل على المدينة ابن أم مكتوم وسار إليهم وعلي بن أبي طالب يحمل اللواء، فلما انتهى إليهم فرض عليهم الحصار، وتلجأ بنو النظير إلى حصونهم، فأقاموا عليها يرمون بالنبل والحجارة، وكانت نخيلهم وبساتينهم عوناً لهم في ذلك، فأمر بقطعها وتحريقها، وفي ذلك يقول حسان:

وهان على سرات بني لؤي

حريق بالبويرة مستطير

البويرة اسم لنخل بني النظير.

وفي ذلك أنزل الله تعالى: "ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فباذن الله". واعتزلتهم قريظة وخانهم عبد الله بن أبي وحلفاؤهم من غطفان، فلم يحاول أحد أن يسوق لهم خيراً أو يدفع عنهم شراً، ولهذا شبه سبحانه وتعالى قصتهم وجعل مثلهم كمثل الشيطان إذ قال للإنسان: "اكفر فلما كفر قال إني بريء منك". ولم يطل الحصار، فقد استمر ست ليال فقط، وقيل 15 ليلة حتى قذف الله في قلوبهم الرعب فاندحروا وتهيأوا للاستسلام وإلقاء السلاح، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن نخرج عن المدينة، فأنزلهم على أن يخرجوا عنها بأنفسهم وذراريهم، وأن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح، فنزلوا على ذلك وخربوا بيوتهم بأيديهم ليحملوا الأبواب والشبابيك، بل حتى حمل بعضهم الأوتاد وجذوع السقف، ثم حملوا النساء والصبيان وتحملوا على 600 بعير، فترحل أكثرهم وأكابرهم كحيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق إلى خيبر، وذهبت طائفة منهم إلى الشام، وأسلم منهم رجلان فقط: يامين بن عمر وأبو سعد بن وهب، فأحرزا أموالهما.

وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاح بني النظير واستولى على أرضهم وديارهم وأموالهم، فوجد من السلاح 50 درعاً و50 بيضة و340 سيفاً. وكانت أموال بني النظير وأرضهم وديارهم خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعها حيث يشاء، ولم يخمسها لأن الله أفاءها عليه ولم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب، فقسمها بين المهاجرين الأولين خاصة، إلا أنه أعطى أبا دجانة وسهل بن حنيف الأنصاريين لفقرهما. وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله.

كانت غزوة بني النظير في ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة (أغسطس سنة 635 للميلاد)، وأنزل الله في هذه الغزوة سورة الحشر بأكملها، فوصف طرد اليهود وفضح مسلك المنافقين، وبيّن أحكام الفيء وأثنى على المهاجرين والأنصار، وبيّن جواز القطع والحرق في أرض العدو للمصالح الحربية وأن ذلك ليس من الفساد في الأرض، وأوصى المؤمنين بالتزام التقوى والاستعداد للآخرة، ثم ختمها بالثناء على نفسه وبيان أسمائه وصفاته. وكان ابن عباس يقول عن سورة الحشر: قل سورة النظير.

غزوة نجد وبهذا النصر الذي أحرزه المسلمون في غزوة بني النظير دون تضحيات وطدت سلطانهم في المدينة، وتخاذل المنافقون عن الجهر بكيدهم، وأمكن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتفرغ لقمع الأعراب الذين آذوا المسلمين بعد أحد وتواثبوا على بعوث الدعاة يقتلون رجالها في نذالة وكفران، وبلغت بهم الجرأة إلى أن أرادوا القيام بغزوة على المدينة، فقبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم بتأديب أولئك الغادرين نقلت إليه استخبارات المدينة بتحشد جموع البدو والأعراب من بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، فسارع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخروج يجوس فياف نجد ويلقي ببذور الخوف في أفئدة أولئك البدو القساة حتى لا يعاودوا مناكرهم التي ارتكبوها مع المسلمين.

وأوضح الأعراب الذين مردوا على النهب والسطو لا يسمعون بمقدم المسلمين إلا حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال، وهكذا أرهب المسلمون هذه القبائل المغيرة وخلطوا بمشاعرهم الرعب، ثم رجعوا إلى المدينة آمنين. وقد ذكر أهل المغازي والسير بهذا الصدد غزوة معينة غزاها المسلمون في أرض نجد في شهر ربيع الثاني أو جمادى الأولى من السنة الرابعة للهجرة، ويسمون هذه الغزوة بغزوة ذات الرقاع. بهذه الأقدامات السريعة الحاسمة وبهذه الخطط الحكيمة الحازمة نجح النبي صلى الله عليه وسلم في بسط الأمن وتنفيذ السلام في المنطقة والسيطرة على الموقف وتحويل مجرى الأيام لصالح المسلمين وتخفيف المتاعب الداخلية والخارجية التي كانت قد توالت عليهم وأحاطت بهم من كل جانب، فقد سكت المنافقون واستكانوا، وتم إجلاء قبيلة من اليهود وبقيت الأخرى تظاهر بإيفاء حق الجوار وبإيفاء العهود والمواثيق، واستكانت البدو والأعراب وحادت قريش عن مهاجمة المسلمين، ووجد المسلمون فرصة لإفشاء الإسلام وتبليغ رسالات رب العالمين.

غزوة الأحزاب [موسيقى] عاد السلام والأمن وهدأت الجزيرة العربية بعد الحروب والبعثات التي استغرقت أكثر من سنة كاملة، إلا أن اليهود الذين كانوا قد ذاقوا ألواناً من الذلة والهوان نتيجة غدرهم وخيانتهم ومؤامراتهم ودسائسهم لم يفيقوا من غيهم ولم يستكينوا ولم يتعظوا بما أصابهم نتيجة الغدر والتآمر، فبعد نفيهم إلى خيبر ظلوا ينتظرون ما يحل بالمسلمين نتيجة المناوشات التي كانت قائمة بين المسلمين والوثنيين، ولما تحول مجرى الأيام لصالح المسلمين وتمخضت الليالي والأيام عن بسط نفوذهم وتوطد سلطانهم تحرق هؤلاء اليهود أي تحرق وشرعوا في التآمر من جديد على المسلمين وأخذوا يعدون العدة لتهيئة ضربة إلى المسلمين تكون قاتلة لا حياة بعدها.

ولما لم يكونوا يجدون في أنفسهم جراءة على مناورة المسلمين مباشرة خططوا لهذا الغرض خطة رهيبة. خرج 20 رجلاً من زعماء اليهود وسادات بني النظير إلى قريش بمكة يحرضونهم على غزو الرسول صلى الله عليه وسلم ويوالونهم عليه ووعدوهم من أنفسهم بالنصر لهم، فأجابتهم قريش، وقريش قد أخلفت وعدها في الخروج إلى بدر، فرأت في ذلك إنقاذ سمعتها والبر بكلمتها. ثم خرج هذا الوفد إلى غطفان فدعاهم إلى ما دعا إليه قريشاً فاستجابوا لذلك، ثم طاف الوفد في قبائل العرب يدعوهم إلى ذلك فاستجاب له من استجاب. وهكذا نجح ساسة اليهود وقادتهم في تأليب أحزاب الكفر على النبي صلى الله عليه وسلم ودعوة المسلمين. وفعلاً خرجت من الجنوب قريش وكنانة وحلفاؤهم من أهل تهامة وقائدهم أبو سفيان في 4000، ووافاهم بنو سليم بمر الظهران، وخرجت من الشرق قبائل غطفان بنو فزارة يقودهم عيينة بن حصن وبنو مرة يقودهم الحارث بن عوف وبنو أشجع يقودهم مسعر بن رخيلة، كما خرجت بنو أسد وغيرها. واتجهت هذه الأحزاب وتحركت نحو المدينة على ميعاد كانت قد تعاقدت عليه.

وبعد أيام تجمع حول المدينة جيش عرم يبلغ عدده 100 مقاتل، جيش ربما يزيد عدده على جميع من بالمدينة من النساء والصبيان والشباب والشيوخ. ولو بلغت هذه الأحزاب المحتذبة والجنود المجندة إلى أسوار المدينة بغتة لكانت أعظم خطر على كيان المسلمين مما يقاس، ربما تبلغ إلى استئصال الشافة وإبادة الخضراء. ولكن قيادة المدينة كانت قيادة متيقظة لم تزل واضعة أناملها على العروق النابضة تتجسس الظروف وتقدر ما يتمخض عن مجراها، فلم تكد تتحرك هذه الجيوش عن مواضعها حتى نقلت استخبارات المدينة إلى قيادتها فيها بهذا الزحف الخطير.

وسارع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عقد مجلس استشاري أعلى تناول فيه موضوع خطة الدفاع عن كيان المدينة، وبعد مناقشات جرت بين القادة وأهل الشورى اتفقوا على قرار قدمه الصحابي النبيل سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال سلمان: يا رسول الله، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا. وكانت خطة حكيمة لم تكن تعرفها العرب قبل ذلك. وأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تنفيذ هذه الخطة، فوكل إلى كل عشرة رجال أن يحفروا من الخندق 40 ذراعاً، وقام المسلمون بجد ونشاط يحفرون الخندق ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحثهم ويساهمهم في عملهم هذا.

ففي البخاري عن سهل بن سعد قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على أكتافنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والأنصار". وعن أنس: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: "اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة"، فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً.

وفيه عن البراء بن عازب قال: رأيته صلى الله عليه وسلم ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلده بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل من التراب ويقول: "اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا، فانزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا، إن الأولى قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا"، قال: ثم يمد بها صوته بآخرها. وفي رواية: "إن الأولى قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا".

كان المسلمون يعملون بهذا النشاط وهم يقاسون من شدة الجوع ما يفتت الأكباد. قال أنس: كان أهل الخندق يؤتون بملء كفي من الشعير فيصنع لهم بإهالة سنخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن. وقال أبو طلحة: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع، فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين.

وبهذه المناسبة وقع في حفر الخندق آيات من أعلام النبوة. رأى جابر بن عبد الله في النبي صلى الله عليه وسلم خمصاً شديداً، فذبح بهيمة وطحنت امرأته صاعاً من شعير، ثم التمس من رسول الله صلى الله عليه وسلم سراً أن يأتي في نفر من أصحابه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم بجميع أهل الخندق وهم فاكلوا من ذلك الطعام وشبعوا، وبقيت برمة اللحم تغط به كما هي، وبقي العجين يخبز كما هو. وجاءت أخت النعمان بن بشير بحفنة من تمر إلى الخندق ليتغدى أبوه وخاله، فمرت برسول الله صلى الله عليه وسلم فطلب منها التمر وبدده فوق ثوب، ثم دعا أهل الخندق فجعلوا يأكلون كلون منه وجعل التمر يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه، وإنه ليسقط من أطراف الثوب. وأعظم من هذين ما رواه البخاري عن جابر قال: أنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: "أنا نازل"، ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة لا نذوق ذواقاً، فاخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعاد كثيباً أهيل أو أهيم، أي صار رملاً يتماسى. وقال البراء: لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء وأخذ المعول، فقال: "بسم الله"، ثم ضرب ضربة وقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة"، ثم ضرب الثانية فقطع آخر، فقال: "الله أكبر، أعطيت فارس".

والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن. ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله. فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح اليمن. والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني.

وروى ابن إسحاق مثل ذلك عن سلمان الفارسي رضي الله عنه. ولما كانت المدينة تحيط بها الحرات والجبال وبساتين من النخيل من كل جانب سوى الشمال، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم كخبير عسكري حاذق أن زحف مثل هذا الجيش الكبير ومهاجمة المدينة لا يمكن إلا من جهة الشمال، اتخذ الخندق في هذا الجانب. وواصل المسلمون عملهم في حفره، فكانوا يحفرونه طول النهار ويرجعون إلى أهليهم في المساء حتى تكامل الخندق حسب الخطة المنشودة قبل أن يصل الجيش الوثني العرم إلى أسوار المدينة.

وأقبلت قريش في 4000 حتى نزلت بمجمع الأسياد من رومة بين الجرف وزعابة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد في 6000 حتى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد. ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً. وأما المنافقون وضعفاء النفوس فقد تزعزعت قلوبهم لرؤية هذا الجيش. وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً.

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في 3000 من المسلمين، فجعلوا ظهورهم إلى جبل سلع فتحصن به، والخندق بينهم وبين الكفار. وكان شعارهم: هم لا ينصرون. واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وأمر بالنساء والذراري فجعلوا في أطام المدينة.

ولما أراد المشركون مهاجمة المسلمين واقتحام المدينة، وجدوا خندقاً عريضاً يحول بينهم وبينها، فالتجؤوا إلى فرض الحصار على المسلمين، بينما لم يكونوا مستعدين له حين خرجوا من ديارهم، إذ كانت هذه الخطة كما قالوا مكيدة ما عرفتها العرب، فلم يكونوا أدخلوها في حسابهم رأساً. وأخذ المشركون يدورون حول الخندق غضباً يتحسسون نقطة ضعيفة لينحدروا منها. وأخذ المسلمون يتطلعون إلى جولات المشركين يرشقونهم بالنبل حتى لا يجترئوا على الاقتراب منه ولا يستطيعوا أن يقتحموه أو يهيلوا عليه التراب ليبنوا به طريقاً يمكنهم من العبور.

وكره فوارس من قريش أن يقفوا حول الخندق من غير جدوى في ترقب نتائج الحصار، فإن ذلك لم يكن من شيمهم، فخرجت منهم جماعة فيها عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب وغيرهم، فتيمموا مكاناً ضيقاً من الخندق فاقتحموه، وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع. وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها خيلهم، ودعا عمر إلى المبارزة، فانتدب له علي بن أبي طالب وقال كلمة حمي لأجلها. وكان من شجعان المشركين وأبطالهم، فاقتحم عن فرسه فعقره، وضرب وجهه، ثم أقبل على علي فتجاولا وتصاولا حتى قتله علي رضي الله عنه. وانهزم الباقون حتى اقتحموا من الخندق هاربين، وقد بلغ بهم الرعب إلى أن ترك عكرمة رمحه وهو منهزم عن عمر.

وقد حاول المشركون في بعض الأيام محاولة بليغة لاقتحام الخندق أو لبناء الطرق فيها، ولكن المسلمين كافحوا مكافحة مجيدة ورشقوهم بالنبل وناضلوهم أشد النضال حتى فشل المشركون ون في محاولتهم.

ولأجل الاشتغال بمثل هذه المكافحة الشديدة فات بعض الصلوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين. ففي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش، فقال: يا رسول الله! ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وأنا والله ما صليتها. فنزلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب.

وقد استاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لفوات هذه الصلاة حتى دعا على المشركين. ففي البخاري عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الخندق: ملا الله عليهم بيوتهم وقبورهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس. وفي مسند أحمد والشافعي أنهم حبسوه عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فصلاهن جميعاً.

قال النووي: وطريق الجمع بين هذه الروايات أن وقعة الخندق بقيت أياماً، كان هذا في بعض الأيام وهذا في بعضها. ومن هنا يؤخذ أن محاولة العبور من المشركين والمكافحة المتواصلة من المسلمين دامت أياماً. إلا أن الخندق لما كان حائلاً بين الجيشين لم يجر بينهما قتال مباشر وحرب دامية، بل اقتصروا على المرامات والمناضلة. وفي هذه المرامات قتل رجال من الجيشين يعدون على الأصابع، ستة من المسلمين وعشرة من المشركين، بينما كان قتل واحد أو اثنين منهم بالسيف.

وفي هذه المراماة رمي سعد بن معاذ رضي الله عنه بسهم فقطع من قطع منه الأكحل، رماه رجل من قريش يقال له حبان العرقة، فدعا سعد: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه. اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فابقني لهم حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتتي فيها. وقال في آخر دعائه: ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة.

وبينما كان المسلمون يواجهون هذه الشدائد على جبهة المعركة، كانت أفاعي الدس والتآمر تتقلب في جحورها تريد إيصال السم داخل أجسادها. انطلق كبير مجرمي بني النضير إلى ديار بني قريضة، فأتى كعب بن أسد القرضي سيد بني قريضة وصاحب عقدهم وعهدهم، وكان قد عاقد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن ينصره إذا أصابته حرب كما تقدم. فضرب عليه حيّ الباب فأغلقه كعب دونه، فما زال يكلمه حتى فتح له بابه، فقال حيّ: إني قد جئتك يا كعب بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمي إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني على ألا يبرحوا حتى نستاصل محمداً ومن معه.

فقال له كعب: جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد هراق ماؤه، فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء. ويحك يا حيّ! فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقاً ووفاء. فلم يزل حيّ بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمح له، على أن أعطاه عهداً من الله وميثاقاً لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبا محمداً أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ مما كان بينه وبين المسلمين، ودخل مع المشركين في المحاربة ضد المسلمين.

وفعلاً قد قامت يهود بني قريضة بعمليات الحرب. قال ابن إسحاق: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت، وكان حسان فيه مع النساء والصبيان. قالت صفية: فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريضة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في غور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إن أتانا آت. قالت: فقلت يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فانزل إليه فاقتله. قال: والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. قالت: فاحتجزت ثم أخذت عموداً ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت إلى الحصن وقلت يا حسان انزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. قال: ما لي بسلبه من حاجة.

وقد كان لهذا الفعل المجيد من عمته الرسول صلى الله عليه وسلم أثر عميق في حفظ ذراري المسلمين ونسائهم. ويبدو أن اليهود ظنوا أن هذه الأطام والحصون في منعة من الجيش الإسلامي مع أنها كانت خالية عنهم تماماً، فلم يجترئوا مرة ثانية للقيام بمثل هذا العمل، إلا أنهم أخذوا يمدون الغزاة الوثنيين بالمؤن كدليل عملي على انضمامهم إليهم ضد المسلمين، حتى أخذ المسلمون من مؤنهم 20 جملاً.

وانتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين، فبادر إلى تحقيقه حتى يستجلي موقف قريضة فيواجهه بما يجب من الوجهة العسكرية، وبعث لتحقيق الخبر السعدين سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وعبد الله بن رواحة وخوات بن جبير، وقال: انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا، فإن كان حقاً فالحنوا لي لحناً أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس. فلما دنوا منهم وجدوهم على أخبت ما يكون، فقد جأروهم بالسب والعداوة ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: من رسول الله! لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد. فانصرفوا عنهم.

فلما أقبلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لحنوا له وقالوا: عضل وقارة، أي أنهم على غدر كغدر عضل وقارة بأصحاب الرجيع. وعلى رغم محاولتهم إخفاء الحقيقة، تفطن الناس لجلية الأمر، فتجسد أمامهم خطر رهيب قد كان أحرج موقف يقفه المسلمون، فلم يكن يحول بينهم وبين قريضة شيء يمنعهم من ضربهم من الخلف، بينما كان أمامهم جيش عرم لم يكونوا يستطيعون الانصراف عنه، وكانت ذراريهم ونساؤهم بمقربة من هؤلاء الغادرين في غير منعة وحفظ. وصاروا كما يقول الله تعالى: وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً.

ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قال: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وواحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. وحتى قال بعض آخر في ملا من رجال قومه: إن بيوتنا عورة من العدو، فإذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا فإنها خارج المدينة. وحتى همت بنو سلمة بالفشل. وفي هؤلاء أنزل الله تعالى: وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً. وإذ قالت طائفة منهم: يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا. ويستأذن فريق منهم النبي يقولون: إن بيوتنا عورة وما هي بعورة يريدون إلا فراراً.

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقنع بثوبه حين أتاه غدر بني قريضة فاضطجع ومكث طويلاً حتى اشتد على الناس البلاء، ثم غلبته روح الأمل، فنهض يقول: الله أكبر! أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره. ثم أخذ يخطط للمجابهة الظرف الراهن.

وكجزء من هذه الخطة كان يبعث الحرس إلى المدينة لئلا يؤتى الذرار والنساء على غرة. ولكن كان لابد من إقدام حاسم يفضي إلى تخاذل الأحزاب. وتحقيقاً لهذا الهدف أراد أن يصالح عيينة بن حصن والحارث بن عوف رئيسي غطفان على ثلث ثمار المدينة حتى ينصرفا بقومهما ويخلوا المسلمون لإلحاق الهزيمة الساحقة العاجلة على قريش التي اختبروا مدى قوتها وبأسها مراراً. وجرت المراوضة على ذلك، فاستشار السعدين في ذلك، فقالا: يا رسول الله! إن كان الله أمرك بهذا فسمعاً وطاعة، وإن كان شيئاً تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرا أو بيعاً، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف.

فصوب رأيهما وقال: إنما هو شيء أصنعه لكم لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة. ثم إن الله عز وجل وله الحمد صنع أمراً من عنده خذل به العو جموعهم وفل حدهم. فكان مما هيأ من ذلك أن رجلاً من غطفان يقال له نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي رضي الله عنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة.

فذهب من ثورته إلى بني قريضة وكان عشيراً لهم في الجاهلية، فدخل عليهم وقال: قد عرفتم وديّاًكم وخاصة ما بيني وبينكم. قالوا: صدقت. قال: فإن قريشاً ليسوا مثلكم، البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشاً وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونسائهم بغيره، فإن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا لحقوا ببلادهم وتركوك ومحمداً، فانتقم منكم. قالوا: فما العمل يا نعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهاء. قالوا: لقد أشرت بالرأي.

ثم مضى نعيم على وجهه إلى قريش وقال لهم: تعلمون ودي لكم ونصحي لكم. قالوا: نعم. قال: إن يهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه، وأنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يوالونه عليكم، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوا. ثم ذهب إلى غطفان فقال لهم مثل ذلك.

فلما كان ليلة السبت من شوال من السنة الخامسة للهجرة بعثوا إلى يهود: أنا لسنا بأرض مقام وقد هلك الكراع والخف، فانهضوا بنا حتى نناجز محمداً. فأرسل إليهم اليهود: اليوم يوم سبت وقد علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهاء. فلما جاءتهم رسلهم بذلك قالت قريش وغطفان: صدقكم والله نعيم. فبعثوا إلى يهود: أنا والله لا نرسل إليكم أحداً، فاخرجوا معنا حتى نناجز محمداً. فقالت قريضة: صدقكم والله نعيم. فتخاذل الفريقان ودبت الفرقة بين صفوفهم وخارت عزائمهم.

وكان المسلمون يدعون الله تعالى: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا. ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب فقال: اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم. وقد سمع الله تعالى دعاء رسوله والمسلمين، فبعد أن دبت الفرقة في صفوف المشركين وسرى بينهم التخاذل، أرسل الله عليهم جنداً من الريح فجعلت تقوض خيامهم ولا تدع لهم قدراً إلا كفأتها ولا طنباً إلا قلعته ولا يق لهم قرار، وأرسل جنداً من الملائكة يزلزلونهم ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف.

وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة الباردة القارسة حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم، فوجدهم على هذه الحال وقد تهيأوا للرحيل، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره برحيل القوم، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رد الله عدوه بغيظة لم ينالوا خيراً وكفاه الله قتالهم، فصدق وعده وأعز جنده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، فرجع إلى المدينة. وكانت غزوة الخندق سنة خمس من الهجرة في شوال على أصح القولين، وأقام المشركون محاصرين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين شهراً أو نحو شهر. ويبدو بعد الجمع بين المصادر أن بداية فرض الحصار كانت في شوال ونهايته في ذي القعدة. وعند ابن سعد أن انصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق كان يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة.

إن معركة الأحزاب لم تكن معركة خسائر، بل كانت معركة أعصاب، لم يجر فيها قتال مرير، إلا أنها كانت من أحسن المعارك في تاريخ الإسلام، تمخضت من تخاذل المشركين وأفادت أن أية قوة من قوات العرب لا تستطيع استئصال القوة الصغيرة التي تنمو في المدينة، لأن العرب لم تكن تستطيع أن تأتي بجمع أقوى مما أتت به في الأحزاب. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أجلى الله الأحزاب: الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم.

غزوة بني المسطلق أو غزوة المريسيع في شعبان من السنة السادسة للهجرة. وهذه الغزوة وإن لم تكن طويلة الذيل عريضة الأطراف من حيث الوجهة العسكرية، إلا أنها وقعت فيها وقائع أحدثت البلبة والاضطراب في المجتمع الإسلامي، وتمخضت عن افتضاح المنافقين والتشريعات التعزيرية التي أعطت المجتمع الإسلامي صورة خاصة من النبل والكرامة وطهارة النفوس. ونسرد الغزوة أولاً ثم نذكر تلك الوقائع.

كانت هذه الغزوة في شعبان سنة ست من الهجرة على أصح الأقوال، وسببها أنه بلغه صلى الله عليه وسلم أن رئيس بني المسطل الحارث بن أبي ضرار سار في قومه ومن قدر عليه من العرب يريدون حرب رسول الله، فبعث بريدة بن الحصيب الأسلمي لتحقيق الخبر، فاتاهم ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر. وبعد أن تأكد لديه صلى الله عليه وسلم صحة الخبر نذب الصحابة وأسرع في الخروج، وكان خروجه لليلتين خلتا من شعبان، وخرج معه جماعة من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قبلها، واستعمل على المدينة زيد بن حارثة، وقيل أبو ذر، وقيل ثميلة بن عبد الله الليثي.

وكان الحار حرث ابن ضرار قد وجه عيناً ليأتيه بخبر الجيش الإسلامي، فالقى المسلمون القبض عليه وقتلوه. ولما بلغ الحارث ابن أبي ضرار ومن معه مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتله عينه، خافوا خوفاً شديداً وتفرق عنهم من كان معهم من العرب. وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المريسيع اسم لماء من مياههم في ناحية قديد إلى الساحل، فتهيأوا للقتال، وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وراية المهاجرين مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة رضي الله عنه، فتراموا بالنبل ساعة، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحملوا حملة رجل واحد، فكانت النصرة وانهزم المشركون وقتل من قتل، وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء والذراري والنعم والشاء، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد قتله رجل من الأنصار ظناً منه أنه من العدو، كذا قال أهل المغازي والسير.

قال ابن القيم: وهو وهم، فإنه لم يكن بينهم قتال، وإنما أغار عليهم على الماء فسبى ذراريهم وأموالهم كما في الصحيح: أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المسطلق وهم غارون وذكر الحديث. انتهى.

وكان من جملة السبي جويرية بنت الحارث سيد القوم، وقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها، فادى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها، فاعتق المسلمون بسبب هذا التزويج 100 أهل بيت من بني المسطلق قد أسلموا وقالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما الوقائع التي حدثت في هذه الغزوة فلاجل أن مبعثها كان هو رأس النفاق عبد الله بن أبي وأصحابه، نرى أن نورد أولاً شيئاً من أفعالهم في المجتمع الإسلامي.

دور المنافقين قبل غزوة بني المسطلق. قدمنا مراراً أن عبد الله بن أبي كان يحنق على الإسلام والمسلمين، ولا سيما على رسول الله صلى الله عليه وسلم حنقاً شديداً، لأن الأوس والخزرج كانوا قد اتفقوا على سيادته وكانوا ينظمون له الخرز ليتوجوه، إذ دخل فيهم الإسلام فصرفهم عن ابن أبي، فكان يرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي استلبه ملكه، وقد ظهر حنقه هذا وتحرقه منذ بداية الهجرة قبل أن يتظاهر بالإسلام، وبعد أن تظاهر به ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة على حمار ليعود سعد بن عبادة، فمر بمجلس فيه عبد الله بن أبي، فخمر ابن أبي أنفه وقال: لا تغبر علينا. ولما تلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المجلس القرآن قال: اجلس في بيتك ولا تغشنا في مجلسنا. وهذا قبل أن يتظاهر بالإسلام.

ولما تظاهر به بعد بدر لم يزل إلا عدواً لله ولرسوله وللمؤمنين، ولم يكن يفكر إلا في تشتيت المجتمع الإسلامي وتوهين كلمة الإسلام، وكان يوالي أعداءه، وقد تدخل في أمر بني قينقاع كما ذكرنا، وكذلك جاء في غزوة أحد من الشر والغدر والتفريق بين المسلمين وإثارة الارتباك والفوضى في صفوفهم بما مضى. وكان من شدة مكر هذا المنافق وخداعه بالمؤمنين أنه كان بعد التظاهر بالإسلام يقوم كل جمعة حين يجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم للخطبة فيقول: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم أكرمكم على الله وأعزكم به، فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا. ثم يجلس فيقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخطب.

وكان من وقاحة هذا المنافق أنه قام في يوم الجمعة التي بعد أحد مع ما ارتكبه من الشر والغدر الشنيع، قام ليقول ما كان يقوله من قبل، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه وقالوا له: اجلس أي عدو الله لست لذلك بأهل، وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بجراً إن قمت أشدد أمره. فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد فقال: ويلك ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: والله ما ابتغي أن يستغفر لي.

وكانت له اتصالات ببني النضير يؤامر معهم ضد المسلمين، حتى قال لهم: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، ولئن قوتلتم لننصرنكم. وكذلك فعل هو وأصحابه في غزوة الأحزاب من إثارة القلق والاضطراب وإلقاء الرعب والدهشة في قلوب المؤمنين ما قد قصه الله تعالى في سورة الأحزاب: وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً إلى قوله: يحسبون الأحزاب لم يذهبوا، وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً.

بيد أن جميع أعداء الإسلام من اليهود والمنافقين والمشركين كانوا يعرفون جيداً أن سبب غلبة الإسلام ليس هو التفوق المادي وكثرة السلاح والجيوش والعدد، وإنما السبب هي القيم والأخلاق والمثل التي يتمتع بها المجتمع الإسلامي، وكل ما يمت بصلة إلى هذا الدين. وكانوا يعرفون أن منبع هذا الفيض إنما هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو المثل الأعلى إلى حد الإعجاز لهذه القيم، كما عرفوا بعد إدارة دفة الحروب طيلة خمس سنين أن القضاء على هذا الدين وأهله لا يمكن بطريق استخدام السلاح، فقرروا أن يشنوا حرباً دعائية واسعة ضد هذا الدين من ناحية الأخلاق والتقاليد، وأن يجعلوا شخصية الرسول أول هدف لهذه الدعاية.

ولما كان المنافقون هم الطابور الخامس في صفوف المسلمين ولكونهم سكان المدينة كان يمكن لهم الاتصال بالمسلمين واستفزاز مشاعرهم كل حين، تحمل فريضة الدعاية هؤلاء المنافقون وعلى رأسهم ابن أبي. وقد ظهرت خطتهم هذه جلية بعد غزوة الأحزاب حينما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين زينب بنت جحش بعد أن طلقها زيد بن حارثة. كان من تقاليد العرب أنهم كانوا يعتبرون المتبنى مثل الابن الصلبي، فكانوا يعتقدون حرمة حليلة المتبنى على الرجل الذي تبناه، فلما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب وجد المنافقون ثلمتين حسب زعمهم لإثارة المشاغب ضد النبي صلى الله عليه وسلم: الأولى أن زوجته هذه كانت زوجة خامسة والقرآن لم يكن أذن في الزواج بأكثر من أربعة نسوة، فكيف صح له هذا الزواج؟ الثانية أن زينب كانت زوجة ابنه متبناه، فالزواج بها من أكبر الكبائر حسب تقاليد العرب.

وأكثروا من الدعاية في هذا السبيل واختلقوا قصصاً وأساطير، قالوا إن محمداً رآها بغتة فتأثر بحسنها فشغفه حباً، وعلقت بقلبه وعلم بذلك ابنه زيد فخلى سبيلها لمحمد. وقد نشروا هذه الدعاية المختلقة نشراً بقيت آثاره في كتب التفسير والحديث إلى هذا الزمان. وقد أثرت هذه الدعاية أثراً قوياً في صفوف الضعفاء حتى نزل القرآن بالآيات البينات فيها شفاء لما في الصدور. وينبئ عن سعة نشر هذه الدعاية أن الله استفتح سورة الأحزاب بقوله: يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليماً حكيماً. وهذه إشارات عابرة وصورة مصغرة مما اقترفه المنافقون قبل غزوة بني المسطلق، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكابد كل ذلك بالصبر واللين والتلطف، وكان عامة المسلمين يحترزون عن شرهم أو يتحملونه بالصبر، إذ كانوا قد عرفوهم بافتضاحهم مرة بعد أخرى حسب قوله تعالى: أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون.

دور المنافقين في غزوة بني مصطلق. ولما كانت غزوة بني المسطلق وخرج فيها المنافقون مثلوا قوله تعالى: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولاوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة، فقد وجدوا متنفسين للتنفس بالشر، فأثاروا الارتباك الشديد في صفوف المسلمين والدعاية الشنيعة ضد النبي صلى الله عليه وسلم. وهاك بعض التفصيل عنها:

أولاً: قول المنافقين: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من الغزو مقيماً على المريسيع، ووردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجير يقال له جهجاه الغفاري، فازدحم هو وسنان بن وبر الجهني على الماء فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار! وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنة.

وبلغ ذلك عبد الله بن أبي بن سلول، فغضب وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم غلام حدث، وقال: أو قد فعلوها؟ قد نافرو نا وكاثرونا في بلادنا، والله ما نحن وهم إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم أقبل على من حضره فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم.

فأخبر زيد بن أرقم عمه بالخبر، فأخبر عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عمر، فقال عمر: مر عباد بن بشر فليقتله. فقال: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه؟ لا، ولكن أذن بالرحيل، وذلك في ساعة لم يكن يرتحل فيها، فارتحل الناس، فلقيه أسيد بن حضير فحياه وقال: لقد رحت في ساعة منكرة. فقال له: أو ما بلغك ما قال صاحبك؟ يريد ابن أبي. فقال: وما قال؟ زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال: فأنت يا رسول الله تخرجه منها إن شئت، وهو والله الذليل وأنت العزيز. ثم قال: يا رسول الله ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه يرى أنك استلبته ملكاً. ثم مشى بالناس يومهم ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياماً. يوماً فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث.

أما ابن أبي فلما علم أن زيد بن أرقم بلغ الخبر، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به. وقال من حضر من الأنصار: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قاله الرجل. فصدقه. قال زيد: فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في بيتي، فأنزل الله: إذا جاءك المنافقون إلى قوله: ليخرجن الأعز منها الأذل. فأرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقراها علي، ثم قال: إن الله قد صدقك.

وكان ابن هذا المنافق وهو عبد الله بن عبد الله بن أبي رجلاً صالحاً من الصحابة الأخيار، فتبرا من أبيه ووقف له على باب المدينة واستل سيفه، فلما جاء ابن أبي قال له: والله لا تجوز من هنا حتى يأذن أذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه العزيز وأنت الذليل. فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أذن له فخلى سبيله. وكان قد قال عبد الله بن عبد الله بن أبي: يا رسول الله إن أردت قتله فمرني بذلك، فإني والله أحمل إليك رأسه.

ثانياً: حديث الإفك. وفي هذه الغزوة كانت قصة الإفك، وملخصها أن عائشة رضي الله عنها كانت قد خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في هذه الغزوة لقرعة أصابتها، وكانت تلك عادته مع نسائه. فلما رجعوا من الغزوة نزلوا في بعض المنازل، فخرجت عائشة لحاجتها، ففقدت عقداً لأختها كانت أعارتها إياه، فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه في وقتها، فجاء النفر الذين كانوا يرحلون هودجها، فظنوها فيه، فحملوا الهودج ولا ينكرون خفته، لأنها رضي الله عنها كانت فتية السن لم يغشها اللحم الذي كان يثقلها، وأيضاً فإن النفر لما تساعدوا على حمل الهودج لم ينكروا خفته، ولو كان الذي حمله واحداً أو اثنين لم يخف عليهما الحال.

فرجعت عائشة إلى منازلهم وقد أصابت العقد، وإذا ليس به داع ولا مجيب، فقعدت في المنزل وظنت أنهم سيقدونها فيرجعون في طلبها. والله غالب على أمره يدبر الأمر فوق عرشه كما يشاء، فغلبتها عيناها فنامت، فلم تستيقظ إلا بقول صفوان بن المعطل: إنا لله وإنا إليه راجعون، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان صفوان قد عرس في أخريات الجيش لأنه كان كثير النوم، فلما رآها عرفها، وكان يراها قبل نزول الحجاب، فاسترجع وأناخ راحلته فقربها إليها، فركبتها وما كلمها كلمة واحدة، ولم تسمع منه إلا استرجاعه، ثم سار بها يقودها حتى قدم بها وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة.

فلما رأى ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته وما يليق به، ووجد الخبيث عدو الله ابن أبي متنفساً فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه، فجعل يستحكي الإفك ويستوشيه ويشيعه ويذيعه ويجمعه ويفرقه، وكان أصحابه يتقربون به إليه. فلما قدموا المدينة أفاض أهل الإفك في الحديث ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم، ثم استشار أصحابه لما استلبث الوحي طويلاً في فراقها، فاشار عليه رضي الله عنه أن يفارقها ويأخذ غيرها تلويحاً لا تصريحاً، وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها وألا يلتفت إلى كلام الأعداء.

فقام على المنبر يستندر من عبد الله بن أبي، فاظهر أسيد بن حضير سيد الأوس رغبة ه في قتله، فاخذت سعد بن عبادة سيد الخزرج وهي قبيلة ابن أبي الحمية القبلية، فجرى بينهما كلام تثاور له الحيان، فخفضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سكتوا وسكت. أما عائشة فلما رجعت مرضت شهراً وهي لا تعلم عن حديث الإفك شيئاً سوى أنها كانت لا تعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كانت تعرفه حين تشتكي. فلما نقهت خرجت مع أم مسطح إلى البراز ليلاً، فعثرت أم مسطح في مرطها فدعت على ابنها، فاستنكرت ذلك عائشة منها، فاخبرتها الخبر، فرجعت عائشة واستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لتأتي أبويها وتستيقن الخبر، ثم أتتهما بعد الإذن حتى عرفت جلية الأمر، فجعلت تبكي، فبكت ليلتين ويوماً لم تكن تكتحل بنوم ولا يرقأ لها دمع حتى ظنت أن البكاء فتق كبدها.

وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فتشهد وقال: أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه. وحينئذ قلص دمعها وقالت لكل من أبويها أن يجيبا، فلم يد ما يقولان، فقالت: والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم أني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني، والله ما أجد لكم مثلاً إلا قول أبي يوسف: قال فصبراً جميلاً والله المستعان على ما تصفون. ثم تحولت واضطجعت.

ونزل الوحي ساعته فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها: يا عائشة أما فقد براك. فقالت لها أمها: قومي إليه. فقالت عائشة: ادلالاً ببراءة ساحتها وثقة بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، والذي أنزله الله بشأن الإفك هو قوله تعالى: إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم العشر آيات. وجلد من أهل الإفك مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش، جلدوا ثمانين، ولم يحد الخبيث عبد الله بن أبي مع أنه رأس أهل الإفك والذي تولى كبره، أما لأن الحدود تخفيف لأهلها وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة، وأما للمصلحة التي ترك لأجلها قتله.

وهكذا وبعد شهر أقشعت سحابة الشك والارتياب والقلم والاضطراب عن جو المدينة وافتضح رأس المنافقين افتضاحاً لم يستطع أن يرفع رأسه بعد ذلك. قال ابن إسحاق: وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتل لأرعدت له أنف، ولو أمرتها اليوم بقتله لقتلته. قال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري.

البعوث والسرايا بعد الأحزاب وبني قريضة. لم يجر في واحدة منها قتال مرير، وإنما وقعت فيها وقعه مصادمة خفيفة، فليست هذه البعوث إلا دوريات استطلاعية أو تحركات تأديبية لارهاب الأعراب والأعداء الذين لم يستكينوا بعد. ويظهر بعد التأمل في الظروف أن مجرى الأيام كان قد أخذ في التطور بعد غزوة الأحزاب، وأن أعداء الإسلام كانت معنوياتهم في انهيار متواصل، ولم يكن بقي لهم أمل في نجاح كسر الدعوة الإسلامية وخض شوكتها، إلا أن هذا التطور ظهر جلياً بصلح الحديبية، فلم تكن الهدنة إلا الاعتراف بقوة الإسلام والتسجيل على بقائها في ربوع الجزيرة العربية.

أولاً: سرية عبد الرحمن بن عوف إلى ديار بني كلب بدومة الجندل في شعبان سنة 6 للهجرة. أقعده رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه وعممه بيده وأوصاه بأحسن الأمور في الحرب وقال له: إن أطاعوك فتزوج ابنة ملكهم. فمكث عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم القوم وتزوج وج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ وهي أم أبي سلمة، وكان أبوها رأسهم وملكهم.

ثانياً: سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك في شعبان سنة 6 للهجرة. وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بها جمعاً يريدون أن يمدوا اليهود، فبعث إليهم علياً في 100 رجل، وكان يسير الليل ويكمن النهار، فأصاب عيناً لهم فأقر أنهم بعثوه إلى خيبر يعرضون عليهم نصرتهم على أن يجعلوا لهم تمر خيبر، ودل العين على موضع تجمع بني سعد، فاغار عليهم فأخذ 500 بعير والفيشا، وهربت بنو سعد بالضعن، وكان رئيسهم وبر عليم.

ثالثاً: سرية أبي بكر الصديق أو زيد بن حارثة إلى وادي القرى في رمضان سنة 6 للهجرة. كان بطن فزارة يريد اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق. قال سلمة ابن الأكوع: وخرجت معه حتى إذا صلينا الصبح أمرنا فشننا الغارة، فوردنا الماء فقتل أبو بكر من قتل، ورأيت طائفة وفيهم الذراري، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فأدركتهم ورميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا، فيهم امرأة هي أم قرفة عليها قشع من أدم معها ابنتها من أحسن العرب، فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر، فنفلني أبو بكر ابنتها، فلم أكشف لها ثوباً. وقد سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت أم قرفة، فبعث بها إلى مكة وفدى بها أسرى من المسلمين هناك، وكانت أم قرفة شيطانة طانة تحاول اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم وجهزت 30 فارساً من أهل بيتها لذلك، فلاقت جزاءها وقتل ثلاثون.

رابعاً: سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين في شوال سنة ست للهجرة. وذلك أن رهطاً من عرينة أظهروا الإسلام وأقاموا بالمدينة فاستوخموها، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذود في المرعى وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها، فلما صحوا قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا الإبل وكفروا بعد إسلامهم، فبعث في طلبهم كرزاً الفهري في 20 من الصحابة ودعا على العرني: اللهم أعم عليهم الطريق واجعلها عليهم أضيق من مسك، فما الله عليهم السبيل، فأدركوا فقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم جزاء وقصاصاً بما فعلوه، ثم تركوا في ناحية الحرّة حتى ماتوا. وحديثهم في الصحيح عن أنس.

ويذكر أهل السير بعد ذلك سرية عمرو بن أمية الضمري مع سلمة بن أبي سلمة في شوال سنة 6 للهجرة، أنه ذهب إلى مكة لاغتيال أبي سفيان، لأن أبا سفيان كان أرسل أعرابياً لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، بيد أن المبعوثين لم ينجحا في الاغتيال لا هذا ولا ذاك. ويذكرون أن عمراً قتل في الطريق ثلاثة رجال، ويقولون أن عمراً أخذ جثة الشهيد خبيب في هذا السفر، والمعروف أن خبيباً استشهد بعد الرجيع بأيام أو أشهر، ووقعة الرجيع كانت في سفر سنة أربع للهجرة، فلا أدري هل اختلط السفران على أهل السير أو كان الأمران في سفر واحد في السنة الرابعة. وقد أنكر العلامة المنصور فوري أن تكون هذه السرية سرية حرب أو مناوشة. والله أعلم.

وقعة الحديبية في ذي القعدة سنة ست للهجرة. سبب عمرة الحديبية. ولما تقدم التطور في الجزيرة العربية إلى حد كبير لصالح المسلمين، أخذت طلائع الفتح الأعظم ونجاح الدعوة الإسلامية تبدو شيئاً فشيئاً، وبدأت التمهيدات لإقرار حق المسلمين في أداء عبادتهم في المسجد الحرام الذي كان قد صد عنه المشركون منذ ستة أعوام.

أري رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو بالمدينة أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام وأخذ مفتاح الكعبة وطافوا واعتمروا وحلق بعضهم وقصر بعضهم، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا وحسبوا أنهم داخلوا مكة عامهم ذلك. وأخبر أصحابه أنه معتمر فتجهزوا للسفر. استنفار المسلمين واستنفر العرب ومن حوله من البوادي ليخرجوا معه، فابطأ كثير من الأعراب، وغسل ثيابه وركب ناقته القصواء، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم أو نميلة الليثي، وخرج منها يوم الاثنين غرة ذي القعدة سنة 6 للهجرة ومعه زوجته أم سلمة في 1400 ويقال 1500، ولم يخرج معه بسلاح إلا سلاح المسافر السيوف في القرب.

رب المسلمون يتحركون إلى مكة وتحرك في اتجاه مكة، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه، وبعث بين يديه عيناً له من خزاعة يخبره عن قريش، حتى إذا كان قريباً من عسفان آتاه عينه فقال: إني تركت كعب بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعاً وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. واستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال: أترون نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين محزونين، وإن نجوا يكن عنقها الله، أم تريدون أن نؤم هذا البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟ فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم، إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فروحوا فراحوا.

محاولة قريش صد المسلمين عن البيت. وكانت قريش لما سمعت بخروج النبي صلى الله عليه وسلم عقدت مجلساً استشارياً قررت فيه صد المسلمين عن البيت كيفما يمكن. فلما رأى خالد قرة الجيش الإسلامي قد خالفوا عن طريقه انطلق يركض نذيراً لقريش. وسار رسول الله صلى الله عليه حتى إذا كان بثنية المرار بركت راحلته، فقال الناس: حل حل! فألحت، فقالوا: خلت القصواء! خلت القصواء! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها. ثم زجرها فوثبت به.

فعل نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء، إنما يتبرضه الناس تبرضاً، فلم يلبث أن نزحوه، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهماً من كنانته ثم أمرهم أن يجعل علوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا. بديل يتوسط بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش. ولما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، وكانت خزاعة عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماذدتهم ويخلوا بيني وبين الناس، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا، وإن أبوا إلا القتال فوذي نفسي بيده لا قاتلتهم على أمري حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره. قال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشاً: إني قد جئتكم من عند هذا الرجل وسمعته يقول قولاً، فإن شئتم عرضته عليكم. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء. وقال ذو الرأي منهم: هات ما سمعته. قال: سمعته يقول كذا وكذا.

فبعثت قريش مكرز بن حفص، فلما لما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هذا رجل غادر. فلما جاء وتكلم قال له مثل ما قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش وأخبرهم. رسل قريش ثم قال رجل من.

كنانة اسمه الحليس بن علقمه. دعوني أته. فقالوا: أته. فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها. فبعثوها له واستقبله القوم يلبون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت وما أرى أن يصدوا. وجرى بينه وبين قريش كلام أحفظه.

فقال عروة بن مسعود الثقفي: إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. ودعوني أته. فقالوا: ائته. فاتاه فجعل يكلمه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل. فقال له عروة عند ذلك: أي محمد! أرايت لو استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن إلاخرى، فوالله إني لأرى وجوها وأرى أوباشا من الناس خلقا أن يفروا ويدعوه.

فقال له أبو بكر: أمصص بظر! لا، أنحن نفر عنه. قال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت عندي لم أجزك بها لأجبته. وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم وكلما كلمه أخذ بلحيته. والمغيرة ابن شعبة عند رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر. فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال: اخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرفع عروة رأسه وقال: من ذا؟ قالوا: المغيرة ابن شعبة. فقال: أي غدر! أولست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء. وكان المغيرة ابن أخي عروة.

ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلاقتهم به. فرجع إلى أصحابه فقال: أي قومي! والله لقد وفدت على الملوك على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا. والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده. وإذا أمرهم ابتدروا أمره. وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه. وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له. وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. هو الذي كف أيديهم عنكم.

ولما رأى شباب قريش الطائشون والطامحون إلى حرب رغبة زعمائهم في الصلح، فكروا في خطة تحول بينهم وبين الصلح. فقرروا أن يخرجوا ليلا ويتسللوا إلى معسكر المسلمين ويحدثوا أحداثا تشعل نار الحرب. وفعلا قد قاموا بتنفيذ هذا القرار. فقد خرج سبعون أو ثمانون منهم ليلا فهبطوا من جبل التنعيم وحاولوا التسلل إلى معسكر المسلمين. غير أن محمد بن مسلمة قائد الحرس اعتقلهم جميعا. ورغبة في الصلح أطلق سراحهم النبي صلى الله عليه وسلم وعفى عنهم. وفي ذلك أنزل الله: "وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم".

عثمان بن عفان سفيرا إلى قريش. وحينئذ أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث سفيرا يؤكد لدى قريش موقفه وهدفه من هذا السفر. فدعا عمر بن الخطاب ليرسله إليهم فاعتذر قائلا: يا رسول الله! ليس لي بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت، فارسل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها وأنه مبلغ ما أردت. فدعاه وأرسله إلى قريش وقال: أخبرهم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمارا وادعهم إلى الإسلام. وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيبشرهم بالفتح ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة حتى لا يستخفي فيها أحد بالإيمان.

فانطلق عثمان حتى مر على قريش ببلدح. فقالوا: أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا. قالوا: قد سمعنا ما تقول فانفذ لحاجتك. وقام إليه أبان ابن سعيد بن العاص فرحب به ثم أسرج فرسه فحمل عثمان على الفرس وأجاره وأردفه حتى جاء مكة وبلغ الرسالة إلى زعماء قريش. فلما فرغ عرضوا عليه أن يطوف بالبيت. لكنه رفض هذا العرض وأبى أن يطوف حتى يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إشاعة مقتل عثمان وبيعة الرضوان. واحتبسته قريش عندها. ولعلهم أرادوا أن يتشاوروا فيما بينهم في الوضع الراهن ويبرموا أمرهم ثم يردوا عثمان بجواب ما جاء به من الرسالة. وطال الاحتباس فشاع بين المسلمين أن عثمان قتل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغته تلك الإشاعة: لا نبرح حتى نناجز القوم. ثم دعا أصحابه إلى البيعة فثاروا إليه يبايعونه على ألا يفروا. وبايعته جماعة على الموت. وأول من بايعه أبو سنان الأسدي. وبايعه سلمة بن الأكوع على الموت ثلاث مرات في أول الناس ووسطهم وآخرهم. وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد نفسه وقال: هذه عن عثمان. ولما تمت البيعة جاء عثمان فبايعه. ولم يتخلف عن هذه البيعة إلا رجل من المنافقين يقال له جد بن قيس. أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه البيعة تحت الشجرة. وكان عمر آخذا بيده ومعقل ابن يسار آخذا بغصن الشجرة يرفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه هي بيعة الرضوان التي أنزل الله فيها: "لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة".

إبرام الصلح وبنوده. وعرفت قريش حراجة الموقف فأسرت إلى بعث سهيل بن عمر لعقد الصلح. وأكدت له ألا يكون في الصلح إلا أن يرجع عنا عامنا هذا لا تتحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا. فآتاه سهيل بن عمرو. فلما رآه عليه السلام قال: قد سهل لكم أمركم أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل. فجاء جاء سهيل فتكلم طويلا ثم اتفق على قواعد الصلح وهي هذه:

أولا: الرسول صلى الله عليه وسلم يرجع من عامه فلا يدخل مكة. وإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلاثا معهم سلاح الراكب السيوف في القرب ولا تتعرض قريش لهم بأي نوع من أنواع التعرض.

ثانيا: وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض.

ثالثا: من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه. ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. وتعتبر القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين جزءا من ذلك الفريق. فأي عدوان تتعرض له أي من هذه القبائل يعتبر عدوانا على ذلك الفريق.

رابعا: من أتى محمدا من قريش من غير إذن وليه أي هاربا منهم رده عليهم. ومن جاء قريشا ممن مع محمد أي هاربا منه لم يرد عليه.

ثم دعا عليا ليكتب الكتاب. فأملى عليه: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: أما الرحمن فوالله لا ندري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك عليا. ثم أملى: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله ما صدد عن البيت ولا قاتلناك. ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال: إني رسول الله وإن كذبتموني. وأمر عليا أن يكتب محمد بن عبد الله ويمحو لفظ رسول الله. فأبى علي أن يمحو هذا اللفظ. فمحاه صلى الله عليه وسلم بيده. ثم تمت كتابة الصحيفة.

ولما تم الصلح دخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانوا حليف بني هاشم منذ عهد عبد المطلب كما قدمنا في أوائل المقالة. فكان دخولهم في هذا العهد تأكيدا لذلك الحلف القديم. ودخلت بنو بكر في عهد قريش.

رد أبي جندل. وبينما الكتاب يكتب إذ جاء أبو جندل بن سهيل يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين ظهور المسلمين. فقال سهيل: هذا أول ما أقاضيك عليه على أن ترده. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنا لم نقض الكتاب بعد. فقال: والله إذا لا أقاضيك على شيء أبدا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فاجزه لي. قال: ما أنا بمجيز لك. قال: بلى فافعل. قال: ما أنا بفاعل. وقد ضرب سهيل أبا جندل في وجهه وأخذ بتلابيبه وجره ليرده إلى المشركين. وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين! أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا جندل! اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا. أنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله فلا نغدر بهم.

فوثب عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب. ويدني قائم السيف منه يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه. فظن الرجل بأبيه ونفذت القضية.

النحر والحلق للحل عن العمرة. ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قضية الكتاب قال: قوموا فانحروا. فوالله ما قام منهم أحد حتى قالها ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمه فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت: يا رسول الله! أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فقام فخرج. فلما لم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه. فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما. وكانوا نحروا البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة. ونحر رسول الله صلى الله عليه وسلم جملا كان لأبي جهل وكان في أنفه برة من فضة ليغيظ به المشركين. ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا بالمغفرة وللمقصرين مرة. وفي هذا السفر أنزل الله فدية الأذى لمن حلق رأسه بالصيام أو الصدقة أو النسك في شأن كعب بن عجرة.

الإباء عن رد المهاجرات. ثم جاء نسوة مؤمنات فسأل أولياؤهن أن يردهن عليهم بالعهد الذي تم في الحديبية. فرفض طلبهم هذا بدليل أن الكلمة التي كتبت في المعاهدة بصدد هذا البند هي: "وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته علينا". فلم تدخل النساء في العقد رأسا. وأنزل في ذلك: "يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن" حتى بلغ: "بعصم الكوافر". فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحنهن بقوله تعالى: "إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئا" إلى آخره. فمن أقرت بهذه الشروط قال لها: قد بايعتك. ثم لم يكن يردهن. وطلق المسلمون زوجاتهم الكافرات بهذا الحكم. فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك تزوج بإحداهما معاوية وبالأخرى صفوان بن أمية.

ماذا يتمخض عن بنود المعاهدة. هذه هي هدنة الحديبية. ومن سبر أغوار بنودها مع خلفياتها لا يشك أنها فتح عظيم للمسلمين. فقريش لم تكن تعترف بالمسلمين أي اعتراف بل كانت تهدف استئصال شافتهم وتنتظر أن تشهد يوما ما نهايتهم. وكانت تحاول بأقصى قوتها الحيلولة بين الدعوة الإسلامية وبين الناس بصفتها ممثلة الزعامة الدينية والصداره الدنيوية في جزيرة العرب. ومجرد الجنوح إلى الصلح اعتراف بقوة المسلمين وأن قريشا لا تقدر على مقاومتهم.

ثم البند الثالث يدل لفحواه على أن قريشا نسيت صدارتها الدنيوية وزعامتها الدينية وأنها لا تهمها الآن إلا نفسها. أما سائر الناس وبقية العرب فلو دخلت في الإسلام بأجمعها فلا يهم ذلك قريشا ولا تتدخل في ذلك بأي نوع من أنواع التدخل. أليس هذا فشلا ذريعا بالنسبة إلى قريش وفتحا مبينا بالنسبة إلى المسلمين؟

إن الحروب الدامية التي جرت بين المسلمين وبين أعدائهم لم تكن أهدافها بالنسبة إلى المسلمين مصادرة الأموال وإبادة الأرواح وإيذاء الناس أو إكراه العدو على اعتناق الإسلام. وإنما كان الهدف الوحيد الذي يهدفه المسلمون من هذه الحروب هو الحرية الكاملة للناس في العقيدة والدين. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر لا يحول بينهم وبين ما يريدون أي قوة من القوات. وقد حصل هذا الهدف بجميع أجزائه ولوازمه وبطريق ربما لا يحصل بمثله في الحروب مع الفتح المبين. وقد كسب المسلمون لأجل هذه الحرية نجاحا كبيرا في الدعوة. فبينما كان عدد المسلمين لا يزيد على ثلاثمائة قبل الهدنة صار عدد الجيش الإسلامي في سنتين عند فتح مكة عشرة آلاف.

أما البند الثاني فهو جزء ثان لهذا الفتح المبين. فالمسلمون لم يكونوا بادئين بالحروب وإنما بدأتها قريش. يقول الله تعالى: "وهم بدوكم أول مرة". أما المسلمون فلم يكن المقصود من دورياتهم العسكرية إلا أن تفيق قريش عن غطرستها وصدها عن سبيل الله وتعمل معهم بالمساواة كل من الفريقين يعمل على شاكلته. فالعقد بوضع الحرب عشر سنين حد لهذه الغطرسه والصد ودليل على فشل من بدأ الحرب وضعفه وانهياره.

أما البند الأول فهو حد لصد قريش عن المسجد الحرام. فهو أيضا فشل لقريش وليس فيه ما يشفي قريشا سوى أنها نجحت في الصد لذلك العام الواحد فقط. أعطت قريش هذه الخلال الثلاثة للمسلمين وحصلت بازائها خلة واحدة فقط وهي ما في البند الرابع. ولكن تلك الخلة تافهة جدا ليس فيها شيء يضر بالمسلمين. فمعلوم أن المسلم ما دام مسلما لا يفر عن الله ورسوله وعن مدينة الإسلام ولا يفر إلا إذا ارتد عن الإسلام ظاهرا أو باطنا. فإذا ارتد فلا حاجة إليه للمسلمين وانفصاله من المجتمع الإسلامي خير من بقائه فيه. وهذا الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله". وأما من أسلم من أهل مكة فهو وإن لم يبق للجوء إلى المدينة سبيل لكن أرض الله واسعة. ألم تكن الحبشة واسعة للمسلمين حينما لم يكن يعرف أهل المدينة عن الإسلام شيئا. وهذا الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا".

والأخذ بمثل هذا الاحتفاظ وإن كان مظهرا للاعتزاز لقريش لكنه في الحقيقة ينبئ عن شدة انزعاج قريش وهلعهم وخورهم وعن شدة خوفهم على كيانهم الوثني. وكأنهم كانوا قد أحسوا أن كيانهم اليوم على شفا جرف هار لا بد له من الأخذ بمثل هذا الاحتفاظ. وما سمح به النبي صلى الله عليه وسلم من أنه لا يسترد من فر إلى قريش من المسلمين فليس هذا إلا دليلا على أنه يعتمد على تثبيت كيانه وقوته كمال الاعتماد ولا يخاف عليه من مثل هذا الشر.

حزن المسلمين ومناقشة عمر مع النبي صلى الله عليه وسلم. هذه هي حقيقة بنود هذه الهدنة. لكن هناك ظاهرتان عمّت لأجلهما المسلمين كآبة وحزن شديد. الأولى أنه كان قد أخبرهم أننا سنأتي البيت فنطوف به فما له يرجع ولم يطف به. الثانية أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الحق والله وعد بإظهار دينه فما له قبل ضغط قريش واعطى الدنية في الصلح. كانت هاتان الظاهرتان مثار الريب والشكوك والوساوس والظنون. وصارت مشاعر المسلمين لأجلهما جريحة بحيث غلب الهم والحزن على التفكير في عواقب بنود الصلح. ولعل أعظمهم حزنا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فقد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيما نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال: يا ابن الخطاب! إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري ولن يضيعني أبدا. قال: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى. فاخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. ثم انطلق عمر متغيظا فاتى أبا بكر رضي الله عنه فقال له كما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورد عليه أبو بكر كما رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء وزاد: فاستمسك بغرزه حتى تموت فوالله إنه لحق. ثم نزلت: "إنا فتحنا لك فتحا مبينا" إلى آخره. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر فاقرأه إياه. فقال: يا رسول الله! أو فتح هو؟ قال: نعم. طابت نفسه ورجع. رجع ثم ندم عمر على ما فرط منه ندما شديدا. قال عمر: فعملت لذلك أعمالا ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به حتى رجوت أن يكون خيرا.

انحلت أزمة المستضعفين. ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واطمأن بها انفلت رجل من المسلمين ممن كان يعذب في مكة وهو أبو بصير رجل من ثقيف حليف لقريش. فأرسلوا في طلبه رجلين وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغ ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم. فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا. فاستله الآخر وقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه. فأمكنه منه فضربه حتى برد. وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذعرا. فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتل صاحبي واني لمقتول. فجاء أبو بصير وقال: يا نبي الله! قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل أم مسعر حرب لو كان له أحد. فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم. فخرج حتى أتى سيف البحر. وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير. فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة. فوالله ما يسمعون بعيرا خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل فمن آتاه فهو آمن. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فقدموا عليه المدينة ينه إسلام أبطال من قريش.

وفي أوائل سنة سبع من الهجرة بعد هذه الهدنة أسلم عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة. ولما حضروا عند النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن مكة قد ألقت إلينا أفلاذ كبدها.

المرحلة يه طور جديد. إن هدنة الحديبية كانت بداية طور جديد في حياة الإسلام والمسلمين. فقد كانت قريش أقوى قوة وأعندها وألدها في عداء الإسلام. وبانسحابها عن ميدان الحرب إلى رحاب الأمن والسلام انكسر أقوى جناح من أجنحة الأحزاب الثلاثة قريش وغطفان واليهود. ولما كانت قريش ممثلة للوثنية وزعيمتها في ربوع جزيرة العرب انخفضت حدة مشاعر الوثنيين وانهارت نزعاتها العدائية إلى حد كبير. ولذلك لا نرى لغطفان استفزازا كبيرا بعد هذه الهدنة. وجل ما جاء إنما جاء من قبل إغراء اليهود.

أما اليهود فقد كانوا جعلوا خيبر بعد جلائهم يثرب وكرا للدس والتآمر. كانت شياطينهم تبيض هناك وتفرخ وتؤجج نار الفتنة وتغري الأعراب الضاربة حول المدينة وتبيت للقضاء على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين أو لإلحاق الخسائر الفادحة بهم. ولذلك كان أول اقدام حاسم من النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهدنة هو شن الحرب الفاصلة على هذا الوكر. ولكن هذه المرحلة التي بدأت بعد الهدنة أعطت للمسلمين فرصة كبيرة لنشر الدعوة الإسلامية وإبلاغها. وقد تضاعف نشاط المسلمين في هذا المجال. برز نشاطهم في هذا الوجه على نشاطهم العسكري. ولذلك نرى أن نقسم هذه المرحلة إلى قسمين: أولا: النشاط في مجال الدعوة أو مكاتبة الملوك والأمراء. ثانيا: النشاط العسكري.

وقبل أن نتابع النشاط العسكري في هذه المرحلة نتناول موضوع مكاتبة الملوك والأمراء. إذ الدعوة الإسلامية هي المقدم طبعًا بل ذلك هو الهدف الذي عانى له المسلمون ما عانوه من المصائب والآلام والحروب والفتن والقلاقل والاضطرابات.

مكاتبة الملوك والأمراء. في أواخر السنة السادسة حين رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية كتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام. ولما أراد أن يكتب إلى هؤلاء الملوك قيل له: إنهم لا يقبلون إلا وعليه خاتم. فاتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتما من فضة نقشه: محمد رسول الله. وكان هذا النقش ثلاثة أسطر: محمد سطر، رسول سطر، والله الله سطر، هكذا: محمد رسول الله. واختار من أصحابه رسلا لهم معرفة وخبرة وأرسلهم إلى الملوك. وقد جزم العلامة المنصور فوري أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل هؤلاء الرسل غرة المحرم سنة سبع من الهجرة قبل الخروج إلى خيبر بأيام. وفيما يلي نصوص هذه الكتب وبعض ما تمخضت عنه.

الكتاب إلى النجاشي ملك الحبشة. وهذا النجاشي اسمه أصحمة ابن الأيجر. كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم مع عمرو بن أمية الضمري في آخر سنة ست أو في المحرم سنة سبع من الهجرة. وقد ذكر الطبري نص الكتاب ولكن النظر الدقيق في ذلك النص يفيد أنه ليس بنص الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم بعد الحديبية بل لعله نص كتاب بعثه مع جعفر رضي الله عنه حين خرج هو وأصحابه مهاجرين إلى الحبشة في العهد المكي. فقد ورد في آخر الكتاب ذكر هؤلاء المهاجرين بهذا اللفظ: "وقد بعثت إليكم ابن عمي جعفرا ومعه نفر من المسلمين فإذا جاءك فاقرهم ودع التجبر". وروى البيهقي عن ابن إسحاق نص كتاب كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي وهو هذا: "كتاب من محمد النبي إلى النجاشي الأصحم عظيم الحبشة سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله وأدعوك بدعاية الإسلام فإني أنا رسوله فأسلم تسلم يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون فإن أبيت فأنتم أثمون نصارى من قومك".

وقد أورد المحقق الكبير الدكتور حميد الله باريس نص كتاب قد عثر عليه في الماضي القريب كما أورده ابن القيم مع الاختلاف في كلمة فقط. وبذل الدكتور في تحقيق ذلك النص جهدا بليغا واستعان في ذلك كثيرا باكتشافات العصر الحديث وأورد صورته في الكتاب وهو هكذا: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي عظيم الحبشة سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى ابن مريم مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسى من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده واني أدعو إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله واني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل وقد بلغت ونصحت فاقبل نصيحتي والسلام على من اتبع الهدى".

وأكد الدكتور المحترم أن هذا هو نص الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي بعد الحديبية. أما صحة هذا النص فلا شك فيها بعد النظر في الدلائل. وأما أن هذا الكتاب هو الذي كتب بعد الحديبية فلا دليل عليه. والذي أورده البيهقي عن ابن إسحاق أشبه بالكتب التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك وأمراء النصارى بعد الحديبية فإن فيه الآية الكريمة "يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة" إلى آخره كما كان دأبه في تلك الكتب. وقد ورد فيه اسم الأصحمة صريحا. وأما النص الذي أورده الدكتور حميد الله فالأغلب عندي أنه نص الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم بعد موت أصحمة إلى خليفته. ولعل هذا هو السبب في ترك الاسم. وهذا الترتيب ليس عندي عليه دليل قطعي سوى الشهادات الداخلية التي تؤديها نصوص هذه الكتب. والعجب من الدكتور حميد الله أنه جزم أن النص الذي أورده البيهقي عن ابن عباس هو نص الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم بعد موت أصحمة إلى خليفته مع أن اسم أصحمة وارد في هذا النص صريحا. والعلم عند الله.

ولما بلغ عمرو بن أمية الضمري كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي أخذه النجاشي ووضعه على عينه ونزل عن سريره على الأرض وأسلم على يدي جعفر بن أبي طالب وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وهاك نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى فور السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت تفروقا أنه كما قلت وقد عرفنا ما بعثت به إلينا وقد قرينا ابن عمك وأصحابك فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين".

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد طلب من النجاشي أن يرسل جعفرا ومن معه من مهاجري الحبشة فأرسلهم في سفينتين مع عمرو بن أمية الضمري فقدم بهم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر. توفي النجاشي هذا في رجب سنة تسع من الهجرة بعد تبوك. ودعاه النبي صلى الله عليه وسلم يوم وفاته وصلى عليه صلاة الغائب. ولما مات وتخلف على عرشه ملك آخر كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم كتابا آخر ولا يدرى هل أسلم أم لا.

ثانيا: الكتاب إلى المقوقس ملك مصر. وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى جريج بن متى الملقب بالمقوقس ملك مصر والإسكندرية: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم أسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم أهل القبط يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون". واختار لحمل هذا الكتاب حاطب بن أبي بلتعة. فلما دخل حاطب على المقوقس قال له: إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى فاخذه الله نكال الآخرة والأولى فانتقم به ثم انتقم منه فاعتبر بغيرك ولا يعتبر غيرك بك. فقال المقوقس: إن لنا دينا لن ندعه إلا لما هو خير منه. فقال حاطب: ندعوك إلى دين الإسلام الكافي به الله فقد ما سواه. إن هذا النبي دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش وأعداهم له اليهود وأقربهم منه النصارى. ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل. فكل نبي أدرك قوما فهم أمته فالحق عليهم أن يطيعوه وأنت ممن أدركه هذا النبي ولسنا ننهالك عن دين المسيح ولكن نبارك به. فقال المقوقس: إني قد نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهود فيه ولا ينهى عن مرغوب فيه ولم أجده بالساحر الضال ولا الكاهن الكاذب ووجدت معه آية النبوة بإخراج الخبئ والإخبار بالنجوى وسأنظر. وأخذ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فجعله في حق من عاج وختم عليه ودفع به إلى جارية له. ثم دعا كاتبا له يكتب بالعربية فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط سلام عليك أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه وقد علمت أن نبيا بقي وكنت أظن أنه يخرج بالشام وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم وبكسوة وأهديت إليك بغلة لتركبها والسلام عليك". ولم يزد على هذا ولم يسلم. والجاريتان مارية وسيرين والبغلة والدابة بقيت إلى زمن معاوية. واتخذ النبي صلى الله عليه وسلم مارية سرية له وهي التي ولدت له إبراهيم. وأما سيرين فعطاها لحسان بن ثابت الأنصاري.

ثالثا: الكتاب إلى كسرى ملك فارس. وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى ملك فارس: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأدعوك بدعاية الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فاسلم تسلم فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك". واختار لحمل هذا الكتاب عبد الله بن حذافة السهمي. فدفعه السهمي إلى عظيم البحرين ولا ندري هل بعث عظيم البحرين رجلا من رجالاته أم بعث عبد الله السهمي. وأيا ما كان فلما قرئ الكتاب على كسرى مزقه وقال في غطرسة: عبد حقير من رعيتي يكتب اسمه قبلي. ولما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مزق الله ملكه. وقد كان كما قال. فقد كتب كسرى إلى باذان عامله على اليمن: ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين عندك جلدين فليأتياني به. فاختار باذان رجلين ممن عنده وبعثهما بكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن ينصرف معه إلى كسرى. فلما قدم المدنية وقابل النبي صلى الله عليه وسلم قال أحدهما: إن شاه شاه ملك الملوك كسرى قد كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك وبعثني إليك لتنطلق معي. وقال قولا تهديا. فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يلاقيا غدا. وفي ذلك الوقت كانت قد قامت ثورة كبيرة ضد كسرى من داخل بيته بعد أن لاقت جنوده هزيمة منكرة كره أمام جنود قيصر. فقد قام شرويه ابن كسرى على أبيه فقتله وأخذ الملك لنفسه. وكان ذلك في ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى الأولى سنة سبع. وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الوحي. فلما غدوا عليه أخبرهما بذلك فقالا: هل تدري ما تقول؟ أنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر أفنكتب هذا عنك ونخبره الملك؟ قال: نعم. أخبرهما ذلك عني وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ كسرى وينتهي إلى منتهى الخف والحافر. وقول له: إن أسلمت أعطيتك ما تحت يدك وملكتك على قومك من الأبناء. فخرجا من عنده حتى قدما على باذان فاخبراه الخبر. وبعد قليل جاء كتاب بقتل شراويه لأبيه. وقال له شيروويه في كتابه: انظر الرجل الذي كان كتب فيه أبي إليك فلا تهجه حتى يأتيك أمري. وكان ذلك سببا في إسلام باذان ومن معه من أهل فارس باليمن.

رابعا: الكتاب إلى قيصر ملك الروم. وروى البخاري ضمن حديث طويل نص الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملك الروم هرقل وهو هذا: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أسلم تسلم أسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون". واختار لحمل هذا الكتاب دحية ابن خليفة الكلبي وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر. وقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش. فاتوه وهم بأيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم. ثم دعاهم ودعا ترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: فقلت أنا أقربهم نسبا. فقال: قال ادنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره. ثم قال لترجمانه: إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه. فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه. ثم قال: أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ فقلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فاشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا. ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال أبو سفيان: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم. ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. فقال للترجمان: قل له: سالتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في نسب من قومها. وسالتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله فذكرت أن لا قلت لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي بقول قول قيل قبله. وسالتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا فقلت فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه. وسالتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت ألا فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسالتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفائهم اتبعوه وهم اتباع الرسل. وسالتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسالتك أيرتد أحد سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت ألا وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسالتك هل يغدر فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا تغدر. وسالتك بماذا يأمر فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف. فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظنه أنه منكم. فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقراه فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللغط وأمر بنا فاخرجنا. قال: فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة إنه ليخافه ملك بني الأصفر. فما زلت موقنا بامر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام. هذا ما رآه أبو سفيان من أثر هذا الكتاب على قيصر. وقد كان من أثره عليه أنه أجاز دحية بن خليفة الكلبي حامل كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال وكسوة. ولما كان دحية بحسمه في الطريق لقيه ناس من جذام فقطعوها عليه فلم يتركوا معه شيئا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يدخل بيته فاخبره. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة إلى حسما وهي وراء وادي القرى في خمسمائة رجل. فشن زيد الغارة على جذام فقتل فيهم قتلا ذريعا واستاق نعمهم ونسائهم فاخذ من النعم ألف بعير ومن الغنم خمسة آلاف والسبي مائة من النساء والصبيان. وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قبيلة جذام موادعة. فاسرع زيد بن رفاعة الجذامي أحد زعماء هذه القبيلة بتقديم الاحتجاج إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وكان قد أسلم هو ورجال من قومه ونصروا دحية حين قطع عليه الطريق. فقبل النبي صلى الله عليه وسلم احتجاجه وأمر برد الغنائم والسبي. وعامة أهل المغازي يذكرون هذه السرية قبل الحديبية وهو خطأ واضح فإن بعث الكتاب إلى قيصر كان بعد الحديبية ولذا قال ابن القيم هذا بعد الحديبية بلا شك.

خامسا: الكتاب إلى المنذر بن ساوى. وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى حاكم البحرين كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام. وبعث إليه العلاء ابن الحضرمي بذلك الكتاب. فكتب المنذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما بعد يا رسول الله فإني قرأت كتابك على أهل البحرين فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه ودخل فيه ومنهم من كرهه وبارضي مجوس ويهود فاحدث إلي في ذلك أمرك". فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد فإني أذكرك الله عز وجل فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه وإنه من يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني ومن نصح لهم فقد نصح لي وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرا واني قد شفعتك في قومك فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم وإنك مهما تصلح فلم أعزلك عن عملك ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية".

سادسا: الكتاب إلى هوذة بن علي صاحب اليمامة. وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى صاحب اليمامة: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي سلام على من اتبع الهدى واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر فاسلم تسلم واجعل لك ما تحت يدك". واختار لحمل هذا الكتاب سليط بن عمر العامري. فلما قدم سليط على هوذة بهذا الكتاب مختوما أنزل زله وحياه وقرأ عليه الكتاب فرد عليه ردا دون رد وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله والعرب تهاب مكاني فاجعل لي بعض الأمر أتبعك". وأجاز سليطا بجائزة وكساه أثوابا من نسج هجر. فقدم بذلك كله على النبي صلى الله عليه وسلم فاخبره وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم كتابه فقال: لو سألني قطعة من الأرض ما فعلت. باد وباد ما في يديه. فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفتح جاءه جبريل عليه السلام بأن هوذة مات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبا يقتل بعدي. فقال قائل: يا رسول الله! من يقتله؟ فقال: أنت وأصحابه. فكان كذلك.

سابعا: الكتاب إلى الحارث بن أبي شمر الغساني صاحب دمشق. كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر سلام على من اتبع الهدى وآمن به وصدق واني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك". واختار لحمل هذا الكتاب شجاع ابن وهب من بني أسد بن خزيمة. ولما أبلغه الكتاب قال: من ينزع ملكي مني؟ انس سائر إليه ولم يسلم.

ثامنا: الكتاب إلى ملك عمان. وكتب النبي صلى الله عليه وسلم كتابا إلى ملك عمان جيثر وأخيه عبد ابني الجلندي ونصه: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله إلى جيف وعبد ابني الجلندي سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوكما بدعاية آية الإسلام أسلم تسلما فإني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل وخيل تحل بساحتكما وتظهر نبوتي على ملككما". واختار لحمل هذا الكتاب عمرو بن العاص رضي الله عنه. قال عمرو: فخرجت حتى انتهيت إلى عمان. فلما قدمتها عمدت إلى عبد وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا فقلت: إني رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك وإلى أخي. فقال: قال أخي المقدم علي بالسن والملك وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك. ثم قال: وما تدعو إليه؟ قلت: أدعو إلى الله وحده لا شريك له وتخلع ما عبد وتشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال: يا عمرو! إنك ابن سيد قومك فكيف صنع أبوك؟ فإن لنا فيه قدوة. قلت: مات ولم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ووددت أنه كان أسلم وصدق به. وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام. قال: فمتى تبعته؟ قلت: قريبا. فسألني أين كان إسلامك؟ قلت: عند النجاشي. وأخبرته أن النجاشي قد أسلم. قال: وكيف صنع قومه بملكه؟ فقلت: أقرؤه واتبعوه. قال: والأساقفة والرهبان اتبعوه؟ قلت: نعم. قال: انظر يا عمرو ما تقول إنه ليس من خصلة في الخصل أفضح له من الكذب. قلت: ما كذبت وما نستحله في ديننا. ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي. قلت: بلى. قال: فبأي شيء علمت ذلك؟ قلت: كان النجاشي يخرج له خرجا فلما أسلم وصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم قال: لا والله لو سألني درهما واحدا ما أعطيته. فبلغ هرقل قوله فقال له النياق.

إخوة، أتَدْعُ عبدَك لا يخرج لك خرْجًا، ويَدينُ بدينِ غيرِك دينًا مُحدَثًا؟ قال هرقل: رجلٌ رغِبَ في دينٍ فاختارَه لنفسِه، ما أصنع؟ واللهِ لولا الظنُّ بملكي لصنعتُ كما صنع. قال: انظرْ ما تقولُ يا عمرو. قلتُ: واللهِ صدقتُك. قال عبدٌ: فأخبرني ما الذي يأمرُ به وينهى عنه؟ قلتُ: يأمرُ بطاعةِ اللهِ عز وجل، وينهى عن معصيتِه، ويأمرُ بالبرِّ وصلةِ الرحمِ، وينهى عن الظلمِ والعدوانِ، وعن الزنا، وعن الخمرِ، وعن عبادةِ الحجرِ والوثنِ والصليبِ. قال: ما أحسنَ هذا الذي يدعو إليه! لو كان أخي يتابعُني عليه لركبنا حتى نؤمنَ بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم ونصدقَ به، ولكن أخي أظنَّ بملكهِ من أن يدعَه ويصيرَ ذنبًا. قلتُ: إنه إن أسلمَ ملكُه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على قومِه، فأخذَ الصدقةَ من غنيِّهم، فردَّها على فقيرِهم. قال: إن هذا لخُلُقٌ حسنٌ، وما الصدقةُ؟ فأخبرتُه بما فرضَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في الصدقاتِ في الأموالِ حتى انتهيتُ إلى الإبلِ. قال: يا عمرو، وتُؤخَذُ من سوائمِ مواشينا التي ترعى الشجرَ وتَرِدُ المياهَ؟ فقلتُ: نعم. فقال: واللهِ ما أرى قومي في بُعدِ دارِهم وكثرةِ عدَدِهم يطيعونَ لهذا. قال: فمكثتُ ببابِه أيامًا وهو يَصِلُ إلى أخيهِ فيُخبرُه كلَّ خبري، ثم إنه دعاني يومًا فدخلتُ عليه، فأخذَ أعوانُه بضَبْعي، فقال: دعوهُ، فأرسلَ فذهبتُ لأجلسَ فأبَوْا أن يدعوني أجلسَ، فنظرتُ إليه، فقال: تكلمْ بحاجتِك، فدفعتُ إليه مختومًا، ففضَّ خاتمَه وقرأَ حتى انتهى إلى آخرِه، ثم دفعه إلى أخيهِ فقَرأَه مثلَ قراءتِه، إلا أني رأيتُ أخاهُ أرقَّ منه. قال: ألا تُخبرُني عن قريشٍ كيف صنعتْ؟ فقلتُ: تبعوهُ، أما راغبٌ في الدينِ، وأما مقهورٌ بالسيفِ. قال: ومن معهُ؟ قلتُ: الناسُ قد رغِبوا في الإسلامِ واختاروهُ على غيرِه، وعرفوا بعقولِهم مع هَدْيِ اللهِ إياهم أنهم كانوا في ضلالٍ، فما أعلمُ أحدًا بقي غيرُك في هذه الخَرْجَةِ، وأنتَ إن لم تُسلِم اليومَ وتابعتَه، توطَّأك الخيلُ وتُبيدُ خضراءُك، فأسلمْ تسلمْ، ويُستعمِلُك على قومِك، ولا تدخلُ عليك الخيلُ والرجالُ. قال: دعني يومي هذا وارجعْ إليَّ غدًا، فرجعتُ إلى أخيهِ، فقال: يا عمرو، إني لأرجو أن يُسلِمَ إن لم يظنَّ بملكهِ، حتى إذا كان الغدُ أتيتُ إليه فأبَى أن يأذنَ لي، فانصرفتُ إلى أخيهِ فأخبرتُه أني لم أصلْ إليه، فأوصلَني إليه، فقال: قال: إني فكرتُ فيما دعوتَني إليه، فإذا أنا أضعفُ العربِ إن ملكتُ رجلًا ما في يدي، وهو لا تبلغُ خيلُه ها هنا، وإن بلغتْ خيلُه لقد قاتَلَ ليس كقتالِ من لاقى. قلتُ: أنا خارجٌ غدًا. فلما أيقنَ بمخرجي خَلَّى به أخوهُ، فقال: ما نحن فيما ظهرَ عليهِ وكلُّ من أُرسِلَ إليه قد أجابَهُ، فأصبحَ فأرسلَ إليَّ فأجابَ إلى الإسلامِ هو وأخوهُ جميعًا، وصدَّقَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وخَلَّى بيني وبين الصدقةِ وبين الحكمِ فيما بينهم، وكان لي عونًا على من خالفَني. وسياقُ هذه القصةِ يدلُّ على أن إرسالَ الكتابِ إليهما تأخرَ كثيرًا عن كتبِ بقيةِ الملوكِ، والأغلبُ أنه كان بعدَ الفتحِ، وبهذه الكتبِ كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد أبلغَ دعوتَه إلى أكثرِ ملوكِ الأرضِ، فمنهم من آمنَ به، ومنهم من كفرَ، ولكن شغلَ فكرَ هؤلاءِ الكافرينَ وعرفَ لديهم باسمِه ودينِه.

النشاط العسكري بعد صلح الحديبية.

غزوة الغاب أو غزوة ذي قرد. هذه الغزوة حركة مطاردة ضد فصيلة من بني فزارة قامت بعمل القرصنة في لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحديبية وقبل خيبر. ذكر البخاري في ترجمة باب أنها كانت قبل خيبر بثلاث، وروى ذلك مسلم مسندًا من حديث سلمة بن الأكوع. وذكر الجمهور من أهل المغازي أنها كانت قبل الحديبية، وما في الصحيح أصح مما ذكره أهل المغازي. وخلاصة الروايات عن سلمة بن الأكوع بطل هذه الغزوة أنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهره مع غلامه رباح وأنا معه بفرس أبي طلحة، فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على الظهر فاستاقه أجمع وقتل راعيه، فقلت: يا رباح خذ هذا الفرس فابلغه أبا طلحة وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نمت على أكمة واستقبلت المدينة فناديت ثلاثًا: يا صباحاه! ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز وأقول: أنا ابن الأكوعِ واليومُ يومُ الرَّضْعِ. فوالله ما زلتُ أرميهم وأعقرُ بهم، فإذا رجع إليَّ فارسٌ جلستُ في أصل الشجرة ثم رميتهُ فتعثرتُ به، حتى إذا دخلوا في تضايق الجبلِ علوتهُ فجعلتُ أُرْدِيهم بالحجارةِ، فما زلتُ كذلك أتبعُهم حتى ما خلق الله تعالى من بعيرٍ من ظهرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلَّفتُه وراءَ ظهري، وخلَّوا بيني وبينه، ثم اتبعتُهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردةً وثلاثةَ أَرْمَاحٍ يستخفُّون ولا يطرحون شيئًا إلا جعلتُ عليهِ أَرَمًا من الحجارةِ يعرفُها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه، حتى أتوا متضايقًا من ثنيةٍ فجلسوا يتغدون وجلستُ على رأسِ قرنٍ، فصعدَ إليَّ منهم أربعةٌ في الجبلِ، قلتُ: هل تعرفونني؟ أنا سلمةُ ابنُ الأكوعِ، لا أطلبُ رجلًا منكم إلا أدركتُه، ولا يطلبُني فيُدرِكُني، فرجعوا، فما برحتُ مكاني حتى رأيتُ فوارسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجرَ، فإذا أولُهم أخرمُ، وعلى أثرِه أبو قتادة، وعلى أثرِه المقدادُ ابنُ الأسودِ، فالتقى عبدُ الرحمنِ وأخرمُ فعقرَ بعبدِ الرحمنِ فرسُه وطعَنَه عبدُ الرحمنِ فقتله، وتحولَ على فرسِه، ولحقَ قتادةُ بعبدِ الرحمنِ فطعَنَه فقتله، وولَّى القومُ مدبرينَ، نتبعُهم أعدوا على رجلي حتى عدلوا قبلَ غروبِ الشمسِ إلى شعبٍ فيه ماءٌ يقالُ له ذو قردٍ ليشربوا منه وهم عطاشٌ، فأجلَّيتُهم عنه فما ذاقوا قطرةً منه، ولحقَني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم والخيلُ عشاءً، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إن القومَ عطاشٌ، فلو بعثتَني في مائةِ رجلٍ استنقذتُ ما عندهم من السرجِ وأخذتُ بأعناقِ القومِ، فقال: يا ابنَ الأكوعِ، ملكتَ فأسجحْ، ثم قال: إنهم ليقرون الآنَ في غطفانَ، وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: خيرُ فرسانِنا اليومَ أبو قتادةُ، وخيرُ رجالتِنا سَلَمٌ، وأعطاني سهمينِ: سهمَ الراجلِ وسهمَ الفارسِ، وأردفَني وراءَه على العضباءِ راجعينَ إلى المدينةِ. استعملَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على المدينةِ في هذه الغزوةِ ابنَ أم مكتومِ، وعقدَ اللواءَ للمقدادِ ابنِ عمرِ.

غزوة خيبر ووادي القرى في المحرم سنة سبع من الهجرة. كانت خيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على بعد ستين أو ثمانين ميلًا من المدينة في جهة الشمال، وهي الآن قرية في مناخها بعض الوخامة. سبب الغزوة: ولما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوى أجنحة الأحزاب الثلاثة وأمِنَ منه أمنًا بالهدنة، أراد أن يحاسب الجناحين الباقيين اليهود وقبائل نجد حتى يتم الأمن والسلام ويسود الهدوء في المنطقة ويفرغ المسلمون من الصراع الدام المتواصل إلى تبليغ رسالة الله والدعوة إليه. ولما كانت خيبر هي وكر الدس والتآمر ومركز الاستفزازات العسكرية ومعدن التحروشات وإثارة الحروب، كانت هي الجديرة بالتفات المسلمين أولًا. أما كون خيبر بهذه الصفة فلا ننسى أن أهل خيبر هم الذين حزبوا الأحزاب ضد المسلمين وأثاروا بني قريظة على الغدر والخيانه، ثم أخذوا في الاتصالات الصلاة بالمنافقين الطابور الخامس في المجتمع الإسلامي وبغطفان وأعراب البادية الجناح الثالث من الأحزاب، وكانوا هم أنفسهم يهيئون للقتال، فالقوا المسلمين بإجراءاتهم هذه في محن متواصلة حتى وضعوا خطة لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، وإيذاء ذلك اضطر المسلمون إلى بعوث متوالية وإلى الفتك برأس هؤلاء المتآمرين مثل سلام بن أبي الحقيق وأسير بن زارم، ولكن الواجب على المسلمين أزَاء هؤلاء اليهود كان أكبر من ذلك، وإنما أبطأ في القيام بهذا الواجب لأن قوة أكبر وأقوى وألد وأعند منهم وهي قريش كانت مجابهة للمسلمين، فلما انتهت هذه المجابهة صفا الجو لمحاسبة هؤلاء المجرمين واقترب لهم يوم الحساب.

الخروج إلى خيبر. قال ابن إسحاق: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم، ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر. قال المفسرون: إن خيبر كانت وعدًا وعدها الله تعالى بقوله: "وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه" يعني صلح الحديبية وبالمغانم الكثيرة خيبر. عدد الجيش الإسلامي: ولما كان المنافقون وضعفاء الإيمان تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية، أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم فيهم قائلًا: "سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلًا". فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج إلى خيبر أعلن ألا يخرج معه إلا راغب في الجهاد، فلم يخرج إلا أصحاب الشجرة وهم ألف وأربعمائة، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وقال ابن إسحاق: نميلة بن عبد الله الليثي، والأول أصح عند المحققين. وحينئذ قدم أبو هريرة المدينة مسلمًا فوافى سباع بن عرفطة في صلاة الصبح، فلما فرغ من صلاته أتى سباعًا فزوده حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلم المسلمين فأشركوه وأصحابه في سهماتهم.

اتصال المنافقين باليهود. وقد قام المنافقون يعملون لليهود، فقد أرسل رأس المنافقين عبد الله بن أبي إلى يهود خيبر: إن محمدًا قصد قصدكم وتوجه إليكم، فخذوا حذركم ولا تخافوا منه، فإن عددكم وعدتكم كثيرة، وقوم محمد شرذمة قليلون عزل لا سلاح معهم إلا قليل. فلما علم ذلك أهل خيبر أرسلوا كنانه بن أبي الحقيق وهوذة بن قيس إلى غطفان يستمدونهم، لأنهم كانوا حلفاء يهود خيبر ومظاهرين لهم على المسلمين، وشرطوا لهم نصف ثمار خيبر إن هم غلبوا على المسلمين. الطريق إلى خيبر: وسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في اتجاهه نحو خيبر جبل عصر ثم على الصهباء ثم نزل على واد يقال له الرجيع، وكان بينه وبين غطفان مسيرة يوم وليلة، فتهيأت غطفان وتوجهوا إلى خيبر لامداد اليهود، فلما كانوا ببعض الطريق سمعوا من خلفهم حسًا ولغطًا، فظنوا أن المسلمين أغاروا على أهاليهم وأموالهم، فرجعوا وخلوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين خيبر. ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الدليلين اللذين كانا يسلكان بالجيش، وكان اسم أحدهما حسين ليدلاه على الطريق الأحسن حتى يدخل خيبر من جهة الشمال أي جهة الشام فيحول بين اليهود وبين طريق فرارهم إلى الشام كما يحول بينهم وبين غطفان. قال أحدهما: أنا أدلك يا رسول الله، فأقبل حتى انتهى إلى مفرق الطرق المتعددة وقال: يا رسول الله، هذه طرق يمكن الوصول من كل منها إلى المقصد، فأمر أن يسميها له واحدًا واحدًا، قال: اسم واحد منها حزن، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم من سلوكه، وقال: اسم الآخر شاش، فامتنع منه أيضًا، وقال: اسم الآخر حاطب، فامتنع منه أيضًا، وقال: حسين، فما بقي إلا واحدًا، قال عمر: ما اسمه؟ قال: مرحب، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم سلوكه.

بعض ما وقع في الطريق. أولًا: عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، فسرنا ليلًا، فقال رجل من القوم لعامر: يا عامر، ألا تسمعنا من منيهاتك؟ وكان عامر رجلاً شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فاغفر فداءً لك ما اتقينا، وثبت الأقدام لاقينا، وألقِ سكينة علينا، إنا إذا صيّح بنا أبينا، وبالصياح عولوا علينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا السائق؟ قالوا: عامر بن الأكوع، قال: يرحمه الله، قال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لولا أمتعتنا به، وكانوا يعرفون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستغفر لإنسان يخصه إلا استشهد. وقد وقع في حرب خيبر. ثانيًا: وفي الطريق أشرف الناس على وادٍ فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا. ثالثًا: وبالصهباء من أدنى خيبر صلى العصر، ثم دعا بالأزواد فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به فثري فأكل وأكل الناس، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمض الناس، ثم صلى ولم يتوضأ، ثم صلى العشاء.

الجيش الإسلامي إلى أسوار خيبر. بات المسلمون الليلة الأخيرة التي بدأ في صباحها القتال قريبًا من خيبر ولا تشعر بهم اليهود، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى قومًا بليل لم يقربهم حتى يصبح، فلما أصبح صلى الفجر بغلس وركب المسلمون، فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم ولا يشعرون، بل خرجوا لأرضهم، فلما رأوا الجيش قالوا: محمد والله محمد والخمس، ثم رجعوا هاربين إلى مدينتهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، خربت خيبر، الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. وكان النبي صلى الله عليه وسلم اختار لمعسكره منزلًا، فاتاه حباب بن المنذر، فقال: يا رسول الله، أ رأيت هذا المنزل أنزلكه الله أم هو الرأي في الحرب؟ قال: بل هو الرأي، فقال: يا رسول الله، إن هذا المنزل قريب جدًا من حصن نطاة وجميع مقاتلي خيبر فيها، وهم يدرون أحوالنا ونحن لا ندري أحوالهم، وسهامهم تصل إلينا وسهامنا لا تصل إليهم، ولا نأمن بياتهم، وأيضًا هذا بين النخلات ومكان غائر وأرض وخيمة، لو أمرت بمكان خال عن هذه المفاسد نتخذه معسكرًا، قال صلى الله عليه وسلم: الرأي ما أشرت، ثم تحول إلى مكان آخر. ولما دنا من خيبر وأشرف عليها قال: قفوا، فوقف الجيش، فقال: اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شر هذه القرية وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا بسم الله.

التهيؤ للقتال وحصون خيبر. ولما كانت ليلة الدخول قال: لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: يا رسول الله، هو يشتكي عينيه، قال: فارسلوا إليه، فأتِي به، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرئ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال: قال يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر نعم. وكانت خيبر منقسمة إلى شطرين: شطر فيه خمسة حصون: حصن ناعم، وحصن الصعب بن معاذ، وحصن قلعة الزبير، وحصن أبي، وحصن النزار، والحصون الثلاثة الأولى تقع في منطقة يقال لها النطاة، وأما الحصنان الآخران فيقعان في منطقة تسمى بالشق. أما الشطر الثاني ويعرف بالكتيبة ففيه ثلاثة حصون فقط: حصن القموص كان حصن بني أبي الحقيق من بني النظير، حصن الوطيح، وحصن السلالم. وفي خيبر حصون وقلاع غير هذه الثمانية، إلا أنها كانت صغيرة لا تبلغ إلى درجة هذه القلاع في مناعتها وقوتها والقتال المرير، إنما دار في الشطر الأول منها، أما الشطر الثاني فحصولها الثلاثة مع كثرة المحاربين فيها سلمت دون ما قتال.

بدء المعركة وفتح حصن ناعم. وأول حصن هاجمه المسلمون في هذه الحصون الثمانية هو حصن ناعم، وكان خط الدفاع الأول لليهود لمكانه الاستراتيجي، وكان هذا الحصن هو حصن مرحب البطل اليهودي الذي كان يعد بالألف. خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالمسلمين إلى هذا الحصن ودعا اليهود إلى الإسلام فرفضوا هذه الدعوة وبرزوا إلى المسلمين ومعهم ملكهم مرحب، فلما خرج إلى ميدان القتال دعا إلى المبارزة. قال سلمة بن الأكوع: فلما أتينا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه يقول: قد علمت خيبر أني مرحبُ شاكُ السلاحِ بطلٌ مجرَّبُ إذا الحروبُ أقبلتْ تلهَّبُ فبرز له عمي عامر فقال: قد علمت خيبر أني عامرُ شاكُ السلاحِ بطلٌ مغامرُ فاختلف ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عمي عامر، وذهب عامر يسفل له وكان سيفه قصيرًا فتناول به ساق يهودي ليضربه فيرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبته فمات منه، وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: إن له لاجرين، وجمع بين إصبعيه: إنه لجاهد مجاهد، قل عربي مشى بها مثله. ويبدو أن مرحبًا دعا بعد ذلك إلى البراز مرة أخرى وجعل يرتجز بقوله: قد علمت خيبر أني مرحبُ فبرز له علي بن أبي طالب. قال سلمة بن الأكوع: فقال علي: أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غابات كريه المنظره أوفيهم بالصاع كيل السندره فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه. ولما دنا علي رضي الله عنه من حصونهم اطلع يهودي من رأس الحصن وقال: من أنت؟ فقال: أنا علي بن أبي طالب، فقال اليهودي: علوتم وما أنزل على موسى، ثم خرج ياسر أخو مرحب وهو يقول: من يبارز؟ فبرز له الزبير، فقالت صفية أمُّه: يا رسول الله، يقتل ابني؟ قال: بل ابنك يقتله، فقتله الزبير. ودار القتال المرير حول حصن ناعم، قتل فيه عدة سُرات من اليهود، انهارت لأجله مقاومة اليهود وعجزوا عن صد هجوم المسلمين، ويؤخذ من المصادر أن هذا القتال دام أيامًا لاقى المسلمون فيها مقاومة شديدة، إلا أن اليهود ياسوا من مقاومة المسلمين فتسللوا من هذا الحصن إلى حصن الصعب.

فتح حصن الصعب بن معاذ. وكان حصن الصعب الحصن الثاني من حيث القوة والمناعة بعد حصن ناعم، قام المسلمون بالهجوم عليه تحت قيادة الحباب بن المنذر الأنصاري، ففرضوا عليه الحصار ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لفتح هذا الحصن دعوة خاصة. وروى ابن إسحاق أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء، فقال: اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليست بهم قوة وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء وأكثرها طعامًا وودكًا، فغدى الناس ففتح الله عز وجل حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعامًا وودكًا منه. ولما ندب النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بعد دعائه لمهاجمة هذا الحصن كان بنو أسلم هم المقاديم في المهاجمة، ودار البراز والقتال أمام الحصن، ثم فتح الحصن في ذلك اليوم قبل أن تغرب الشمس، ووجد فيه المسلمون بعض المنجنيقات والدبابات. ولأجل هذه المجاعة الشديدة التي ورد ذكرها في رواية ابن إسحاق كان رجال من الجيش قد ذبحوا الحمير ونصبوا القدور على النيران، فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك نهى عن لحوم الحمر الأهلية.

فتح قلعة الزبير. وبعد فتح حصن ناعم والصعب تحول اليهود من كل حصون النطاة إلى قلعة الزبير، وهو حصن منيع في رأس قلة لا تقدر عليه الخيل والرجال لصعوبته وامتناعه، ففرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحصار وأقام محاصرًا ثلاثة أيام، فجاء رجل من اليهود وقال: يا أبا القاسم، إنك لو أقمت شهرًا ما بالوا أن لهم شرابًا وعيونًا تحت الأرض يخرجون بالليل ويشربون منها ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منه، فإن قطعت مشربهم عليهم أصحروا لك، فقطع مائهم عليهم، فخرجوا فقاتلوا أشد القتال، قتل فيه نفر من المسلمين وأصيب نحو العشرة من اليهود، وافتتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فتح قلعة أبي. وبعد فتح قلعة الزبير انتقل اليهود إلى قلعة أبي وتحصنوا فيها، وفرض المسلمون عليهم الحصار، وقام بطلان من اليهود واحد بعد الآخر بطلب المبارزة، وقد قتلهما أبطال المسلمين، وكان الذي قتل المبارز الثاني هو البطل المشهور أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري صاحب العصابة الحمراء، وقد أسرع أبو دجانة بعد قتله إلى اقتحام القلعة واقتحم معه الجيش الإسلامي، وجرى قتال مرير ساعة داخل الحصن، ثم تسلل اليهود من القلعة وتحولوا إلى حصن النزار آخر حصن في الشطر الأول.

فتح حصن النزار. كان هذا الحصن أمنع حصون هذا الشطر، وكان اليهود على شبه اليقين بأن المسلمين لا يستطيعون اقتحام هذه القلعة وأن بذلوا قصارى جهدهم في هذا السبيل، ولذلك أقاموا في هذه القلعة مع الذراري والنساء، بينما كانوا قد أخلوا منها القلاع الأربعة السابقة، وفرض المسلمون على هذا الحصن أشد الحصار وصاروا يضغطون عليهم بعنف، ولكون الحصن يقع على جبل مرتفع منيع لم يكونوا يجدون سبيلًا للاقتحام فيه، أما اليهود فلم يجترئوا للخروج من الحصن للاشتباك مع قوات المسلمين، لكنهم قاوموا المسلمين مقاومة عنيدة برشق النبال وبالقاء الحجارة، وعندما استعصى حصن النزار على قوات المسلمين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصب آلات المنجنيق، ويبدو أن المسلمين قذفوا بها القذائف فأوقعوا الخلل في جدران الحصن واقتحموه، ودار قتال مرير في داخل الحصن انهزم أمامه اليهود هزيمة منكرة، وذلك لأنهم لم يتمكنوا من التسلل من هذا الحصن كما تسللوا من الحصون الأخرى، بل فروا من هذا الحصن تاركين للمسلمين نساءهم وذراريهم. وبعد فتح هذا الحصن المنيع تم فتح الشطر الأول من خيبر وهي ناحية النطاة والشق، وكانت في هذه الناحية حصون صغيرة أخرى، إلا أن اليهود بمجرد فتح هذا الحصن المنيع أخلوا هذه الحصون وهربوا إلى الشطر الثاني من بلدة خيبر.

فتح الشطر الثاني من خيبر. ولما فتح ناحية النطاة والشق تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل الكتيبه والوطيح والسلالم حصن أبي الحقيق من بني النظير، وجاءهم كل فل كان انهزم من النطاة والشق وتحصن هؤلاء أشد التحصن، واختلف أهل المغازي هل جرى هناك قتال في أي حصن من حصونها الثلاثة أم لا، فسياق ابن إسحاق صريح في جريان القتال لفتح حصن القموص، بل يؤخذ من سياقه أن هذا الحصن تم فتحه بالقتال فقط من غير أن يجري هناك مفاوضة للاستسلام، أما الواقدي فيصرح تمام التصريح أن قلاع هذا الشطر الثلاثة إنما أخذت بعد المفاوضة، ويمكن أن تكون المفاوضة قد جرت لاستلام حصن القموص بعد إدارة القتال، وأما الحصنان الآخران فقد سلما إلى المسلمين دون ما قتال. ومهما كان، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الناحية الكتيبه فرض على أهلها أشد الحصار ودام الحصار أربعة عشر يومًا واليهود لا يخرجون من حصونهم، حتى هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينصب عليهم المنجنيق، فلما أيقنوا بالهلكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح المفاوضة، وأرسل ابن أبي الحقيق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: انزل فاكلمك، قال: نعم، فنزل وصالح على حقن دماء من في حصونهم من المقاتلة وترك الذرية لهم، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم، ويخلون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ما كان لهم من مال وأرض، وعلى الصفراء والبيضاء أي الذهب والفضة والكراع والحلقة إلا ثوبًا على ظهر إنسان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئًا، فصالحوه على ذلك.

وبعد هذه المصالحة تم تسليم الحصون إلى المسلمين وبذلك تم فتح خيبر. قتل ابني أبي الحقيق لنقض العهد. وعلى الرغم هذه المعاهدة غيب ابن أبي الحقيق مالًا كثيرًا، غيب مسكًا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير. قال ابن إسحاق: وأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بكنانة بن الربيع وكان عنده كنز بني النضير فسأله عنه فجحد أن يكون يعرف مكانه، فأتى رجل من اليهود فقال: إني رأيت كنانه يطيف بهذه الخربة كل غداة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكنه، أ رأيت إن وجدناه عندك اقتلك؟ قال: نعم، فأمر بالخربة فحفرت فاخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقي فأبى أن يؤديه، فدفعه إلى الزبير وقال: عذبه حتى نستأصل ما عنده، فكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بمحمود بن مسلمة، وكان محمود قتل تحت جدار حصن ناعم ألقي عليه الرحا وهو يستظل بالجدار فمات. وذكر ابن القيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ابني أبي الحقيق، وكان الذي اعترف عليهما بإخفاء المال هو ابن عم كنانه.

وسبي رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب، وكانت تحت كنانه بن أبي الحقيق، وكانت عروسًا حديثة عهد بالدخول. قسمة الغنائم: وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجلي اليهود من خيبر، فقالوا: يا محمد، دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، وكانوا لا يفرغون يقومون عليها، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ومن كل ثمر ما بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم، وكان عبد الله بن رواحة يخرص عليهم. وقسم أرض خيبر على ستة وثلاثين سهمًا، وجمع كل سهم مائة سهم فكانت ثلاثة آلاف وستمائة سهم، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين النصف من ذلك وهو ألف وثمانمائة سهم، لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم كسهم أحد المسلمين، وعزل النصف الآخر وهو ألف وثمانمائة سهم سهم لنوائبه وما يتنزل به من أمور المسلمين، وإنما قسمت على ألف وثمانمائة سهم لأنها كانت طعمة من الله لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب، وكانوا ألف وأربعمائة، وكان معهم مائة فارس لكل فارس سهمان، فقسمت على ألف وثمانمائة سهم، فصار للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم واحد. ويدل على كثرة مغانم خيبر ما رواه البخاري عن ابن عمر قال: ما شبعنا حتى فتحنا خيبر، وما رواه عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر.

ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم إياها من النخيل حين صار لهم بخيبر مال ونخيل. قدوم جعفر بن أبي طالب والأشعريين. وفي هذه الغزوة قدم عليه ابن عمه جعفر بن أبي طالب وأصحابه ومعهم الأشعريون أبو موسى وأصحابه. قال أبو موسى: بلغنا مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وإخوان لي في بضع وخمسين رجلاً من قومي، فركبنا سفينة فالقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفرًا وأصحابه عنده، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا، فوافقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح خيبر، فأسهم لنا، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر شيئًا إلا لمن شهد معه إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه قسم لهم معهم. ولما قدم جعفر على النبي صلى الله عليه وسلم تلقاه وقبله، وقال: والله ما أدري بأيهما أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر. وكان قدوم هؤلاء على أثر بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري يطلب توجيههم إليه، فأرسلهم النجاشي على مركبين، وكانوا ستة عشر رجلاً معهم من بقي من نسائهم وأولادهم، وبقيتهم جاؤوا إلى المدينة قبل ذلك.

الزواج بصفية. ذكرنا أن صفية جعلت في السبايا حين قتل زوجها كنانه بن أبي الحقيق لغدره، ولما جمع السبي جاء دحية بن خليفة الكلبي فقال: يا نبي الله، أعطني جارية من السبي، فقال: اذهب فخذ جاريه، فأخذ صفية بنت حيي، فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة وبني النظير، لا تصلح إلا لك، قال: ادعوه بها، فجاء بها، فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال: خذ جاريه من السبي، وعرض عليها النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام فأسلمت، فاعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها، حتى إذا كان بسد الصهباء راجعًا إلى المدينة حلت، فجهزتها له أم سليم فأهدتها له من الليل، فأصبح عروسًا بها، وأولم عليها بحيث من التمر والسمن والسويق، وأقام عليها ثلاثة أيام في الطريق يبني بها، ورأى بوجهها خضرة، فقال: ما هذا؟ قالت: يا رسول الله، رأيت قبل قدومك علينا كان القمر زال من مكانه وسقط في حجري، ولا والله ما أذكر من شأنك شيئًا، فقصصتها على زوجي فلطم وجهي وقال: تمنين هذا الملك الذي بالمدينة.

أمر الشاه المسمومة. ولما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد فتحها أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاه مصلية، قد سألت أي عضو أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السم، ثم سمت سائر الشاه، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها ولفظها، ثم قال: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم، ثم دعا بها فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟ قالت: قلت إن كان ملكًا استرحت منه، وإن كان نبيًا فسيخبر، فتجاوز عنها، وكان معه بشر بن البراء بن معرور أخذ منها أكله فأساغها فمات منها، واختلفت الروايات في التجاوز عن المرأة وقتلها، وجمعوا بأنه تجاوز عنها أولًا، فلما مات بشر قتلها قصاصًا.

قتل الفريقين في معارك خيبر. وجملة من استشهد من المسلمين في معارك خيبر ستة عشر رجلاً: أربعة من قريش، وواحد من أشجع، وواحد من أسلم، وواحد من أهل خيبر، والباقون من الأنصار، ويقال إن شهداء المسلمين في هذه المعارك ثمانية عشر رجلاً، وذكر العلامة المنصور فوري تسعة عشر رجلاً، ثم قال: إني وجدت بعد التفحص ثلاثة وعشرين اسمًا، واحد منها في الطبري فقط، وواحد عند الواقدي فقط، وواحد مات لأجل أكل الشاه المسمومة، وواحد اختلفوا هل قتل في بدر أو خيبر، والصحيح أنه قتل في بدر. أما قتل اليهود فعددهم ثلاثة وتسعون قتيلاً.

فدك. ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر بعث محيصة بن مسعود إلى يهود الفدك ليدعوهم إلى الإسلام، فأبطأوا عليه، فلما فتح الله خيبر قذف الرعب في قلوبهم، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصالحونه على النصف من فدك بمثل ما صالح عليه أهل خيبر، فقبل ذلك منهم، فكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة لأنه لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب.

وادي القرى. ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر انصرف إلى وادي القرى، وكان بها جماعة من اليهود، وانضاف إليهم جماعة من العرب، فلما نزلوا استقبلتهم يهود بالرمي وهم على تعبئة، فقتل مدعم عبد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الناس: هنيئًا له الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كلا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغنم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا، فلما سمع بذلك الناس جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشراك أو شراكين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: شراك من نار أو شراكان من نار، ثم عبأ أصحابه للقتال وصفهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا، وبرز رجل منهم فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه علي بن أبي طالب فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر رجلاً، كلما قتل منهم رجل دعا من بقي للإسلام، وكانت الصلاة تحضر هذا اليوم فيصلي بأصحابه ثم يعود فيدعوهم إلى الإسلام وإلى الله ورسوله، فقاتلهم حتى أمسوا، وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا ما بأيديهم، وفتحها عنوة وغنمه الله أموالهم، وأصابوا أثاثًا ومتاعًا كثيرًا، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي القرى أربعة أيام، وقسم على أصحابه ما أصاب بها، وترك الأرض والنخل بأيدي اليهود وعاملهم عليها كما عامل أهل خيبر.

تيماء. ولما بلغ يهود تيماء خبر استسلام أهل خيبر ثم فدك ووادي القرى، لم يبدوا أي مقاومة ضد المسلمين، بل بعثوا من تلقاء أنفسهم يعرضون الصلح، فقبل ذلك منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقاموا بأموالهم، وكتب لهم بذلك كتابًا، وهاك نصه: هذا كتاب محمد رسول الله لبني عاديا، إن لهم الذمة وعليهم الجزية، ولا عداء ولا جلاء، الليل مد والنهار شد. وكتب خالد بن سعيد العود إلى المدينة.

ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في العودة إلى المدينة. وفي مرجعه ذلك سار ليلة ثم نام في آخر الليل ببعض الطريق وقال لبلال: أكل لنا الليل، فغلبت عينا بلال وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ أحد حتى ضربتهم الشمس، وأول من استيقظ بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج من ذلك الوادي وتقدم دم، ثم صلى الفجر بالناس، وقيل إن هذه القصة في غير هذا السفر. وبعد النظر في تفصيل معارك خيبر يبدو أن رجوع النبي صلى الله عليه وسلم كان في أواخر صفر أو في ربيع الأول سنة سبع للهجرة.

سرية أبان بن سعيد. كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أكثر من كل قائد عسكري أن إخلاء المدينة تمامًا بعد انقضاء الأشهر الحرم ليس من الحزم، قطعًا، بينما الأعراب ضاربة حولها تطلب غرة المسلمين للقيام بالنهب والسلب وأعمال القرصنة، ولذلك أرسل سرية إلى نجد لارهاب الأعراب تحت قيادة أبان بن سعيد، بينما كان هو إلى خيبر، وقد رجع أبان بن سعيد بعد قضاء ما كان واجبًا عليه، فوافى النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر وقد افتتحها، والأغلب أن هذه السرية كانت في صفر سنة سبع للهجرة. ورد ذكر هذه السرية في البخاري، قال ابن حجر: لم أعرف حال هذه السرية.

بقية السرايا والغزوات في السنة السابعة. غزوة ذات الرقاع. ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسر جناحين قويين من أجنحة الأحزاب الثلاثة تفرغ تمامًا للالتفات إلى الجناح الثالث أي إلى الأعراب القساة الضاربين فياف نجد والذين ما زالوا يقومون بأعمال النهب والسلب بين أونه وأخرى، ولما كان هؤلاء البدو لا تجمعهم بلدة أو مدينة ولم يكونوا يقطنون الحصون والقلاع كانت الصعوبة في فرض السيطرة عليهم وإخماد نار شرهم تمامًا تزداد بكثير عما كانت بالنسبة إلى أهل مكة وخيبر، ولذلك لم تكن تجدي فيهم إلا حملات التأديب والإرهاب، وقام المسلمون بمثل هذه الحملات مرة بعد أخرى، ولفرض الشوكة أو الاجتماع البدو الذين كانوا يتحشدون للإغارة على أطراف المدينة قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بحملة تأديبية عرفت بغزوة ذات الرقاع. وعامة أهل المغازي يذكرون هذه الغزوة في السنة الرابعة، ولكن مساهمة أبي موسى الأشعري وأبي هريرة رضي الله عنهما في هذه الغزوة تدل على وقوعها بعد خيبر، والأغلب أنها وقعت في شهر ربيع الأول من السنة السابعة للهجرة. وملخص ما ذكره أهل السير حول هذه الغزوة أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع باجتماع أنمار أو بني ثعلبة وبني محارب من غطفان، فأسّر بالخروج إليهم في 400 أو 700 من أصحابه، واستعمل على المدينة أبا ذر أو عثمان بن عفان، وسار فتوغل في بلادهم حتى وصل إلى موضع يقال له نخل على بعد يومين من المدينة، ولقي جمعًا من غطفان فتوافقوا ولم يكن بينهم قتال، إلا أنه صلى بهم يومئذ صلاة الخوف. وفي البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا ونقبت قدماي وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت ذات الرقاع لما كنا نعصب الخرق على أرجلنا. وفيه عن جابر: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس في العضاه يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق بها سيفه، قال جابر: فنمنا نومة فجاء رجل من المشركين فاختط سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أتخافني؟ قال: لا، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله، قال جابر: فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، فجئنا فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا اختط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتًا، فقال لي: من يمنعك مني؟ قلت: الله، فها هو ذا جالس، ثم لم يعاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية: وأقيمت الصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم أربع وللقوم ركعتان. وفي رواية أبي عوانة: فسقط السيف من يده فاخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ، قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قال الأعرابي: أعاهدك ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، قال: فخلى سبيله، فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس. وفي رواية البخاري قال مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشر: اسم الرجل غورث بن الحارث، قال ابن حجر: ووقع عند الواقدي في سبب هذه القصة أن اسم الأعرابي دعثور وأنه أسلم، لكن ظاهر كلامه أنهما قصتان في غزوتين والله أعلم.

وفي مرجعهم من هذه الغزوة سبوا امرأة من المشركين، فنذر زوجها ألا يرجع ع حتى يهريق دمًا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء ليلاً وقد أرصد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين ربيئة للمسلمين من العدو، وهما عباد بن بشر وعمار بن ياسر، فضرب عبادًا وهو قائم يصلي بسهم فنزعه ولم يبطل صلاته حتى رشقه بثلاثة أسهم هم، فلم ينصرف منها حتى سلم، فأيقظ صاحبه، فقال: سبحان الله، هلا نبهتني؟ فقال: إني كنت في سورة فكرهت أن أقطعها. كان لهذه الغزوة أثر في قذف الرعب في قلوب الأعراب القساة، وإذا نظرنا إلى تفاصيل السرايا بعد هذه الغزوة نرى أن هذه القبائل من غطفان لم تجترئ أن ترفع رأسها بعد هذه الغزوة، بل استكانت شيئًا فشيئًا حتى استسلمت بل وأسلمت، حتى نرى عدة قبائل من هذه الأعراب تقوم مع المسلمين في فتح مكة وتغزو حنين وتأخذ من غنائمهما، ويبعث إليها المصدقون فتعطي صدقاتها بعد الرجوع من غزوة الفتح، فبهذا تم كسر الأجنحة الثلاثة التي كانت ممثلة في الأحزاب وساد المنطقة الأمن والسلام، واستطاع المسلمون بعد ذلك أن يسدوا بسهولة كل خلل وثلمة حدثت في بعض المناطق من بعض القبائل، بل بعد هذه الغزوة بدأت التمهيدات لفتوح البلدان والممالك الكبيرة، لأن داخل البلاد كانت الظروف قد تطورت لصالح الإسلام والمسلمين. وبعد الرجوع من هذه الغزوة أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شوال من السنة السابعة للهجرة، وبعث في خلال ذلك عدة سرايا، وهاك بعض تفصيلها.

أولًا: سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح بقديد في صفر أو ربيع الأول من السنة السابعة للهجرة. كان بنو الملوح قد قتلوا أصحاب بشير بن سويد، فبعث هذه السرية لأخذ الثأر، فشنوا الغارة في الليل فقتلوا من قتلوا وساقوا النعم، وطاردهم جيش كبير من العدو حتى إذا قرب من المسلمين نزل مطر فجاء سيل عظيم حال بين الفريقين ونجح المسلمون في بقية الانسحاب.

ثانيًا: سرية حسما في جمادى الثانية من السنة السابعة للهجرة، وقد مضى ذكرها في مكاتبة الملوك.

ثالثًا: سرية عمر بن الخطاب إلى تربة في شعبان من السنة السابعة للهجرة ومعه ثلاثون رجلاً كانوا يسيرون الليل ويستخفون في النهار، وأتى الخبر إلى هوازن فهربوا، وجاء عمر إلى محالهم فلم يلق أحدًا فانصرف راجعًا إلى المدينة.

رابعًا: سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى بني مرة بناحية فدك في شعبان من السنة السابعة للهجرة في ثلاثين رجلاً خرج إليهم واستاق الشاء والنعم، ثم رجع فأدركه الطلب عند الليل فرموهم بالنبل حتى فني نبل بشير وأصحابه فقتلوا جميعًا إلا بشيرًا فإنه ارتقى إلى فدك فأقام عند يهود حتى برأت جراحه فرجع إلى المدينة.

خامسًا: سرية غالب بن عبد الله الليثي في رمضان من السنة السابعة للهجرة إلى بني عوال وبني عبد بن ثعلبة بالميفعة، وقيل إلى الحرقات من جهينة في 130 رجلاً، فهجموا عليهم جميعًا وقتلوا من أشرف لهم واستاقوا نعماً وشاء. وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد مرداس بن نهيب بعد أن قال لا إله إلا الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هلا شققت عن قلبه فتعلم صادقًا هو أم كاذبًا؟

سادسًا: سرية عبد الله بن رواحة إلى خيبر في شوال من السنة السابعة للهجرة في ثلاثين راكبًا، وذلك أن أسيرة أو بشيرة بن زان كان يجمع غطفان لغزو المسلمين، فاخرجوا أسيرًا في ثلاثين من أصحابه وأطمعوه أن الرسول صلى الله عليه وسلم يستعمله على.

خيبر. فلما كانوا بقرقرة نيار وقع بين الفريقين سوء ظن، أفضى إلى قتل أسير وأصحابه الثلاثين.

سابعاً: سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن وجبار في شوال من السنة السابعة للهجرة في 300 من المسلمين للقاء جمع كبير تجمعوا للاغارة على أطراف المدينة. فساروا الليل وكمنوا النهار، فلما بلغهم مسير بشير هربوا، وأصاب بشير نعماً كثيرة وأسر رجلين، فقدم بهما إلى المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلما.

ثامناً: سرية أبي حدرد الأسلمي إلى الغابة. ذكرها ابن القيم في سرايا السنة السابعة قبل عمرة القضاء. وملخصها أن رجلاً من جشم بن معاوية أقبل في عدد كبير إلى الغابة يريد أن يجمع قيساً على محاربة المسلمين، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا حدرد مع رجلين، فاختار أبو حدرد خطة حربية حكيمة وهزم العدو هزيمة منكرة واستاق الكثير من الإبل والغنم.

عمرة القضاء. قال الحاكم: تواترت الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم لما هل ذو القعدة أمر أصحابه أن يعتمروا قضاءً لِعُمرتهم وأن يتخلف منهم أحد شهد الحديبية، فخرجوا إلا من استشهد، وخرج معه آخرون معتمرين، فكانت عدتهم 2000 سوى النساء والصبيان، واستخلف على المدينة عويف أباهم الغفاري، وساق 60 بدنة وجعل عليها ناجية ابن جندب ابن الأسلمي، وأحرم للعمرة من ذي الحليفة ولبى، ولبى المسلمون معه، وخرج مستعداً بالسلاح والمقاتلة خشية أن يقع من قريش غدر. فلما بلغ ياجج وضع الأداة كلها الحجف والمجان والنبل والرماح، وخلف عليها أوسى ابن خولي الأنصاري في 200 رجل، ودخل بسلاح الراكب والسيوف في القرب. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الدخول راكباً على ناقته القصواء، والمسلمون متوشحون السيوف محدقون برسول الله صلى الله عليه وسلم يلبون. وخرج المشركون إلى جبل قعيقان، الجبل الذي في شمال مكة ليروا المسلمين، وقد قالوا فيما بينهم: إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يرسلوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرسلوا الأشواط كلها إلا الإبقاء، وإنما أمرهم بذلك ليري المشركين قوته، كما أمرهم بالاطباع أي أن يكشفوا المناكب اليمنى ويضعوا طرفي الرداء على اليسرى. ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة من الثنية التي تطلع على الحجون، وقد صف المشركون ينظرون إليه، فلم يزل يلبي حتى استلم الركن بمحجنه، ثم طاف، وطاف المسلمون، وعبد الله بن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتجز متوشحاً بالسيف:

خلوا بني الكفار عن سبيله

خلوا فكل الخير في رسوله

قد أنزل الرحمن في تنزيله

في صحف تتلى على رسوله

يا رب إني مؤمن بقيله

إني رأيت الحق في قبوله

بأن خير القتل في سبيله

اليوم نضربكم على تنزيله

ضرباً يزيل الهام عن نصيله

ويذهل الخليل عن خليله

وفي حديث أنس فقال عمر رضي الله عنه: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم الله تقول الشعر؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: خله يا عمر، فلهو أسرع فيهم من نضح النبل. ورمل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ثلاثة أشواط، فلما رآهم المشركون قالوا: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا. ولما فرغ من الطواف سعى بين الصفا والمروة، فلما فرغ من السعي وقد وقف الهدي عند المروة قال: هذا المنحر وكل فجاج مكة منحر، فنحر عند المروة وحلق هناك، وكذلك فعل المسلمون. ثم بعث ناساً إلى ياجج فيقيموا على السلاح، ويأتي الآخرون فيقفون نسكهم، ففعلوا. وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثاً، فلما أصبح من اليوم الرابع أتوه، فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونزل بسرف فأقام بها. ولما أراد الخروج من مكة تبعتهم ابنة حمزة تنادي يا عم يا عم، فتناولها علي واختصم فيها علي وجعفر وزيد، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر لأن خالتها كانت تحته. وفي هذه العمرة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بميمونة بنت الحارث العامرية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الدخول في مكة بعث جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة، فجعلت أمرها إلى العباس وكانت أختها أم الفضل تحته، فزوجها إياه. فلما خرج من مكة خلف أبا رافع ليحمل ميمونة إليه حين تمشي، فبنى بها بسرف. وسميت هذه العمرة بعمرة القضاء، أما لأنها كانت قضاءً عن عمرة الحديبية، أو لأنها وقعت حسب المقاضاة أي المصالحة التي وقعت في الحديبية، والوجه الثاني رجحه المحققون. وهذه العمرة تسمى بأربعة أسماء: القضاء، والقضية، والقصاص، والصلح.

وبعد الرجوع من عمرة القضاء بعث عدة سرايا، هاك تفصيلها:

أولاً: سرية ابن أبي العوجاء في ذي الحجة من السنة السابعة للهجرة في 50 رجلاً، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني سليم ليدعوهم إلى الإسلام، فقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا، ثم قاتلوا قتالاً شديداً جرح فيه أبو العوجاء وأسر رجلان من العدو.

ثانياً: سرية غالب بن عبد الله إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدة في سفر من السنة الثامنة للهجرة، بعث في 200 رجل، فأصابوا من العدو نعماً وقتلوا منهم قتلاً.

ثالثاً: سرية ذات أطلح في ربيع الأول من السنة الثامنة للهجرة، كانت بنو قضاعة قد حشدت جموعاً كبيرة للاغارة على المسلمين، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن عمير الأنصاري في 15 رجلاً، فلقوا العدو فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم وأرشقوهم بالنبل حتى استشهدوا كلهم إلا رجل واحد فقد ارت بين القتلى.

رابعاً: سرية ذات عرض إلى بني هوازن في ربيع الأول من السنة الثامنة للهجرة، كانت بنو هوازن قد أمدت الأعداء مرة بعد أخرى، فأرسل إليهم شجاع ابن وهب الأسدي في 25 رجلاً، فاستاقوا نعماً من العدو ولم يلقوا كيداً.

معركة مؤتة. وهذه المعركة أكبر لقاء مثخن وأعظم حرب دامية خاضها المسلمون في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي مقدمة وتمهيد لفتوح بلدان النصارى، وقعت في جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة، وفق أغسطس أو سبتمبر من سنة 629 للميلاد، ومؤتة بالضم فسكون هي قرية بأدنى بلقاء الشام بينها وبين بيت المقدس مرحلتان. سبب المعركة وسبب هذه المعركة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابه إلى عظيم بصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، وكان عاملاً على البلقاء من أرض الشام من قبل قيصر، فأوثقه رباطاً ثم قدمه فضرب عنقه. وكان قتل السفراء والرسل من أشنع الجرائم يساوي بل يزيد على إعلان حالة الحرب، فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نقلت إليه الأخبار، فجهز إليهم جيشاً قوامه 3000 مقاتل، وهو أكبر جيش إسلامي لم يجتمع قبل ذلك إلا في غزوة الأحزاب.

أمراء الجيش ووصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم. أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا البعث زيد بن حارثة، وقال: إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة، وعقد لهم لواءً أبيض ودفعه إلى زيد بن حارثة، وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعانوا بالله عليهم وقاتلوهم، وقال لهم: اغزوا بسم الله في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغيروا ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا كبيراً فانيًا ولا منعزلاً بصومعة، ولا تقطعوا نخلاً ولا شجرة ولا تهدموا بناءً.

توديع الجيش الإسلامي وبكاء عبد الله بن رواحة. ولما تهيأ الجيش الإسلامي للخروج حضر الناس ودعوا أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمروهم، وحينئذ بكى أحد أمراء الجيش عبد الله بن رواحة، فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار وأن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً، فلست أدري كيف لي بالصدور بعد الورود. فقال المسلمون: صحبكم الله بالسلامة ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين غانمين. فقال عبد الله بن رواحة: لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرع تقذف الزبد، أو طعنة بيدي حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا، حتى يقال إذا مروا على جدث: أرشده الله من غاز وقد رشدا. ثم خرج القوم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيعاً لهم حتى بلغ ثنية الوداع فوقف وودعهم.

تحرك الجيش الإسلامي ومباغتته. وحالة رهيبة وتحرك الجيش الإسلامي في اتجاه الشمال حتى نزل زلما من أرض الشام مما يلي الحجاز الشمالي، وحينئذ نقلت إليهم الاستخبارات بأن هرقل نازل بمؤاب من أرض البلقاء في 100 ألف من الروم، وانضم إليهم من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلي 100 ألف.

المجلس الاستشاري بمعان. لم يكن المسلمون أدخلوا في حسابهم لقاء مثل هذا الجيش العرم الذي بغتوا به في هذه الأرض البعيدة، وهل يهجم جيش صغير قوامه 3000 مقاتل فحسب على جيش كبير عرم مثل البحر الخضم قوامه 100 ألف مقاتل؟ حار المسلمون وأقاموا في معان ليلتين يفكرون في أمرهم وينظرون ويتشاورون، ثم قالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنضي له. ولكن عبد الله بن رواحة عارض هذا الرأي وشجع الناس قائلاً: يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فإن انطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور واما شهادة. وأخيراً استقر الرأي على ما دعا إليه عبد الله بن رواحة.

الجيش الإسلامي يتحرك نحو العدو. وحينئذ بعد أن قضى الجيش الإسلامي ليلتين في معان تحركوا إلى أرض العدو حتى لقيتهم جموع هرقل بقرية من قرى البلقاء لها مشارف، ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى مؤتة فعسكروا هناك وتعبأوا للقتال، فجعلوا على ميمنتهم قطبة بن قتادة العذري وعلى الميسرة عبادة بن مالك الأنصاري.

بداية القتال وتناوب القواد. وهناك في مؤتة التقى الفريقان وبدأ القتال المرير، 3000 رجل يواجهون هجمات 200 مقاتل، معركة عجيبة تشاهدها الدنيا بالدهشة والحيرة، ولكن إذا هبت ريح الإيمان جاءت بالعجائب. أخذ الراية زيد بن حارثة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يقاتل بضراوة بالغة وبسالة لا يوجد لها نظير إلا في أمثاله من أبطال الإسلام، فلم يزل يقاتل ويقاتل حتى شاط في رماح القوم وخر صريعاً. وحينئذ أخذ الراية جعفر بن أبي طالب وطفق يقاتل قتالاً منقطع النظير، حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه الشقراء فعقرها ثم قاتل حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله ولم يزل بها حتى قطعت شماله، فاحتضنها بعضيه فلم يزل رافعاً إياها حتى قتل. يقال إن رومياً ضربه ضربة قطعته نصفين، وأثابه الله بجناحيه جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء، ولذلك سمي بجعفر الطيار وبجعفر ذي الجناحين. روى البخاري عن نافع أن ابن عمر أخبره أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل، قال: فعددت به 50 بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره يعني في ظهره. وفي رواية أخرى قال ابن عمر: كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا ما في جسده بضع وتسعين طعنة ورمية. وفي رواية العمري عن نافع زيادة: فوجدنا ذلك فيما أقبل من جسده. ولما قتل جعفر بعد القتال بمثل هذه الضراوة والبسالة أخذ الراية عبد الله بن رواحة وتقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد حتى حاد حيدة ثم قال: أقسمت يا نفس لتنزلنه كارهة أو لتطاوعنه، إن أجلب الناس وشد الرنة، ما لي أراك تكرهين الجنة؟ ثم نزل، فأتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال: شد بهذا صلبك فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده فانتهسه منه نهسة ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل.

الراية إلى سيف من سيوف الله. وحينئذ تقدم رجل من بني عجلان اسمه ثابت بن أرقم، فاخذ الراية وقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: إن قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية قاتل قتالاً مريراً، فقد روى البخاري عن خالد بن الوليد قال: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية. وفي لفظ آخر: لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وصبرت في يدي صفيحة لي يمانية. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مؤتة مخبراً بالوحي قبل أن يأتي إلى الناس الخبر من ساحة القتال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم.

نهاية المعركة. ومع الشجاعة البالغة والبسالة والضراوة المريرتين كان مستغرباً جداً أن ينجح هذا الجيش الصغير في الصمود أمام تيارات ذلك البحر الغطمطم من جيوش الروم، ففي ذلك الوقت أظهر خالد بن الوليد مهارته ونبوغه في تخليص المسلمين مما ورطوا أنفسهم فيه. واختلفت الروايات كثيراً فيما آل إليه أمر هذه المعركة أخيراً، ويظهر بعد النظر في جميع الروايات أن خالد بن الوليد نجح في الصمود أمام جيش الرومان طول النهار في أول يوم من القتال، وكان يشعر بمسيس الحاجة إلى مكيدة حربية تلقي الرعب في قلوب الرومان حتى ينجح في الانحياز بالمسلمين من غير أن يقوم الرومان بحركات المطارده، فقد كان يعرف جيداً أن الإفلات من براثنهم صعب جداً لو انكشف المسلمون وقام الرومان بالمطارده. فلما أصبح اليوم الثاني غير أوضاع الجيش وعبأه من جديد، فجعل مقدمته ساقه وميمنته ميسرة وعلى العكس، فلما رآهم الأعداء أنكروا حالهم وقالوا: جاءهم مدد، فرعبوا. وصار خالد بعد أن تراءى الجيشان وتناوش ساعة يتأخر بالمسلمين قليلاً قليلاً مع حفظ نظام جيشه، ولم يتبعهم الرومان ظناً منهم أن المسلمين يخدعونهم ويحاولون القيام بمكيدة ترمي بهم في الصحراء. وهكذا انحاز العدو إلى بلاده ولم يفكر في القيام بمطارده المسلمين، ونجح المسلمون في الانحياز سالمين حتى عادوا إلى المدينة.

قتل الفريقين. واستشهد يومئذ من المسلمين 12 رجلاً، أما الرومان فلم يعرف عدد قتلاهم، غير أن تفصيل المعركة يدل على كثرتهم.

أثر المعركة. وهذه المعركة وإن لم يحصل المسلمون بها على الثأر الذي عانوا مرارتها لأجله، لكنها كانت كبيرة الأثر لسمعة المسلمين، أنها ألقت العرب كلها في الدهشة والحيرة، فقد كانت الرومان أكبر وأعظم قوة على وجه الأرض، وكانت العرب تظن أن معنى جلادها هو القضاء على النفس وطلب الحتف بالظلف، فكان لقاء هذا الجيش الصغير 3000 مقاتل مع ذلك الجيش الضخم العرم الكبير 100 ألف مقاتل، ثم الرجوع عن الغزوة من غير أن تلحق به خسارة تذكر، كان كل ذلك من عجائب الدهر، وكان يؤكد أن المسلمين من طراز آخر غير ما ألفته العرب وعرفته، وأنهم مؤيدون ومنصورون من عند الله، وأن صاحبهم رسول الله حقاً. ولذلك نرى القبائل اللدودة التي كانت لا تزال تثور على المسلمين جنحت بعد هذه المعركة إلى الإسلام، فاسلمت بنو سليم وأشجع وغطفان وذبيان وفزارة وغيرها. وكانت هذه المعركة بداية اللقاء الدامي مع الروم، فكانت توطئة وتمهيداً لفتوح البلدان الرومانية واحتلال المسلمين الأراضي البعيدة النائية.

سرية ذات السلاسل. ولما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بموقف القبائل العربية التي تقطن مشارف الشام في معركة مؤتة من اجتماعهم إلى الرومان ضد المسلمين، شعر بمسيس الحاجة إلى القيام بحكمة بالغة توقع الفرقة بينها وبين الرومان وتكون سبباً للائتلاف بينها وبين المسلمين حتى لا تتحشد مثل هذه الجموع الكبيرة مرة أخرى. واختار لتنفيذ هذه الخطه عمرو بن العاص لأن أم أبيه كانت امرأة من بلي، فبعثه إليهم في جمادى الآخرة من السنة الثامنة للهجرة على أثر معركة مؤتة ليستألفهم. ويقال بل نقلت الاستخبارات أن جمعاً من قضاعة قد تجمعوا يريدون أن يدنوا من أطراف المدينة، فبعثه إليهم، ويمكن أن يكون السببان اجتمعا معاً. وعقد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص لواءً أبيض وجعل معه راية سوداء، وبعثه في 300 من سراة المهاجرين والأنصار ومعهم 30 فرساً، وأمره أن يستعين بمن مر به من بلي وعذرة وبلقين. فسار الليل وكمن النهار، فلما قرب من القوم بلغه أن لهم جمعاً كثيراً، فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في 200 وعقد له لواءً وبعث له سراة المهاجرين والأنصار فيهم أبو بكر وعمر، وأمره أن يلحق بعمر وأن يكونا جميعاً ولا يختلفا. فلما لحق به أراد أبو عبيدة أن يأم الناس، فقال عمرو: إنما قدمت علي مدداً وأنا الأمير، فاطاعه أبو عبيدة، فكان عمرو يصلي بالناس. وسار حتى وطئ بلاد قضاعة فدوخها حتى أتى أقصى بلادهم، ولقي في آخر ذلك جمعاً فحمل عليهم المسلمون، فهربوا في البلاد وتفرقوا. وبعث عوف بن مالك الأشجعي بريداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بقفولهم وسلامتهم وما كان في غزاتهم. وذات السلاسل بقعه وراء وادي القرى بينها وبين المدينة عشرة أيام. وذكر ابن إسحاق أن المسلمين نزلوا على ماء بأرض جذام يقال له السلسل، فسميت ذات السلاسل.

سرية أبي قتادة إلى خضرة. كانت هذه السرية في شعبان من السنة الثامنة للهجرة، وذلك لأن بني غطفان كانوا يتحشدون في خضرة وهي أرض محارب بنجد، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا قتادة في 15 رجلاً، فقتل منهم وسبى وغنم، وكانت غيبته 15 ليلة.

غزوة فتح مكة. قال ابن القيم: هو الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين، واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين، وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس به في دين الله أفواجاً وأشرق به وجه الأرض ضياءً وابتهاجاً.

سبب الغزوة. قدمنا في وقعة الحديبية أن بنداً من بنود هذه المعاهدة يفيد أن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وأن القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين تعتبر جزءاً من ذلك الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من تلك القبائل يعتبر عدواناً على ذلك الفريق. وحسب هذا البند دخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وصارت كل من القبيلتين في أمن من الأخرى. وقد كانت بين القبيلتين عداوة وثارات في الجاهلية، فلما جاء الإسلام ووقعت هذه الهدنة وأمن كل فريق من الآخر اغتنمها بنو بكر وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة الثأر القديم، فخرج نوفل بن معاوية الديلي في جماعة من بني بكر في شهر شعبان من السنة الثامنة للهجرة، فاغاروا على خزاعة ليلاً وهم على ماء يقال له الوتير، فأصابوا منهم رجالاً وتناوشوا واقتتلوا، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح وقاتل معهم رجال من قريش مستغلين ظلمة الليل حتى حازوا خزاعة إلى الحرم. فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر: يا نوفل إننا قد دخلنا الحرم، إلهك إلهك! فقال كلمة عظيمة: لا إله يا بني بكر أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تصيبون ثأركم فيه! ولما دخلت خزاعة مكة لجأوا إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعي وإلى دار مولى لهم يقال له رافع. وأسرع عمرو بن سالم الخزاعي فخرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس، فقال: يا رب إني ناشد محمداً حلفنا وحلف أبيه الأتلد، قد كنتم ولداً وكنا والداً، ثم أسلمنا ولم ننزع يداً، فانصر هداك الله نصراً أيدا، وادع عباد الله يأتوا مدداً، فيهم رسول الله قد تجرد، أبيض مثل البدر يسمو صعدا، إن سيم خسفاً وجهه تربدا، في فيلق كالبحر يجري مزبدا، إن قريش أخلفوك الموعدا، ونقضوا ميثاقك المؤكدا، وجعلوا لي في كداء رصدا، وزعموا أن لست أدعو أحدا، وهم أذل وأقل عددا، هم بيتونا بالوتير هجدا، وقتلونا ركعاً وسجدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصرت يا عمرو بن سالم. ثم عرضت له سحابة من السماء فقال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب. ثم خرج بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأخبروه بمن أصيب منهم وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم رجعوا إلى مكة.

أبو سفيان يخرج إلى المدينة ليجدد الصلح. ولا شك أن ما فعلت قريش وحلفاؤها كان غدراً محضاً ونقضاً صريحاً للميثاق لم يكن له أي مبرر، ولذلك سرعان ما أحست قريش بغدرها وخافت وشعرت بعواقبه الوخيمة، فعقدت مجلساً استشارياً وقررت أن تبعث قائدها أبا سفيان ممثلاً لها ليقوم بتجديد الصلح. وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بما ستفعله قريش إزاء غدرتهم، قال: كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العقد ويزيد في المدة. وخرج أبو سفيان حسب ما قررته قريش، فلقي بديل بن ورقاء بعثان وهو راجع من المدينة إلى مكة، فقال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي. قال: أو ما جئت محمداً؟ قال: لا. فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان جاء المدينة لقد علف بها النوى، فاتى مبرك راحلته فاخذ من بعرها ففته فراى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بذيل محمد. وقدم أبو سفيان المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه، فقال: يا بني أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك. فقال: والله لقد أصابك بعدي شر. ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فلم يرد عليه شيئاً، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه، فقال: أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به. ثم جاء فدخل على علي بن أبي طالب وعنده فاطمة وحسن غلام يدب بين يديهما، فقال: يا علي إنك أملس القوم رحماً، واني قد جئت في حاجة فلا ترجعني ما جئت خائباً، اشفع لي إلى محمد. فقال: ويحك يا أبا سفيان لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه. فالتفت إلى فاطمة فقال: هل لك أن تأمري ابنك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما يبلغ ابني ذاك أن يجير بين الناس وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحينئذ أظلمت الدنيا أمام عيني أبي سفيان، فقال لعلي بن أبي طالب في هلع وانزعاج ويأس وقنوط: يا أبا الحسن إنني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني. قال: والله ما أعلم لك شيئاً يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانه، فقم فاجر بين الناس. قال: أو ترى ذلك مغنياً عني شيئاً؟ قال: لا والله ما أظنه، ولكني لم أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره وانطلق. ولما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمداً فكلمته فوالله ما رد علي شيئاً، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيراً، ثم جئت عمر بن الخطاب فوجدته أدنى العدو، ثم جئت علياً فوجدته ألين القوم قد أشار علي بشيء صنعته، فوالله ما أدري هل يغني عني شيئاً أم لا؟ قالوا: وبما أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس ففعلت. قالوا: فهل أجاز ذلك محمداً؟ قال: لا. قالوا: ويلك إن زاد الرجل على أن لعب بك! قال: لا والله ما وجدت غير ذلك.

التهيؤ للغزوة ومحاولة الإخفاء. يؤخذ من رواية الطبراني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عائشة قبل أن يأتيه خبر نقض الميثاق بثلاثة أيام أن تجهزه ولا يعلم أحد، فدخل عليها أبو بكر فقال: يا بنية ما هذا الجهاز؟ قالت: والله ما أدري. فقال: والله ما هذا زمان غزو بني الأصفر، فأين يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: والله لا علم لي. وفي صباح الثالثة جاء عمرو بن سالم الخزاعي في 40 راكباً وارتجز: يا رب إني ناشد محمداً، فعلم الناس بنقض الميثاق، وبعد عمر جاء بديل ثم أبو سفيان وتاكد عند الناس الخبر، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز وأعلمهم أنه سائر إلى مكة، وقال: اللهم خذ خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها. وزيادة في الإخفاء والتعمية بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية قوامها ثمانية رجال تحت قيادة أبي قتادة بن ربعي إلى بطن أضم فيما بين ذي خشب وذي المروة على ثلاثة برد من المدينة في أول شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة، ليظن الظان أنه صلى الله عليه وسلم يتوجه إلى تلك الناحية ولتذهب بذلك الأخبار. وواصلت هذه السرية سيرها حتى إذا وصلت حيثما أمر، بلغها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة فسارت إليه حتى لحقته. وكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش كتاباً يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، ثم أعطاه امرأة وجعل لها جعلاً على أن تبلغه قريش، فجعلته في قرون رأسها ثم خرجت به. وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علياً والمقداد فقال: انطلق حتى تأتي يا روضة خاخ فإن بها ضعينة معها كتاب إلى قريش، فانطلقا تعادي بهما خيلهما حتى وجدا المرأة بذلك المكان، فاستنزلاها وقال: معك كتاب؟ قالت: ما معي كتاب، ففتش رحلها فلم يجد شيئاً، فقال لها علي: احلف بالله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا، والله لتخرجن الكتاب أو لنجرنك. فلما رأت الجد منه قالت: اعرض، فأعرض، فحلت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منها فدفعته إليهما، فأتيا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً فقال: ما هذا يا حاطب؟ فقال: لا تعجل علي يا رسول الله، والله إنني لمؤمن بالله ورسوله وما ارتددت ولا بدلت، ولكني كنت أمراً ملصقاً في قريش لست من أنفسهم ولي فيهم أهل وعشيرة وولد وليس لي فيهم قرابة يحمونهم، وكان من معك لهم قرابات يحمونهم، فاحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي. فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فانه قد خان الله ورسوله وقد نافق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه قد شهد بدراً، وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. فذرفت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم. وهكذا أخذ الله العيون فلم يبلغ إلى قريش أي خبر من أخبار تجهز المسلمين وتهيؤهم للزحف والقتال.

الجيش الإسلامي يتحرك نحو مكة. ولعشر خلون من شهر رمضان المبارك من السنة الثامنة للهجرة غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة متجهاً إلى مكة في ألفي من الصحابة رضي الله عنهم، واستخلف على المدينة أبا رهمن الغفاري. ولما كان بالجحفة أو فوق ذلك لقيه عمه العباس بن عبد المطلب، وكان قد خرج بأهله وعياله مسلماً مهاجراً. ثم لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبواء لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث وابن عمته عبد الله بن أبي أمية، فأعرض عنهما لما كان يلقاه منهما من شدة الأذى والهجو، فقالت له أم سلمة: لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك. فقال علي لأبي سفيان بن الحارث: آت رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف قالوا: ت الله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولاً. ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. فأنشده أبو سفيان أبياتاً منها:

لعمرك إني حين أحمل راية

لتغلب خيل اللات خيل محمدي

لك المدلج الحيران أظلم ليله

فهذا أواني حين أهدى فاهتدي

هداني هاد غير نفسي ودلني

على الله من طردته كل مطرد

فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: أنت طردتني كل مطرد.

الجيش الإسلامي ينزل بمر الظهران. وواصل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيره وهو صائم والناس صيام حتى بلغ الكديد وهو ماء بين عسفان وقديد، فأفطر وأفطر الناس معه، ثم واصل صل سيره حتى نزل بمر الظهران، وادي فاطمة، نزله عشاءً فأمر الجيش فاوقدوا النيران، فاوقدت ألفي نار، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحرس عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

أبو سفيان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وركب العباس بعد نزول المسلمين بمر مر الظهران بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، وخرج يلتمس لعله يجد بعض الحطابة أو أحداً يخبر قريشاً ليخرجوا يستأمنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يدخلها. كان الله قد عم الأخبار عن قريش فهم على وجل وترقب، وكان أبو سفيان يخرج يتجسس الأخبار، فكان قد خرج هو وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار. قال العباس: والله إني لأسير عليها أي على بغلة النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديله بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيتك الليلة نيراناً قط ولا عسكراً. قال يقول بديل: هذه والله خزاعة خمشتها الحرب. فيقول أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. قال العباس: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة. فعرف صوتي فقال: أبا الفضل. قلت: نعم. قال: ماك فداك أبي وأمي. قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس وصباح قريش والله. قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي. قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأمنه لك. فركب خلفي ورجع صاحباه. قال: فجئت به، فكلما مررت به على نار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إلي، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال أبو سفيان: عدو الله الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد. ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وركضت البغلة فسبقت فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليه عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان، فدعني أضرب عنقه. قلت: يا رسول الله إني قد أجرته. ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت براسه فقلت: والله لا يناجيه الليلة أحد دوني. فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلاً يا عمر، فوالله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت مثل هذا. قال: مهلاً يا عباس، فوالله لإسلامك كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به. فذهبت، فلما أصبحت غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئاً. قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه فإن في النفس حتى الآن منها شيئاً. فقال له العباس: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قبل أن تضرب عنقك، فأسلم وشهد شهادة الحق. قال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً. قال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن.

الجيش الإسلامي يغادر مر الظهران إلى مكة. وفي هذا الصباح صباح يوم الأربعاء للسادس عشر من رمضان من السنة الثامنة للهجرة غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران إلى مكة، وأمر العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها، ففعل، فمرت القبائل على راياتها، كلما مرت به قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فيقول: مثلاً سليم، فيقول: ما لي ولسليم. ثم تمر به القبيلة فيقول: يا عباس من هؤلاء؟ فيقول: مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة، حتى نفدت القبائل ما تمر به قبيلة إلا سأل العباس عنها، فإذا أخبره قال: ما لي ولبني فلان، حتى مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، قال: سبحان الله يا عباس من هؤلاء؟ قال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة. ثم قال: والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيماً. قال العباس: يا أبا سفيان إنها النبوة. قال: فنعم إذاً. وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، فلما مر بأبي سفيان قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشاً. فلما حاذى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان قال: يا رسول الله ألم تسمع ما قال سعد؟ قال: وما قال؟ فقال: كذا وكذا. فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله ما نأمن أن يكون له في قريش صولة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل اليوم يوم تعظم فيه الكعبة، يوم أعز الله فيه قريشاً. ثم أرسل إلى سعد فنزع منه اللواء ودفعه إلى ابنه قيس، ورأى أن اللواء لم يخرج عن سعد، وقيل بل دفعه إلى الزبير.

قريش تبغت زحف الجيش الإسلامي. ولما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان قال له العباس: إن جاء إلى قومك فأسرع. أبو سفيان حتى دخل مكة وصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فقامت إليه زوجته هند بنت عتبة فاخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحميت الدسم الأخش الساقين قبح من طليعة قوم. قال أبو سفيان: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فانه قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك الله وما تغني عنك دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، وبثوا أوباشاً لهم وقالوا: نقدم هؤلاء فإن كان لقريش شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سألنا. فتجمع سفهاء قريش وأخفاؤها مع عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمر بالخندمة ليقاتلوا المسلمين، وكان فيهم رجل من بني بكر حماس بن قيس كان يعد قبل ذلك سلاحاً، فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه. قالت: والله ما يقوم لمحمد وأصحابه شيء. قال: إني والله لارجو أن أخد دمك بعضهم. ثم قال: إن يقبل اليوم فما لي علة هذا سلاح كامل واله وذو غرارين سريع السلة. فكان هذا الرجل فيمن اجتمعوا في الخندمة.

الجيش الإسلامي بذي طوى. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى حتى انتهى إلى ذي طوى، وكان يضع ضع رأسه تواضعاً لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى أن شعر لحيته ليكاد يمس واسطة الرحل، وهناك وزع جيشه، وكان خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب، فأمره أن يدخل مكة من أسفلها وقال: إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصداً حتى توافوني على الصفا. وكان الزبير بن العوام على المجنبة اليسرى وكان معه راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يدخل مكة من أعلاها من كداء وأن يغرز رايته بالحجون ولا يبرح يأتيه. وكان أبو عبيدة على الرجالة والحسر وهم الذين لا سلاح معهم، فأمره أن يأخذ بطن الوادي حتى ينصب لمكة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الجيش الإسلامي يدخل مكة. وتحركت كل كتيبة من الجيش الإسلامي على الطريق التي كلفت الدخول منها، فأما خالد وأصحابه فلم يل أحد من المشركين إلا أناموه وقتل من أصحابه من المسلمين كرز بن جابر الفهري وخنيس بن خالد بن ربيعة كان قد شذ عن الجيش فسلكا طريقاً غير طريقه فقتلا جميعاً. وأما سفهاء قريش فلقيهم خالد وأصحابه بالخندمة فناوشهم شيئاً من قتال فأصابوا من المشركين اثني عشر رجلاً فانهزم المشركون وانهزم حماس بن قيس الذي كان يعد السلاح لقتال المسلمين حتى دخل بيته فقال لامراته: اغلقي علي بابي. فقالت: وأينما كنت تقول؟ فقال: إنك لو شهدت يوم الخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة واستقبلتنا بالسيوف المسلمة يقطعن كل ساعد وجم ضرباً فلا يسمع إلا غمغمة لهم نهيت خلفنا وهممة لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة. وأقبل خالد يجوس مكة حتى وافى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا. وأما الزبير فتقدم حتى نصب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجون عند مسجد الفتح وضرب له هناك قبة فلم يبرح حتى جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الرسول صلى الله عليه وسلم يدخل المسجد الحرام ويطهره من الأصنام. ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله حتى دخل المسجد، فأقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه ثم طاف بالبيت وفي يده قوس وحول البيت وعليه 360 صنماً، فجعل يطعنها بالقوس ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد، والأصنام تتساقط على وجوهها، وكان طوافه على راحلته ولم يكن محرماً يومئذ فاقتصر على الطواف. فلما أكمله دعا عثمان بن طلحة فاخذ منه مفتاح الكعبة فأمر ففتحت فدخلها فراى فيها الصور وراى فيها صورة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يستقسمان بالأزلام، فقال: قاتلهم الله والله ما استقسم بها قط. وراى في الكعبة حمامة من عيدان فكسرها بيده وأمر بالصور فمحيت.

الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي في الكعبة ثم يخطب أمام قريش. ثم أغلق عليه الباب وعلى أسامة وبلال، فاستقبل الجدار الذي يقابل الباب حتى إذا كان بينه وبينه ثلاثة أذرع وقف وجعل عمودين عن يساره وعموداً عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثم صلى هناك ثم دار في البيت وكبر في نواحيه ووحد الله، ثم فتح الباب وقريش قد ملأت المسجد صفوفاً ينتظرون ماذا يصنع، فأخذ بعضتي الباب وهم تحته، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ألا كل ماثرة أو مال أو دم فهو تحت قدمي هاتين إلا سدنة البيت وسقاية الحاج، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد الصوت والعصا ففيه الدية المغلظة مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها. يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب. ثم تلى هذه الآية: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير. لا تثريب عليكم اليوم. ثم قال: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف.

لاخوته لا تثريب عليكم اليوم اذهبوا فانتم الطلقاء. مفتاح البيت إلى أهله.

ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقام إليه علي رضي الله عنه ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية. صلى الله عليه. وفي رواية: إن الذي قال ذلك هو العباس رضي الله عنه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين عثمان بن طلحة؟ فدعي له، فقال له: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء. وفي رواية ابن سعد في الطبقات أنه قال له حين دفع المفتاح إليه: خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم. يا عثمان، إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف.

بلال يؤذن على الكعبة وحانت الصلاة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً أن يصعد فيؤذن على الكعبة، وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة. فقال عتاب: لقد أكرم الله أسيداً ألا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه. فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه حق لاتبعته. فقال أبو سفيان: أما والله لا أقول شيئاً، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصباء. فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم: قد علمت الذي قلتم. ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول: أخبرك صلاة الفتح أو صلاة الشكر.

ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ دار أم هانئ بنت أبي طالب فاغتسل وصلى ثمان ركعات في بيتها، وكان ضحى، فظنها من ظنها صلاة الضحى، وإنما هذه صلاة الفتح. وأجارت أم هانئ حمويين لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ. وقد كان أخوها علي بن أبي طالب أراد أن يقتلهما، فأغلقت عليهما باب بيتها وسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لها ذلك.

إهدار دماء رجال من أكابر المجرمين. وأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ دماء تسعة نفر من أكابر المجرمين وأمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم عبد العزى بن خطل، وعبد الله بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، والحارث بن نفيل بن وهب، ومقيس بن صبابة، وهبار الأسود، وقينتان كانتا لابن خطل كانتا تغنيان بهجو النبي صلى الله عليه وسلم، وسارة مولاة لبعض بني عبد المطلب وهي التي وجد معها كتاب حاطب.

فأما ابن أبي سرح فجاء به عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشفع فيه، فحقن دمه وقبل إسلامه بعد أن أمسك عنه رجاء أن يقوم إليه بعض الصحابة فيقتله، وكان قد أسلم قبل ذلك وهاجر ثم ارتد ورجع إلى مكة. وأما عكرمة بن أبي جهل ففر إلى اليمن، فاستأمنت له امرأته، فأمنه النبي صلى الله عليه وسلم، فتبعته فرجع معها وأسلم وحسن إسلامه. وأما ابن خطل فكان متعلقاً بأستار الكعبة، فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره، فقال: اقتله، فقتله. وأما مقيس بن صبابة فقتله نميلة بن عبد الله، وكان مقيس قد أسلم قبل ذلك ثم عدى على رجل من الأنصار فقتله ثم ارتد ولحق بالمشركين. وأما الحارث فكان شديد الأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فقتله علي. وأما هبار الأسود فهو الذي كان قد عرض لزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجرت، فنخس بها حتى سقطت على صخرة وأسقطت جنينها، ففر يوم مكة ثم أسلم وحسن إسلامه. وأما القينتان فقتلت إحداهما، واستؤمن للأخرى فأسلمت كما استؤمن لسارة وأسلمت.

قال ابن حجر: وذكر أبو معشر فيمن أهدر دمه الحارث بن طلاطل الخزاعي فقتله علي. وذكر الحاكم أيضاً ممن أهدر دمه كعب بن زهير وقصته مشهورة، وجاء بعد ذلك وقد أسلم. وأرنب مولاة ابن خطل أيضاً قتلت، وأم سعد قتلت فيما ذكر ابن إسحاق، فكملت العدة ثمانية رجال وست نسوة، ويحتمل أن تكون أرنب وأم سعد القينتان اختلف في اسمهما أو باعتبار الكنية واللقب.

إسلام صفوان بن أمية وفضالة ابن عمير. لم يكن صفوان ممن أهدر دمه، لكنه بصفته زعيماً كبيراً من زعماء قريش خاف على نفسه وفر، فاستأمن له عمير بن وهب الجمحي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمنه وأعطاه عمامته التي دخل بها مكة، فلحقه عمير وهو يريد أن يركب البحر من جدة إلى اليمن فرده، فقال لرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلني بالخيار شهرين. قال: أنت بالخيار أشهر. ثم أسلم صفوان، وقد كانت امرأته أسلمت قبله، فأقرهما على النكاح الأول. وكان فضالة رجلاً جريئاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الطواف ليقتله، فأخبره الرسول صلى الله عليه وسلم بما في نفسه فأسلم.

خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في اليوم الثاني من الفتح. ولما كان الغد من يوم الفتح قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه ومجده بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً أو يعبد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما حلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب. وفي رواية: لا يعضد شوكة ولا ينفر صيده ولا تلتقط ساقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها. فقال العباس: يا رسول الله، إلا الأذخر، فإنه لبيوتهم وقينهم. فقال: إلا الأذخر.

وكانت خزاعة قتلت يومئذ رجلاً من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الصدد: يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، فلقد كثر القتل إن نفع. لقد قتلتم قتيلاً، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين، إن شاؤوا فدم قاتله، وإن شاؤوا فعقله. وفي رواية: فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه فقال: اكتب لي يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتبوا لأبي شاه.

تخوف الأنصار من بقاء الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة. ولما تم فتح مكة على الرسول صلى الله عليه وسلم وهي بلده ووطنه ومولده، قال الأنصار فيما بينهم: أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فتح الله عليه أرضه وبلده أن يقيم بها؟ وهو يدعو على الصفا رافعاً يديه. فلما فرغ من دعائه قال: ماذا قلتم؟ قالوا: لا شيء يا رسول الله. فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذ الله، المحيا محياكم والممات مماتكم.

أخذ البيعة. وحين فتح الله مكة على رسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين تبين لأهل مكة الحق وعلموا أنه لا سبيل إلى النجاح إلا الإسلام، فأذعنوا له واجتمعوا للبيعة، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا يبايع الناس، وعمر بن الخطاب أسفل منه يأخذ على الناس، فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا. وفي المدارك روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء وهو على الصفا، وعمر قاعد أسفل منه يبايعهن بأمره ويبلغهن عنه، فجاءت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنكرة خوفاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها لما صنعت بحمزة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبايعكن على ألا تشركن بالله شيئاً. فبايع عمر النساء على ألا يشركن بالله شيئاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا تسرقن. فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، فإن أنا أصبت من ماله هنا. فقال أبو سفيان: وما أصبت فهو لك حلال. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها، فقال: وإنك لهند؟ قالت: نعم، فاعف عما سلف يا نبي الله، عفى الله عنك. فقال: ولا يزنين. فقالت: أو تزني الحرة؟ فقال: ولا يقتلن أولادهن. فقالت: ربيناهن صغاراً وقتلتموهم كباراً، فأنتم وهم أعلم. وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر، فضحك عمر حتى استلقى، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ولا يأتين ببهتان. فقالت: والله إن البهتان لأمر قبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق. فقال: ولا يعصينك في معروف. فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك. ولما رجعت جعلت تكسر صنمها وتقول: كنا منك في غرور.

إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة وعمله فيها. وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يوماً يجدد معالم الإسلام ويرشد الناس إلى الهدى والتقى، وخلال هذه الأيام أمر أبا أسيد الخزاعي فجدد أنصاب الحرم، وبث سراياه للدعوة إلى الإسلام ولكسر الأوثان التي كانت حول مكة، فكسرت كلها، ونادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنماً إلا كسره.

السرايا والبعوث. أولاً: ولما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح بعث خالد بن الوليد إلى العزى بخمس ليال بقين من شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة ليهدمها، وكانت بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني كنانة، وهي أعظم أصنامهم، وكان سدنتها بنو شيبان، فخرج إليها خالد في ثلاثين فارساً حتى انتهى إليها فهدمها. ولما رجع سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت شيئاً؟ قال: لا. قال: فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها. فرجع خالد متغير قد جرد سيفه، فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ناشزة الرأس، فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجزلها باثنتين، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: نعم، تلك العزى، وقد أيست أن تعبد في بلادكم أبداً ثانياً.

ثانياً: ثم بعث عمرو بن العاص في نفس الشهر إلى سواع ليهدمه، وهو صنم لهذيل برها وعلى ثلاثة أميال من مكة، فلما انتهى إليه قال له السادن: ما تريد؟ قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهدمه. قال: لا تقدر على ذلك. قال: لما؟ قال: تمنع؟ قال: حتى الآن أنت على الباطل، ويحك، فهل يسمع أو يبصر؟ ثم دنا فكسره، وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا فيه شيئاً، ثم قال للدن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله.

ثالثاً: وفي نفس الشهر بعث سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارساً إلى مناة، وكانت بالمشلل عند قديد للأوس والخزرج وغسان وغيرهم، فلما انتهى سعد إليها قال له سادنها: ما تريد؟ قال: هدم مناة. قال: أنت وذاك. فأقبل إليها سعد، وخرجت امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها، فقال لها السادن: مناة دونك بعض عصاتك، فضربها سعد فقتلها، وأقبل إلى الصنم فهدمه وكسره، ولم يجدوا في خزانته شيئاً.

رابعاً: ولما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان من نفس السنة الثامنة للهجرة إلى بني جذيمة داعياً إلى الإسلام لا مقاتلاً، فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار وبني سليم، فانتهى إليهم فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتلهم ويأسرهم، وسرهم ودفع إلى كل رجل ممن كان معه أسيراً، فأمر يوماً أن يقتل كل رجل أسيره، فأبى ابن عمر وأصحابه حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا له، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، مرتين. وكانت بنو سليم هم الذين قتلوا أسرىهم دون المهاجرين والأنصار، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم. وكان بين خالد وعبد الرحمن بن عوف كلام وشر في ذلك، فبلغ صلى الله عليه وسلم فقال: مهلاً يا خالد، دع عنك أصحابي، فوالله لو كان أحد ذهباً ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحتُه.

تلك هي غزوة فتح مكة، وهي المعركة الفاصلة والفتح الأعظم الذي قضى على كيان الوثنية قضاءً باتاً لم يترك لبقائها مجالاً ولا مبرراً في ربوع الجزيرة العربية، فقد كانت عامة القبائل تنتظر ماذا يتمخض عنه العراك والاصطدام الذي كان دائراً بين المسلمين والوثنيين، وكانت تلك القبائل تعرف جيداً أن الحرم لا يسيطر عليه إلا من كان على الحق، وكان قد تأكد لديهم هذا الاعتقاد الجازم أي تأكد قبل نصف قرن حين قصد أصحاب الفيل هذا البيت فأهلكوا وجعلوا كعصف مأكول. وكان صلح الحديبية مقدمة وتوطئة بين يدي هذا الفتح العظيم، آمن الناس به وكلم بعضهم بعضاً وناظره في الإسلام، وتمكن من اختفى من المسلمين بمكة من إظهار دينه والدعوة إليه والمناظرة عليه، ودخل بسببه بشر كثير في الإسلام، حتى أن عدد الجيش الإسلامي الذي لم يزد في الغزوات السالفة على ثلاثة آلاف، إذ هو يزخر في هذه الغزوة في اثني عشر ألفاً. وهذه الغزوة الفاصلة فتحت أعين الناس وأزالت عنها آخر الستور التي كانت تحول بينها وبين الإسلام، وبهذا الفتح سيطر المسلمون على الموقف السياسي والديني كليهما معاً في طول الجزيرة العربية وعرضها، فقد انتقلت إليهم الصدارة الدينية والزعامة الدنيوية، فالطور الذي كان قد بدأ بعد هدنة الحديبية لصالح المسلمين قد تم وكمل بهذا الفتح المبين، وبدأ بعد ذلك طور آخر كان لصالح المسلمين تماماً وكان لهم فيه السيطرة على الموقف تماماً، ولم يبق لأقوام العرب إلا أن يفدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعتنقوا الإسلام ويحملوا دعوته إلى العالم، وقد تم استعدادهم لذلك في سنتين آتيتين.

المرحلة الثالثة وهي آخر مرحلة من مراحل حياة الرسول صلى الله عليه وسلم تمثل النتائج التي أثمرتها دعوته الإسلامية بعد جهاد طويل وعناء ومتاعب وقلاقل وفتن واضطرابات ومعارك وحروب دامية واجهتها طيلة بضعة وعشرين عاماً، وكان فتح مكة هو أخطر كسب حصل عليه المسلمون في هذه الأعوام، تغير لأجله مجرى الأيام وتحول به جو العرب، فقد كان الفتح حداً فاصلاً بين المدة السابقة عليه وبين ما بعده، فإن قريشاً كانت في نظر العرب حماة الدين وأنصاره، والعرب في ذلك تبع لهم، فخضوع قريش يعتبر القضاء الأخير على الدين الوثني في جزيرة العرب، ويمكن أن نقسم هذه المرحلة إلى صفحتين: صفحة المجاهدة والقتال، وصفحة تسابق الشعوب والقبائل إلى اعتناق الإسلام، وهاتان الصفحتان متلاصقتان تناوتا في هذه المرحلة ووقعت كل واحدة منهما خلال الأخرى، إلا أن اخترنا في الترتيب الوضعي أن نأتي على ذكر كل من الصفحتين متميزة عن الأخرى، ونظراً إلى أن صفحة القتال أليق بما مضى وأكثر مناسبة من الأخرى قدمناها في الترتيب.

غزوة حنين. إن فتح مكة جاء عقب ضربة خاطفة شديدة لها العرب، وبوغتت القبائل المجاورة بالأمر الواقع الذي لم يكن يمكن لها أن تدفعه، ولذلك لم تمتنع عن الاستسلام إلا بعض القبائل الشرسه القوية المتغطرسة، وفي مقدمتها بطون هوازن وثقيف، واجتمعت إليها نصر وجشم وسعد بن بكر وناس من بني هلال، وكلها من قيس عيلان، رأت هذه البطون من نفسها عزاً وأنفة أن تقابل هذا الانتصار بالخضوع، فاجتمعت إلى مالك بن عوف النصري وقررت المسير إلى حرب المسلمين مسير العدو ونزوله بأوطاس، ولما أجمع القائد العام مالك بن عوف المسير إلى حرب المسلمين ساق مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فسار حتى نزل بأوطاس وهو واد في دار هوازن بالقرب من حنين، لكن وادي أوطاس غير وادي حنين، وحنين واد إلى جنب ذي المجاز بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً من جهة عرفات.

مجرب الحروب يغلط رأي القائد. ولما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة وهو شيخ كبير ليس فيه إلا رأيه ومعرفته بالحرب، وكان شجاعاً مجرباً، قال دريد: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس. قال: نعم، مجال الخيل، لا حزن ضرس ولا سهل دهس، ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصبي وثغاء الشاء؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس نساءهم وأموالهم وأبناءهم. فدعا مالكاً وسأله عما حمله على ذلك، فقال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم. فقال: راعي ضأن، والله وهل يرد المنهزم شيئاً؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. ثم سأل عن بعض البطون والرؤساء، ثم قال: يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئاً، ارفعهم إلى ممتنع بلادهم وعلياء قومهم، ثم الق الصبات على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك فاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك. ولكن مالكاً القائد العام رفض هذا الطلب قائلاً: والله لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر عقلك، والله لتطيعني هوازن أو لاتكئ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري. وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي، فقالوا: أطعناك. فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني، يا ليتني فيها جذع أخبر فيها وأضع، أقود وأطفئ الدمع، كأنها شاه صدع.

سلاح استكشاف العدو. وجاءت إلى مالك عيون كان قد بعثهم للاستكشاف عن المسلمين، جاءت هذه العيون وقد تفرقت أوصالهم، قال: ويلكم، ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالاً بيضاً على خيل بلق، والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى. سلاح استكشاف رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونقلت الأخبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسير العدو، فبعث أبا حدرد الأسلمي وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ثم يأتيه بخبرهم، ففعل.

الرسول صلى الله عليه وسلم يغادر مكة إلى حنين. وفي يوم السبت السادس من شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة تغادر رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وكان ذلك اليوم التاسع عشر من يوم دخوله في مكة، خرج في اثني عشر ألفاً من المسلمين، ألف ممن كانوا خرجوا معه لفتح مكة، وألفان من أهل مكة وأكثرهم حديثو عهد بالإسلام، واستعار من صفوان بن أمية مائة درع باداتها، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد. ولما كان عشية جاء فارس فقال: إني طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم بضعهم ونعمهم وشائهم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله. وتطوع للحراسة تلك الليلة أنس بن أبي مرسد الغنوي.

وفي طريقهم إلى حنين رأوا سدرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط، كانت العرب تعلق عليها أسلحتهم ويذبحون عندها ويعكفون، فقال بعض أهل الجيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال: الله أكبر، قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم إلهة. قال: إنكم قوم تجهلون، إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم. وقد كان بعضهم قال نظراً إلى كثرة الجيش: لن نغلب اليوم. وكان قد شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الجيش الإسلامي يباغت الرمات. انتهى الجيش الإسلامي إلى حنين ليلة الثلاثاء لعشر خلون من شوال، وكان مالك بن عوف قد سبقهم، فادخل جيشه بالليل في ذلك الوادي وفرق كمناءه في الطرق والمداخل والشعاب والأخباء والمضايق، وأصدر إليهم أمره بأن يرشقوا المسلمين أول ما طلعوا ثم يشدوا شدة رجل واحد. وبالسحر عبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشه وعقد الألوية والرايات وفرقها على الناس، وفي عماية الصبح استقبل المسلمون وادي حنين وشرعوا ينحدرون فيه وهم لا يدرون بوجود كمناء العدو في مضايق هذا الوادي، فبينما هم ينحطون إذ تمطر عليهم النبال وإذا كتائب العدو قد شدت عليهم شدة رجل واحد، فانشمر المسلمون راجعين لا يلوي أحد على أحد، وكانت هزيمة منكرة حتى قال أبو سفيان بن حرب وهو حديث عهد بالإسلام: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر الأحمر. وصرخ جبله أو كلدة بن الجنيد: ألا بطل السحر اليوم.

وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم جهة اليمين وهو يقول: هلموا إلي، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله. ولم يبق معه في موقفه إلا عدد قليل من المهاجرين وأهل بيته. وحينئذ ظهرت شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم التي لا نظير لها، فقد طفق يركز بغلته قبل الكفار وهو يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. بيد أن أبا سفيان بن الحارث كان آخذاً بلجام بغلته، والعباس بركابه يكفانها ألا تسرع. ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستنصر ربه قائلاً: اللهم أنزل نصرك.

رجوع المسلمين واحتدام المعركة. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه العباس وكان جهير الصوت أن ينادي الصحابة، قال العباس: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله كان عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك، يا لبيك. ويذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر عليه فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم على بعيره ويخلي سبيله، فيأمر الصوت حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس واقتتلوا، وصرفت الدعوة إلى الأنصار: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار. ثم قصرت الدعوة في بني الحارث بن الخزرج، وتلاحقت كتائب المسلمين واحدة تلو الأخرى كما كانوا تركوا الموقعة، وتجالد الفريقان مجالدة شديدة، ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ساحة القتال وقد استحر واحتدم، فقال: الآن حمي الوطيس. ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب الأرض فرمى بها في وجوه القوم وقال: شاهت الوجوه، فما خلق الله إنساناً إلا ملا عينيه تراباً من تلك القبضة، فلم يزل حدّهم كليلاً وأمرهم مدبراً.

انكسار حدة العدو وهزيمته الساحقة. وما هي إلا ساعات قلائل بعد رمي القبضة حتى انهزم العدو هزيمة منكرة، وقتل من ثقيف وحدهم نحو سبعين، وحاز المسلمون ما كان مع العدو من مال وسلاح وضعن، وهذا هو التطور الذي أشار إليه سبحانه وتعالى في قوله: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}.

حركة المطاردة. ولما انهزم العدو صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى نخلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أوطاس طائفة من المطاردين يقودهم أبو عامر الأشعري، فتناوش الفريقان القتال قليلاً ثم انهزم جيش المشركين، وفي هذه المناوشة قتل القائد أبو عامر الأشعري. وطاردت طائفة أخرى من فرسان المسلمين فلول المشركين الذين سلكوا نخلة، فادرك الدريد بن الصمة فقتله ربيعة بن رفيع. وأما معظم فلول المشركين الذين لجوا إلى الطائف، فتوجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه بعد أن جمع الغنائم.

الغنائم. الغنائم السبي ستة آلاف رأس، والابل أربعة وعشرون ألفاً، والغنم أكثر من أربعين ألفاً، وأوقية فضة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجمعها ثم حبسها بالجعرانة وجعل عليها مسعود بن عمر الغفاري، ولم يقسمها حتى فرغ من غزوة الطائف. وكانت في السبي الشيماء بنت الحارث السعدية أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فلما جيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت له نفسها، فعرفها بعلامة، فأكرمها وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، ثم من عليها وردها إلى قومها.

غزوة الطائف. وهذه الغزوة في الحقيقة امتداد لغزوة حنين، وذلك أن معظم فلول هوازن وثقيف دخلوا الطائف مع القائد العام مالك بن عوف النصري وتحصنوا بها، فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فراغه من حنين وجمع الغنائم في الجعرانة في نفس الشهر شوال من السنة الثامنة للهجرة، وقدم خالد بن الوليد على مقدمته طليعة في ألف رجل، ثم سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف فمر في طريقه على النخلة اليمانية ثم على قرن المنازل ثم على ثقيف، وكان هناك حصن لمالك بن عوف، فأمر بهدمه، ثم واصل سيره حتى انتهى إلى الطائف، فنزل قريباً من حصنه وعسكر هناك وفرض الحصار على أهل الحصن، ودام الحصار مدة غير قليلة، ففي رواية أنس عند مسلم أن مدة حصارهم كانت أربعين يوماً، وعند أهل السير خلاف في ذلك، فقيل عشرون يوماً، وقيل بضعة عشر، وقيل ثمانية عشر، وقيل خمسة عشر.

وقعت في هذه المدة مرامات ومقاذفات، فالمسلمون أول ما فرضوا الحصار رماهم أهل الحصن رمياً شديداً كانه رجم جراد، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحات وقتل منهم اثنا عشر رجلاً، واضطروا إلى الارتفاع عن معسكرهم إلى مسجد الطائف اليوم، فعسكروا هناك، ونصب النبي صلى الله عليه وسلم المنجنيق على أهل الطائف وقذف به القذائف حتى وقعت شدخة في جدار الحصن، فدخل نفر من المسلمين تحت دبابة ودخلوا بها إلى الجدار ليحرقوه، فأرسل إليهم العدو سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها فرموهم بالنبل وقتلوا منهم رجالاً.

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كجزء من سياسة الحرب لإلجاء العدو إلى الاستسلام، أمر بقطع الأعناب وتحريقها، فقطعها المسلمون قطعاً ذريعاً، فسألته ثقيف أن يدعها لله والرحم، فتركها لله والرحم. ونادى مناديه صلى الله عليه وسلم: أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر، فخرج إليهم ثلاثة وعشرون رجلاً فيهم أبو بكرة، تسور حصن الطائف وتدلى منه ببكرة مستديرة يستقي عليها، فكناه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكرة، فاعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشق ذلك على أهل الحصن مشقة شديدة.

ولما طال الحصار واستعصى الحصن وأصيب المسلمون بما أصيبوا من رشق النبال وبسكك الحديد المحماة، وكان أهل الحصن قد أعدوا فيه ما يكفيهم لحصار سنة، استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم نوفل بن معاوية الديلي فقال: هم ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك. وحينئذ عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على رفع الحصار والرحيل، فأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه فآذن في الناس: أنا قافلون غداً إن شاء الله.

فثقل عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتحه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغدوا على القتال. فغدوا فأصابهم جراح، فقال: أنا قافلون غداً إن شاء الله. فسُروا بذلك وأذعنوا وجعلوا يرحلون ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك. ولما ارتحلوا واستقلوا قال: قولوا: آيبون تائبون، عابدون لربنا حامدون. وقيل: يا رسول الله، ادع ثقيفاً. فقال: اللهم اهد ثقيفاً وأت بهم.

قسمة الغنائم بالجعرانة. ولما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد رفع الحصار عن الطائف مكث بالجعرانة بضع عشرة ليلة لا يقسم الغنائم ويتأنى بها يبتغي أن يقدم عليه وفد هوازن تائبين فيحرز ما فقدوا، ولكنه لم يأت أحد، فبدأ بقسمة المال ليسكت المتطلعين من رؤساء القبائل وأشراف مكة، فكان المؤلفة قلوبهم أول من أعطي وحظي بالأنصبة الجزيلة، وأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية ومه من الإبل، فقال ابنه يزيد: فاعطاه مثلها، فقال ابنه معاوية: فاعطاه مثلها، وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل، ثم سأله مائة أخرى فأعطاه إياها، وأعطى صفوان بن أمية مائة من الإبل ثم مائة ثم مائة، كذا في الشفاء، وأعطى الحارث بن الحارث بن كلدة مائة من الإبل، وكذلك أعطى من رؤساء قريش وغيرها مائة من الإبل، وأعطى آخرين خمسين خمسين وأربعين، حتى شاع في الناس أن محمداً يعطي عطاء ما يخاف الفقر، فازدحمت عليه الأعراب يطلبون المال حتى أضطروه إلى شجرة فانتزعت رداءه، فقال: أيها الناس، ردوا علي ردائي، فو الذي نفس محمد بيده لو كان عندي شجر تهامة نعماً لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً. ثم قام إلى جنب بعيره فأخذ من سنامه وبره فجعلها بين إصبعيه ثم رفعها، فقال: أيها الناس، والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم.

وبعد إعطاء المؤلفة قلوبهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت بإحضار الغنائم والناس، ثم فرضها على الناس، فكانت سهامهم لكل رجل أربع من الإبل وأربعون شاه، فإن كان فارساً أخذ بعيرين و10 شياه. كانت هذه القسمة مبنية على سياسة حكيمة، فإن في الدنيا أقواماً كثيرين يقادون إلى الحق من بطونهم لا من عقولهم، فكما تهدي الدواب إلى طريقها بحزمة برسيم تظل تمد إليها حتى تدخل حظيرتها آمنة، فكذلك هذه الأصناف من البشر تحتاج إلى فنون من الإغراء حتى تستأنس بالإيمان وتهش له.

الأنصار تجد على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه السياسة لم تفهم أول الأمر، فأطلقت السنة شتى بالاعتراض، وكان الأنصار ممن وقعت عليهم مغارم هذه السياسة، لقد حرموا جميعاً عطية حنين وهم الذين نودوا وقت الشدة فطاروا يقاتلون مع الرسول صلى الله عليه وسلم حتى تبدل الفرار انتصاراً، وها هم أولاء يرون أيدي الفارين ملا، وأما هم فلم يمنحوا شيئاً قط. روى ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري قال: لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القالة، حتى قال قائلهم: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه. فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء. قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومي. قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة. فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردّهم. فلما اجتمعوا أتاهم سعد فقال: لقد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار. فأتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها علي في أنفسكم، ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداءً فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل. ثم قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله، ولرسوله المن والفضل؟ قال: أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم، أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فأويناك، وعائلاً فآسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ فو الذي نفس محمد بيده لو لا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار. فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً وحظاً. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا.

قدوم وفد هوازن. وبعد توزيع الغنائم أقبل وفد هوازن مسلمين وهم أربعة عشر رجلاً، ورأسهم زهير بن صرد، وفيهم أبو برقان عم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فسألوه أن يمن عليهم بالسبي والأموال، وأدلوا إليه بكلام ترق له القلوب، فقال: إن معي من ترون، وإن أحب الحديث إلي أصدقه، فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً. فقال: إذا صليت الغداة أي صلاة الظهر، فقوموا فقولوا: أنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المؤمنين، ونستشفع بالمؤمنين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد إلينا سبينا. فلما صلى الغداة قاموا فقالوا ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وسأسأل لكم الناس. فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا. وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا. وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا. فقال بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال العباس بن مرداس: وهنتموني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء القوم قد جاؤوا مسلمين وقد كنت استأنيت سبيهم وقد خيرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئاً، فمن كان عنده منهن شيء فطابت نفسه بأن يرده فسبيل ذلك، ومن أحب أن يستمسك بحقه فليرد عليهم وله بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفيء الله علينا. فقال الناس: قد طيبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: أنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرض، فارجعوا حتى يرفع إلي عرفاؤكم أمركم. فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، لم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن، فإنه أبى أن يرد عجوزاً صارت في يديه منهم، ثم ردها بعد ذلك، وكسى رسول الله صلى الله عليه وسلم السبي قبطية قبطية.

العمرة والانصراف إلى المدينة. ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قسمة الغنائم في الجعرانة أهل معتمراً منها، فأدى العمرة وانصرف بعد ذلك راجعاً إلى المدينة، بعد أن ولى على مكة عتاب بن أسيب، وكان رجوعه إلى المدينة لست ليال بقيت من ذي القعدة من السنة الثامنة للهجرة.

قال محمد الغزالي: لله ما أفسح المدى الذي بين هذه الأونة الظاهرة بعد أن توج الله هامته بالفتح المبين، وبين مقدمه إلى هذا البلد النبيل منذ ثمانية أعوام، لقد جاءه مطارداً يبغي الأمان غريباً مستوحشاً ينشد الإيلاف والأنا، فأكرم أهله مثواه وأووه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، واستخفوا بعداوة الناس جميعاً من أجله، وها هو ذا بعد ثمانية أعوام يدخل المدينة التي استقبلته مهاجراً خائفاً لتستقبله مرة أخرى وقد دانت له مكة وألقت تحت قدميه كبرياءها وجاهليتها، فانهضها ليعزها بالإسلام وعفى عن خطيئاتها الأولى، إنه من يتقي الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب.

البعوث والسرايا. بعد الرجوع من غزوة الفتح وبعد الرجوع من هذا السفر الطويل الناجح أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة يستقبل الوفود ويبعث العمال ويبث الدعاة ويكبت من بقي فيه الاستكبار عن الدخول في دين الله والاستسلام للأمر الواقع الذي شاهدته العرب، وهاك صورة مصغرة من ذلك.

المصدقون. قد عرفنا مما تقدم أن رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان في أواخر أيام السنة الثامنة، فما هو إلا أن استهل هلال المحرم من السنة التاسعة للهجرة، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المصدقين إلى القبائل، وهذه هي قائمتهم:

أولاً: عيينة بن حصن إلى بني تميم.

ثانياً: يزيد بن الحصين إلى أسلم وغفار.

ثالثاً: عباد بن بشير الأشهلي إلى سليم ومزينة.

رابعاً: رافع بن مكيث إلى جهينة.

خامساً: عمرو بن العاص إلى بني فزارة.

سادساً: الضحاك بن سفيان إلى بني كلاب.

سابعاً: بشير بن سفيان إلى بني كعب.

ثامناً: ابن اللتبية الأزدي إلى بني ذبيان.

تاسعاً: المهاجر بن أبي أمية إلى صنعاء وخرج عليه الأسود العنسي وهو بها.

عاشراً: زياد بن لبيد إلى حضرموت.

أحد عشر: عدي بن حاتم إلى طيء وبني أسد.

اثنا عشر: مالك بن نويرة إلى بني حنظلة.

ثلاثة عشر: الزبرقان بن بدر إلى بني سعد إلى قسم منهم.

أربعة عشر: قيس بن عاصم إلى بني سعد إلى قسم آخر منهم.

خمسة عشر: العلاء بن الحضرمي إلى البحرين.

ستة عشر: علي بن أبي طالب إلى نجران لجمع الصدقة والجزية كليهما.

وليس هؤلاء العمال كلهم بعثوا في المحرم من السنة التاسعة للهجرة، بل تأخر بعث عدة منهم إلى اعتناق الإسلام من تلك القبائل التي بعثوا إليها، نعم كانت بداية بعث العمال بهذا الاهتمام البالغ في المحرم من السنة التاسعة، وهذا يدل على مدى نجاح الدعوة الإسلامية بعد هدنة الحديبية، وأما بعد فتح مكة فقد دخل الناس في دين الله أفواجاً.

السرايا. وكما بعث المصدقين إلى القبائل، مست الحاجة إلى بعث عدة من سرايا مع سيادة الأمن على عامة مناطق الجزيرة، وهاك لوحة تلك السرايا:

أولاً: سرية عيينة بن حصن الفزاري في المحرم من السنة التاسعة إلى بني تميم في خمسين فارساً لم يكن فيهم مهاجري ولا أنصاري، وسببها أن بني تميم كانوا قد أغروا القبائل ومنعوهم عن أداء الجزية، وخرج عيينة بن حصن يسير الليل ويكمن النهار حتى هجم عليهم في الصحراء فولى القوم مدبرين، وأخذ منهم أحد عشر رجلاً وواحد وعشرين امرأة واثنين وسبعين صبياً وساقهم إلى المدينة، فأنزلوا في دار رملة بنت الحارث، وقدم فيهم عشرة من رؤسائهم، فجاؤوا إلى باب النبي صلى الله عليه وسلم فنادوا: يا محمد، اخرج إلينا. فخرجوا فتعلقوا به وجعلوا يكلمونه، فوقف معهم ثم مضى حتى صلى الظهر ثم جلس في صحن المسجد، فأظهروا رغبتهم في المفاخرة والمباهات، وقدموا خطيبهم عطارد بن حاجب فتكلم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس خطيب الإسلام فأجابهم، ثم قدموا شاعرهم الزبرقان بن بدر فانشد مفاخراً، فأجابه شاعر الإسلام حسان بن ثابت على البديهة، ولما فرغ الخطيبان والشاعران قال الأقرع بن حابس: خطيبنا أخطب من خطيبنا وشاعرنا أشعر من شاعرنا وأصواتهم أعلى من أصواتنا وأقوالهم أعلى من أقوالنا، ثم أسلموا، فأجازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم ورد عليهم نساءهم وأبناءهم.

ثانياً: سرية قطبة بن عامر إلى حي من خثعم بناحية تبالة بالقرب من تربة في صفر من السنة التاسعة للهجرة، خرج قطبة في عشرين رجلاً على عشرة أبعرة يعتقبونها، فشن الغارة فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعاً وقتل قطبة مع من قتل، وساق المسلمون النعم والنساء والشاء إلى المدينة.

ثالثاً: سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب في ربيع الأول من السنة التاسعة للهجرة، بعث هذه السرية إلى بني كلاب لدعوتهم إلى الإسلام، فأبوا وقاتلوا، فهزمهم المسلمون وقتلوا منهم رجلاً.

رابعاً: سرية علقمة بن مجزز المدلجي إلى سواحل جدة في شهر ربيع الآخر من السنة التاسعة للهجرة في ثلاثمائة بعثهم إلى رجال من الحبشة كانوا قد اجتمعوا بالقرب من سواحل جدة للقيام بأعمال القرصنة ضد أهل مكة، فخاضع القمة البحر حتى انتهى إلى جزيرة، فلما سمعوا بمسير المسلمين إليهم هربوا.

خامساً: سرية علي بن أبي طالب إلى صنم لطيء يقال له القلس ليهدمه في شهر ربيع الأول من السنة التاسعة للهجرة، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في خمسين ومائة على مائة بعير وخمسين فرساً ومعه راية سوداء ولواء أبيض، فشنوا الغارة على محلة حاتم مع الفجر فهدموه وملأوا أيديهم من السبي والنعم والشاء، وفي السبي أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي إلى الشام، ووجد المسلمون في خزانه القلس ثلاثة أسياد وثلاثة أدرع، وفي الطريق قسموا الغنائم وعزلوا الصفي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقسموا إلا حاتم.

ولما جاؤوا إلى المدينة استعطفت أخت عدي بن حاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلة: يا رسول الله، غاب الوافد وانقطع الوالد، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة، فمن علي من الله علي. قال: من وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم. قال: الذي فر من الله ورسوله. ثم مضى، فلما كان الغد قالت مثل ذلك وقال لها مثل ما قال أمس، فلما كان بعد الغد قالت مثل ذلك، فمن عليها، وكان إلى جنبه رجل ترى أنه علي، فقال لها: سليه الحملان، فسألته فأمر لها به، ورجعت أخت عدي بن حاتم إلى أخيها عدي بالشام، فلما لقيته قالت: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد فعل فعله ما كان أبوك يفعلها، أيته راغباً أو راهباً، فجاءه عدي بغير أمان ولا كتاب، فآتي به إلى داره، فلما جلس بين يديه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيهن يا عدي بن حاتم، ألم تكن ركوسياً؟ قال: قلت بلى. قال: أولم تكن تسير في قومك بالمرباع؟ قال: قلت بلى. قال: فإن ذلك لم يحل لك في دينك. قال: قلت أجل والله. قال: وعرفت أنه نبي مرسل يعرف ما يجهل. وفي رواية لاحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا عدي، أسلم تسلم. فقلت: إني من أهل دين. قال: أنا أعلم بدينك منك. فقلت: أنت أعلم بديني مني.

قال نعم، الست من الركوسية، وأنت تأكل أرباع قومك؟ فقلت: بلى. قال: فإن هذا لا يحل لك في دينك. قال: فلم يعد أن قالها فتواضعت لها.

وروى البخاري عن عدي قال: بين أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل. فقال: يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ فإن طالت بك حياة فلترين الضعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله. ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى. ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة ويطلب من يقبله فلا يجد أحداً يقبله منه.

وفي آخر الحديث قال عدي: فرايت الضعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله. وكنت في من افتتح كنوز كسرى ابن هرمز. ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم يخرج ملء كفه.

غزوة تبوك في رجب من السنة التاسعة للهجرة. إن غزوة فتح مكة كانت غزوة فاصلة بين الحق والباطل، لم يبق بعدها مجال للريبة والظن في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم عند العرب. ولذلك انقلب المجرى تماماً، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، كما سيظهر ذلك مما نقدمه في فصل الوفود، ومن العدد الذي حضر في حجة الوداع. وانتهت المتاعب الداخلية، واستراح المسلمون لتعليم شرائع الله وبث دعوة الإسلام.

سبب الغزوة إلا أنها كانت هناك قوة تعرضت للمسلمين من غير مبرر، وهي قوة الرومان، أكبر قوة عسكرية ظهرت على وجه الأرض في ذلك الزمان. وقد عرفنا فيما تقدم أن بداية هذا التعرض كانت بقتل سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم الحارث بن عمير الأزدي على يدي شرحبيل بن عمرو الغساني حينما كان السفير يحمل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى عظيم بصرى. وأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل بعد ذلك سرية زيد بن حارثة التي اصطدمت بالرومان اصطداماً عنيفاً في مؤتة، ولم تنجح في أخذ الثأر من أولئك الظالمين المتغطرسين، إلا أنها تركت أروع أثر في نفوس العرب قريبهم وبعيدهم.

ولم يكن قيصر ليصرف نظره عما كان لمعركة مؤتة من الأثر الكبير لصالح المسلمين، وعما كان يطمح إليه بعد ذلك كثير من قبائل العرب من استقلالهم عن قيصر ومواطأتهم للمسلمين. إن هذا كان خطراً يتقدم ويخطو إلى حدوده خطوة بعد خطوة، ويهدد الثغور الشامية التي تجاور العرب. فكان يرى أنه يجب القضاء على قوة المسلمين قبل أن تتجسد في صورة خطر عظيم لا يمكن القضاء عليها، وقبل أن تثير القلاقل والثورات في المناطق العربية المجاورة للرومان.

ونظراً إلى هذه المصالح، لم يقضِ قيصر بعد معركة مؤتة سنة كاملة حتى أخذ يهيئ الجيش من الرومان والعرب التابعة لهم من آل غسان وغيرهم، وبدأ يجهز لمعركة دامية فاصلة.

الأخبار العامة عن استعداد الرومان وغسان. وكانت الأنباء تترامى إلى المدينة بأعداد الرومان للقيام بغزوة حاسمة ضد المسلمين، حتى كان الخوف يتسورهم كل حين، لا يسمعون صوتاً غير معتاد إلا ويظنونه زحف الرومان. ويظهر ذلك جلياً مما وقع لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه شهراً في هذه السنة التاسعة للهجرة، وكان هجرهن واعتزل عنهن في مشروب له. ولم يفطن الصحابة إلى حقيقة الأمر في بدايته، فظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم طلقهن، فسري فيهم الهم والحزن والقلق.

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يروي هذه القصة: وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت آتيه أنا بالخبر، وكانا يسكنان في عواري المدينة يتناوبان إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ونحن نتخوف ملكاً من ملوك غسان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه. فإذا إذا صاحب الأنصاري يدق الباب، فقال: افتح افتح. فقلت: جاء الغساني؟ فقال: بل أشد من ذلك، اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه. الحديث.

وفي لفظ آخر أنه قال: وكنا تحدثنا أن آل غسان تنعل النعال لغزونا، فنزل صاحبي يوم نوبته فرجع عشاء فضرب بابي ضرباً شديداً، وقال: أنائم هو؟ ففزعت فخرجت إليه، وقال: حدث أمر عظيم. فقلت: ما هو؟ أجاءت غسان؟ قال: لا، بل أعظم منه وأطول، طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه. الحديث.

وهذا يدل على خطورة الموقف الذي كان يواجهه المسلمون بالنسبة إلى الرومان، ويزيد ذلك تأكداً ما فعله المنافقون حينما نقلت إلى المدينة أخبار إعداد الرومان. فبرغم ما رآه هؤلاء المنافقون من نجاح رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل الميادين، وأنه لا يوجد من سلطان على ظهر الأرض بل يذيب كل ما يعترض في طريقه من عوائق، برغم هذا كله طفق هؤلاء المنافقون يأملون في تحقق ما كانوا يخفونه في صدورهم، وما كانوا يتربصونه من الشر بالإسلام وأهله.

ونظراً إلى قرب تحقق آمالهم، أنشأوا وكراً للدس والتآمر في صورة مسجد، وهو مسجد الضرار، أسسوه كفراً وتفريقاً بين المؤمنين، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله. وعرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي فيه، وإنما مرامهم بذلك أن يخدعوا المؤمنين فلا يفطن ما يؤتى به في هذا المسجد من الدس والمؤامرة ضدهم، ولا يلتفت إلى من يرده ويصدر عنه، فيصير وكراً مأموناً لهؤلاء المنافقين ولرفقائهم في الخارج. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الصلاة فيه إلى قفوله من الغزوة لشغله بالجهاز، ففشلوا في مرماهم وفضحهم الله، حتى قام الرسول صلى الله عليه وسلم بهدم المسجد بعد القفول من الغزو بدل أن يصلي فيه.

الأخبار الخاصة عن استعداد الرومان وغسان. هذه هي الأحوال والأخبار التي يواجهها ويتلقاها المسلمون، إذ بلغهم من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن هرقل قد هيأ جيشاً عرمرماً قوامه 40,000 مقاتل، وأعطى قيادته لعظيم من عظماء الروم، وأنه أجلب معهم قبائل لخم وجذام وغيره ممن تنصرت العرب، وأن مقدمتهم بلغت إلى البلقاء. وهكذا تمثل أمام المسلمين خطر كبير.

زيادة خطورة الموقف. والذي كان يزيد خطورة الموقف أن الزمان كان فصل القيظ الشديد، وكان الناس في عسرة وجذب من البلاء وقلة من الظهر، وكانت الثمار قد طابت، فكانوا يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم فيه. ومع هذا كله كانت المسافة بعيدة والطريق وعرة صعبة.

الرسول صلى الله عليه وسلم يقرر القيام بأقدام حاسم. ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينظر إلى الظروف والتطورات بنظر أدق وأحكم من هذا كله. إنه كان يرى أنه لو توانى وتكاسل عن غزو الرومان في هذه الظروف الحاسمة، وترك الرومان لتجوس خلال المناطق التي كانت تحت سيطرة الإسلام ونفوذه وتزحف إلى المدينة، كان له أسوأ الأثر على الدعوة الإسلامية وعلى سمعة المسلمين العسكرية. فالجاهلية التي تلفظ نفسها الأخير بعدما لاقت من الضربة القاصمة في حنين ستح، والمنافقون الذين يتربصون الدوائر بالمسلمين ويتصلون بملك الرومان بواسطة أبي عامر الفاسق سيبعجون بطون المسلمين بخناجرهم من الخلف، في حين تهجم الرومان بحملة ضارية ضد المسلمين من الأمام. وهكذا يخفق كثير من الجهود التي بذلها هو وأصحابه في نشر الإسلام، وتذهب المكاسب التي حصلوا عليها بعد حروب دامية دامية ودوريات عسكرية متتابعة متواصلة، تذهب هذه المكاسب بغير جدوى.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف كل ذلك جيداً، ولذلك قرر القيام مع ما كان فيه من العسرة والشدة بغزوة فاصلة يخوضها المسلمون ضد الرومان في حدودهم، ولا يمهلونهم حتى يزحفوا إلى دار الإسلام.

الإعلان بالتهيؤ لقتال الرومان. ولما قرر رسول الله صلى الله عليه وسلم الموقف، أعلن في الصحابة أن يتجهزوا للقتال، وبعث إلى القبائل من العرب وإلى أهل مكة يستنفرهم. وكان قل ما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها، ولكنه نظراً إلى خطورة الموقف وإلى شدة العسرة أعلن أنه يريد لقاء الرومان، وجل للناس أمرهم ليأتأهبوا أهبة كاملة، وحظهم على الجهاد. ونزلت قطعة من سورة براءة تثيرهم على الجلاد وتحثهم على القتال، ورغبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في بذل الصدقات وإنفاق كرائم الأموال في سبيل الله.

المسلمون يتسابقون إلى التجهز للغزو. ولم يكن من المسلمين أن سمعوا صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى قتال الروم إلا وتسابقوا إلى امتثاله، فقاموا يتجهزون للقتال بسرعة بالغة، وأخذت القبائل والبطون تهبط إلى المدينة من كل صوب وناحية. ولم يرض أحد من المسلمين أن يتخلف عن هذه الغزوة إلا الذين في قلوبهم مرض، وإلا ثلاثة نفر. حتى كان يجيء أهل الحاجة والفاقة يستحملون رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا إلى قتال الروم، فإذا قال لهم: لا أجد ما أحملكم عليه، تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون.

كما تسابق المسلمون في إنفاق الأموال وبذل الصدقات. كان عثمان بن عفان رضي الله عنه قد جهز عيراً للشام 100 بعير باقتابها وأحلاسها ومئة أوقية، فتصدق بها، ثم تصدق بـ 100 بعير بأحلاسها واقتابها، ثم جاء بـ 1000 دينار فنثرها في حجره صلى الله عليه وسلم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلبها ويقول: ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم. ثم تصدق وتصدق حتى بلغ مقدار صدقته 900 بعير و 100 فرس سوى النقود.

وجاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بـ 200 أوقية فضة، وجاء أبو بكر رضي الله عنه بماله كله ولم يترك لأهله إلا الله ورسوله، وكانت 4000 درهم، وهو أول من جاء بصدقته. وجاء عمر رضي الله عنه بنصف صف ماله، وجاء العباس رضي الله عنه بمال كثير، وجاء طلحة وسعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة رضي الله عنهم كلهم جاؤوا بمال. وجاء عاصم بن عدي رضي الله عنه بتسعين وسقاً من التمر. وتتابع الناس بصدقاتهم قليلها وكثيرها، حتى كان منهم من أنفق مدا أو مدين لم يكن يستطيع غيرها. وبعثت النساء ما قدرن عليه من مسك ومعاضد وخلاخل وقرط وخواتم. ولم يمسك أحد يده ولم يبخل بماله إلا المنافقون الذين يلمزون المتطوعين من المؤمنين في الصدقات، والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم.

الجيش الإسلامي إلى تبوك. وهكذا تجهز الجيش، فاستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، وقيل سباع بن عرفطة، وخلف على أهله علي بن أبي طالب وأمره بالإقامة فيهم. وغمص عليه المنافقون، فخرج فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فرده إلى المدينة وقال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي.

ثم تحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو الشمال يريد تبوك. ولكن الجيش كان كبيراً 3000 مقاتل، لم يخرج المسلمون في مثل هذا الجمع الكبير قبله قط. فلم يستطع المسلمون مع ما بذلوه من الأموال أن يجهزوه تجهيزاً كاملاً، بل كانت في الجيش قلة شديدة بالنسبة إلى الزاد والمراكب، فكان 18 رجلاً يعتقبون بعيراً واحداً، وربما أكلوا أوراق الأشجار حتى تورمت شفاههم، واضطروا إلى ذبح البعير مع قلتها ليشربوا ما في كروشها من الماء. ولذلك سمي هذا الجيش جيش العسرة.

ومر الجيش الإسلامي في طريقه إلى تبوك بالحجر ديار ثمود الذين جابوا الصخر بالوادي، أي وادي القرى، فاستقى الناس من بئرها، فلما راحوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تشربوا من مائها ولا تتوضأوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئاً، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها ناقة صالح عليه السلام.

وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين. ثم قنع رأسه وأسرع بالسير حتى جاز الوادي.

واشتدت في الطريق حاجة الجيش إلى الماء حتى شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا الله فأرسل الله سحابة فأمْطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجاتهم من الماء. ولما قرب من تبوك قال: إنكم تأتون غداً إن شاء الله تعالى عين تبوك، وإنكم لم تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئاً حتى آتي. قال معاذ: فجئنا وقد سبق إلينا رجلان، والعين تنبض بشيء من مائها، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل مستما من مائها شيئاً؟ قالا: نعم. وقال لهما ما شاء الله أن يقول. ثم غرف من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع الوشل، ثم غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وجهه ويده، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشك يا معاذ أن طالت بك حياة أن ترى ما ها قد ملئ جناناً.

وفي الطريق أو لما بلغ تبوك على اختلاف الروايات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقم أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عقاله. فهبت ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طي. وكان دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطريق أنه كان يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء جمع تقديم وجمع تأخير كليهما.

الجيش الإسلامي بتبوك. نزل الجيش الإسلامي بتبوك، فعسكر هناك وهو مستعد للقاء العدو. وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم خطيباً، فخطب خطبة بليغة أتى بجوامع الكلم، وحظ على خير الدنيا والآخرة، وحذر وأنذر وبشر وأبشر، حتى رفع معنوياتهم وجبر بها ما كان فيهم من النقص والخلل من حيث قلة الزاد والمادة والمؤنة.

وأما الرومان وحلفاؤهم، فلما سمعوا بزحف رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذهم الرعب، فلم يجترئوا على التقدم واللقاء، بل تفرقوا في البلاد في داخل حدودهم، فكان لذلك أحسن أثر بالنسبة إلى سمعة المسلمين العسكرية في داخل الجزيرة العربية وأرجائها النائية، وحصل بذلك المسلمون على مكاسب سياسية كبيرة خطيرة بما لم يكونوا يحصلون عليها لو وقع هناك اصطدام بين الجيشين.

جاء يحنة بن روبة صاحب أيلة، فصالح الرسول صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية، وأتاه جرباء وأهل أذرع، فأعطوه الجزية، وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً فهو عندهم. وكتب لصاحب أيلة: بسم الله الرحمن الرحيم. هذه آمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة ابن روبة وأهل أيلة سفنهم وسياراتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة محمد النبي ومن كان معه من أهل الشام وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثاً فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقاً يريدونه من بر أو بحر.

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة الجندل في 420 فارساً، وقال له: إنك ستجده يصيد البقر. فأتاه خالد، فلما كان من حصنه بمنظر العين خرجت بقرة تحك بقرونها باب القصر، فخرج أكيدر لصيده، وكانت ليلة مقمرة، فتلقاه خالد في خيله فأخذه وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحقق دمه وصالحه على 1000 بعير و 800 رأس و 400 درع و 400 رمح، وأقر بإعطاء الجزية، فقاضاه مع يحنة على قضية دومة وتبوك وأيلة وتيماء. وأيقنت القبائل التي كانت تعمل لحساب الرومان أن اعتمادها على سادتها الأقدمين قد فات أوانه، فانقلبت لصالح المسلمين. وهكذا توسعت حدود الدولة الإسلامية حتى لاقت حدود الرومان مباشرة، وشهد عملاء الرومان نهايتهم إلى حد كبير.

الرجوع إلى المدينة. ورجع الجيش الإسلامي من تبوك مظفرين منصورين لم ينالوا كيداً، وكفى الله المؤمنين القتال. وفي الطريق عند عقبة حاول 12 رجلاً من المنافقين الفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه حينما كان يمر بتلك العقبة كان معه عمار يقود بزمام ناقته، وحذيفة بن اليمان يسوقها، وأخذ الناس ببطن الوادي، فانتهز أولئك المنافقون هذه الفرصة، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه يسيران إذ سمعوا وكزة القوم من ورائهم قد غشوه وهم ملتون، فبعث حذيفة فضرب وجوه رواحلهم بمحجن كان معه، فأرغم الله، فأسْرَعُوا في الفرار حتى لحقوا بالقوم، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسمائهم وبما هموا به، فلذلك كان حذيفة يسمى بصاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي ذلك يقول الله تعالى: وهموا بما لم ينالوا.

ولما لاحت للنبي صلى الله عليه وسلم معالم المدينة من بعيد، قال: هذه طابة، وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه. وتسامع الناس بمقدمه، فخرج النساء والصبيان والولائد يقابلن الجيش بحفاوة بالغة، ويقلن: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع، وجب الشكر علينا ما دعا لله داع. وكان خروجه صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في رجب، وعوده في رمضان، واستغرقت هذه الغزوة 50 يوماً، أقام منها 20 يوماً في تبوك، والبواقي قضاها في الطريق جيئة وذهاباً.

وكانت هذه الغزوة آخر غزواته صلى الله عليه وسلم. المخلفون. وكانت هذه الغزوة لظروفها الخاصة بها اختباراً شديداً من الله تعالى امتاز به المؤمنون من غيرهم، كما هو دأب الله تعالى في مثل هذه المواطن حيث يقول: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب. فقد خرج لهذه الغزوة كل من كان مؤمناً صادقاً، حتى صار التخلف أمارة على نفاق الرجل، فكان الرجل إذا تخلف وذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لهم: دعوه، فإن يكن فيه خير سيلحقه الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم منه. فلم يتخلف إلا من حبسهم العذر، أو الذين كذبوا الله ورسوله من المنافقين الذين قعدوا بعد أن استأذنوا للقعود كذباً، أو قعدوا ولم يستأذنوا رأساً. نعم، كان هناك ثلاثة نفر من المؤمنين الصادقين تخلفوا من غير مبرر، وهم الذين ابتلاهم الله ثم تاب عليهم.

ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم جلس للناس. فأما المنافقون وهم بضعة وثلاثون رجلاً، فجاؤوا يعتذرون بأنواع شتى من الأعذار، وطفقوا يحلفون له، فقبل منهم علاتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله. وأما النفر الثلاثة من المؤمنين الصادقين وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، فاختاروا الصدق، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة ألا يكلموا هؤلاء الثلاثة، وجرت ضد هؤلاء الثلاثة مقاطعة شديدة، وتغير لهم الناس حتى تنكرت لهم الأرض وضاقت عليهم بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، وبلغت بهم الشدة أنهم بعد أن قضوا 40 ليلة من بداية المقاطعة أمروا أن يعتزلوا نساءهم، حتى تمت على مقاطعتهم 50 ليلة.

ثم أنزل الله توبتهم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم. وفرح المسلمون وفرح الثلاثة فرحاً لا يقاس مداه وغايته، فبشروا وأبشروا واستبشروا وأجازوا وتصدقوا، وكان أسعد يوم من أيام حياتهم.

وأما الذين حبسهم العذر، فقد قال الله تعالى فيهم: ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله. وقال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دنا من المدينة: إن بالمدينة رجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم العذر. قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة.

أثر الغزوة. وكان لهذه الغزوة أعظم أثر في بسط نفوذ المسلمين وتقويته على جزيرة العرب، فقد تبين للناس أنه ليس لأي قوة من القوات أن تعيش في العرب سوى قوة الإسلام، وبطلت بقايا أمل وأمنية كانت تتحرك في قلوب بقايا الجاهليين والمنافقين الذين كانوا يتربصون الدوائر بالمسلمين، وكانوا قد عقدوا آمالهم بالرومان، فقد استكانوا بعد هذه الغزوة واستسلموا للأمر الواقع الذي لم يجدوا عنه محيصاً ولا مناصاً. ولذلك لم يبق للمنافقين أن يعاملهم المسلمون بالرفق واللين، وقد أمر الله بالتشديد عليهم حتى نهى عن قبول صدقاتهم وعن الصلاة عليهم والاستغفار لهم والقيام على قبورهم، وأمر بهدم وكره دسهم وتآمرهم التي بنوها باسم المسجد، وأنزل فيهم آيات افتضحوا بها افتضاحاً تاماً لم يبق في معرفتهم بعدها أي خفاء. كان الآيات قد نصت على أسمائهم لمن يسكن المدينة ويعرف مدى أثر هذه الغزوة.

من أن العرب وإن كانت قد أخذت في التوافد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد غزوة فتح مكة بل وما قبلها، إلا أن تتابع الوفود وتكاثرها بلغ إلى القمة بعد هذه الغزوة.

نزول القرآن الكريم حول موضوع الغزوة. نزلت آيات كثيرة من سورة براءة حول موضوع الغزوة، نزل بعضها قبل الخروج، وبعضها بعد الخروج وهو في السفر، وبعض آخر منها بعد الرجوع إلى المدينة. وقد اشتملت على ذكر ظروف الغزوة وفضح المنافقين وفضل المجاهدين والمخلصين وقبول التوبة من المؤمنين الصادقين الخارجين منهم في الغزوة والمتخلفين، إلى غير ذلك من الأمور.

بعض الوقائع المهمة في هذه السنة. وفي هذه السنة وقعت عدة وقائع لها أهمية في التاريخ:

أولاً: بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، وقع اللعان بين عويمر العجلاني وامرأته.

ثانياً: رجمت المرأة الغامدية التي جاءت فاعترفت على نفسها بالفاحشة، رجمت بعدما فطمت ابنها.

ثالثاً: توفي النجاشي أصحمة ملك الحبشة، وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب.

رابعاً: توفيت أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم، فحزن عليها حزناً شديداً وقال لعثمان: لو كانت عندي ثالثة لزوجتكها.

خامساً: مات رأس المنافقين عبد الله بن أبي بعد مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، فاستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى عليه بعد أن حاول عمر رضي الله عنه منعه عن الصلاة عليه. وقد نزل القرآن بعد ذلك بموافقة عمر.

حج أبي بكر رضي الله عنه. وفي ذي القعدة أو ذي الحجة من نفس السنة التاسعة للهجرة، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه أميراً على الحج ليقيم بالمسلمين المناسك، ثم نزلت أوائل سورة براءة بنقض المواثيق ونبذها على سواء، فبعث رسول الله صلى الله عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليؤدي عنه ذلك، وذلك تمشياً منه على عادة العرب في عهود الدماء والأموال. فالتقى علي بأبي بكر رضي الله عنهما بالعرج أو بضجنان، فقال أبو بكر: أمير أم مأمور؟ قال علي: لا، بل مأمور. ثم مضيا، وأقام أبو بكر للناس حجهم، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب عند الجمرة فأذن في الناس بالذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده، وأجل لهم أربعة شهور، وكذلك أجل أربعة أشهر لمن لم يكن له عهد. وأما الذين لم ينقصوا المسلمين شيئاً ولم يظاهروا عليهم أحداً، فأبقى عهدهم إلى مدتهم. وبعث أبو بكر رضي الله عنه رجالاً ينادون في الناس: ألا لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. وكان هذا النداء بمثابة إعلان نهاية الوثنية في جزيرة العرب، وأنها لا تبدئ ولا تعيد بعد هذا العام.

نظرة على الغزوات. إذا نظرنا إلى غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وبعوثه وسراياه، لا يمكن لنا ولا لأحد ممن ينظر في أوضاع الحروب وآثارها وخلفياتها، لا يمكن لنا إلا أن نقول إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكبر قائد عسكري في الدنيا وأسدهم وأعمقهم فراسة وتيقظاً. إنه صاحب عبقرية فذة في هذا الوصف، كما كان سيد الرسل وأعظمهم في صفة النبوة والرسالة. فلم يأخذ معركة من المعارك إلا في الظرف ومن الجهة اللذين يقتضيهما الحزم والشجاعة والتدبير، ولذلك لم يفشل في أي معركة من المعارك التي خاضها لغلطة في الحكمه وما إليها من تعبئة الجيش وتعيينه على المراكز الاستراتيجية واحتلال أفضل المواضع وأوثقها للمجابهة واختيار أفضل خطة لإدارة دفة القتال. بل أثبت في كل ذلك أن له نوعاً آخر من القيادة غير ما عرفته وتعرف الدنيا في القوات.

ولم يقع ما وقع في أحد وحنين إلا من بعض الضعف في أفراد الجيش في حنين، أو من جهة معصيتهم أوامره وتركهم التقيد والالتزام بالحكمة والخطّة اللتين كان أوجبهما عليهم من حيث الوجهة العسكرية. وقد تجلت عبقريته صلى الله عليه وسلم في هاتين الغزوتين عندها هزيمة المسلمين، فقد ثبت مجابهاً للعدو، واستطاع بحكمته الفذة أن يخيبهم في أهدافهم كما فعل في أحد، أو يغير مجرى الحرب حتى يبدل الهزيمة انتصاراً كما في حنين، مع أن مثل هذا التطور الخطير ومثل هذه الهزيمة الساحقة تأخذ بمشاعر القواد وتترك على أعصابهم أسوأ أثر لا يبقى لهم بعد ذلك إلا هم النجاة بأنفسهم.

هذه هي من ناحية القيادة العسكرية الخالصة. أما من نواح أخرى، فإنه استطاع بهذه الغزوات فرض الأمن وبسط السلام وإطفاء نار الفتنة وكسر شوكة الأعداء في صراع الإسلام والوثنية وإلجائهم إلى المصالحة وتخلية السبيل لنشر الدعوة، كما استطاع أن يميز المخلصين من أصحابه عمن هو يبطن النفاق ويضمر نوازع الغدر والخيانه. وقد أنشأ طائفة كبيرة من القواد الذين لاقوا بعده الفرس والرومان في ميادين العراق والشام، ففاقوهم في تخطيط الحروب وإدارة دفة القتال حتى استطاعوا إجلاءهم من أرضهم وديارهم وأموالهم من جنة جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين.

كما استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم بفضل هذه الغزوات أن يوفر السكنى والأرض والحرف والمشاغل للمسلمين حتى تفصَّى الذين لم يكن لهم مال ولا دار، وهيأ السلاح والكراع والعدة والنفقة، حصل على كل ذلك من غير أن يقوم بمثقال ذرة من الظلم والطغيان والبغي والعدوان على عباد الله. وقد غير أغراض الحروب وأهدافها التي كانت تضطرم نار الحرب لأجلها في الجاهلية، فبينما كانت الحرب عبارة عن النهب والسلب والقتل والإغارة والظلم والبغي والعدوان وأخذ الثأر والفوز بالوتر وكبت الضعيف وتخريب العمران وتدمير البنيان وهتك حرمات النساء والقسوة بالضعاف والولائد والصبيان وإهلاك الحرث والنسل والعبث والفساد في الأرض في الجاهلية، إذ سارت سارت هذه الحرب في الإسلام جهاداً في تحقيق أهداف نبيلة وأغراض سامية وغايات محمودة يعتز بها المجتمع الإنساني في كل زمان ومكان.

فقد صارت الحرب جهاداً في تخليص الإنسان من نظام القهر والعدوان إلى نظام العدالة والإنصاف، من نظام يأكل فيه القوي الضعيف إلى نظام يصير فيه القوي ضعيفاً حتى يؤخذ منه. وصارت جهاداً في تخليص المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً. وصارت جهاداً في تطهير أرض الله من الغدر والخيانه والإثم والعدوان إلى بسط الأمن والسلامة والرافة والرحمة ومراعاة الحقوق والمروءة.

كما شرع للحروب قواعد شريفة ألزم التقيد بها على جنوده وقواده ولم يسمح لهم الخروج عنها بحال. روى سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله عز وجل ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً. الحديث.

وكان يأمر بالتيسير ويقول: يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا. وكان إذا جاء قوماً بليل لم يغر عليهم حتى يصبح، ونهى أشد النهي عن التحريق في النار، ونهى عن قتل الصبر وقتل النساء وضربهن، ونهى عن النهب حتى قال: إن النهب ليست بأحل من الميتة، ونهى عن إهلاك الحرث والنسل وقطع الأشجار إلا إذا اشتدت إليها الحاجة ولا يبقى سواه سبيل. وقال عند فتح مكة: لا تجهزن على جريح ولا تتبعن مدبراً ولا تقتلن أسيراً. وأمضى السنة بأن السفير لا يقتل، وشدد في النهي عن قتل المعاهدين حتى قال: من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة أربعين عاماً. إلى غير ذلك من القواعد النبيلة التي طهرت الحروب من أدران الجاهلية حتى جعلتها جهاداً مقدساً.

الناس يدخلون في دين الله أفواجاً. كانت غزوة فتح مكة كما قلنا معركة فاصلة قضت على الوثنية قضاءً باتاً، عرفت العرب لأجلها الحق من الباطل وزالت عنهم الشبهات، فتسارعوا إلى اعتناق الإسلام. قال عمرو بن سلمة: كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان، فنسألهم: ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ أي النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله أوحى إليه أوحى الله كذا. فكنت أحفظ ذاك الكلام، فكانما يقرأ في صدري. وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق. فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدأ قومي بإسلامهم. فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي صلى الله عليه وسلم حقاً. فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآناً. الحديث.

وهذا الحديث يدل على مدى أثر فتح مكة في تطوير الظروف وتعزيز الإسلام وتعيين الموقف للعرب واستسلامهم للإسلام، وتأكد ذلك أي تأكد بعد غزوة تبوك. ولذلك نرى الوفود تقصد المدينة تترى في هذين العامين التاسع والعاشر، ونرى الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، حتى إن الجيش الإسلامي الذي كان قوامه 100 ألف مقاتل في غزوة الفتح، إذا هو يزخر في 30 ألف مقاتل في غزوة تبوك قبل أن يمضي على فتح مكة عام كامل. ثم نرى في حجة الوداع بحراً من رجال الإسلام 100,000 من الناس أو 144,000 منهم يموج حول رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتلبية والتكبير والتسبيح والتحميد، تدوي له الآفاق وترتج له الأرجاء.

الوفود والوفود التي سردها أهل المغازي يزيد عددها على 70 وفداً، ولا يمكن لنا استقصاؤها، وليس كبير فائدة في بسط تفاصيلها، وإنما نذكر منها إجمالاً ما له روعة أو أهمية في التاريخ. وليكن على ذكر من القارئ أن وفادة عامة القبائل وإن كانت بعد الفتح، ولكن هناك قبائل توافدت قبله أيضاً.

أولاً: وفد عبد القيس. كانت لهذه القبيلة وفادتان: الأولى سنة خمس من الهجرة أو قبل ذلك، كان رجل منهم يقال له منقذ ابن حيان يرد المدينة بالتجارة، فلما جاء المدينة بتجارته بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وعلم بالإسلام أسلم وذهب بكتاب من النبي صلى الله عليه وسلم إلى قومه فاسلموا، فتوافدوا إليه في شهر حرام في 13 أو 14 رجلاً، وفيها سألوه عن الإيمان وعن الأشربة، وكان كبيرهم الأشج العصري الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأنَاة. والوفادة الثانية كانت في سنة الوفود، وكان عددهم فيها 40 رجلاً، وكان فيهم الجارود ابن العلاء العبدي، وكان نصرانياً فأسلم وحسن إسلامه.

ثانياً: وفد دوس. كانت وفادة هذه القبيلة في أوائل سنة سبع ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر. وقد قدمنا حديث إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي وأنه أسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم رجع إلى قومه فلم يزل يدعوهم إلى الإسلام ويبطئون عليه حتى يئس منهم ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلب منه أن يدعو على دوس، فقال: اللهم اهد دوس، أسلم هؤلاء. فوفد الطفيل بسبب أو 80 بيتاً من قومه إلى المدينة في أوائل سنة سبع ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فلحق به.

ثالثاً: رسول فروة بن عمرو الجذامي. كان ثروة قائداً عربياً من الرومان عاملاً لهم على من يليهم من العرب، وكان منزله معان وما حوله من أرض الشام. أسلم بعدما رأى من جلاد المسلمين وشجاعتهم وصدقهم اللقاء في معركة مؤتة من السنة الثامنة للهجرة. ولما أسلم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولاً بإسلامه وأهدى له بغلة بيضاء. ولما علم الروم بإسلامه أخذوه فحبسوه، ثم خيروه بين الردة والموت، فاختار الموت على الردة، فصلبوه بفلسطين على ماء يقال له عفراء وضربوا عنقه.

رابعاً: وفد صداء. جاء هذا الوفد عقب صرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة من السنة الثامنة للهجرة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هيأ بعثاً من 400 من المسلمين وأمرهم أن يطأوا ناحية من اليمن فيها صداء. وبينما ذلك البعث معسكر بصدر قناة علم به زياد بن الحارث الصدائي، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: جئتك وافداً على من ورائي، فأرد الجيش وأنا لك بقومي. فرد الجيش من صدر قناة، وجاء الصدائي إلى قومه فرغبهم في القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عليه 15 رجلاً منهم وبايعوه على الإسلام، ثم رجعوا إلى قومهم فدعوهم، ففشى فيهم الإسلام، فواثى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم 100 رجل في حجة الوداع.

خامساً: قدوم كعب بن زهير بن أبي سلمى. كان من بيت الشعراء ومن أشعر العرب، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم. فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة الطائف من السنة الثامنة للهجرة، كتب إلى كعب بن زهير أخوه بجير بن زهير: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجالاً بمكة ممن كانوا يهجونه ويؤذونه، ومن بقي من شعراء قريش هربوا في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يقتل أحداً جاء تائباً، وإلا فانج إلى نجاتك. ثم جرى بين الأخوين مراسلات ضاقت لأجلها الأرض على كعب وأشفق على نفسه، فجاء المدينة ونزل على رجل في جهينة وصلى معه الصبح، فلما انصرف أشار عليه الجهني، فقام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس إليه، فوضع يده في يده، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفه، فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائباً مسلماً، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال: نعم. قال: أنا كعب بن زهير. فوثب عليه رجل من الأنصار يستأذن ضرب عنقه، فقال: دعه عنك، فإنه قد جاء تائباً نازعاً عما كان عليه. وحينئذ أنشد كعب قصيدته المشهورة التي أولها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول. قال فيها وهو يعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمدحه:

نبئت أن رسول الله أوعدني

والعفو عند رسول الله مأمول

مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة

القرآن فيها مواعيظ وتفصيل

لا تأخذن بأقوال الوشاة ولم

أذنب ولو كثرت في الأقاويل

لقد أقوم مقاماً لو يقوم به

أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل

لظل يرعد إلا أن يكون له

من الرسول بإذن الله تنويل

حتى وضعت يميني ما أنازعه

في كف ذي نقمات قيله القيل

فهو أخوف عندي إذ أكلمه

وقيل إنك منسوب ومسؤول

من ضيغم بضراء الأرض مخدرة

في بطن عفر غيل دونه غيل

إن الرسول لنور يستضاء به

مهند من سيوف الله مسلول

ثم مدح المهاجرين من قريش لأنهم لم يكن تكلم منهم رجل في كعب حين جاء إلا بخير. وعرض في أثناء مدحهم على الأنصار لاستئذان رجل منهم في ضرب عنقه، قال: يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم

ضرب إذا عرض السود التنابيل.

فلما أسلم وحسن إسلامه مدح الأنصار في قصيدة له وتدارك ما كان قد فرط منه في شأنهم، قال في تلك القصيدة: من سره كرم الحياة فلا يزل

في مقنب من صالح الأنصار

ورثوا المكارم كابراً عن كابر

إن الخيار هم بنو الخيار.

سادساً: وفد عذرة. قدم هذا الوفد في صفر من السنة التاسعة للهجرة، وهم 12 رجلاً فيهم حمزة بن النعمان. قال متكلمهم حين سئلوا من القوم: نحن بنو عذرة، أخوة قصي لأمه، نحن الذين عضدوا قصياً وأزاحوا من بطن مكة خزاعة وبني بكر، لنا قرابات وأرحام. فرحب بهم النبي صلى الله عليه وسلم وبشرهم بفتح الشام، ونهاهم عن سؤال الكاهنة وعن الذبائح التي كانوا يذبحونها. أسلموا وأقاموا أياماً ثم رجعوا.

سابعاً: وفد بلي. قدم في ربيع الأول من السنة التاسعة للهجرة، وأسلم وأقام بالمدينة ثلاثاً. وقد سأل رئيسهم أبو الضبيب عن الضيافة هل فيها أجر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، وكل معروف صنعته إلى غني أو فقير فهو صدقة. وسأل عن وقت الضيافة فقال: ثلاثة أيام. وسأل عن ضالة الغنم فقال: هي لك أو لأخيك أو للذئب. وسأل عن ضالة البعير فقال: ما لك وله، دعه حتى يجده صاحبه.

ثامناً: وفد ثقيف. كانت وفادتهم في رمضان من السنة التاسعة للهجرة بعد مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك. وقصة إسلامه أن رئيسهم عروة بن مسعود الثقفي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مرجعه من غزوة الطائف في ذي القعدة من السنة الثامنة للهجرة قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم عروة ورجع إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام وهو يظن أنهم يطيعونه لأنه كان سيداً مطاعاً في قومه وكان أحب إليهم من أبكارهم. فلما دعاهم إلى الإسلام رموه بالنبل من كل وجه حتى قتلوه. ثم أقاموا بعد قتله أشهراً، ثم آواهم ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب الذين كانوا قد بايعوا وأسلموا، فاجمعوا أن يرسلوا رجلاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلموا عبد الله بن عمر وعرضوا عليه ذلك، فأبى وخاف أن يصنعوا به إذا رجع مثل ما صنعوا بعروة، وقال: لست فاعلاً حتى ترسلوا معي رجالاً. فبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك، فصاروا ستة فيهم عثمان بن أبي العاص الثقفي، وكان أحدثهم سناً.

فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عليهم قبة في ناحية المسجد لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا، ومكثوا يختلفون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعوهم إلى الإسلام حتى سأل رئيسهم أن يكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قضية صلح بينه وبين ثقيف يأذن لهم فيها بالزنا وشرب الخمور وأكل الربا، ويترك لهم طاغيتهم الله، وأن يعفيهم من الصلاة، وأن يكسروا أصنامهم بأيديهم. فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبل شيئاً من ذلك، فخلوا وتشاوروا، فلم يجدوا محيصاً عن الاستسلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستسلموا وأسلموا واشترطوا أن يتولى رسول الله صلى الله عليه وسلم هدمها، وأن ثقيفاً لا يهدمونها بأيديهم أبداً، فقبل ذلك وكتب لهم كتاباً وأمر عليهم عثمان بن أبي العاص الثقفي لأنه كان أحرسهم على التفقه في الإسلام وتعلم الدين والقرآن، وذلك أن الوفد كانوا كل يوم يغدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخلفون عثمان بن أبي العاص في رحالهم، فإذا رجعوا وقالوا بالهاجرة عمد عثمان بن أبي العاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقرأه القرآن وسأله عن الدين، وإذا وجده نائماً عمد إلى أبي بكر رضي الله عنه لنفس الغرض. وكان من أعظم الناس بركة لقومه في زمن الردة، فإن ثقيفاً لما عزمت على الردة قال لهم: يا معشر ثقيف، كنتم آخر الناس إسلاماً فلا تكونوا أول الناس ردة. فامتنعوا عن الردة وثبتوا على الإسلام.

ورجع الوفد إلى قومه فكتمهم الحقيقة وخوفهم بالحرب والقتال وأظهر الحزن والكآبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألهم الإسلام وترك الزنا والخمر والربا وغيرها، وألا يقاتلهم. فأخذت ثقيف النخوة الجاهلية، فمكثوا يومين أو ثلاثة يريدون القتال، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب وقالوا للوفد: ارجعوا إليه فأعطوه ما سأل. وحينئذ أبدى الوفد حقيقة حقيقة الأمر وأظهروا ما صالحوا عليه، فأسلمت ثقيف. وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالاً لهدم اللات أمر عليهم خالد بن الوليد، فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكرزين وقال لأصحابه: والله لا أضحكنكم من ثقيف، فضرب بالكرزين ثم سقط يركض فارتج أهل الطائف وقالوا: أبعد الله المغيرة قتلته الرهبة. فوثب المغيرة فقال: قبحكم الله إنما هي لكاع حجارة ومدر، ثم ضرب الباب فكسره، ثم علا على سورها وعلى الرجال فهدموها وسووها بالأرض حتى حفروا أساسها وأخرجوا حليها ولباسها، فبهتت ثقيف ورجع خالد مع مفرزته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليها وكسوتها، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه وحمد الله على نصره نبيه وإعزاز دينه.

تاسعاً: رسالة ملوك اليمن. وبعد مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك قدم كتاب ملوك حمير وهم حارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان بن قيل ذي رعين وهمدان ومعافر ورسولهم إليه صلى الله عليه وسلم مالك بن مرة الرهاوي، بعثوه بإسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله، وكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً بين فيهما للمؤمنين وما عليهم، وأعطى فيهم المعاهدين ذمة الله وذمة رسوله إذا أعطوا ما عليهم من الجزية، وبعث إليهم رجالاً من أصحابه أميرهم معاذ بن جبل.

عاشراً: وفد همدان. قديم في

السنة التاسعة للهجرة. بعد مرجعه صلى الله عليه وسلم من تبوك، فكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً أقطعهم فيه ما سألوا، وأمر عليهم مالك بن النمط، واستعمله على من أسلم من قومه، وبعث إلى سائرهم خالد بن الوليد يدعوهم إلى الإسلام، فأقام ستة أشهر يدعوهم فلم يجيبوه، ثم بعث علي بن أبي طالب وأمره أن يقفل خالداً، فجاء علي إلى همدان وقرأ عليهم كتاباً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام فأسلموا جميعاً، وكتب علي ببشارة إسلامهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قرأ الكتاب خر ساجداً، ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان، السلام على همدان.

11. وفد بني فزارة. قدم هذا الوفد في السنة التاسعة للهجرة بعد مرجعه صلى الله عليه وسلم من تبوك، قدم في بضعة عشر رجلاً، جاؤوا مقرين بالإسلام وشكوا جدب بلادهم، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فرفع يديه واستسقى وقال: اللهم اسق بلادك وبهائمك وانشر رحمتك واحي بلدك الميت، اسقنا غيثاً مغيثاً مريحاً مريعاً طبقاً واسعاً عاجلاً غير آجل نافعاً غير ضار، اللهم اسق يا رحمة لا تسق يا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء.

ثاني عشر. وفد نجران. نجران بفتح النون وسكون الجيم بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن، كان يشتمل على 73 قرية مسيرة يوم للراكب السريع، وكان يؤلف 100,000 مقاتل، كانوا على دين المسيحية، وكانت وفادة أهل نجران سنة تسع للهجرة، وقوام الوفد 60 رجلاً منهم 24 من الأشراف، فيهم ثلاثة كانت إليهم زعامة أهل نجران، أحدهم العاقب كانت إليه الإمارة والحكومة واسمه عبد المسيح، والثاني السيد كانت تحت إشرافه الأمور الثقافية والسياسية واسمه الأيهم أو شرحبيل، والثالث الأسقف وكانت إليه الزعامة الدينية والقيادة الروحانية واسمه أبو حارثة بن علقمة.

ولما نزل الوفد بالمدينة ولقي النبي صلى الله عليه وسلم سألهم وسألوه، ثم دعاهم إلى الإسلام وتلى عليهم القرآن فامتنعوا، وسألوه عما يقول في عيسى عليه السلام، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم يومه ذلك حتى نزل عليه: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين.

ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرهم بقوله في عيسى بن مريم في ضوء هذه الآية الكريمة، وتركهم ذلك اليوم ليفكروا في أمرهم، فأبوا أن يقروا بما قال في عيسى، فلما أصبحوا وقد أبوا عن قبول ما عرض عليهم من قوله في عيسى وأبوا عن الإسلام دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة، وأقبل مشتملًا على الحسن والحسين في خُمٍّ له وفاطمة تمشي عند ظهره، فلما رأوا منه الجد والتهيؤ خلوا وتشاوروا، فقال كل من العاقب والسيد للآخر: لا تفعل، فوالله إن كان نبياً فلا عنّنا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا فلا يبقى على وجه الأرض منا شعرة ولا ظفر إلا هلك، ثم اجتمع رأيهم على تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرهم، فجاؤوا وقالوا: إنا نعطيك ما سألتنا، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الجزية وصالحهم على ألف حلة، ألف في رجب وألف في صفر، ومع كل حلة أوقية، وأعطاهم ذمة الله وذمة رسوله، وترك لهم الحرية الكاملة في دينهم، وكتب لهم بذلك كتاباً، وطلبوا منه أن يبعث عليهم رجلاً أميناً، فبعث عليهم أمين هذه الأمة أبا عبيدة ابن الجراح ليقبض مال الصلح، ثم طفق الإسلام يفشو فيهم، فقد ذكروا أن السيد والعاقب أسلما بعدما رجعا إلى نجران، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم علياً ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم، ومعلوم أن الصدقة إنما تؤخذ من المسلمين.

ثالث عشر. وفد بني حنيفة. كانت وفادتهم في سنة التاسعة للهجرة، وكانوا 17 رجلاً فيهم مسيلمة الكذاب، وهو مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب بن الحارث الحارث من بني حنيفة، نزل هذا الوفد في بيت رجل من الأنصار، ثم جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا، واختلفت الروايات في مسيلمة الكذاب، ويظهر بعد التأمل في جميعها أن مسيلمة صدر منه الاستنكاف والأنفة والاستكبار والطموح إلى الإمارة، وأنه لم يحضر مع سائر الوفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد استئلافه بالإحسان بالقول والفعل أولاً، فلما رأى أن ذلك لا يجدي فيه نفعاً تفرس فيه الشر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أُري قبل ذلك في المنام أنه أُتي بخزائن الأرض فوقع في يديه سواران من ذهب فكبر عليه وأهمه، فأوحى إليه أن انفخهما فنفخهما فذهبا، فأولهما كذابين يخرجان من بعده.

فلما صدر من مسيلمة ما صدر من الاستنكاف، وقد كان يقول إن جُعل لي محمد الأمر من بعده تبعته، جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده قطعة من جريد ومعه خطيبه ثابت بن قيس بن شماس حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فكلمه فقال له مسيلمة: إن شئت خلينا بينك وبين أمر ثم جعلته لنا بعدك، فقال: لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، والله إني لأراك الذي أُريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت يجيبك عني، ثم انصرف.

وأخيراً وقع ما تفرس فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فإن مسيلمة لما رجع إلى اليمامة بقي يفكر في أمره حتى ادعى أنه أُشرك في الأمر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فادعى النبوة وجعل يسجع السجعات، وأحل لقومه الخمر والزنا، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نبي، وافتتن به قومه فتبعوه وأصفقوا معه حتى تفاقم أمره، فكان يقال له رحمن اليمامة لعظم قدره فيهم، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً قال فيه: إنّي أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأمر ولقريش نصف الأمر، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب قال فيه: إن الأرض لله يورث من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.

وعن ابن مسعود قال: جاء ابن النواحة وابن أثال رسولا مسيلمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهما: أتشهدان أني رسول الله؟ فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمنت بالله ورسول رسوله، لو كنت قاتل رسولاً لقتلتكما. كان ادعاء مسيلمة النبوة سنة عشر، وقتل في حرب اليمامة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه في ربيع الأول من السنة الثانية عشرة للهجرة، قتله وحشي قاتل حمزة.

وأما المتنبئ الثاني وهو الأسود العنسي الذي كان باليمن، فقتله له فيروز واحتز رأسه قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيوم وليلة، فاتاه الوحي فأخبر به أصحابه، ثم جاء الخبر من اليمن إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

رابع عشر. وفد بني عامر بن صعصعة. كان فيهم عامر بن الطفيل عدو الله، وأربد بن قيس أخو لبيد لأمه، وخالد بن جعفر، وجبار بن أسلم، وكانوا رؤساء القوم وشياطينهم، وكان عامر هو الذي غدر بأصحاب بئر معونة، فلما أراد هذا الوفد أن يقدم المدينة تآمر عامر وأربد واتفقا على الفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاء الوفد جعل عامر يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، ودار أربد خلفه واختط سيفه شبراً، ثم حبس الله يده فلم يقدر على سله، وعصم الله نبيه ودعا عليهما النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رجعا أرسل الله على أربد وجمله صاعقة فأحرقته، وأما عامر فنزل على امرأة سلولية فأصيب بغدة في عنقه فما مات وهو يقول: أغدة كغدة البعير وموتاً في بيت السلولية.

وفي صحيح البخاري أن عامراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخيرك بين خصال ثلاث: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء، فطعن في بيت امرأة فقال: أغدة كغدة البعير في بيت امرأة من بني فلان، أيْتُوني بفرسي، فركب فمات على فرسه.

15. وفد تجيب. قدم هذا الوفد بصدقات قومه مما فضل عن فقرائهم، وكان الوفد 13 رجلاً، وكانوا يسألون عن القرآن والسنن يتعلمونهما، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء فكتب لهم بها، ولم يطيلوا اللبث، ولما أجازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثوا إليه غلاماً كانوا خلفوه في رحالهم، فجاء الغلام وقال: والله ما أعملني من بلادي إلا أن تسأل الله عز وجل أن يغفر لي ويرحمني وأن يجعل غناي في قلبي، فدعا له بذلك فكان أقنع الناس وثبت في الردة على الإسلام، وذكر قومه ووعظهم فثبتوا عليه، والتقى أهل الوفد بالنبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى في حجة الوداع من السنة العاشرة للهجرة.

16. وفد طيء. قدم هذا الوفد فيهم زيد الخيل، فلما كلموا النبي صلى الله عليه وسلم وعرض عليهم الإسلام أسلموا وحسن إسلامهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيد: ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل فإنه لم يبلغ كل ما فيه، وسماه زيد الخير.

وهكذا تتابعت الوفود إلى المدينة في سنتي تسع وعشر، وقد ذكر أهل المغازي والسير منها وفود أهل اليمن والأزد وبني سعد هذيم من قضاعة وبني عامر بن قيس وبني أسد وبهراء وخولان ومحارب وبني الحارث بن كعب وغامد وبني المنتفق وسلامان وبني عبس ومزينة ومراد وزبيد وكندة وذي مرة وغسان وبني عيش ونخع، وهو آخر الوفود توافد في منتصف محرم من السنة الحادية عشرة للهجرة في 200 رجل، وكانت وفادة الأغلبية من هذه الوفود سنة تسع، وقد تأخرت وفادة بعضها إلى السنة الحادية عشرة، وتتابع هذه الوفود يدل على مدى ما نالت الدعوة الإسلامية من القبول التام وبسط السيطرة والنفوذ على أنحاء الجزيرة العربية وأرجائها، وأن العرب كانت تنظر إلى المدينة بنظر التقدير والإجلال حتى لم تكن ترى محيصاً عن الاستسلام أمامها، فقد صارت المدينة عاصمة لجزيرة العرب يمكن صرف النظر عنها، إلا أننا لا يمكن لنا القول بأن الدين قد تمكن من أنفس هؤلاء بأسرهم لأنه كان وسطهم كثير من الأعراب الجفاة الذين أسلموا تبعاً لسادتهم ولم تكن أنفسهم قد تخلصت بعد مما تأصل فيها من الميل إلى الغارات ولم تكن تعاليم الإسلام قد هذبت أنفسهم تمام التهذيب، وقد وصف القرآن بعضهم بقوله في سورة التوبة: الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم، وأثنى على آخرين منهم فقال: ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم.

أما الحاضرون منهم في مكة والمدينة وثقيف وكثير من اليمن والبحرين فقد كان الإسلام فيهم قوياً، ومنهم كبار الصحابة وسادات المسلمين، نجاح الدعوة وأثرها، وقبل أن نتقدم خطوة أخرى إلى مطالعه أواخر أيام حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ينبغي لنا أن نلقي نظرة إجمالية على العمل الجلل الذي هو فذلكة حياته والذي امتاز به عن سائر الأنبياء والمرسلين حتى توج الله هامته بسيادة الأولين والآخرين، إنه صلى الله عليه وسلم قيل له: يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً، ويا أيها المدثر قم فأنذر، فقام وظل قائماً أكثر من 20 عاماً يحمل على عاتقه عباء الأمانة الكبرى في هذه الأرض، عبء البشرية كلها، وعبء العقيدة كلها، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى، حمل عبء الكفاح والجهاد في ميدان الضمير البشري الغارق في أوهام الجاهلية وتصوراتها المثقل بأثقال الأرض وجواذبها والمكبل بأوهاق الشهوات وأغلالها، حتى إذا خلص هذا الضمير في بعض صحابته مما يثقله من ركام الجاهلية والحياة الأرضية بدأ معركة أخرى في ميدان آخر، بل معارك متلاحقة مع أعداء دعوة الله المتالبين عليها وعلى المؤمنين بها الحريصين على قتل هذه الغرسة الزكية في منبتها قبل أن تنمو وتمد جذورها في التربة وفروعها في الفضاء، وتظل مساحات أخرى، ولم يكد يفرغ من معارك الجزيرة العربية حتى كانت الروم تعد لهذه الأمة الجديدة وتتهيأ للبطش بها على تخومها الشمالية، وفي أثناء هذا كله لم تكن المعركة الأولى معركة الضمير قد انتهت، فهي معركة خالدة الشيطان صاحبها وهو لا يني لحظة عن مزاولة نشاطه في أعماق الضمير الإنساني، ومحمد صلى الله عليه وسلم قائم على دعوة الله هناك وعلى المعركة الدائبة في ميادينها المتفرقة في شتى العيش والدنيا مقبلة عليه وفي جهد وكد والمؤمنون يستريحون من حوله ظلال الأمن والراحة، وفي نصب دائم لا ينقطع، وفي صبر جميل على هذا كله، وفي قيام الليل، وفي عبادة لربه وترتيل لقرآنه وتبتل إليه كما أمره أن يفعل، وهكذا حاش في المعركة الدائبة المستمرة أكثر من 20 عاماً لا يلهيه شأن عن شأن في خلال هذا الأمد حتى نجحت الدعوة الإسلامية على نطاق واسع تتحير له العقول، فقد دانت لها الجزيرة العربية وزالت غبرة الجاهلية عن آفاقها وصحت العقول العليلة حتى تركت الأصنام بل كسرت، وأخذ الجو يرتج بأصوات التوحيد، وسمع الأذان للصلوات يشق أجواز الفضاء خلال الصحراء التي أحياها الإيمان الجديد، وانطلق القراء شمالاً وجنوباً يتلون آيات الكتاب ويقيمون أحكام الله، وتوحدت الشعوب والقبائل المتناثرة، وخرج الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة الله، فليس هناك قاهر ومقهور وسادات وعبيد وحكام ومحكومون وظالم ومظلوم، وإنما الناس كلهم عباد الله إخوان متحابون متمثلون لأحكامه، أذهب الله عنهم عصبية الجاهلية ونخوتها وتعظمها بالآباء، ولم يبق هناك فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، الناس كلهم بنو آدم وآدم من تراب، وهكذا تحققت بفضل هذه الدعوة الوحدة العربية والوحدة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والسعادة البشرية في قضاياها ومشاكلها الدنيوية وفي مسائلها الأخروية، فتقلب مجرى الأيام وتغير وجه الأرض وانعدل خط التاريخ وتبدلت العقلية، إن العالم كانت تسيطر عليه روح الجاهلية قبل الدعوة ويتعفن ضميره وتأسن روحه وتختل فيه القيم والمقاييس ويسوده الظلم والعبودية وتجتاحه موجة من الترف الفاجر والحرمان التاعس وتغشاه غاشية الكفر والضلال والظلام على الرغم من الديانات السماوية التي كانت قد أدركها التحريف وسرى فيها الضعف وفقدت سيطرتها على النفوس واستحالت طقوساً جامدة لا حياة فيها ولا روح، فلما قامت هذه الدعوة بدورها في حياة البشرية خلصت روح البشر من الوهم والخرافة ومن العبودية والرق ومن الفساد والتعفن ومن القذارة والانحلال، وخلصت المجتمع الإنساني من الظلم والطغيان ومن التفكك والانهيار ومن فواقر الطبقات واستبداد الحكام واستذلال الكهان، وقامت ببناء العالم على أسس من العفة والنظافة والإيجابية والبناء والحرية والتجدد، ومن المعرفة واليقين والثقة والإيمان والعدالة والكرامة، ومن العمل الدائب لتنمية الحياة وترقية الحياة وإعطاء كل ذي حق حقه في حياة، وبفضل هذه التطورات شاهدت الجزيرة العربية نهضة مباركة لم تشاهد مثلها منذ نشأ فوقها العمران ولم يتألق تاريخها تألقه في هذه الأيام الفريدة من عمرها.

حجة الوداع. تمت أعمال الدعوة وإبلاغ الرسالة وبناء مجتمع جديد على أساس إثبات الألوهية لله ونفيها عن غيره، وعلى أساس رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وكان هاتفاً خفياً انبعث في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشعره أن مقامه في الدنيا قد أوشك على النهاية، حتى إنه حين بعث معاذًا إلى اليمن سنة عشر للهجرة قال له فيما قال: يا معاذ إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري، فبكى معاذ خاشعاً لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشاء الله أن يرى رسوله صلى الله عليه وسلم ثمار دعوته التي عانى في سبيلها ألواناً من المتاعب بضعاً وعشرين عاماً، فيجتمع في أطراف مكة بأفراد قبائل العرب وممثليها، فيأخذوا منه شرائع الدين وأحكامه، ويأخذ منهم الشهادة على أنه أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة، أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بقصده لهذه الحجة المبرورة المشهودة، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتَم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي يوم السبت لأربع بقين من ذي القعدة تهيأ النبي صلى الله عليه وسلم للرحيل، فترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه وقلد بدنه وانطلق بعد الظهر حتى بلغ ذا الحليفة قبل أن يصلي العصر، فصلّاها ركعتين وبات هناك حتى أصبح، فلما أصبح قال لأصحابه: أتاني آتٍ من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة في حجته، وقبل أن يصلي الظهر اغتسل لإحرامه، ثم طيبته عائشة بيدها بذريرة وطيب فيه مسك في بدنه ورأسه حتى كان وبيص الطيب يرى في مفارقه ولحيته، ثم استدامه ولم يغسله، ثم لبس إزاره ورداءه، ثم صلى الظهر ركعتين، ثم أهل بالحج والعمرة في مصلاه وقرن بينهما، ثم خرج فركب القصواء فأهل أيضاً، ثم أهل لما استقلت به على البيداء، ثم واصل سيره حتى قرب من مكة فبات بذي طوى، ثم دخل مكة بعد أن صلى الفجر واغتسل من صباح يوم الأحد لأربع ليال خلون من ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة، وقد قضى في الطريق ثماني ليال وهي المسافة الوسطى، فلما دخل المسجد الحرام طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ولم يحل لأنه كان قارناً قد ساق معه الهدي، فنزل بأعلى مكة عند الحجون وأقام هناك ولم يعد إلى الطواف غير طواف الحج، وأمر من لم يكن معه هدي من أصحابه أن يجعلوا إحرامهم عمرة فيطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة ثم يحلوا حلالاً تاماً، فترددوا، فقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت، فحل من لم يكن معه هدي، وسمعوا وأطاعوا.

وفي اليوم الثامن من ذي الحجة وهو يوم التروية توجه إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر خمس صلوات، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس فأجاز حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي وقد اجتمع حوله 100,24 أو 44,000 من الناس، فقام فيهم خطيباً وألقى هذه الخطبة الجامعة: أيها الناس اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً، إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، وكان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، أيها الناس إنه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم وتحجوا بيت ربكم، وأطيعوا أمركم تدخلوا جنة ربكم، وإن أنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد، ثلاث مرات، وكان الذي يصرخ في الناس بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة ربيعة بن أمية بن خلف.

وبعد أن فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من إلقاء الخطبة نزل عليه قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً، وعندما سمعها عمر بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان، وبعد الخطبة أذن بلال ثم أقام فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر، ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل على بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل جبل المشعر بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفراء قليلاً حتى غاب القرص، وأردف أسامة ودفع حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً فدفع من المزدلفة إلى منى قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة وهي الجمرة الكبرى نفسها كانت عندها شجرة في ذلك الزمان وتسمى بجمرة العقبة وبالجمرة الأولى، فرما حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر 63 بدنة بيده، ثم أعطى علياً فنحر ما غبر وهي 37 بدنة تمام المئة وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر، فأتى على بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقا يتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوا فشرب منه.

وخطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر عاشر ذي الحجة أيضاً حتى ارتفع الضحى وهو على بغلة شهباء وعلي يعبر عنه والناس بين قائم وقاعد، وأعاد في خطبته هذه بعض ما كان ألقاه، فقد روى الشيخان عن أبي بكرة قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر قال: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، السنة 12 شهراً منها أربعة حرم، ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، وقال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى، قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليست البلدة؟ قلنا: بلى، قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ظلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فرب مبلغ أو أوعى من سامع.

وفي رواية أنه قال في تلك الخطبة: ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ألا لا يجني جان على ولده ولا مولود على والده، ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا أبداً، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم فسيرضى به، وأقام أيام التشريق بمنى يؤدي المناسك ويعلم الشرائع ويذكر الله ويقيم سنن الهدى من ملة إبراهيم ويمحو آثار الشرك ومعالمها، وقد خطب في بعض أيام التشريق أيضاً، فقد روى أبو داود بإسناد حسن عن سراء بنت نبهان قالت: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الرؤوس فقال: أليس هذا أوسط أيام التشريق؟ وكانت خطبته في هذا اليوم مثل خطبته يوم النحر، ووقعت هذه الخطبة عقب نزول سورة النصر.

وفي يوم النفر الثاني الثالث عشر من ذي الحجة نفر النبي صلى الله عليه وسلم من منى فنزل بخيف بني كنانه من الأبطح وأقام هناك بقية يومه ذلك وليلته وصلى هناك الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقده، ثم ركب إلى البيت فطاف به طواف الوداع، وكان قد أمر به أصحابه أيضاً، ولما قضى مناسكه حث الركاب إلى المدينة المطهرة لا ليأخذ حظاً من الراحة بل ليستأنف الكفاح والكدح لله وفي سبيل الله.

آخر البعوث. كانت كبرياء دولة الروم قد جعلتها تأبى عليه حق الحياة وحملها على أن تقتل من اتباعها من يدخل فيه كما فعلت بفروة بن عمر الجذامي الذي كان والياً على معان من قبل الروم، ونظراً إلى هذه الجراءة والغطرسة أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهز جيشاً كبيراً في سفر من السنة الحادية عشرة للهجرة، وأمر عليه أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهما، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، يبغي بذلك إرهاب الروم وإعادة الثقة إلى قلوب العرب الضاربين على الحدود حتى لا يحسبن أحد أن بطش الكنيسة لا معقب له، وأن الدخول في الإسلام يجر على أصحابه الحتوف فحسب، وتكلم الناس في قائد الجيش لحداثة سنه واستبطأوا في بعثه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقاً للإمارة وإن كان من أحب الناس إلي، وإن هذا من أحب الناس إلي بعده، وانتَدب الناس يلتفون حول أسامة وينتظمون في جيشه حتى خرجوا ونزلوا الجرف على فرسخ من المدينة، إلا أن الأخبار المقلقة عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرهتهم على التريث حتى يعرفوا ما يقضي الله به، وقد قضى الله أن يكون هذا أول بعث ينفذ في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

إلى الرفيق الأعلى طلائع التوديع. لما تكاملت الدعوة وسيطر الإسلام على الموقف أخذت طلائع التوديع للحياة والأحياء تطلع من مشاعره صلى الله عليه وسلم وتتضح بعباراته وأفعاله، إنه اعتكف في رمضان من السنة العاشرة 20 يوماً بينما كان لا يعتكف إلا عشرة أيام فحسب، وتدارسه جبريل القرآن مرتين، وقال في حجة الوداع: إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً، وقال وهو عند جمرة العقبة: خذوا عني مناسككم، فلعلي لا أحج عامي هذا، وأنزلت عليه سورة النصر في أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع وأنه نعيت إليه نفسه، وفي أوائل صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد فصلى على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات، ثم انصرف إلى المنبر فقال: إني فرطكم وإني شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها، وخرج ليلة في منتصفها إلى البقيع فاستغفر لهم وقال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنئ لكم ما أصبحتم فيه بما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى، وبشرهم قائلاً: إنا بكم للاحقون.

بداية المرض. وفي اليوم التاسع عشر من شهر صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة، وكان يوم الاثنين، شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة في البقيع، فلما رجع وهو في الطريق أخذه صداع في رأسه واتقدت الحرارة حتى إنهم يجدون ثورتها فوق العصابة التي تعصب بها رأسه، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وهو مريض 11 يوماً، وجميع أيام المرض كانت 13 أو 14 يوماً.

الأسبوع الأخير. وثقل برسول الله صلى الله عليه وسلم المرض، فجعل يسأل أزواجه: أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟ ففقهن مراده، فأذن له أن يكون حيث شاء، فانتقل إلى عائشة يمشي بين الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما عاصباً رأسه تخط قدماه حتى دخل بيتها فقضى عندها آخر أسبوع من حياته، وكانت عائشة تقرأ بالمعوذات والأدعية التي حفظتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تنفسه وتمسحه بيده رجاء البركة.

قبل الوفاة بخمسة أيام. ويوم الأربعاء قبل خمسة أيام من الوفاة اتقدت حرارة العلة في بدنه فاشتد به الوجع وأغمي عليه، فقال: فريقوا علي سبع قرب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس فأحدث إليهم، فأقعدوه في مخضب وصبوا عليه الماء حتى طفق يقول: حسبكم حسبكم، وعند ذلك أحس بخفة فدخل المسجد وهو معصوب الرأس حتى جلس على المنبر وخطب الناس والناس مجتمعون حوله فقال: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وفي رواية: قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وقال: لا تتخذوا قبري وثناً يعبد، وعرض نفسه للقصاص قائلاً: من كنت جلدت له ظهراً فهذا ذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه، ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع فجلس على المنبر وعاد لمقالته الأولى في الشحناء وغيرها، فقال رجل: إن لي عندك ثلاثة دراهم، فقال: أعطه يا فضل، ثم أوصى بالأنصار قائلاً: أوصيكم بالأنصار فإنهم كِرشِي وعِيبَتِي وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فأقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم، وفي رواية أنه قال: إن الناس يكثرون وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمراً يضر فيه أحداً أو ينفعه فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم، ثم قال: إن عبداً خيره الله أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده، قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: فبكى أبو بكر رضي الله عنه، فقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له، فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر.

قبل أربعة أيام. ويوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام قال: وقد اشتد به الوجع: هلموا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده، وفي البيت رجال فيهم عمر، فقال عمر: قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبكم كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يقول: ما قال عمر، فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا عني، وأوصى ذلك اليوم بثلاث: أوصى بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب، وأوصى بإجازة الوفود بنحو يجيزهم، أما الثالثة فنسيها الراوي، ولعله الوصية بالاعتصام بالكتاب والسنة أو تنفيذ جيش أسامة أو هي الصلاة وما ملكت أيمانكم، والنبي صلى الله عليه وسلم مع ما كان به من شدة المرض كان يصلي بالناس جميع صلواته حتى ذلك اليوم يوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام، وقد صلى بالناس ذلك اليوم صلاة المغرب فقرأ فيها بالمرسلات عرفاً، وعند العشاء زاد ثقل المرض بحيث لم يستطع الخروج إلى المسجد.

قالت عائشة: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أصلى الناس؟ قلنا: لا يا رسول الله وهم ينتظرونك، قال: ضعوا لي ماء في المخضب، ففعلنا فاغتسل فذهب لينوء فأُغُمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس، ووقع ثانياً وثالثاً ما وقع في المرة الأولى من الاغتسال ثم الإغماء حينما أراد أن ينوء، فأرسل إلى أبي بكر أن يصلي بالناس، فصلى أبو بكر تلك الأيام في 17 صلاة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وراجعت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث أو أربع مرات ليصرف الأمانة عن أبي بكر رضي الله عنه حتى لا يتشاءم به الناس، فأبى وقال: إن كُنْتُنَّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس.

قبل يوم أو يومين. ويوم السبت أو الأحد وجد النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة فخرج بين رجلين لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتاخر فأومأ إليه ألا يتأخر، خر قال: أجلساني إلى جنبه، فأجلس إلى يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسمع الناس التكبير.

قبل يوم من الوفاة. يوم الأحد اعتق النبي صلى الله عليه وسلم غلمانه وتصدق بسبعة دنانير كانت عنده ووهب للمسلمين أسلحته، وفي الليل استعارت عائشة الزيت للمصباح من جارتها وكانت درعه صلى الله عليه وسلم مرهونة عند يهودي بث صاع من شعير.

آخر يوم من الحياة. روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن المسلمين بينما هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين وأبو بكر يصلي بهم، لم يفاجئهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر رضي الله عنه على عقبيه ليصل الصف وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة، فقال أنس: وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليهم بيده رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر، ثم لم يأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت صلاة أخرى.

ولما ارتفع الضحى دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة رضي الله عنها فسارها بشيء فبكت، ثم دعاها فسارها بشيء فضحكت، قالت عائشة: فسألنا عن ذلك أي فيما بعد، قالت: سارني النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت، وبشر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بأنها سيدة نساء العالمين، ورأت فاطمة ما برسول الله صلى الله عليه وسلم من الكرب الشديد الذي يتغشاه، فقالت: وكرب أباه، فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، ودعا الحسن والحسين فقبلهما وأوصى بهما خيراً، ودعا أزواجه فوعظهن وذكرهن، وطفق الوجع يشتد ويزيد وقد ظهر أثر السم الذي أكله بخيبر حتى كان يقول: يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أبهرى من ذلك السم، وأوصى الناس فقال: الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، كرر ذلك مراراً.

الاحتضار. وبدأ الاحتضار فأسندته عائشة رضي الله عنها إليها، وكانت تقول: إن من نعم الله علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرايته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشتد عليه وقلت له: لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته فامره، وفي رواية أنه استن بها كأحسن ما كان مستناً، وبين يديه ركوة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه يقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات، وما عدا أن فرغ من السواك حتى رفع يده أو إصبعه وشخص بصره نحو السقف وتحركت شفتاه، فأصغت إليه عائشة رضي الله عنها وهو يقول: مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني والحقني بالرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى، كرر الكلمة الأخيرة ثلاثاً، ومالت يده ولحق بالرفيق الأعلى، إنا لله وإنا إليه راجعون.

وقع هذا الحادث حين اشتدت الضحى من يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة، وقد تم له صلى الله عليه وسلم 63 سنة وزادت أربعة أيام.

تفاقم الأحزان على الصحابة. وتسرب النبأ الفادح وأظلمت على أهل المدينة أرجاؤها وآفاقها، وقال أنس: ما رأيت يوماً قط أشد من يوم دخل علينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما رأيت يوماً كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما مات قالت فاطمة رضي الله عنها: يا أبتاه أجاب رباً دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه.

موقف عمر. ووقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد أخذه الخبر عن وعيه يقول: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات، لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل إنه قد مات، ووالله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات.

موقف أبي بكر. وأقبل أبو بكر رضي الله عنه على فرس من مسكنه بالسنح، نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة رضي الله عنها فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الله صلى الله عليه وسلم وهو مغشا بثوب حضره، فكشف عن وجهه، ثم اكب عليه فقبله وبكى، ثم قال: بابي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموته التي كتبت عليك فقدمتها.

ثم خرج أبو بكر وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، من كان منكم يعبد محمدا صلى الله عليه وسلم فإن محمدا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين.

قال ابن عباس: والله لكان الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها. قال ابن المسيب: قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته ثلاثها علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات.

التجهيز وتوديع الجسد الشريف إلى الأرض. ووقت وقع الخلاف في أمر الخلافة قبل أن يقوموا بتجهيزه صلى الله عليه وسلم، فجرت مناقشات ومجادلات وحوار وردود بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة، وأخيرا اتفقوا على خلافة أبي بكر رضي الله عنه.

ومضى في ذلك بقية يوم الاثنين حتى دخل الليل، وشغل الناس عن جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كان آخر الليل ليلة الثلاثاء مع الصبح، وبقي جسده المبارك على فراشه مغشا بثوب حضره حتى أغلق دونه الباب أهله.

ويوم الثلاثاء غسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أن يجردوه من ثيابه، وكان القائمون بالغسل العباس وعلي والفضل وقثم ابن العباس وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسامة بن زيد وأوس بن خولا، فكان العباس والفضل وقثم يقلبونه، وأسامة وشقران يصبان الماء، وعلي يغسله، وأوس أسنده إلى صدره، ثم كفنوه في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة، أدرجوه فيها إدراجا.

واختلفوا في موضع دفن، فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض، فرفع أبو طلحة فراشه الذي توفي عليه فحفر تحته وجعل القبر لحدا.

ودخل الناس الحجرة إرسالا عشرة فعشرة يصلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يؤمهم أحد، وصلى عليه أولا أهل عشيرته، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، وصلى عليه النساء بعد الرجال، ثم صلى عليه الصبيان، ومضى في ذلك اليوم الثلاثاء كاملا حتى دخلت ليلة الأربعاء، قالت عائشة: ما علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل.

البيت النبوي كان البيت النبوي في مكة قبل الهجرة يتألف منه عليه الصلاة والسلام ومن زوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، تزوجها وهو في 25 من سنة وهي في الأربعين، وهي أول من تزوجها من النساء ولم يتزوج عليها غيرها، وكان له منها أبناء أبناء وبنات، أما الأبناء فلم يعش منهم أحد، وأما البنات فهن زينب ورقيه وأم كلثوم وفاطمة، فأما زينب فتزوجها قبل الهجرة ابن خالتها أبو العاص بن الربيع، وأما رقيه وأم كلثوم فقد تزوجهما عثمان بن عفان رضي الله عنه الواحدة بعد الأخرى، وأما فاطمة فتزوجها علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بين بدر وأحد، ومنها كان الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم.

ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ممتازا عن أمته بحل التزوج بأكثر من أربع زوجات لأغراض كثيرة، فكان عدد من عقد عليهن ثلاث عشرة امرأة، منهن تسع مات عنهن، واثنتان توفيتا في حياته، إحداهما خديجة والأخرى أم المساكين زينب بنت خزيمة، واثنتان لم يدخل بهما، وها هي أسماؤهن وشيء عنهن.

سودة بنت زمعه رضي الله عنها، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في شوال من السنة العاشرة من النبوة بعد وفاة خديجة بأيام، وكانت قبله عند ابن عم لها يقال له السكران بن عمر فمات عنها.

عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، تزوجها في شوال من السنة الحادية عشرة من النبوة بعد زواجه بسنة وقبل الهجرة بسنتين وخمسة أشهر، تزوجها وهي بنت ست سنين وبنى بها في شوال بعد الهجرة بسبعة أشهر في المدينة وهي بنت تسع سنين، وكانت بكرا ولم يتزوج بكرا غيرها، وكانت أحب الخلق إليه وأفقه نساء الأمة وأعلمهن على الإطلاق.

حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، تأيمت من زوجها خنيس بن حذافة السهمي بين بدر وأحد، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث للهجرة.

زينب بنت خزيمة رضي الله عنها، من بني هلال بن عامر بن صعصعة، وكانت تسمى أم المساكين لرحمتها إياهم ورقتها عليهم، كانت تحت عبد الله بن جحش فاستشهد في أحد، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة أربع للهجرة، ماتت بعد الزواج بشهرين أو ثلاثة.

أم سلمة هند بنت أبي أمية رضي الله عنها، كانت تحت أبي سلمة فمات عنها في جمادى الآخرة سنة أربع للهجرة، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال من نفس السنة.

زينب بنت جحش بن رياب رضي الله عنها، من بني أسد بن خزيمة، وكانت تحت زيد بن حارثة رضي الله عنه الذي يعتبر ابنا للنبي صلى الله عليه وسلم، فطلقها زيد، فأنزل الله تعالى يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها، وفيها نزلت من سورة الأحزاب آيات فصلت قضية التبني وسنأتي على ذكرها، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة من السنة الخامسة من الهجرة.

جويرية بنت الحارث رضي الله عنها، الحارث سيد بني المسطلق من خزاعة، كانت في سبي بني المسطلق في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابتها وتزوجها في شعبان من السنة السادسة للهجرة.

أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما، كانت تحت عبيد الله بن جحش وهاجرت معه إلى الحبشة، فارتد عبيد الله وتنصر وتوفي هناك، وثبتت أم حبيبة على دينها وهجرتها، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري بكتابه إلى النجاشي في المحرم من السنة السابعة للهجرة، خطب عليه أم حبيبة فزوجها إياه وبعث بها مع شرحبيل ابن حسنة.

صفية بنت حيي بن اخطب رضي الله عنها، من بني إسرائيل، كانت من سبي خيبر، فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، فاعتقها وتزوجها بعد فتح خيبر من السنة السابعة للهجرة.

ميمونة بنت الحارث أخت أم الفضل لبابة بنت الحارث رضي الله عنهما، تزوجها في ذي القعدة من السنة السابعة للهجرة في عمرة القضاء بعد أن حل منها على الصحيح.

فهؤلاء 11 سيدة تزوج بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنى بهن، وتوفيت منهن اثنتان خديجة وأم المساكين في حياته، وتوفي هو عن التسع البواقي، وأما الاثنتان اللتان لم يبن بهما فواحدة من بني كلاب وأخرى من كنده وهي المعروفة بالجونية، وهناك خلافات لا حاجة إلى بسطها.

وأما السراري فالمعروف أنه تسرى باثنتين، إحداهما مارية القبطية أهداها له المقوقس، فأولدها منه إبراهيم الذي توفي صغيرا بالمدينة في حياته في الثامن أو التاسع من شهر شوال من السنة العاشرة للهجرة الموافق لل 27 من يناير من سنة 632 للميلاد.

والسرية الثانية هي ريحانة بنت زيد النظرية أو القرضية، كانت من سبايا قريضة فاصطفاها لنفسه، وقيل بل هي من أزواجه صلى الله عليه وسلم اعتقها فتزوجها، والقول الأول رجحه ابن القيم.

وزاد أبو عبيدة اثنتين أخريين: جميلة أصابها في بعض السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش.

ومن نظر إلى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم عرف جيدا أن زواجه بهذا العدد الكثير من النساء في أواخر عمره بعد أن قضى ما يقارب 30 عاما من ريعان شبابه وأجود أيامه مقتصرا على زوجة واحدة شبه عجوز خديجة ثم سودة، عرف أن هذا الزواج لم يكن لأجل أنه وجد بغته في نفسه قوة عارمة من الشبق لا يصبر معها إلا بمثل هذا العدد الكثير من النساء، بل كانت هناك أغراض أخرى أجل وأعظم من الغرض الذي يحققه عامة الزواج.

فاتجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مصاهرة أبي بكر وعمر بزواجه لعائشة وحفصة، وكذلك تزويجه ابنته فاطمة لعلي بن أبي طالب، وتزويجه ابنته رقيه ثم أم كلثوم لعثمان بن عفان، يشير إلى أنه يبغي من وراء ذلك توثيق الصلات بالرجال الأربعة الذين عرف بلاؤهم وفداؤهم للإسلام في الأزمات التي مرت به وشاء الله أن يجتازوها بسلام.

وكان من تقاليد العرب الاحترام للمصاهرة، فقد كان الصهر عندهم بابا من أبواب التقرب بين البطون المختلفة، وكانوا يرون مناواة ومحاربة الأصهار سبة وعارا على أنفسهم، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بزواج عدة من أمهات المؤمنين أن يكسر صورة عداء القبائل للإسلام ويطفئ إحداها بغضائها.

كانت أم سلمة من بني مخزوم حي أبي جهل وخالد بن الوليد، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقف خالد من المسلمين موقفه الشديد بأحد، بل أسلم بعد مدة غير طويل طائعا راغبا، وكذلك أبو سفيان لم يواجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي محاربة بعد زواجه بابنته أم حبيبة، وكذلك لا نرى من قبيلتي بني المسطلق وبني النظير أي استفزاز وعداء بعد زواجه بجويرية وصفية، بل كانت جويرية أعظم النساء بركة على قومها، فقد أطلق الصحابة أسرى 100 بيت من قومها حين تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يخفى ما لهذا المن البالغ في النفوس.

وأكبر من ذلك وأعظم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بتزكية وتثقيف قوم لم يكونوا يعرفون شيئا من آداب الثقافة والحضارة والتقيد بلوازم المدينة والمساهمة في بناء المجتمع وتعزيزه، والمبادئ التي كانت أسسا لبناء المجتمع الإسلامي لم تكن تسمح للرجال أن يختلطوا بالنساء، فلم يكن يمكن تثقيفهن مباشرة مع المراعاة لهذه المبادئ، مع أن مسيس الحاجة إلى تثقيفهن لم يكن أهون وأقل من الرجال بل كان أشد وأقوى.

وإذا فلم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم سبيل إلا أن يختار من النساء المختلفة الأعمار والمواهب ما يكفي لهذا الغرض فيزكيهن ويربيهن ويعلمهن الشرائع والأحكام ويثقفه بثقافة الإسلام حتى يعدهن لتربية البدويات والحضريات والعجائز منهن والشابات فيكفين مؤنة التبليغ في النساء، وقد كان لأمهات المؤمنين فضل كبير في نقل أحواله صلى الله عليه وسلم المنزلية للناس، خصوصا من طالت حياته منهن كعائشة، فإنها روت كثيرا من أفعاله وأقواله.

وهناك نكاح واحد كان لنقد تقليد جاهلي متأصل وهي قاعدة التبني، وكان المتبنى عند العرب في الجاهلية جميع الحرمات والحقوق التي كانت للابن الحقيقي سواء بسواء، وكانت قد تأصلت تلك القاعدة في القلوب بحيث لم يكن محوها سهلا، لكن كانت تلك القاعدة تعارض معارضة شديدة جديدة الأسس والمبادئ التي قررها الإسلام في النكاح والطلاق والميراث وغير ذلك من المعاملات، وكانت تلك القاعدة تجلب كثيرا من المفاسد والفواحش التي جاء الإسلام ليمحوها عن المجتمع.

ولهدم تلك القاعدة أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينكح زينب بنت جحش وكانت تحت يد زيد ولم يكن بينهما توافق حتى هم زيد بطلاقها، وذلك في ساعة تألب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاف دعاية المنافقين والمشركين واليهود وما يثيرونه من الوساوس والخرافات ضده وما يكون له من الأثر السيء في نفوس ضعفاء المسلمين، فاحب ألا يطلق زيد حتى لا يقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الامتحان، ولا شك أن هذا التردد والانحياز كان لا يطابق مطابقة تامة العزيمة التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاتبه الله على ذلك وقال: وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه امسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه.

وأخيرا طلقها زيد وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام فرض الحصار على بني قريضة بعد أن انقضت عدتها، وكان الله قد أوجب عليه هذا النكاح ولم يترك له خيارا ولا مجالا حتى تولى الله ذلك النكاح بنفسه يقول: فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا، وذلك ليهدم قاعدة التبني فعلا كما هدمها قولا: ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين.

وكم من التقاليد المتأصلة الجازمة لا يمكن هدمها أو تعديلها لمجرد القول، بل لا بد له من مقارنة فعل صاحب الدعوة، ويتضح ذلك بما صدر من المسلمين في عمرة الحديبية، كان هناك أولئك المسلمون الذين رآهم عروة بن مسعود الثقفي لا تقع من النبي صلى الله عليه وسلم نخامة إلا في يد أحدهم، ورآهم يتبادرون إلى وضوئه حتى كادوا يقتتلون عليه، نعم أولئك الذين تسابقوا إلى البيعة على الموت أو على عدم الفرار تحت الشجرة، والذين كان فيهم مثل أبي بكر وعمر، لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أولئك الصحابة المتفانين في ذاته بعد عقد الصلح أن يقوموا فينحروا هديهم لم يقم لامتثال أمره أحد حتى أخذ القلق والاضطراب، ولكن لما أشارت عليه أم سلمة أن يقوم إلى هديه فينحره ولم يكلم أحدا ففعل، تبادر الصحابة إلى اتباعه في فعله فتسابقوا إلى نحر جزورهم، وبهذا الحادث يتضح جليا ما هو الفرق بين أثري القول والفعل لهدم قاعدة راسخة.

وقد أثار المنافقون وسواس كثيرة وقاموا بدعايات كاذبة واسعة حول هذا النكاح، أثر بعضها في ضعفاء المسلمين، لا سيما أن زينب كانت خامسة أزواجه صلى الله عليه وسلم، ولم يكن المسلمون يعرفون حل الزواج بأكثر من أربع نسوة، وأن زيدا كان يعتبر ابنا للنبي صلى الله عليه وسلم، والزواج بزوجة الابن كان من أغلظ الفواحش، فقد أنزل الله في سورة الأحزاب حول الموضوعين ما شفى وكفى، وعلم الصحابة أن التبني ليس له أثر عند الإسلام، وأن الله تعالى وسع لرسوله صلى الله عليه وسلم في الزواج ما لم يوسع لغيره لأغراضه النبيلة الممتازة.

هذا وكانت عشرته صلى الله عليه وسلم مع أمهات المؤمنين في غاية الشرف والنبل والسمو والحسن، كما كنا في أعلى درجة من الشرف والقناعة والصبر والتواضع والخدمة والقيام بحقوق الزواج، مع أنه كان في شظف من العيش لا يطيقه أحد.

قال أنس: ما أعلم النبي صلى الله عليه وسلم رأى رغيفا مرققا حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه قط.

وقالت عائشة: إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، فقال لها عروة: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء، والأخبار بهذا الصدد كثيرة.

ومع هذا الشف والضيق لم يصدر منهن ما يوجب العتاب إلا مرة واحدة حسب مقتضى البشرية وليكون سببا لتشريع الأحكام، فإنزل الله تعالى آية التخيير: يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا، وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما.

وكان من شرفهن ونبلهن أنهن أثرن الله ورسوله، ولم تمل واحدة منهن إلى اختيار الدنيا، وكذلك لم يقع منهن ما يقع بين الضرائر مع كثرتهن إلا شيء يسير من بعضهن حسب اقتضاء البشرية، ثم عاتب الله عليه فلم يعدن له مرة أخرى، وهو الذي ذكره الله في سورة التحريم بقوله: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك إلى تمام الآية.

وأخيرا أرى أنه لا حاجة إلى البحث في موضوع مبدأ تعدد الزوجات، فمن نظر في حياة سكان أوروبا الذين يصدر منهم النكير الشديد على هذا المبدأ ونظر إلى ما يقاسون من الشقاوة والمرارة وما يأتون من الفضائح والجرائم الشنيعة وما يواجهون من البلايا والقلاقل لانحرافهم عن هذا المبدأ، كفى له ذلك عن البحث والاستدلال، فحياتهم أصدق شاهد على عدالة هذا المبدأ، وأن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.

الصفات والأخلاق كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز من جمال خلقه وكمال خلقه بما لا يحيط بوصفه البيان، وكان من أثره أن القلوب فاضت بإجلاله والرجال تفانوا في حياطته وإكباره بما لا تعرف الدنيا لرجل غيره، فالذين عاشروه أحبوه إلى حد الهيام ولم يبالوا أن تندق أعناقهم ولا يخدش له ظفر، وما أحبوه كذلك إلا لأن أنصبته من الكمال الذي يعشق عادة لم يرزق بمثله بشر، وفيما يلي نورد ملخص الروايات في بيان جماله وكماله مع اعتراف العجز عن الإحاطة بجمال الخلق.

قالت أم معبد الخزاعية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تصفه لزوجها حين مر بخيمتها مهاجرا: ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه تجلة ولم تزر به صعله، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشعاره وطف، صوته صحل، وفي عنقه سطح، أحور، أكحل، أزج، أقنى، شديد سواد الشعر، إذا صمت علاه الوقار، وإن تكلم علاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب، حلو المنطق، فضل لا نزر ولا هذر، كان منطقه خرزات نظم، يتحرن، ربعه لا تقحمه عين من قصر ولا تشنه من طول، غصن بين غصنين، فهو أنظر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند.

وقال علي بن أبي طالب وهو ينعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يكن بالطويل الممغط ولا بالقصير المتردد، وكان ربعه من القوم، لم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط، وكان جعدا رجلا، ولم يكن بالمطهم ولا المكلثم، وكان في الوجه تدوير، وكان أبيض مشربا، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، دقيق المسربة، أجرد، شفن الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع، كأنما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت جميعا، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو خاتم النبيين، أجود الناس كفا، وأجرأ الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم.

وفي رواية عنه أنه كان ضخم الرأس، ضخم الكراديس، طويل المسربة، إذا مشى تكفا تكفا، كأنما ينحط من صبب.

وقال جابر بن سمرة: كان ضليع الفم، أشكل العين، منهوس العقبين.

وقال أبو الطفيل: كان أبيض مليح الوجه، مقصدا.

وقال أنس بن مالك: كان بسط الكفين.

وقال: كان أزهر اللون، ليس بأبيض أنهق ولا آدم قبض، وليس في رأسه ولحيته 20 شعرة بيضاء.

وقال: إنما كان شيء أي من الشيب في صدغيه، وفي رواية: وفي الرأس نبذ.

وقال أبو جحيفة: رأيت بياضا تحت شفته السفلى العنفقة.

وقال عبد الله بن بسر: كان في عنفقته شعرات بيض.

وقال البراء: كان مربوعا، بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه، وكان يسدل شعره أولا لحبه موافقة أهل الكتاب، ثم فرق رأسه بعد.

قال البراء: كان أحسن الناس وجها، وأحسنهم خلقا، وسئل أكان وجه النبي صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر، وفي رواية: كان وجهه مستديرا.

وقالت الربيع بنت معوذ: لو رأيته رأيت الشمس طالعة.

وقال ابن عباس: كان أفلج الثنيتين، إذا تكلم رؤي كالنور يخرج من بين ثناياه، وأما عنقه فكأنه جيد دمية في صفاء الفضة، وكان في أشفاره غطف، وفي لحيته كثافة، وكان واسع الجبين، أزج الحواجب في غير قرن بينهما، أقنى العرنين، سهل الخدين، من لبته إلى سرته شعر يجري كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، أشعر الذراعين والمنكبين، سواء البطن والصدر، مسيح الصدر، عريضة طويل الزند، القصب، خمصان الأخمصين، سائل الأطراف، إذا زال زال قلعا، يخطو تكفيا ويمشي هونا.

وقال أنس: ما مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كف النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شممت ريحا قط أو عرفا قط، وفي رواية: ما شممت عنبرا قط ولا مسكا ولا شيئا أطيب من ريحي أو عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال أبو جحيفة: أخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب رائحة من المسك.

وقال جابر بن سمرة: وكان صبيا مسح خدي فوجدت ليده بردا أو ريحا كأنما أخرجها من جونه عطار، وكان بين كتفيه خاتم النبوة مثل بيضة الحمامة يشبه جسده، وكان عند ناغض كتفه اليسرى جمعا عليه خيلان كامثال الثآليل.

كمال النفس ومكارم الأخلاق كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز بفصاحة اللسان وبلاغة القول، وكان من ذلك بالمحل الأفضل والموضع الذي لا يجهل: ثلاثة طبع ونص لفظ، ظاله قول وصحة معان وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم وخص ببدائع الحكم، وعلم السنة العرب، يخاطب كل قبيلة بلسانها ويحاورها بلغتها، اجتمعت له قوة عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها إلى التأييد الإلهي الذي مده به الوحي.

وكان الحلم والاحتمال والعفو عند المقدرة والصبر على المكاره صفات أدبه الله بها، وكل حليم قد عرفت منه ذلة وحفظت منه هفوة، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يزد مع كثرة الأذى إلا صبرا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلما.

قالت عائشة: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها، وكان أبعد الناس غضبا وأسرعهم رضا.

وكان من صفة الجود والكرم على ما لا يقدر قدره، كان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فالرسول صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة.

قال جابر: ما سئل شيئا قط فقال: لا.

وكان أعدل الناس وأعفهم وأصدقهم لهجة وأعظمهم أمانة، اعترف له بذلك محبوه وأعداؤه، وكان يسمى قبل نبوته بالأمين ويتحاكم إليه في الجاهلية قبل الإسلام.

روى الترمذي عن علي أن أبا جهل قال له: أنا لا نكذبه ولكن نكذب بما جئت به، فانزل الله تعالى فيهم: فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون.

وسأل هرقل أبا سفيان: هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ لا.

وكان يخزن لسانه إلا عما يعنيه، يؤلف بين أصحابه ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره، يتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه إلى غيره، الذين يلونه من الناس خيارهم وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة وأعظمهم عنده منزلة، أحسنهم مواساة ومؤازرة.

وعلى الجملة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم محلا بصفات الكمال المنقطعة النظير، أدبه ربه فأحسن تأديبه، حتى خاطبه مثنيا عليه فقال: وإنك لعلى خلق عظيم، وكانت هذه الخلال مما قرب ضب إليه النفوس وحببه إلى القلوب، وصيره قائدا تهوي إليه الأفئدة، والآن من شكيمة قومه بعد الإباء حتى دخلوا في دين الله أفواجا، وهذه الخلال التي أتينا على ذكرها خطوط قصار من مظاهر كماله وعظيم صفاته، أما حقيقة ما كان عليه من الأمجاد والشمائل فأمر لا يدرك كنهه ولا يسبر غوره، ومن يستطيع معرفة كنه أعظم بشر في الوجود بلغ أعلى قمة من الجمال استضاء بنور ربه حتى صار خلقه القرآن.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

صفي الرحمن المبارك فوري الجامعه السلفيه بنارس الهند 1396 الموافق 1900 100.