Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الأخوة الكرام، لكم التحايا العاطرات. في هذه الحلقة، بإذن الله، سنبين موقف التفاسير الكبيرة التي أسست عليها المنظومة الفقهية من قضية التطابق، أو التي تسمى بالتبادل، وأسميها أنا بالتطابق. بكل أسف، لم تتناول التفاسير القرآن الكريم إلا بافتراض التطابق في كل صفحة من صفحات القرآن. ولو ذهبنا إلى أي تفسير من التفاسير الكبيرة، سنجد أنهم فسروا مفهوم الريب بمعنى مفهوم الشك. ذلك الكتاب لا ريب فيه. ستجد المفسر يفسر كلمة ريب على أنها شك، مع أن كلمة شك وردت في النص القرآني بشحمها ولحمها. فما هو الفرق في الدلالة بين المفهومين؟ وبين مفهوم الشك؟ ماذا يعني أن هذا الأمر لا شك فيه؟ وماذا يعني أن هذا الأمر لا ريب فيه؟ هل هو مجرد استعراض للمقدرات اللغوية؟ تعالى الله عن ذلك وعلوم كبيرة. فالمعنى في القرآن، ومعنى القصدي، يقوم على وزن الحرف الواحد. إذًا، سنحاول في هذه الحلقة أن نقف عند مدلول مفهوم الريب والشك. وهو مختصر وغير معقد. عندما نتحدث عن الريب، فنحن نتحدث عن خلل ذاتي في ذات الشيء. الريب خلل ذاتي، بينما الشك خلل في إثبات الوجود من عدمه. عندما أقول: لا شك في هذا القلم، فأنت تعني: هل هذا القلم موجود فعلاً أم أنه غير موجود؟ فالشك في الوجود من عدمه، بينما الريب خلل ذاتي في ذات الشيء. بمعنى آخر، عندما تحدث الله سبحانه وتعالى عن عظمة القرآن الكريم، قال تعالى: ذلك الكتاب لا ريب فيه. بمعنى: إذا تفحصت الخطاب والسياق فيه، لا تجد فيه خلل. يستطيع هذا النص أن يثبت من داخله. ضرب فيه. قال تعالى: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بصوره من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين. هنا يتحدث عن خلل ذاتي، بدليل أنك لو عندك مشكلة أو خلل في هوية النص، فأت بصوره من مثله. هنا لا يتحدث عن إثبات الوجود من العدم. لذلك، نجد عندما يتحدث الله سبحانه وتعالى عن ميعاد الآخرة، وينفي عنه الريب، نجده دائماً يأتي بالريب. يعني لا يمكن أن تجد آية في القرآن الكريم ربنا بيقول فيها: إنك جامع الناس ليوم لا شك فيه. لأن الآية لو قالت: إنك جامع الناس ليوم لا شك فيه، يكون هنا قد أثبت وجود اليوم الآخر كوجود، هو يوم جاي فيه، ولكنه لم ينفِ عنه الخلل الذاتي يمكن أن تقع فيه الظالم. طالما أن الآية قالت: إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه، هنا نفى الخلل الذاتي في ذات اليوم. بمعنى أنه لا يمكن أن تقع فيه أي نوع من المظالم، ولا غياب. ما في حدّ حيكون غياب، يعني ما في شخص يوم القيامة. يا جماعة، نصل إلى نتيجة: كل ما لا ريب فيه بالضرورة لا شك فيه، لأنه وجوده قد أثبت سلفاً. لذلك في اليوم الآخر، إذن مفهوم الريب هو أوسع من مفهوم الشك. إذن لنرى كيف جاءت كلمة شك وهي تتحدث عن إثبات الوجود من العدم. وكما ذكرت لكم أن الشك يقع في: هل الشيء موجود أم أن الشيء غير موجود؟ فإذا ذهب شخص إلى مكان ليبيع مثلاً هاتفاً، وأردت أن تبين للبائع أن هذا الهاتف لا خلل فيه، ما في مشكلة في الصوت، ولا في مشكلة في الشاشة، ولا فيه أي عيب، فإنك تقول: هذا الهاتف لا ريب فيه. أنت تنفي عن الهاتف الخلل الذاتي. أما أن تقول: لا شك فيه، فإنك تتحدث عن: هل الهاتف موجود فعلاً أم أنه غير موجود؟ بغض النظر عن الخلل الذاتي. إذًا، الشك يتحدث عن الوجود من العدم، بينما الريب ينفي الخلل الذاتي. لذلك ربنا يقول: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك. لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين. هنا يتحدث عن إثبات وجود القرآن، هل هو حق من الله سبحانه وتعالى أم أنه أنزل من جهة أخرى؟ لا يتحدث عن الخلل الذاتي في النص القرآني. الآية تخاطب النبي، الله سبحانه وتعالى يقول له: فإن كنت في شك، لم يكن له، فإن كنت في ريب، لو قال له: إن كنت في غيب، هنا يطلب منه أن يتفحص النص نفسه. إنما هنا يتحدث أو يخاطبه في إثبات وجود النص القرآني كحق منزل من الله سبحانه وتعالى. فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك. لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين. إذًا أيها الأحباب، الشك هو خلل في إثبات الوجود من العدم، بينما الريب هو خلل في ذات الشيء. هذا هو معنى الفرق بين مفهوم الريب والشك. الأخوة الكرام، إلى أن نلتقي بكم في الحلقة القادمة، أترككم في حفظ الله ورعايته. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. [موسيقى]