📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

بين الايمان و الالحاد - 19 - ( تعدد المشيئة - 3 ) - مع المفكر ياسر العديرقاوي

OKAB TV12:52

Transcription

[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. الأخوة الكرام، طابت أوقاتكم بكل خير. نستانف الحديث حول تفرعات لفظ المشيئة في القرآن الكريم. وذكرنا من قبل، وسنذكر مجدداً، أنه لا يمكن الإحاطة به من خلال حلقات محدودة، وإنما الأمر يحتاج إلى فريق بحثي يبدأ هذه القضية، ويجمع كل الآيات التي ذكرت فيها المشيئة والإرادة. وبالتالي يكون التوصل إلى نتائج قد تعالج الكثير جداً من المشاكل المعقدة، خاصة في هذا الزمن الذي يعاني فيه الشباب من شح الأسئلة الموضوعية والمنطقية التي يجب أن تكون منضوية تحت كتاب الله سبحانه وتعالى.

تحدثنا عن المركب اللفظي "من يشاء"، وقلنا إن التفعيل فيه يكون من العبد. سردنا الآيات، ثم دلفنا إلى "كيف يشاء" و"ما يشاء"، وذكرنا أنها مشيئة للعبد داخل إطار مشيئة الله سبحانه وتعالى. والآن نأتي إلى تفرع ثالث، وهي كلمة "يشاء الله". هنا ذكر الله سبحانه وتعالى مع كلمة "يشاء"، حسم الأمر على أن المشيئة هنا مشيئة الله، ولا دخل للعبد فيها. وعندما أقول "لا دخل"، لا أنفي عن دور الإنسان في هذه المشيئة أصلاً. كلمة "مشيئة"، حيثما وجدت كلمة "مشيئة"، فاعلم أن هنالك دور أنتَ ينتظرك. ولكن هل دورك يمكن أن يغير في النتيجة، أم أنه يمكن أن يغير في المحتوى؟ هذا أمر يخضع للدراسة، ونحن الآن بصدده، وبصدد تفكيكه ودراسته.

فعندما يأتي المركب "يشاء الله"، ذكرنا أن المشيئة هنا لله. قال تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله﴾. وبالتالي هذه الآية تمنع وتنحى عن أي شخص يقوم بادعاء والقطع على سبيل اليقين أنه سينشئ شيئاً في المستقبل غداً. وعندما نقول "شيئاً"، إنه قابل للتفعيل، وليس الأمر مجرد إنشاء الرغبة والتوجه والقصد. "ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً"، يعني ما تقول: "أنا هامشي القاهرة، وماشي دبي عشان أكون شركة"، وتنسى أن هذا الأمر يخضع، لا بد أن يكون ضمن مشيئة الله، أي قوانينه وأنظمته، السنن الكونية. "إلا أن يشاء الله". وبالتالي أنت الذي تفعل الأسباب: دراسة جدوى، دراسة السوق الذي ستقيم فيه الشركة، الفئة المستهدفة من الناس، القوة الشرائية، الوسط اللي أنتَ حتعمل فيه، الطاقم الإداري، الذي كل هذا هو تفعيل لرغبتك الأولى في إنشاء الشركة. فرغبتك في إنشاء شركة، هذه إرادة. وعندما تسلك الأسباب الموضوعية التي تقع ضمن أسباب الله، هنا يحق لك أن تفعل مشيئتك، ولكن لا تقول لشيء إني فاعل ذلك غداً، وتنسى أنه لا بد أن يكون بمشيئة الله سبحانه وتعالى.

قال تعالى: ﴿ولو أن قرآنًا سير به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلّ من به الموتى، بل لله الأمر جميعًا، أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا﴾. طيب، يجي الملحد يقول لك: "قادر يهدي الناس جميعاً، ما يهديهم". طيب، هنا يا جماعة، "لو" التي تفيد الامتناع، امتناع وجوب الحدث، يقول لك: "لو عملت كده ما كان عملت كذا". ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا﴾. فالسؤال: ليه ربنا ما هدا الناس جميعاً؟ انتهى المشروع من الابتلاء، انتهى المشروع من الابتلاء. لو ربنا يهدي الناس جميعاً، أو يجعلهم مبرمجين على الطاعة كالملائكة، إذًا ما كانت لهم قيمة. هو أصلاً من أين جاءت قيمة الإنسان على الملائكة؟ يا جماعة، لما نقول: "الإنسان أعظم في خلقه عند الله من الملائكة"، هذا الكلام ليس ادعاءً، وليست عاطفة إنسانية مني، هو الذي: ﴿وَسَجَدَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ سجدت لكَ. لماذا أمر الله الملائكة بأن تسجد لآدم؟ ليس سجدت لكَ، وهم لا يفترون، لا يسامون من عبادة الله والتسبيح والحمد، ومنهم من يقضي عمره كله سجدة لله واحدة. طيب، الملائكة خليك أنتَ تكون أعظم منهم شنو؟ بخليك أنتَ يا ما في داعي يا أسيل! أنتَ اللي بتخليك تكون أعظم من الملائكة وتفعل السبعه زي ما يقولوا، تخرب، تظلم. وبعد ده الحال، أنتَ يجب أن تكون أعظم من الملائكة. لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى امتحنك في في الحرية، واختيار الصالح من الطالح، والسيء من المصلح، والخير من الشر، والهداية من الضلالة. فالملائكة التي اختارت خدمة الملا الأعلى جبلت على الطاعة ببرمجة، وبالتالي ما عندها إمكانية ذاتية. أنا لما نبرمجك على حاجة، وين وين قدرتك أنتَ؟ باختصار، وين فلاحتك أنتَ؟ وهنا إشارة لمن يدعي أن السنة النبوية كل قول أو فعل أو إقرار صدر عن النبي عليه الصلاة والسلام هو وحي، ويفسر قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾. يتخيل أنك أي كلمة صدرت عن النبي هي وحي. هل هذا يعظم النبي أم يقلل من قيمته؟ العكس! إن تحولت إلى روبوت، وين الدولة الفعلية للنبي؟ وين عظمته؟ وين علمه ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيماً؟ أين إمكانياته الذاتية؟ لو تتصور النبي بهذه البساطة، ينتظر إذا كان يريد أن يشرب كوباً من القهوة ومن الشاي، ينتظر الوحي حتى يكلم زوجته بأن تصنع له شيئاً، إن تقول: "إن السنة هي كل قول"، وكل تفيد صيغ العموم. أين قدراته الذاتية؟ أين قدراته الذاتية وعظمته التي جعلته في غضون 23 سنة يؤسس لأضخم دولة ستسود العالم؟ هل لكل كلمة من الوحي؟ طيب، الا يستطيع هذا الدور طالب في الإعدادي؟ طالب في الإعدادي لما يقول لهم: "ما تتكلم"، إلا يجيك وحي! أنتَ عملت دورك الذاتي هو شنو؟ أبداً يا جماعة! هذا هذه المفاهيم يجب أن نتخلص منها.

وقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾، قد أطلنا فيه الكلام، وما لم تقل، وما نطق عن الهوى. وكلمة "ينطق" عندما جاءت هنا بالفعل، لنسميه المضارع، تفيد تخصيص قضية معينة. الموضوع هنا ما كان ينطق به الرسول من الوحي، لأن الآية في الأساس لتخاطب المشركين مكة، لا تخاطبنا نحن. ما ظل صاحبكم وما غوى، ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾. هذه الآية مقدمة لتذكر حدث عظيم، أن ما كان يقوله النبي لمشركي مكة ليس ادعاءً من عنده، وإنما هو وحي من السماء، وهي قضية تدشين الوحي. ذكرت في الحلقات الفردية أن سورة النجم هي تدشين الوحي الإلهي، هو أول تدشين للوحي الإلهي، وأن الالتقاء لم يقم مع جبريل، ﴿علم شديد القوى، ذو مَرَّةٍ فاستوى﴾. ليس هذا جبريل، الآيات لا تصف جبريل، وإنما تصف رب العزة. لأن جبريل ذو قوة عند ذي العرش في مكين، بينما الذي تنزل ﴿شديد القوى﴾، جاءت القوة جمع ومعرفة. وهذا الكلام قد أصدنا فيه، نرجع إلى ما نحن فيه، واعذروني على هذه التخريم أو التعريه كما نسميها. ﴿ولو أن قرآنًا سير به الجبال أو قطعت به الأرض أو كل من به الموتى، بل لله الأمر جميعًا، أو فلم ييأس الذين آمنوا إلا يشاء الله لهذا الناس جميعًا﴾. لو أن الله هدى الناس جميعاً، أو جعل نمط، شوف "يشاء" ما هنا مشيئة. لو أن الله جعل أنظمة السنن الكونية وقوانينها قائمة على الهداية فقط، لاصبحنا نحن مبرمجين كالملائكة، ولا انتفت الحكمة من المشروع. وإن الإنسان ما بين التسيير والتخييم، يجب أن يتعرف إلى الله سبحانه وتعالى، وبالتالي يقول: "أعظم قدراً من الملائكة". ﴿ما كان لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلَكِ﴾، من ربنا يقول: ﴿كَذَلِكَ كَدْنَا لِيُوسُفَ﴾. طبيب يقول لك: "ربنا بيكيد". أنت عارف الكيد هو لكن أي في خداع، في كيد يخادعون الله، والله خادعهم. ﴿وكَذَلِكَ كَدْنَا لِيُوسُفَ﴾. لكي سياتي هذا في برنامج الدلالات. ﴿ما كان لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلَكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، بمعنى لن يستطيع يوسف أن يأخذ أخاه إلا أن يشاء الله، إلا وفق القوانين التي ارتضاها الله سبحانه وتعالى في التدبير إلى الخير. ما هو الله خير الماكرين؟ ماذا قال الله: "أنكر الماكرين". لما يقول لك: "يمكرون والله خير الماكرين"، المفترض يقول لك: "والله أسوأ الماكرين". يعني أنتَ عاوز تنكر الله، أنكر منك المفهوم ما كذا. والله خير الماكرين. المكر هو التدبير الخير، لذلك قال: ﴿ما كان لِيَأْخُذَ خُوفًا فِي دِينِ الْمَلَكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. لو لا هذا التدبير الذي قال يوسف بأن يحظى بأخيه، عندما جعل السقاية والقصّة تطول، ما كان ينبغي له أن يفعل ذلك إلا وفق مشيئة الله سبحانه وتعالى.

﴿وَلَوْ أَنَّا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ، وَلَوْ أَنَّا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا، مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾. ما كان ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله، ولكن أكثرهم يجهلون. إذًا عندما نقول: "لو شاء الله لهداكم أجمعين"، إنه نمط الذي يكفل الحرية الإنسانية، ما بين التسيير والتأخير، لم يكن على نمط واحد. ولذلك في آية أخرى يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. ومفهوم أمة يعني المنهج. لو شاء، لو اقتضت مشيئة الله وفق الأسباب والمسببات، وأنظم السنن الكونية أن يجعل الناس على نهج واحد، لانتفت الحكمة من المشروع الإلهي.

أحبتي، في الحلقة القادمة سأقف معكم على آية واحدة، يعني الحلقة القادمة ستكون عن آية واحدة فقط، وهذه الآية دار فيها جدل كبير من على الوسائط، خاصة تطبيق الكلوب هاوس في الستة أشهر الماضية، ووقع فيها خلط كبير جداً على أن المشركين الذين سيحتجون يوم القيامة لله، هل الله شيع لهم الشرك؟ يعني الشرك قوانين ربنا شيّق ولا لا؟ لأنهم قالوا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾. هل هم كاذبون أم أنهم صادقون في ادعائهم؟ إلى أن نلتقي، أترككم في حفظ الله ورعايته، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. [موسيقى]