Transcription
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، أحمده، وأستعينه، وأستغفره، وأتوب إليه. وأصلي وأسلم على نبي الرحمة والهدى، وعلى آله الابرار، وصحابته الاخيار.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تكريم الإنسان تشريف للأوطان. تكريم الإنسان تشريف للأوطان، وتحقير الإنسان إهانة للأوطان. لقد أخبر الله عز وجل أنه كرم بني آدم، وجاء بيان وجوه التكريم مفصلاً في الرسالة الخاتمة التي أوجبت لكل مسلم حيث ما كان وكيف كان على ولي أمره، أوجبت عليه حقوقاً ضرورية وحاجية وتحسينية لكل مواطن ليعيش كريماً كما أراد له خالقه سبحانه.
وأي تكريم للمواطن الذي لم يعن حكامه بدينه، ولا بنفسه، ولا بعقله، ولا بماله، ولا بعرضه؟ وأي إعجاز للمواطن الذي لم يعلم قبل أي شيء حقوق ربه تعالى، وحقوق كتابه المنزل، وحقوق رسوله المرسل، وحقوق أئمته، وحقوق إخوانه، وحقوق الآخرين؟
وأي تشريف للمواطن الذي لقن وربي ضيق على نسيان الله عز وجل واليوم الآخر، وعلى التلهف واللهث على متاع الدنيا بأي وجه، وأي فكر، وأي عقل، وأي روح، وأية همة، وأيه غيرة على الدين والوطن ومبادئه؟ أية ترتقب من المواطن الذي فرغ من الاعتزاز بالقيم الكريمة التي تجعله كائناً حياً يحس ويشعر ويميز بين الحسن والقبح، بين الكرامة والإهانة، بين العزة والذلة، بين التضحية والجبن، بين الحرية والعبودية؟
إننا نرى المواطنين في الدول الغربية التي يغلب على أنظمتها العدل والمساواة بين شرائح الأمة، نراهم يفخرون بأوطانهم ويعتزون بالانتماء إليها، ولا يهاجرون منها إلا استثناء. وقد قال لأحد الدنماركيين عشاق المغرب: "قال لو كنا نحن نملك أرض المغرب لاستولينا على أمريكا".
من المعلوم من المعلوم عندنا أن الله يؤيد الفاجر العادل، ويخذل المسلم الفاجر الجائر الظالم. وإذا كان حب الأوطان من الإيمان، فكيف يحب المسلم وطنه ولم ينشأ فيه على حلاوة الإيمان، وعلى هدي الإيمان، وعلى معرفة الإيمان؟ بل كيف، بل كيف يضحي المواطن المسلم، كيف يضحي بنفسه وماله في حماية وطنه وهو لم يتوفر له في وطنه الغني، لم يتوفر له في وطنه الغني أدنى درجات الكرامة؟
وإذا كانت حماية الوطن مسؤولية الحاكم والمحكوم، مسؤولية الراعي والرعية، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الكل: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته". الحديث، هذا الحديث أخرجه الشيخان البخاري ومسلم.
ويقول عليه الصلاة والسلام فيمن ولي شيئاً، شيئاً، أي شيء، مفهوم الشيء المطلق، ولي حتى الذي رعى الدواب، حتى الذي ينظف الشوارع، حتى الذي يمسح الأحذية، من ولي شيئاً من أدنى مسؤولية إلى أعلى مسؤولية، من ولي شيئاً من أمور المسلمين، هكذا يقول صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد يسترعيه الله رعية، رعية الحيوان، رعية المال، رعية المشي، رعية النبات، رعية الغابة، رعية البحار، رعية الرمال، راعية الجبال، رعية الصخور، رعية الإدارة، رعية التدريس، رعية القضاء، كل ما يسترعى، ما من عبد يسترعيه الله رعية، نكرة، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة". الحديث رواه الشيخان البخاري ومسلم.
ويحذر صلى الله عليه وسلم من الإفلاس يوم العرض على الله تعالى، يوم لا فرصة لتعويض الخسائر، فيقول صلى الله عليه وسلم: "أتدرون، أتدرون ما المفلس؟" قالوا: أي الصحابة، المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال صلى الله عليه وسلم: يصحح، يصحح المفهوم عند الصحابة، كما صحح لهم السرعة، قال: "إن المفلس من ياتي يوم القيامة، يوم القيامة، ياتي بصلاة وصيام وزكاة". يعني أنه صلى وقبلت منه، سجلت، وزكى وسجل ودونت له، وصام وقبل منه، ومدون ذلك في صحائفه. لكن ياتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا.
أنتم يخفى عليكم أيها الأحبة، أن مجموع هذه الخطايا لا تجتمع إلا في حاكم. وما دون الحاكم قد يكون فيه بعضها، لأن الحاكم له سلطة يفعل فيها ما يشاء، حتى الدماء يسفكها. إن المفلس ياتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة. أيه، وكيف نسمي من ياتي يوم القيامة بلا صلاة ولا صيام ولا زكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك هذا وضرب هذا، وليس له صلاة ولا صيام ولا زكاة؟ هذا، هذا ليس مفلساً، هذا ضائع مطلقاً في الضياع المطلق، كأنه لا وجود له يوم القيامة. أما هذا له اعتبار أولاً، ولكن ذلك الاعتبار سيفيده، لا تنفعه صلاة ولا صيام ولا زكاة. فكيف بالذي لا صلاة ولا صيام ولا زكاة، كذا ومع ذلك ارتكب هذه الجرائم كلها؟
يقول صلى الله عليه وسلم: "فيعطى هذا"، أي الذي شتمه، "يعطى من حسنات المفلس". وهذا من حسناته، أي الذي قذفه، وهكذا وهكذا وهكذا، وهذا وهذا. يقول صلى الله عليه وسلم: "فإذا حسنيات حسناته لم يبق للمفلس حسنة". حسناته انتقلت إلى الذين ظلمهم، وحقرهم، وأهانهم، واعتدى عليهم في الدنيا. كل ما لهذا، إذا هذا كان له حسنات فحسناته تنتقل إلى غيره، إلى الذين ظلمهم.
وإذا فنيت حسناته وبقي الآخرون يطالبون بحقوقهم، فإذا فنيت حسنته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم من سيئاتهم وذنوبهم فطرحت عليه، عدلاً من رب العزة، لأنهم لم يقتضوا دينهم منه. وما دامت حسناته انقضت وانتهت وهم يطالبون بحقوقهم التي لم يؤدها بعد، فإن الله عز وجل يعذر ويأخذ سيئاتهم ويضعها، فطرحت عليه. فإذا حسنته نفذت وطرحت عليه السيئات من قبل الذين اعتدى عليهم وظلمهم وانتهك حرماتهم، ثم يطرح في النار، يطرح، يقذف، يرمى في النار". الحديث أخرجه الإمام مسلم والإمام الترمذي.
والمفلس بهذا المعنى الواضح قد يكون فرداً عادياً، وقد يكون راعياً لأسرة، أو مسؤولاً عن حومة، أو مدينة، أو إقليم، أو دولة، أو دول. فلننظر العاقل، فلننظر العاقل كم سيقوم من الخلق يوم القيامة يأخذون من حسنات المفلس حتى إذا فنيته طرحوا عليه سيئاتهم وخطاياهم، وخاصة إذا كان المفلس ذا رعية واسعة ومسؤولية شاملة، مديدة عمرها. إلا ما أعظم وما أوسع وما أقحسرات ذلك المفلس حينما تقوم المخلوقات، الإنسان والحيوانات والنباتات وغيرها من المخلوقات كلها تطالبه بحقوقها التي أهملها وفرط فيها.
إن إهانة المواطن المسلم في وطنه وحرمانه من حقوقه هو طرح وإهمال لأحكام الله تعالى، هو طعن في كتابه الحكيم، هو إعراض عن سنة رسوله الكريم، وهو مخالفة للصحابة والتابعين والأئمة المهتدين.
على أن كل ما ذكرناه ليس معناه إعفاء أفراد الشعب المواطنين من المسؤولية والمحاسبة والمجازاة خيراً أو شراً، بل كل رعية أكرمها الله بإمام عادل يراعي فيهم ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويسوسهم بشرع الله، ويجمع شملهم على طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقيم بينهم العدل، ويعمل على أعزازهم وإكرامهم وتزكية نفوسهم وتربية هممهم، وجب عليهم، وجب عليهم طاعته في المعروف ومؤازرته في السراء والضراء، ولا يجوز لهم أبداً مخالفته ولا الخروج عن طاعته، لأن طاعة الإمام الحق فرضها الله ورسوله بالحق.
ولكن ما لم يكن الراعي ولا الرعية متعاونين خاضعين لمنهج الله والرسول، شملهم جميعاً قول القائل: "كما تكونوا يولى عليكم"، وحق فيهم أو عليهم قول آخر: "وما من ظالم إلا سيبلى بأظلم". إذا ما أهان امرؤ نفسه، فلا أكرم الله من يكرمه. وإذا ما أهان امرؤ نفسه، فلا أكرم الله من يكرمه. وقال زهير بن أبي سلمة: "ومن لم يكرم نفسه لم يكرمي".
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.