📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

حياة الأموات، كيف يقضون أوقاتهم في قبورهم؟ وكيف يشعرون بالأخرين؟ | الشيخ عبدالرحمن الباهلي

استوديو يقين الدعوية - Yaqeen Studio30:49

Transcription

بعد أن ينتقل الإنسان من حياته إلى المرحلة الثانية، وهي مرحلة البرزخ. البرزخ هو الفترة الانتقالية ما بين الحياة الدنيا والحياة الأخرى. وهذه الحياة لا تتعلق بالقبور، فهناك من يموت غريقاً، وهناك من يموت حريقاً، وهناك من يموت في حال لا يعلم ولا يدفن. فتبدأ حياة البرزخ بمجرد أن ينزل هذا الإنسان أو يموت.

ويمر بخمسة أحوال. الأولى اسمها الضجعة، وهي فترة انتقال الروح، خروج الروح. "كشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد". يرى الملائكة أمامه. تستل الروح، ترتفع إلى السماء، تنزل من السماء السابعة إلى الأرض، ثم بعد ذلك تعود إلى جسده. فيحمل على الأكتاف. والمؤمن كما ورد في الحديث الصحيح يقول: "قدموني قدموني قدموني" لأنه سعيد بما هو مقبل عليه من حياة جميلة. رأى الملائكة بيض الوجوه ومعهم حنوط الجنة وكفن الجنة، فعندها يكون سعيداً ويسعد بما هو قادم إليه.

بعد ذلك تأتي المرحلة الثانية من مراحل البرزخ، وهي مرحلة الضمة. وهي ضمة شديدة على غير المؤمنين، وضمة خفيفة على المؤمنين، لكن لا يسلم منها أحد. وقال عنها النبي عليه الصلاة والسلام: "لو سلم منها أحد لسلم منها سعد بن معاذ". وسعد هو الذي اهتز لموته عرش الرحمن. لا يسلم منها. هاته الضمة هي توطئة للمرحلة التي بعدها، لأن مرحلة ثقيلة جداً، وهي مرحلة نزول الملائكة. تنزل الملائكة فيجلسان هذا الإنسان، ثم بعد ذلك يسألانه ثلاثة أسئلة: "من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟". هناك يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. إنسان منقطع لا ذاكرة لديه إلا ما يذكره الله عز وجل. ولذلك المؤمن مباشرة: "ربي ديني الإسلام، نبيي محمد". يكررها حتى لأنه سعيد بأنه عرف الإجابة.

عندها ننتقل إلى المرحلة التي بعدها. ما هي؟ وهذا في قبره جالس في قبره، أو المرأة جالسة في قبرها. فجأة ينزل عليها أو عليه رجل أو امرأة، المهم شخص يؤنسه في قبره. فهذا ينظر إليه، فإن كان شكله جميلاً ومنظره حسناً يقول: "من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير، وريحك طيبة. من أنت؟" فيقول: "أنا عملك الصالح، أنا صلاتك، أنا صيامك، أنا قيامك، أنا ذكرك، أنا دعائك". فعندها يسعد ويفرح، ويلازمه هذا الذي شكل على شكل إنسان وهو عمله إلى أن تقوم الساعة. وإن كان عكس ذلك، نزل إليه رجل أو امرأة سيء الوجه، سيء الريح، كريه المنظر، كريه المعشر، فيقول: "من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يأتي بالشر". فيقول: "أنا عملك السيء، ذلك بما قدمت يداك، وإن الله ليس بظلام من العبيد".

المرحلة الخامسة وهي الأخيرة في مراحل البرزخ. أن العبد يقال له: "انظر". إذا كان من أهل الإيمان، ينظر إلى شماله فينظر، فإذا النار يحطم بعضها بعضاً، فيخاف. فيقال له: "لا، هذا مقامك لو أنك عصيت الله". ينظر إلى يمينه، فإذا نظر يرى الجنة، فيقال: "هذا مقعدك لأنك أطعت الله". عندها يصيح: "يا رب أقم الساعة كي أرجع إلى أهلي ومالي". أما الآخر، فإنه العكس. ينظر إلى يمينه فيرى الجنة فيفرح ويستبشر، مع أنه رأى العمل ورأى ولم يجب على الأسئلة، لكن يقال له: "هذا مقعدك لو أنك أطعت الله". لكن انظر إلى يسارك، فإذا نظر، فإذا النار يأكل بعضها بعضاً، فيصيح ويخاف، فيقال: "هذا مكانك لأنك عصيت الله". ثم بعد ذلك يقول: "يا ربي لا تقم الساعة". لماذا؟ لأنه عالم بما سيحدث له في المستقبل.

هذه هي حياة البرزخ. كم يجلس فيها الإنسان؟ آلاف السنين، ملايين السنين، الله أعلم. لكنها سبحان الله هي عبارة عن نومة، نومة طويلة. ولذلك الناس، لكن نومة المؤمن نعيم، ونومة غير المؤمن عذاب. لأنه بعض الناس يعذب في قبره، يعذب في قبره مثل آل فرعون، يعرضون في قبورهم على النار ليلاً ونهاراً. وهناك من يعذب في حياة البرزخ بأن يمشط بأمشاط الحديد، ومنهم من يسبح في بحار الدم. المهم أنه العذاب، طبعاً العذاب قد يكون على الجسد والروح، ولكن في الغالب هو على الروح أكثر من الجسد. يجلس فترة طويلة حتى أن العباد إذا قاموا يوم القيامة يقولون: "كم لبثتم؟" قالوا: "يوماً أو بعض يوم". يعني يا يوم، يا أقل من يوم، مع أنه جلس ألف سنة في قبره.

البرزخ تنتهي فترته عند النفخ في الصور. والنفخ نفختان. النفخة الأولى هي التي يصعق فيها من في السماوات ومن في الأرض، ولا يبقى إلا الله جل جلاله. "فكل شيء هالك إلا وجهه". يجلس الناس بين النفختين أربعين. لم يحددها النبي صلى الله عليه وسلم: أربعين يوماً، أربعين شهراً، أربعين سنة، الله أعلم. ثم ينفخ النفخة الثانية. قبل النفخة الثانية ينزل مطر غليظ، فننبت من جديد، كلنا ننبت من جديد، وتعود أجسادنا، لكن في خلق آخر، ليس كخلق الدنيا. التشابه واحد، لكن في صفات مختلفة. المهم بعد أن تنبت الأجساد، ينفخ النفخة الثانية، فتنطلق الأرواح من حيث كانت. الله عز وجل وجل، أين وضعها الله أعلم. وتعود كل روح إلى جسدها. فيكون أول من ينشق عنه القبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم نقوم ننفض الغبار عن رؤوسنا ونقف. ونكون حالنا كالفراش المبثوث، مبعثرين نحن وحولنا الوحوش. وكل أمة، كل طائر يطير بجناحيه، وكل دابة على الأرض هي أمم أمثالنا سيحشرون معنا في ذلك الموقف العظيم.

في اللحظة ذيك، وفي تلك الربكة، يأتي إسرافيل، فيكون هو الداعي الذي قال عنه الله: "يتبعون الداعي لا عوج له". عندما نرى إسرافيل نمشي خلفه. أنا أقول عندما نرى، لأننا نحن سنكون في ذلك الموقف. نرى إسرافيل، فننمشي خلفه، فيتعدل وضع الناس، بدل ما كانوا كالفراش، يصبحون كالجراد المنتشر، "مهطعين مقنعي رؤوسهم، لا يرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء". غرلى بهما حفيا، عرياً، نأتي والمقام مقام خطير. ونصل خلف إسرافيل إلى أرض عظيمة غير هاته الأرض، وتحت سماء غير هاته السماء، لأن الله بدلها. أرض المحشر التي كال أرض، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، صافية، ليس فيها ارتفاع ولا انخفاض. فنقف. وأول ما نبحث عنه نبحث عن الماء. فكل أمة ترى نبيها وحوله حوضه. ونرى هناك حبيبنا صلى الله عليه وسلم ومعه حوضه العظيم. فينادينا، يعرفنا كيف يعرفنا بجباهنا وأنوفنا وأيدينا وأرجلنا من آثار الوضوء. فنذهب إليه، فيشرب منه من مات على سنته صلى الله عليه وسلم. ويبعد أقوام نفاق كفر، بدلوا الدين، يطردون من هذا الحوض. ولا يشترطون.

يقف الناس في ذلك المحشر. ما هي أحوالهم؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "يبعث كل إنسان على ما مات عليه". فتخيل أشكال الناس. واحد يبعث يقرأ القرآن، وآخر يبعث وهو يؤذن، وآخر يبعث وهو يصلي، وآخر يبعث وهو يسبح، وآخر يبعث وهو يشرب الخمر، وآخر يبعث وهو يغني، وآخر يبعث وقد حمل الأراضي التي ابتلعها من الناس، وقد طوقها الله حول خلقه حول حلقه من تحت سبع أراضين. وآخر آخر يبعث وقد حمل على ظهره ما غله من الناس. يوم القيامة، إنه يوم الفاضحة، وأيضاً هو يوم العز للمؤمنين الصادقين.

يقف الناس صفوفاً. ويبدأ أول الأمر الحساب بين الوحوش. فكل وحش ظلم، يأخذ حقه من الذي ظلمه. فبعد ذلك يتحولون كلهم إلى تراب. عندها يقول الكافر: "يا ليتني كنت تراباً، يا ليتني كنت بهيمة ولم أكن إنساناً". لأني سأخسر في ذلك المقام. الناس في هولهم، في خوفهم، في رعبهم. يأتي مناد ينادي: "ينادي الناس استروا هذا، استروا هذا". فيكسى المؤمنون. وأول من يكسى إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم. ثم ينادى أقوام الذين نشأوا في طاعة الله، الشباب: "اذهبوا إلى ظل يوم لا ظل إلا ظله". الذين تعلقت قلوبهم في المساجد: "اذهبوا إلى ظل". الذين تركوا الحرام لوجه الله، الذين أنظروا المعسرين، الذين خلفوا الغزاة، الذين بكوا من خشية الله، أقوام أقوام يخرجون ويذهبون إلى ظل يوم لا ظل إلا ظله. فيمر عليهم فترة الخمسين ألف سنة التي هي يوم المحشر كصلاة ظهر أو صلاة عصر، كالصلاة المكتوبة، دقائق تمر. أما القوم الآخرون، فتدنو الشمس من رؤوسهم، ليس بينهم وبينها إلا ميل. فيلجمهم العرق، أن يغطيهم، ويضرب العرق في بطن الأرض. كل هذا إهانة لهم.

ثم بعد ذلك تتبع كل أمة ما كانت تعبد. تتبع هناك كل أمة ما كانت تعبد. عباد الأصنام خلف أصنامهم، وعباد البقر خلف أبقارهم. وكل أمة كانت ضالة تتبع ما كانت تعبد. حتى إذا خف المحشر، تبدأ المرحلة التي بعده، وهي مرحلة الشفاعة. هذه المرحلة يتعب الناس من الوقوف. تخيل خمسين ألف سنة والناس واقفة في خوف، في ألم، في رعب، في تعب، في شمس، في حر، في عطش، في ضنك. ثم بعد ذلك تأتي مرحلة الشفاعة، وهي التي بإذن الله نتحدث عنها في درسنا القادم. أسأل الله أن يختم لنا بخير، وأسأل الله أن يجعلنا من المرحومين يوم المحشر. أسأل الله أن يرحمنا برحمته. والله إن الموقف خطب جلل. عندما يكون الناس في أرض المحشر، ويأتي ربنا جل جلاله لفصل القضاء بين العباد. فالله تبارك وتعالى مجيئه عظيم. قال الله تعالى عن نفسه: "وجاء ربك والملك صفا صفا". تخيلوا ذلك المشهد العظيم. والله تبارك وتعالى يحمل عرشه ثمانية. يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم: "أذن لي أن أتكلم عن أحد حملة العرش، ما بين شحمة أذنه ومنكبه يطير الطائر سبعمائة سنة". وربنا تبارك وتعالى طالما سمع من عباده، وطالما حلم عليهم، وأمد لهم في الأعمار، ووسع عليهم في الأرزاق، وأرسل لهم الأنبياء، وأنزل الكتب. ثم إذا بالخلق عندما يحشرون إليه، لا يدخل الجنة إلا واحد من كل ألف. ولذلك يغضب الله عز وجل غضباً عظيماً في ذلك اليوم.

الناس تقف في ذلك الموقف خمسين ألف سنة، فيملون ويضجرون، حتى أن قائلهم ليقول: "اذهبوا بنا إلى النار، خلصونا من هذا المقام". تخيلوا معي المشهد. والبشر كلها تجتمع. يذهبون إلى من؟ يذهبون إلى أبونا آدم. يذهبون إلى آدم: "يا آدم، أنت أبونا، أنت أبو البشر، أنت أول الأنبياء، اشفع لنا عند الله، نريد أن نخلص من هذا اليوم الطويل، نريد الحساب، وبعد ذلك أما إلى جنة أو إلى نار". فيقول آدم: "إن الله قد غضب غضباً لم يغضب مثله، وإني قد أخطأت مرة واحدة في حياتي، أكلت من الشجرة". مع أن الله عفا عنه، لكنه يخشى أن يشفع للناس. "اذهبوا إلى غيري". يذهبون إلى نوح. فينطلقون إلى نوح، ذلك النبي الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم. أبو البشر الثاني، وثاني أولي العزم من الرسل، وأول الرسل. يذهبون إليه: "يا نوح، اشفع لنا عند الله". فيرفض، لأنه دعا على قومه، ويخشى من عقوبة هذا الأمر. وربنا قد غضب غضباً عظيماً. "اذهبوا إلى غيري". فينطلقون إلى إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم، خليل الله. ومن أعظم من رسول الله إبراهيم؟ أبو الأنبياء، الرجل الحليم، الحنفي، التقي. يصلون إليه: "اشفع لنا عند الله". فيرفض، لأنه كذب ثلاث كذبات في حياته كلها. وهو الذي لبث العمر الطويل بين قومه. وكذباته ما هي؟ قال: "فعله كبيرهم هذا" عندما كسر الأصنام. وقال: "إني سقيم" عندما قالوا: اذهب معنا إلى العيد. ولما أرادوا أن يأخذوا منه زوجته، قال: "هذه أختي". هذه كذباتكم معدودة. ومع ذلك يخاف الشفاعة. "اذهبوا إلى غيري". فينطلقون إلى موسى عليه الصلاة والسلام. فيقول: "إني قد قتلت نفساً". ومع أن الله تاب عليه وأعطاه المراتب العلى بعد تلك الحادثة، إلا أنه يخاف أن يشفع. "اذهبوا إلى غيري". فينطلقون. البشر كلهم يمشون، يركضون، كل منهم قد بلغ الخوف إلى حنجرته. يذهبون إلى عيسى، إلى ذلك النبي المطهر. "يا عيسى، يا نبي الله، اشفع لنا". فيرفض أن يشفع. ثم لا يعد ذنباً، لأنه لا ذنب معه. "اذهبوا إلى غيري". فيصلون إلى حبيبكم محمد صلى الله عليه وسلم. فيقول: "أنا لها، أنا لها". ارفع رأسك برسول الله. هذا الذي يجعلك يجب عليك أن تحب رسول الله، هو الشافع لك في ذلك اليوم. كل الأنبياء أعطوا دعوة في الدنيا فاستنفذوها، إلا محمد صلى الله عليه وسلم ادخر لنا لي أنا وأنت دعوة لكي يشفع لنا بها عند الله عز وجل. "أنا لها، أنا لها". هو سيد البشر، سيد ولد آدم. يقوم فيسجد تحت العرش سجوداً عظيماً. فيفتح الله عليه من المحامد والتسبيح والتهليل الشيء العظيم. ثم يقول الله له: "يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع". فيشفع الرسول صلى الله عليه وسلم شفاعتان عظيمتان. الأولى: أن يبدأ الحساب بين الخلائق. والثانية: شفاعة خاصة لنا. هذه أولها. وتستمر شفاعاته صلى الله عليه وسلم، لأنه لن يهنا له وموحد من أمته في النار. اللهم صل على رسول الله.

ثم بعد ذلك يأمر الله تعالى كل أمة أن تتبع ما كانت تعبد. فيبدأ عباد الأصنام، وعباد الأشجار، وعباد الأحجار. يتبعون: "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم، أنتم لها واردون". ثم يؤتى باليهود: "من تعبدون؟" "نعبد العزير". فيتمثل لهم شخص بصورة العزير، فيتبعونه، وإلى جهنم. والنصارى، وإلى جهنم. ولا يبقى بعد ذلك إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ويبدأ بعد ذلك العرض والحساب والميزان والصراط. وهذا بإذن الله نتطرق له في الدروس القادمة. أسأل الله أن يرزقنا شفاعة ساعة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم. اللهم إنا أحببنا رسولك وما رأيناه، فاجمعنا به، ولا تحرمنا شفاعته، صاحب المقام المحمود عليه صلاة الله وسلامه.

بعد أن يقوم الرسول صلى الله عليه وسلم للشفاعة العظمى للخلائق، ويسجد تحت العرش سجوداً عظيماً في يوم مهيب، يوم تشرق فيه الأرض بنور ربها، لا شمس هناك ولا قمر، وإنما نور الله عز وجل هو الذي يغشى الموقف العظيم. ويأتي ربنا جل جلاله في موكب مهيب عظيم: "وجاء ربك والملك صفا صفا". يأتي ربنا عز وجل ليفصل بين عباده. فالله تبارك وتعالى لا يمكن أن يعذب إنساناً حتى تقوم عليه الحجة. "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا". هذا وعد الله عز وجل. ولذلك يأمر الله تعالى بعد شفاعة الحبيب صلى الله عليه وسلم أن تنصب محكمة عظيمة. محكمة جنودها ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. محكمة نحن المتهمون فيها. محكمة شهودها تشهد الجوارح والأرض وكل شيء يشهد. وقاضيها هو الله جل جلاله. فلا ظلم ولا رشوة ولا تزوير ولا كذب.

ثم بعد ذلك يأتي ربنا تبارك وتعالى بالملائكة، يأتي بالأنبياء. يأتي بالأنبياء فيسألهم: "هل بلغتم الرسالة؟" "وجئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيداً". فكل نبي يشهد أنه بلغ رسالة الله، وتشهد له الملائكة بأنه بلغ. قامت الحجة الآن من الأنبياء. ثم يأتي الملائكة، تأتي مع كل نفس سائق يسوقها، وشهيد يشهد عليها أمام الله عز وجل، حتى لا يكون هناك ظلم على العباد. ويبدأ بعد ذلك الحساب. خمسة أصناف أذكرها لك في ذلك الموقف.

أما الصنف الأول: فمن ماتوا على الشرك وهو يعلمون أنهم مشركون. من ماتوا على الشرك وهم لا يعلمون أنهم مشركون، لهم حكم. لكن من مات وهو مصر على الشرك، هذا لا يغفر الله له. "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء". لذلك يأمر الله تعالى كل أمة أن تتبع ما كانت تعبد. فيخرج هبل ويتبعه من كانوا يعبدوه، وتخرج اللات ويتبعها من كان يعبدها، ويخرج كل مخلوق عبد من دون الله ويذهب به إلى جهنم. كما قال الله: "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم، أنتم لها واردون". هذا الصنف الأول.

الصنف الثاني: هو الكافر. هذا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أو من الأمم السابقة وأدرك الرسالة لكنه كفر. يأتي به الله فيسأله الله تعالى: "ألم أسودك؟" يعني ما جعلتك سيداً في قومك؟ "ألم أربعك؟ ألم أزوجك؟ ألم أسخر لك الخيل والبغال؟ ألم ألم؟" يسأله. وهذا يقر: "نعم يا رب، نعم يا رب، نعم يا رب". فيسأله الله: "هل آمنت أنك ستقف أمامي؟" "آمنت بك؟" فيقول: "لا". فيقول: "إذاً أنا أنساك اليوم كما نسيتني في الدنيا، كما نسيتني". ثم يأمر الله به فيذهب به إلى جهنم.

ثم يأتي الصنف الثالث: وهو المنافق. المنافق يقف أمام الله فيسأله الله أيضاً: "ألم أسودك؟ ألم أزوجك؟ ألم ألم؟" وهو يقر. ثم يسأله الله: "ما فعلت؟" فيقول: "صليت وصمت وتصدقت وعملت". وهذا يظن أنه يخادع الله عز وجل، ونسي أن الله يقول: "قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله". ويعلم ما في السماوات وما في الأرض، والله على كل شيء قدير. عندها يقول الله له: "إذاً نأتي بشاهد عليك". فيستغرب: "من الذي يشهد علي؟" فيختم الله على فمه، وترتفع يده: "اللهم اللهم يا ربي، إني أشهد أني قد كتبت وبعت ومنعت وأعطيت". ثم ترتفع اليد اليسرى وتشهد، ثم تشهد العين وتقول: "وأنا رأيت"، وتشهد الأذن وتقول: "وأنا سمعت"، وتشهد الرجل وتقول: "وأنا مشيت"، وتشهد الأرض وتقول: "وأنا حملت". ويشهد الله ويقول: "وأنا سترت، لكنك أبيت إلا الفضيحة". فيفضحه الله على رؤوس الأشهاد. ثم يأخذ كتابه بشماله، وإلى إلى جهنم.

ثم يأتي الله تعالى بالعصاة. وهذا الصنف الرابع من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. لكنهم ظلموا وبطشوا وسفكوا وقتلوا وأفسدوا في الأرض. وهذا هو المفلس عنه النبي صلى الله عليه وسلم. "أتدرون من المفلس؟" قالوا: "من لا درهم ولا دينار عنده". قال: "المفلس يأتي بحسنات كجبال تهامة، لكن يأتي وقد أكل مال هذا، وشتم هذا، وسفك دم هذا، ثم يقتص لهم هذا". تحت رحمة الله. قد يعذبه، قد يكتفى بالعذاب السابق، قد الله أعلم. لكنه لا نحكم عليه لا بنار ولا بغيره، لأنه موحد معه لا إله إلا الله. الكلمة التي تعصم دمه في الدنيا والآخرة. لا تظن كلمة لا إله إلا الله سهلة.

أما الصنف الخامس: أسأل الله أن نكون منه، قولوا آمين. فهو العبد الذي يأتي به الله عز وجل أمام الناس، أو المرأة التي عبدت ربها في حياتها. فيتقدم أو تتقدم الناس أمامها، خلفها. والله تعالى يحكم أمامها أو أمامه. ثم يتقدم العبد، حتى إذا وقف بين يدي الله وهو خائف، عنده شيء من الأمل، لأنه شرب من حوض رسول، ورأى الجنة في قبره. لكن الموقف مهيب. فإذا وقف أمام الله، يستره الله بستره، فلا يراه أحد إلا الله. ثم يسأله الله. يبدأ ربي عز وجل يقول له: "أتذكر اليوم الفلاني؟" يعني مثلاً، تذكر يوم الأحد الموافق مثلاً في محرم لعام 1400 هجري؟ تذكرونه يا إخوان؟ ما نذكره. لكنه مكتوب عند ربي. فيقول: "أتذكر ذلك اليوم؟" "أتذكر يوم أن تذهب أنت وفلان وفلان وفلان وتفعلون الذنب الفلاني؟" تذكره؟ فيقول: "نعم يا ربي". أذكره. لأنه يقرأ كتابه. "وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا". نعم يا ربي، أذكره. يقول: "أتذكر الذنب الفلاني يوم كذا وكذا؟" ويبدأ يذكره الله بذنوب هو نسيها، لكنها في كتاب مسجلة، مدونة، مثبتة. وكلما ذكره بذنب، خاف، خاف حتى كاد أن يهلك. وربي لا يمكن أن يعذبه، ويريد أن يرحمه. فيقول: "لا عليك، لا عليك، سترتها عليك في الدنيا، واليوم أنا أغفرها لك". الله أكبر! كم يسترنا الله يا أحبابي! كم ذنب فعلناه في الخلوات، وربي يستره ولا يفضحه. المؤمن التائب الذي ذكر الله خالياً ففاضت عينه، الذي عاش حياته تائباً منيباً إلى الله، والله لا يخذله الله عز وجل. لأنه قال: "إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون، لا يسمعون حسيسها، وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون". لا يحزنهم الفزع الأكبر، وتتلقاهم الملائكة: "هذا يومكم الذي كنتم توعدون". اعملوا لذلك اليوم. لا تظن صلاتك هذه تضيع عند الله. لا يضيع أجر المحسنين أبداً. فاحسن وأقبل وتب، حتى إذا وقفت ذلك اليوم، وجدت أن الله تعالى يغفر ذنوبك. فماذا يقول الله له؟ "خذ كتابك". فيأخذه بيمينه، فيخرج يراه الناس وقد حمل الكتاب بيمينه. "ها أم اقرأوا كتابيه، إني ظننت أني ملاق حسابيه". فهو في عيشة راضية. هذا هو الصنف الخامس.

ماذا يحدث بعد ذلك؟ ينتقل هؤلاء إلى أرض مظلمة بعد أن ينتهي العرض، عرض الأعمال والحساب، ولإتمام العدل. لأن الله عز وجل وعد أن من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. لذلك العباد يأخذون صحائفهم معهم وينطلقون بعد الحساب إلى مقام عظيم. ورد في حديث حسنه بعض أهل العلم أن عائشة رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "يا رسول الله، في يوم القيامة لكم أهلون؟ أتذكرونهم؟" فقال: "أما في ثلاث مواضع فلا يذكر أحد". وذكر منها هذا الموضع، وهو موضع الميزان. ما هو الميزان؟ ميزان خلقه الله عز وجل، له كفتان. ميزان حقيقي له كفتان. الكفة الواحدة تسع السماوات والأرض من عظمتها. ووحدة قياس هذا الميزان ليست الجرام ولا أقل من ذلك، بل أنه من يعمل مثقال ذرة، ذرة، ولو خردلة، ولو أقل من ذلك، فهو موجود عند الله عز وجل.