Transcription
كثيرون في هذا العالم يحرصون على أن يكونوا لطفاء جداً حتى لا يؤذوا الآخرين، ولا تشوه صورتهم أمامهم. كما أنهم يعملون جاهداً على أن يكونوا داخل مقاسات المجتمع الذي نشأوا فيه، دون أن تكون لهم الإمكانية لقول لا، أو لتمرد على بعض الأشياء التي تحتاج الرفض والإدانة. هذا هو اللطف في تصور الكثير من الناس: لطف مرادف للضعف والهشاشة النفسية، والإرضاء، والتوسل.
في حين أن اللطف الحقيقية ليس هو هذا أو ذاك، حينما تحتاج المواقف إلى كثير من الحزم والصرامة. إذا كنت من هؤلاء، أو جزءاً من لطافتهم، فهذا الكتاب مخصص لك، لأنه يدفع عنك هذا الجمود والخمول النفسي، ويحرك فيك الإرادة لتفهم معنى اللطافة بشكل آخر، لا يستغلك فيه الآخرون، أو تتعرض لإهانتهم، أو تتوسل رضاهم بأي حال من الأحوال. لا تكن لطيفاً أكثر من اللازم. بقلم ديوكروبنس.
الناس في عمومها تنزع نحو الكمال في كل شيء، فتعمل جاهدة أن تبدو في مظهر الكمال المطلق، دون أن تراعي شروط الإنسانية، وهي القابلية للخطأ والنقص. نحن محكومون بنقص، ليس لأننا أشرار، ولكن لأن طبيعتنا تحتم علينا ذلك. لهذا، فالظهور بمظهر الكمال منافي لأبسط الشروط البشرية والطبيعية التي تحكم عالم الإنسان.
وقد يتصور البعض بأن مثل هذا الظهور هو تعامل لطيف يعبر عن إنسانيتنا، فيعمل أشياء دون أن يقع في خطأ، أو يخاف من النقد باعتباره هدمًا لكل المنجزات. بينما يجب التركيز في النهاية على العمل، لأن الإنسان مهما كانت جهوده مصبة على كمال الأعمال، فإنه لن يصل بحكم هذه الطبيعة المتأصلة إلا إلى جزء يسير من الكمال النسبي. إن نجاحنا الحقيقي لا يتمثل في الكمال، بل في اللحظات والجهد المبذول، وهذا هو ما يشعرنا بالفخر والخصوصية. وحين نتمكن من إنجاز أعمالنا ومهامنا، نفرح ليس لأن مشاريعنا الفكرية والمهنية اكتملت، بل فقط لأننا عملنا ما في وسعنا للإنجاز، وهذا هو المطلوب.
كذلك الإنسان، حينما تغلب عليه اللطافة المغشوشة، يظن أنه ملزم بالقيام بأعمال خارج طاقته، وأكبر من قدراته، فتراه يعمل جاهداً لساعات طويلة، أو يقوم بأشياء لا يتقنها بغية تحصيل الرضا. وهكذا، فاللطافة المبنية على الإرضاء تسعى بكل جهدها إلى استنزاف الكائن الإنساني، وتفريغه من محتواه الفكري والبدني. نتيجة هذه الأخطاء المتراكمة، ما يجب أن نفهمه هنا هو أن إلزَام أنفسنا بما لا يُطاق من الأعمال يدمر أنفسنا وجهدنا البدنية والفكرية، ويعرض ذواتنا للاستهلاك التام. التوتر الزائد، والتشتت الذهني، واضطرابات النوم والأرق، ونصبح كلاعبي السيرك الذين يقذفون بالكرات في الهواء، لا حول لنا ولا قوة، أو كمن يبحر بسفينة فيها وزن زائد، قد تتعرض للغرق في أي وقت.
اللطافة ليست هي أن نرهق أنفسنا، فهذا نوع من السذاجة غير المطلوبة، لأن حينما نرهقها فسيكون المصير هو الغضب الداخلي وعدم الرضا على المنجز الذي لا يحركه الرغبة والمتعة. الفكرة: النزعة نحو الكمال تشعر الإنسان بالنقص، واللطافة ليست هي تحميل الذات ما لا يُطاق. الإنسان اللطيف يسقط في شراك لطفته، فيتحول إلى لقمة سائغة في يد الآخرين الذين يستغلونه بشكل أبشع مما يتصور.
ومن الصور القبيحة التي يستغلها البعض في الإنسان اللطيف، وتحويله إلى شخصية لا قرار لها، بحيث لا يعبر أو يقول ما يريد. وهنا يتحول الإنسان إلى أداة ووسيلة للإرضاء، يفقد معها شخصيته الإنسانية بالكامل، حيث يجد حرجاً كبيراً في التعبير عما يريد في مختلف الوضعيات والمواقف الاجتماعية. ومن هنا وجب التمرن على إتقان بعض الخطوات العملية لتفادي الانزلاق في فخ قول ما يريده الناس، لا ما تريد أنت. الاعتراف بخطأ هذا السلوك، قرر عدم العودة لهذا الشكل من السلوك، استعن بمساعدة الآخرين.
كذلك يتصور الوهمون باللطافة المشوهة بأنهم إذا كبتوا الغضب، أو لم يعبروا عنه بشكل من الأشكال، فهذا من حظوظ قبولهم لدى الآخرين، وهذا وهم محض. لأن التعبير عن الغضب هو من صميم إنسانيتنا، والغضب في النهاية تفريغ لشحنات سلبية يتعرض لها الإنسان جراء موقف أو سلوك غير مقبول. وعملية كبته فيها أضرار جسدية كما فيها أضرار نفسية. فكلما كبت الإنسان غضباً، كلما أحس بشعور عصبي يجعله يفقد القدرة على التحكم بأعصابه، كما أنه يتعرض لكل أشكال التعذيب النفسي في حالة الاختناق بالذات. اللطفاء مخطئون حينما لا يعبرون عن غضبهم، لأن مثاليتهم ونمط تفكيرهم الذي ينزع إلى فكرة الكمال يجعلهم يفكرون في عدم خدش صورتهم أمام الآخرين أكثر من المحافظة على صحتهم البدنية والنفسية.
والغريب أن هذا الواقع يجانب الصواب، لأن التعبير عن الغضب والصدق فيه يكسبك محاسن أكثر من كتمه في بعض الأحيان، كما أنه يحسن من فرص ربطك بعلاقات اجتماعية متينة طابعها الاستدامة. يعاني الأشخاص اللطفاء بشكل مستمر من الاستغلال والتنمر والهجوم بسبب عدم قدرتهم على الرد في غالب الأحيان. لكن هذا يجعل ردات فعلهم في بعض الأحيان قوية بسبب الضغط الحاصل على نفسياتهم، أو بسبب الشعور الزائد بالاحتقار أو الدهنيه. ولأن الإنسان كائن غريزي أيضاً في بعض جوانبه، فهو خاضع للاندفاع غير المحسوب إذا ما تعرض للهجوم من قبل الآخرين.
هذا الوضع الغريزي والاندفاعي جعل الكاتب ينصح من يعانون منه أو يقابلون الإساءات بحده وقوة، إلى توخي الحذر اللازم في مثل هذه المواقف الصعبة. ولعل أهم ما نصح به هو تعقل لحظة الانفعال، وأن يأخذ الإنسان وقتاً كافياً يمكنه من حدوث حالة من التوازن والاستقرار النفسي. كما ينصح بتفهم بعض المواقف، وألا يأخذها الإنسان بمحمل الجد، أو أن أصحابها يقصدون ويتعمدون الإيذاء. هذه الحالة من الهدوء والروية يمكنها أن تجعل الأطراف الأخرى مستعدة للاستماع إليك أكثر، وتفهم دواعي وأسباب غضبك، وربما عدم العودة إلى السلوك الذي كان أو سيكون مصدراً للغضب.
كذلك مشكلة الإنسان اللطيف المزمنة هي أنه يسعى جاهداً لأن تبقى صورته جميلة لدى الآخرين، حتى لو كلفه ذلك الكثير من الخسائر. وهناك مشكلتان تواجهان هذا النوع من البشر: إحداهما مواجهة الناس بما فيهم ومصارحتهم بما تريد، والثانية أن تحافظ على هدوئك وصفائك عبر المجاملات والحديث المنمق الخالي من كل صدق. ويبدو أن هذا النمط في التفكير راجع أساساً إلى أن الإنسان اللطيف يقع ضحية صورة وهمية تجعله أسيراً للطافة وحب الآخرين. ولو تأمل قليلاً لوجد بأن الصدق أيضاً أساس العلاقات الاجتماعية، فالحقيقة مهما كانت صادمة أو قوية على القلوب الضعيفة، فإنها في النهاية أحسن بكثير من خداع أو علاقة مشوهة قائمة على النفاق الاجتماعي.
وهنا يلزم إعادة ترتيب التفكير من جديد، ليتصالح الإنسان مع ذاته وصورته، ويشكل من جديد علاقة بالآخر أساسها الاحترام وقول الصدق والتعامل بأخلاق الحب والإحسان، بعيداً عن الوهم الذي تحدثه أخلاق النفاق الاجتماعي. فالعيب ليس في الحقيقة، بل في الفكرة التي تقول بأن المجاملة أفضل من الصدق. الفكرة: الغضب الانفعالي يقلص إمكانية التواصل مع الآخر، والصدق في المعاملة أفضل بكثير من أخلاق النفاق الاجتماعي.
في بعض الحالات، يتحول الإنسان اللطيف إلى طفل يوزع النصائح ذات اليمين وذات الشمال، دون مراعاة لأبسط شروط النصح. هذا الأمر يبدو مزعجاً للكثير ممن يحيطون به، على اعتبار أن النصيحة هي سياق يراعي خصوصيات الناس وظروفهم ومكانهم والزمان الموجودين فيه. ولأن الإنسان اللطيف تحركه في الكثير من الأحيان دوافع ساذجة وبسيطة، فإنه لا يقدر مثل هذه الأشياء، مما يخلق نوعاً من النفور من سلوكياته أو نصائحه، ويصعب سبل الاندماج والتواصل بينه وبين أقرب المقربين منه. ولكي يتجنب الإنسان هذا النوع من الصدام الاجتماعي، وجب مراعاة مجموعة من الشروط، نجملها فيما يلي: مراعاة السياق الذي تُقدّم فيه النصيحة، تجنب الأسلوب المباشر والصادم، استعمال أسلوب اللين المقرون بالحجة والدليل، مراعاة الزمان والمكان بالنصح أمام الناس.
كذلك يحتاج الإنسان اللطيف إلى تعامل خاص، لأن اللطف بفعل تراكم والتربية يتحول إلى شكل من أشكال الإدمان المزمن لدى أصحابه. وهذا الإدمان أو الإقبال على هذا الشكل من السلوك البشري يجب أن يُراعى في التواصل معه مجموعة من الشروط. ولذلك، إذا أردنا أن نخرج مثل هؤلاء من هذه الحالة المستعصية، ولم نحسن التعامل، قد تكون النتائج مدمرة على المستوى النفسي، على اعتبار أن محاولة إخراج الإنسان وإنقاذه من إدمانه بشكل تعسفي تؤدي إلى مزيد من انغماسه فيه. وهنا، بدل أن ننقذ الإنسان، نساهم بشكل أكبر في إدامة بقائه هناك دون معين أو معين. لهذا وجب توخي الحذر الشديد، خاصة أثناء التعامل مع مثل هذه النفسيات المصابة بالهشاشة والضعف، ويفضل بدلاً من ذلك التحدث إليهم بعد أن يكتسبوا الثقة في نفوسهم، وألا يتم إحراجهم أمام الناس، إلى غاية توفر الظروف الملائمة لاقلاعهم عن هذا السلوك الخطير على نفسياتهم. الفكرة: اللطافة الزائدة نوع من أنواع الإدمان، والنصح بشكل مباشر يُنفر الإنسان أكثر مما يُرغبه.