Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الإخوة الكرام، طابت أوقاتكم بكل خير. في الحلقة السابقة، ونحن نؤسس بصفة عامة لمفهوم القضاء والقدر، ثم دلفنا إلى بيان ما هو القدر، وأنه ينتسب إلى الله سبحانه وتعالى فقط، وفقط لا غير. وذكرنا أن المقدرات لله سبحانه وتعالى، استوى على عرشه استواء منتظم، ما فوضوي. وبالتالي، هذه السنن الكونية المقدرة من الله سبحانه وتعالى تعمل بشكل منتظم. هذه الأقدار جعلها الله سبحانه وتعالى ضابطة لحركة الوجود، لا يشذ عنها أحد، لا يستطيع أحد أن يكسرها أو يلغيها. لا تستطيع أن تلغي قدراً، ولكن تتعامل معه بالقضاء. ولذلك لم نأتِ في القرآن أن مسألة القدر نسبت لغير الله. وحتى في محيط علمنا، هنالك قاضي القضاة مولانا فلان الفلان، وزير العدل القاضي فلان. عندنا القاضي، كل من درس الشريعة والقانون يتخرج محامياً ويصبح قاضياً. لكن لن يستطيع أحد أن يتخرج من الجامعات ويصبح مقدراً، لأن المقدر هو الله. وعندنا نحن ديوان القضاء، لكن ليس عندنا ديوان القدر. حصل فيكم حد يا جماعة سافر لدولة من الدول، لقى وزارة القدر؟ أو مثلاً ديوان القدر؟ ما حتلقاهم، تلقى ديوان القضاء. فالقضاء هو الآلية التي يعمل بها الإنسان في المقدرات. عشان ما تقول قضاء وقدر، تخلط ليه الأمور كلها؟ كله زي ما يقولوا كله عند العرب صابون. يا أخي، في مفهوم اسمه القدر، وفي مفهوم اسمه قضاء. بالداخلوا مع بعض كيف؟ وبيشتغلوا مع بعض كيف؟ مش أقول لك قضاء وقدر؟ القضاء هو الآلية، آلية الحكم التي يتعامل بها الإنسان مع القدر. فربنا صح جعل لك القدر ده منه هو، لكن عشان أنت تشتغل فيه صح، وأن المقدرات دي ما تضرك، أداك آلية اسمها شنو؟ اسمها القضاء. أنت التي تقضي في هذه المقدرات. وبالتالي، القضاء من الإنسان، والمقدر هو الله. الله يقضي، الله له قضاء مطلق، ولكن أنت للإنسان، لم يجعل لك الله قدراً، ولكن جعل لك قضاءً. فكما يقول الدكتور شحرور، القضاء هو حركة النفي والإثبات في الموجودات. هذا التعريف جميل، لكن يحتاج لشيء من التفصيل. أنا لا أقول القضاء هو عملية النفي والإثبات في الموجودات بس. يعني يقول القاضي عندما يقف أمامه المشتبه به والمظلوم، ينفي عن هذا التهمة، ويثبتها على هذاك. يعني منطلق عمل القاضي، يثبت على ذوي، ينفي على تهمة على ذاك. هذا كلام صحيح مئة بالمئة، لكن يحتاج إلى تفصيل. مفهوم القضاء هو آلية الإنسان للتعامل مع القدر، مع المقدرات. إذاً، ما هو شرطه؟ هل أي إنسان عنده قضاء؟ هل يختلف القضاء من شخص إلى آخر؟ إذاً، إذا افترضنا أو كما ذكرنا أن القضاء هو آلية، هل الآلية دي متاحة لأي حد بقدر متساوٍ؟ للأسف، الإجابة لا. فقضاءك أنت يختلف تماماً عن قضاء فلان، يختلف تماماً عن قضاء فلان. إذاً قائم على ماذا؟ يعني مستوى الاختلاف في آلية القضاء للتعامل مع القدر، الاختلاف بين الناس في مستوى القضاء ده قائم عليه شنو؟ قائم على العلم والمعرفة. كلما زادت معرفتك، وبالتالي ازددت تجنباً لحركة الأقدار المعاكسة. يعني باختصار شديد، كل ما أنت بقيت متعلم ومثقف وعندك معرفة، تستطيع أنك تتحكم أو تفهم كيف تجري أقدار الله وتتعامل معها. طيب، أنا أديك مثال. فلنفترض أنت جاهل، ما تعرف أي حاجة، لا عندك لغة غير لغتك، لغة زي الناس، ما عندك، لا تعرف إنجليزي، لا تعرف أي حاجة، والله خلقك ما ركبت طيارة ولا شفت أي حاجة، ولا بتعرف تتعامل مع أي شيء من مظاهر الحضارة. فجأة كده لسبب ما، خمشوك، سافرت، مشيت أقرب مدينة، دبي، القاهرة، بصمة، طار القاهرة. ده ما تتخيل أنك هتعاني قدر شنو هنا. يمكن في القاهرة اللغة، لكن مطار دبي، خليك أمريكا ونيويورك، بس في مطار دبي، لا تتخيل حجم المعاناة. ليه؟ لأنه المقدرات، القوانين والنظم الموضوعة، الضابطة لحركة المطار، دائرة معرفة أنت لا بتعرف إنجليزي، ولا بتعرف تطلع في السير ولا تنزل، ولا عارف المدخل، ولا بتعرف حركة الأسهم في المدخل، من هنا يدخل المسافر ومن هنا يخرج، الترانزيت. القضية على أنه القضية، لأنه قضاؤك أنت ضعيف. لكن لو جبت حد متمرس، وسائح، ويجيد أكثر من خمسة من اللغات، كأنه يتجول في منزله، يتعامل مع مطار دبي كأنه في بيته، ولا بتشوفه يقرا أصلاً، أنه بيقرا اليافطة دي ماشي وين، وساهم ماشي ليش؟ لأنه قضاؤه واسع، آلية القضاء عنده كبيرة عشان يتعامل مع هذه المقدرات، هذه القوانين المقدرة أمامه. إذاً يا جماعة، ده أهم مسألة، كلما ازداد الإنسان علماً ومعرفة، ازداد قضاءه في المقدرة، وبالتالي لا مناطلك من العلم. إذا أردت أن تتجنب الحركة المضادة، حركة الشر في المقدرات، عليك بالعلم. ماذا تصدم؟ تكون حاذق في السواقة، يعني كل ما ازددت معرفة في قيادة السيارة، ازددت قضاءً في أنك تتجنب الحوادث. إذاً يا حبيبي، ما تشبكني قضاء وقدر وأنت أنت لم تجتهد، ولن تجد نفسك في الحصول على الحد الأدنى من القضاء، من آلية القضاء لتتعامل مع مقدرات الله سبحانه وتعالى، وجاي بترمي اللوم عليه ربنا. إذاً يا جماعة، حركة القضاء والقدر هي الإنسان مسير ومخير، الاثنين معاً، لكن بيعملوا كيف؟ طبعاً هذا تناقض؟ لا والله ما تناقض. الإنسان مسير عند حدود في التسيير، وعند حدود في التخيير، بيعملوا مع بعض. اليوم قضاؤك قضاء الإنسان تخييراً، وقدر الله تسييراً. الحركة دي، إذا قلت لي إنسان مسير ولا مخير، أنا ممكن أقول لك الإنسان مخير في القضاء، ومسير في المقدرات، في القدر. حتقول لي شنو؟ أشرح لك كم حلقة، وبالضبط الإنسان مخير في القضاء، أو مسير في القضاء، لكن هذا القدر الذي أنت مسير فيه، سعته قدر شنو؟ سعته بسعة مشيئة الله، سعة المقدرات هي سعة مشيئة الله نفسها. ما هي الإطار العام؟ هو المشيئة. الموجودات المتشعّبة من خلق الله، القدر هو المقادير التي وضعت بها هذه الأشياء. المقادير، هذه الأشياء، هذا صلب، وهذا سائل، وهذا غاز، وهذا وهذا، هذا سم، وهذا قاتل، وهذا فاسد، وهذا. هذه هي المقدرات، ويجب أن تتحكم فيها بآلية القضاء. فكلما زدت معرفة وزدت علماً، زاد قضاؤك. أحبتي، إلى أن ألتقي بكم في الحلقة القادمة، أترككم في حفظ الله ورعايته. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. [موسيقى]