Transcription
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا. وأصلي وأسلم على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وحبيب رب العالمين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.
سبحانك يا ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا، فنسألك أن تعلمنا وأن تزيدنا علما، وأن توفقنا للعمل بما علمتنا يا أرحم الراحمين.
لا نزال في تفسير سورة ياسين، ووصلنا إلى قوله تعالى: "تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ بِقَوْمٍ مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ". وبيّنا معنى ذلك، ما العلة من إنزال هذا القرآن الحكيم؟ ما الحكمة من ذلك؟ بيّنها ربنا سبحانه وتعالى في قوله: "لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ".
هذه اللام في قوله تعالى "لتنذر قوما" هي لام كي، أو يقال لها لام التعليل، أي أن العلة من إنزال القرآن الحكيم عليك أن تنذر هؤلاء الأقوام، أن تخوفهم عذاب الله تعالى إن لم يؤمنوا. "لتنذر" العلة إنذارهم. ما معنى الإنذار؟ الإنذار معناه التخويف. ونبينا عليه الصلاة والسلام إنما بعث مبشرا ونذيرا، ولم يبعث عليه الصلاة والسلام نذيرا فقط، وإن كان ربنا عز وجل في هذا الموضع ذكر الإنذار، إلا أنه لا ينتفي عنه صلى الله عليه وسلم في الوقت نفسه أنه مبشر، بشر من آمن بالجنه، ومنذر أي مخوف من أبى الإيمان بالنار والعذاب الأليم.
"لتنذر قوما أرسلت فيهم ما أنذر آباؤهم". القضية ها هنا في "ما". ما معنى "ما"؟ الأصل في "ما" أنها نافيه، تنفي. تقول مثلا: ما أكلت اليوم، ما شربت البنة، ما نمت منذ طلوع الفجر. تنفي عن نفسك الأكل والشرب والنوم. بما التي تفيد النفي، فإذا قلنا إن "ما" ها تفيد النفي، فيكون معنى الآية أن قريشًا لم يأتهم قبل نبينا عليه الصلاة والسلام نبي أو رسول منذر لهم، ما جاءهم قبله عليه الصلاة والسلام نذير. ولهذا ربنا عز وجل يقول في موضع آخر: "وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ". وما أرسلنا إليهم إلى مكة وأهلها قبلك من نذير. فتفسير "ما" بكونها نافيه منسجم مع هذه الآية أيضًا: "وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ". فكانوا أهل جاهلية، ولذلك سموهم أهل جاهلية، لماذا؟ لأنه لم يكن فيما بينهم نبي أو رسول. هذا إن حملنا "ما" على أنها نافيه، فكان نبينا عليه الصلاة والسلام أول نبي بعث فيهم ومنهم، فيهم ومنهم، يبشرهم بالجنه وينذرهم بالنار.
أما إذا قلنا "ما" هنا بمعنى اسم الموصول، أي الذي، فيكون معنى الآية: "لتنذر قوما الذي أنذر آباؤهم". أي أنت بعثت فيهم لتنذرهم كما أنزل زر النبيون والمرسلون آباءهم الأقدمين، لا آباءهم الأقربين. من هم آباؤهم الأقدمون؟ يعني يرجع النسل إلى مئات الأجداد قبلهم. فيكون معنى هنا معنى "ما" ها هنا الاسم الموصول الذي هو الذي، "لتنذر" مثل الذي أنذر آباؤهم، "فهم غافلون". فنزارتك مثل الذي أنذر به آباؤهم الأقدمون، لأن كل الأنبياء أحبابنا بعثهم الله تعالى مبشرين ومنذرين. فأصل دعوة كل الأنبياء واحدة، أصل دعوة كل الأنبياء دعوة دعوة واحدة، دعوة الناس إلى الإيمان بالله ربًا، وإلى العمل الصالح، وإلى الأخذ بأسباب السلامة والتوقي من النار. كل الأنبياء دعوا الناس إلى توحيد الله وأن لا يشرك به شيء، وأن لا يعبد أحد سواه، وأن الأنبياء صادقون، وأن ربنا الذي بعث الأنبياء موصوف بصفات الكمال اللائقة به سبحانه، فهو القادر الذي لا يعجزه شيء، العالم الذي لا يغيب عن علمه معلوم، السميع البصير، الحي بسمع وبصر وحياة لا تشبه سمع وبصر وحياة أحد من خلقه، وأنه سبحانه وتعالى خالق وهو غني عن سائر خلقه. كل هذا دعا إليه كل أنبياء الله.
"فهم غافلون". يعني غافلون. الغفلة ما معناها؟ يعني يأتيك الشيء إلى قلبك ثم تنساه، تنساه فلا تعود تتذكره البته. غفلت عنه، غفلت عنه. ربنا عز وجل وصفهم بأنهم غافلون، أي غافلون عما أريد لهم، يعني عما يحب الله عز وجل لهم في الإيمان. لم يؤمنوا، غافلون عن الإيمان الذي يحبه الله عز وجل لهم، وغافلون عن عقوبة تركهم الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فهم في غفلة، والغفلة موت القلب. الغفلة موت القلب. نسأل الله السلامة.
"لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ". حق القول أي ثبت القول، ثبت حكم الله عليهم، ثبت ووجب حكم الله عليهم. "لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ". لماذا قال على أكثرهم؟ لأن منهم من آمن. لأن منهم من تبع الرسول صلى الله عليه وسلم. لذلك ربنا عز وجل قال: "بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ". لا يؤمنون لماذا؟ لأن الله تعالى أعمى قلوبهم وجعل على أبصارهم غشاوة، فلم يهتدوا لأسباب الإيمان. وربنا عز وجل يعلم أن أبا لهب لن يؤمن، الله يعلم بعلمه الأزلي أن أبا لهب لن يؤمن، وأن أبا جهل لن يؤمن، عمرو بن هشام، وأن عتبة بن ربيعة لن يؤمن، وأن أمية بن خلف لن يؤمن، وأن أبي بن خلف لن يؤمن، وأن الوليد بن المغيرة لن يؤمن. يعلم بعلمه الأزلي أنهم لا يؤمنون.
فأظهر الله سبحانه فيهم ما سبق في علمه الأزلي، جعل لهم اختيارًا وجعل لهم إرادة، ورأوا المعجزات بأم العين التي لمثلها ينبغي أن يؤمن القلب المتيقظ. ولكن ما الذي حجزهم عن الإيمان؟ حجزهم عن الإيمان غفلتهم. فحق القول عليهم من الله سبحانه وتعالى أنهم لا يؤمنون، فظهر ما سبق في علم الله عز وجل فيهم من عدم الإيمان.
يعني انظروا أحبابنا، هذا شيء يعني ينبغي أن نتنبه له. أبو لهب أنزلت في حقه سورة كاملة، أليس كذلك؟ وكان مأمورًا بالإيمان، كان يدعوه صلى الله عليه وسلم ليؤمن، وأبو لهب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنزل الله سبحانه وتعالى في أبي لهب سورة كاملة تتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وفيها بيان خسران أبي لهب، أليس كذلك؟ "تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ". "تَبَّتْ". التباب والتتبيب هو الخسران. معناه سمع أبو لهب هذه الآيات وعرف أنه في خسران وفي تتبيب في حكم الله سبحانه. لم يقم أبو لهب ليقول: أنا أؤمن، أنا أشهد أن لا إله إلا الله، أن محمدًا رسول الله. هل قالها؟ ولو قالها لالتبس الأمر على الناس. لو قالها هو لم يقلها، لكن لو قالها، أليس كان يلتبس الأمر على الناس؟ ربنا يقول: هو في النار في تتبيب في خسران. سيصلى نارا ذات لهب. ثم هو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. أليس لو قالها لأدى إلى التباس الأمر على الناس؟ بلى. لكن ما الذي منعه من أن يقولها؟ ربنا سبحانه وتعالى ختم على قلبه وختم على بصره، فلم ينطق بها. وهذا الذي سيأتي معنا أحبابنا بعد قليل من قول الله سبحانه وتعالى: "إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ".
"إِنَّا جَعَلْنَا". "إِنَّا" يعني الله سبحانه وتعالى. يعني الله. ولكن للتعظيم. ربنا سبحانه وتعالى يقول: "إِنَّا". هذه صيغتها صيغة جمع، لكن هذا الجمع يراد به التعظيم. المعظم نفسه. بدل أن يقول: إنني، يقول: "إِنَّا". والله تعالى أهل لكل تعظيم يليق به، يليق به سبحانه. "إِنَّا جَعَلْنَا". إذا من الذي جعل في أعناقهم أغلالا؟ ربنا. الله يقول: "إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا". الحقيقة أنه لا يوجد غل على أعناقهم. ما هي الأغلال؟ الأغلال جمع غل بضم الغين، والغل هو الصفد والأصفاد. الأغلال الأصفاد. والغل الصفد. ما معنى ذلك؟ معناه تجعل أيديهم إلى أعناقهم هكذا، وترفع أذقانهم، فأبصارهم لا تكون إلى جهة سيرهم، بل تكون أبصارهم مرتفعة. أحيانًا يجعل على عنق الإنسان حديدة، حديدة ترفع ذقنه. هذه غل. هل كان أبو لهب في عنقه غل حقيقة؟ لا. هل كان في عنق أبي جهل غل حقيقة؟ لا. طيب كيف يقول ربنا عز وجل: "إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا". هذه الأغلال مجاز وتمثيل، وليست حقيقة. تمثيل ومجاز عن ماذا؟ عن عدم إيمانهم وعدم رؤيتهم للحق. لأن الذي عنقه مغلول يكون رأسه إلى جهة أعلى، فلا يبصر. قد فهم بما أنهم لا يبصرون الهدى ولا يرون الإيمان، إيمانًا، بل يرون الإيمان باطلاً، فحالهم في التمثيل كحال الذي في عنقه غل. تجمع على أغلال.
"فَهُمْ مُقْمَحُونَ". ما هو المقمح؟ المقمح الذي جعل على عنقه حديدة ربطت رأسه عن التحرك، منعته من التحرك، ثم هو لا يرى ما قدام طريقه. هذا الإقحام أو الإقماح. قصدي يقول: "فَهُمْ مُقْمَحُونَ". ربنا عز وجل هو الذي جعل لهم هذه الأغلال المعنوية، ليست أغلالا حقيقية، إنما هي أغلال معنوية على معنى أن الله عز وجل لم يشرح صدورهم للإيمان، فلم يلج ولم يدخل الإيمان إليها. لأن الله لم يشأ ذلك. أليس الله هو الذي يقول: "إِنَّا جَعَلْنَا". من الذي جعل؟ ربنا عز وجل. إذا الله عز وجل لم يشأ لهم الإيمان. الله تعالى شاء الإيمان ولم يشأ لآخرين الإيمان. الله تعالى له أن يفعل ما يشاء. والذين لم يؤمنوا له سبحانه أن يعذبهم في النار، لأن لهم اختيارًا. لهم اختيار، وعلم الله تعالى في الأزل أنهم يختارون الكفر وشاءه منهم في مشيئته الأزلي. أبو لهب، الله علم أنه سيموت كافرًا ومات كافرًا. نعم، جاءه نبي الله يأمره بالإيمان، فاختار أبو لهب بإرادته، اختار أن يبقى على الكفر، فنفذ فيه ما سبق في علمه أنه يكون. انتبهتم يا أحبابنا؟ الله عز وجل يقول: "وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا". الله يقول: لو شئنا، لو شاء الله لأتى كل نفس هداها، لهدى كل الناس. لكنه لم يشأ، بدليل ما في الآية أيضًا: "وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ". ما سبق في علم الله أنه لن يؤمن، لا بد أن يموت كافرًا وسيلقى عذابه. تقول لي: كيف يعذبه مع أن الله سبحانه وتعالى هو الذي شاء كفره؟ أقول لك: الله جعل له اختيارًا. الإنسان هل هو مثل الريشة في مهب الريح تتلاعب بها الرياح يمنة ويسرة ولا إرادة لها ولا اختيار؟ الإنسان مثل الريشة؟ لا. أنتم في حد ربطكم بالسلاسل والأغلال وجاء بكم إلى صلاة العصر لتحضروا هذا الدرس؟ لا. أليس باختياركم أتيتم؟ باختياركم أتيتم. وجهتم قصودكم وإرادتكم نحو المجيء، فجئتم على الاختيار. يعذب الله سبحانه وتعالى. أبو لهب اختار الإيمان؟ اختار الكفر؟ يعني فعذبه الله تعالى على اختياره، فنفذت فيه مشيئة الله الأزلي. الله علم أنه لن يؤمن. ربنا سبحانه وتعالى يقول: "أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ". "أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ". لم يرد الله، لم يشأ أن يطهر قلوبهم. بل أراد أن تبقى قلوبهم فيها الكفر والفجور والعصيان. نسأل الله السلامة.
لذلك، من وفق للإيمان والعمل الصالح، فليحمد الله، لأن الله هو الذي امتن عليه بذلك، لا بحولك ولا بقوتك، لا بحولك ولا بقوتك، إنما الله هو الذي وفقك للإيمان فآمنت. أعطاك الله أعظم نعمة دنيوية، ما هي أعظم نعمة دنيوية؟ أن تؤمن بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم. فمن وفق لهذا فليحمد الله. ومن خذل، والخذلان ضد التوفيق، فلا يلومن إلا نفسه. لا ينبغي أن يلوم الله، لأن الله تعالى أظهر من هذا الكافر ما سبق في علمه أنه يكون عليه حال هذا الكافر. لذلك ربنا عز وجل يقول: "خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ". ختم الله. من الذي ختم على قلوبهم؟ الله. ما معنى الختم؟ معناه قلب فيه الكفر، لا يخرج الكفر منه، ولا يدخل فيه الإيمان. هذا معنى الختم، كأنه شيء محكم مختوم، محكم إغلاقه، لا يخرج منه الكفر ولا يلج إليه الإيمان. من الذي ختم على قلوبهم؟ الله. لذلك من وفق للإيمان فليحمد الله، ومن خذل فلا يلومن إلا نفسه، لأن الله عز وجل أظهر ما سبق في علمه أنه يكون عليه حال هذا الإنسان الكافر.
"إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ". "فَهِيَ" الضمير "فَهِيَ" راجع على ماذا؟ على الأيدي. أليس قال: "فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا". "فَهِيَ" يعني الأيدي تغل إلى الأعناق. "فَهُمْ مُقْمَحُونَ". الله يؤكد هذا. ما سيأتي بعد قليل. قال ربنا عز وجل: "وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ". من الذي جعل بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا؟ ربنا عز وجل. الله يقول: "إِنَّا جَعَلْنَا ذَلِكَ".
"وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا". هل كان أبو لهب حين يمشي في أزقة مكة يكون أمامه سد، جدار، وخلفه جدار؟ كيفما توجه؟ لا. هذا أيضًا تمثيل لموانع منعتهم من الإيمان. تمثيل لأهل الحقيقة، وليس ثمة سد حقيقي أمامهم ولا خلفهم. لكن هذا مجاز عن موانع منعتهم من الإيمان. ما هي هذه الموانع؟ عدم توفيق الله تعالى لهم، لذلك، وغفلتهم، واختيارهم الكفر، والإباء عن اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام والإيمان به.
"وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا". يعني من أمامهم سدًا. ومن خلفهم سدًا. طيب، هذا الذي إذا نظر جهة أمامه لا يرى إلا هذا السد، هل سيستطيع أن يبصر أسباب الإيمان والاهتداء؟ ولو رأى المعجزات، هل تقع المعجزات في قلبه موقع القبول؟ لا. ليش؟ لأن أمامه وبين يديه سد. فإذا التفت إلى جهة وراء، سيرى سدًا. ما معنى نظره بين يديه؟ ما معنى السد الذي بين يديه؟ أنه لا يرى أسباب الإيمان والاهتداء. أبو لهب وأبو جهل، رأيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم معجزات. رأيا انشقاق القمر. هدا من يعني منه شيء يعني يذكر لم يكن له حقيقة في الواقع. القمر انشق شقًا حقيقيًا، شق منه فوق رأس الجبل، وشق منه دون ذروة الجبل، فرآه الناس معجزة لرسول الله. ذكرها ربنا عز وجل في القرآن فقال: "اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ". حنين الجزع، نبع الماء من بين أصابعه، عرفوه، عرفوا به. ما الذي منعهم من أن يؤمنوا مع هذه الخوارق للعادات؟ هذا السد المعنوي الذي بين أيديهم. قلوبهم غافلة، قلوبهم مقفلة، فلم يروا صدق النبي عليه الصلاة والسلام مع وجود الدواعي لتصديقه. ما هي هذه الدواعي التي تبعثنا على تصديقه؟ المعجزات التي أظهرها الله على يديه.
"وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا". ومن خلفهم سدًا. طيب، هذا الذي إذا نظر جهة أمامه لا يرى إلا هذا السد، هل سيستطيع أن يبصر أسباب الإيمان والاهتداء؟ ولو رأى المعجزات، هل تقع المعجزات في قلبه موقع القبول؟ لا. ليش؟ لأن أمامه وبين يديه سد. فإذا التفت إلى جهة وراء، سيرى سدًا. ما معنى نظره بين يديه؟ ما معنى السد الذي بين يديه؟ أنه لا يرى أسباب الإيمان والاهتداء. أبو لهب وأبو جهل، رأيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم معجزات. رأيا انشقاق القمر. هدا من يعني منه شيء يعني يذكر لم يكن له حقيقة في الواقع. القمر انشق شقًا حقيقيًا، شق منه فوق رأس الجبل، وشق منه دون ذروة الجبل، فرآه الناس معجزة لرسول الله. ذكرها ربنا عز وجل في القرآن فقال: "اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ". حنين الجزع، نبع الماء من بين أصابعه، عرفوه، عرفوا به. ما الذي منعهم من أن يؤمنوا مع هذه الخوارق للعادات؟ هذا السد المعنوي الذي بين أيديهم. قلوبهم غافلة، قلوبهم مقفلة، فلم يروا صدق النبي عليه الصلاة والسلام مع وجود الدواعي لتصديقه. ما هي هذه الدواعي التي تبعثنا على تصديقه؟ المعجزات التي أظهرها الله على يديه.
"وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا". ومن خلفهم سدًا. لأنهم لم يعتبروا بما مضى قبلهم من الأمم. لم يعتبروا. بلغهم، بلغ كفار مكة ما حل بقوم نوح حين أبوا أن يؤمنوا بنوح. يعني كفار مكة، كفار العرب، يعرفون أن هناك نبيًا ورسولًا اسمه نوح جاء الناس فدعاهم إلى توحيد، فأبى أكثر الناس إلا كفورًا. لم يصدقوه، لم يؤمنوا به، لم يؤمن به إلا نحو من ثمانين شخصًا. ما أنه كم سنة دعاهم؟ ألف سنة إلا خمسين. لا إله إلا الله. ألف سنة ليلاً ونهارًا، سرًا وجهارًا، استعمل معهم طرقًا عديدة في دعوتهم للإيمان، لم يؤمن من قومه إلا أقل من مائة. الحاضرون هنا أكثر من مائة وخمسين. سبحان الذي وفق للإيمان وهدى. هم يعرفون أن عقوبة هؤلاء الذين أبوا أن يؤمنوا بنوح أن أغرقهم الله تعالى بالطوفان. هم يعرفون هذه العقوبة، لكن لم يعتبروا بهذه العقوبة، كأنهم لا يعلمونها، كأنهم لا يعلمونها. يعلمون ما حل بفرعون الطاغية حين دعاه نبي الله موسى وهارون إلى الإيمان. هذا من تسلطه وتجبره، كان يقول للناس: أنا ربكم الأعلى. ومن الناس من كان يعبده ويسجد له ليل نهار. فأظهر الله تعالى خزيه وذلته في الدنيا، فأغرقه، وله في يوم القيامة نار جهنم يدخلها. أم قوم، وبئس الورد المورود. يعرفون، يعرفون ماذا حل بالأقوام قبلهم من العقوبات والعذاب. يعرفون أن جبريل عليه السلام صاح بأقوام فتقطعت قلوبهم في صدورهم. رفع أقوامًا بريشة من جناحه حتى حازت السماء الأولى، ثم قلب فكانت بيوتهم قبورهم. كانت بيوتهم قبورهم. هذه التي قال فيها ربنا عز وجل: "وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَهْوَى". والمؤتفكة أهوى، سميت المؤتفكة لأنها أُفِكَتْ، قلبت. أمم. يعرفون هذه العقوبات التي نالت من لم يؤمن بالله. فكانهم مع علمهم بهذه العقوبات، كانهم لا يعتبرون ولا يتعظون. لذلك ربنا عز وجل قال: "وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا". قوله: "وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا". هذا لبيان أنهم يعرفون العقوبات التي مرت على أناس كفروا بالله ولم يعتبروا، كأنهم لم يعرفوها. كان بين كان فوق خلف ظهورهم سد.
"فَأَغْشَيْنَاهُمْ". ما معنى "فَأَغْشَيْنَاهُمْ"؟ أي فأعميناهم. أصل الغشي التغطية. أصل الغشي التغطية. تقول مثلا: أغشى الليل النهار، يعني غطى الليل بظلمته ضوء النهار. أصل الغشي التغطية. هنا المقصود بـ "فَأَغْشَيْنَاهُمْ" أي فأعميناهم. "فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ". هل كان الكفار عميانًا حقيقة؟ لا. هل كان كفار مكة، أبو لهب وأبو جهل ومن ذكرت من أسماء قبل قليل وغيرهم الكثير، هل كانوا عميانًا في أبصارهم؟ لا. لا. إذا هذه الغشاوة التي جعلها الله تعالى على أبصارهم ليست ليست ليست عمى حقيقيًا، إنما هو غطاء معنوي منعهم من رؤية الحق حقًا على جهة الأخذ به والقبول به. لذلك نبينا عليه الصلاة والسلام يقول: "الهوى يعمي ويصم". الهوى يعمي ويصم. آه، لأن الهوى إذا تمكن من القلب، يصير الإنسان كأنه أعمى لا يبصر، وكأنه أصم لا يسمع. لا يسمع الحق على جهة القبول والأخذ به.
"وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ". "وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ". يعني أنت يا محمد صلوات ربي وسلامه عليه، مأمور بأنذارهم، مطالب بذلك. هذه وظيفة النبي من الأنبياء أن يخوف قومه وأن يخوفهم عذاب الله إن لم يؤمنوا، وأن يبشرهم بالجنه إن آمنوا. هنا ربنا عز وجل يقول: "وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ". لا يؤمنون. لماذا لا يؤمنون؟ يعني والكلام عن الذين لم يؤمنوا، لا عن الذين آمنوا. لنفهم أن هؤلاء هم الذين لم يرد الله سبحانه وتعالى لهم الإيمان، فمهما أنذرتهم ومهما خوفتهم، سواء تركت إنذارهم أو بالغت في إنذارهم، سيان بالنسبة إليهم، لماذا؟ لأن الله تعالى لم يشأ لهم الإيمان. لذلك الإيمان بالقدر من أركان الإيمان الستة. ستة من أركان الإيمان الستة أن تؤمن يقينًا غير شك أن كل ما يقع في الكون إنما يقع بمشيئة الله الأزلي وتقديره الأزلي، على حسب علمه سبحانه وتعالى أنه يكون. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام لجبريل حين سأله عن الإيمان: "وأن تؤمن بالقدر خيره وشره". أن الخير بتقدير الله، والشر بتقدير الله سبحانه وتعالى. لا فرق بينهما من هذه الحيثية. لكن ربنا سبحانه وتعالى أمر بالخير ولم يأمر بالشر. يحب لنا الخير، ولا يحب لنا الشر، يرضى لنا الخير ولا يرضى لنا الشر، وإن كان الخير والشر كلاهما بتقدير ومشيئته سبحانه. لذلك هؤلاء الذين كتب الله تعالى وشاء أن لا يؤمنوا، سيان أنذرتهم أو لم تنذرهم. انتفعت بإنذارهم؟ ليش؟ وين المنفعة؟ المنفعة أن النبي عليه الصلاة والسلام فعل الذي أمره به ربه. هذا شيء. وين المنفعة الثانية من الإنذار، وإن كان علم الله أنهم لن يؤمنوا؟ أين المنفعة الثانية؟ أن الله أقام الحجة عليهم. أقام الحجة عليهم. لو لم يرسل الله تعالى رسولًا لهم، تخيلوا هذا الأمر يا أحبابنا حتى تفهموا الإشكال. لو لم يرسل الله تعالى لهم رسولًا، لقال الناس، لقال أهل مكة في يوم القيامة: لو أرسلت لنا رسولًا لكنا اتبعناه وآمنا به. لذلك أرسل الله تعالى لهم رسولًا وأنذرهم هذا الرسول، وهو يعلم أن قسمًا من هؤلاء لن يؤمنوا، ليش؟ لتقوم الحجة عليهم. ما هذا لهم عذر في يوم القيامة؟ أرسلت لكم رسولًا، أنتم نأيتم بأنفسكم عن الإيمان به.
طيب، اليوم إن شاء الله تعالى نقف هنا حتى لا نطيل عليكم، وتبقونا مع التركيز، الله يكرمكم دنيا وآخرة. هذا وقتنا بس.